صفحة 15 من 22 الأولىالأولى ... 5111213141516171819 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 211 إلى 225 من 328

الموضوع: القرآن بحر الحقائق ومنبع الدقائق فى علم التوحيد

  1. #211
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,316
    { وَهُوَ ظ±لَّذِي خَلَقَ ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضَ بِظ±لْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ ظ±لْحَقُّ وَلَهُ ظ±لْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ظ±لصُّورِ عَظ°لِمُ ظ±لْغَيْبِ وَظ±لشَّهَظ°دَةِ وَهُوَ ظ±لْحَكِيمُ ظ±لْخَبِيرُ }

    قال الرازى

    واعلم أنا ذكرنا في هذا الكتاب الكامل أنه سبحانه ما ذكر أحوال البعث في القيامة إلا وقرر فيه أصلين: أحدهما: كونه قادراً على كل الممكنات، والثاني: كونه عالماً بكل المعلومات لأن بتقدير أن لا يكون قادراً على كل الممكنات لم يقدر على البعث والحشر ورد الأرواح إلى الأجساد وبتقدير أن لا يكون عالماً بجميع الجزئيات لم يصح ذلك أيضاً منه لأنه ربما اشتبه عليه المطيع بالعاصي. والمؤمن بالكافر، والصديق بالزنديق، فلا يحصل المقصود الأصلي من البعث والقيامة. أما إذا ثبت بالدليل حصول هاتين الصفتين كمل الغرض والمقصود، فقوله: { وَلَهُ ظ±لْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ظ±لصُّوَرِ } يدل على كمال القدرة، وقوله: { عَـظ°لِمُ ظ±لْغَيْبِ وَظ±لشَّهَـظ°دَةِ } يدل على كمال العلم فلا جرم لزم من مجموعهما أن يكون قوله حقاً، وأن يكون حكمه صدقاً، وأن تكون قضاياه مبرأة عن الجور والعبث والباطل. ثم قال: { وَهُوَ ظ±لْحَكِيمُ ظ±لْخَبِيرُ } والمراد من كونه حكيماً أن يكون مصيباً في أفعاله، ومن كونه خبيراً، كونه عالماً بحقائقها من غير اشتباه ومن غير التباس. والله أعلم. المسألة الثانية: قد ذكرنا في كثير من هذا الكتاب أنه ليس المراد بقوله: { كُنْ فَيَكُونُ } خطاباً وأمراً لأن ذلك الأمر إن كان للمعدوم فهو محال، وإن كان للموجود فهو أمر بأن يصير الموجود موجوداً وهو محال، بل المراد منه التنبيه على نفاذ قدرته ومشيئته في تكوين الكائنات وإيجاد الموجودات

    وقال السمين


    وقال جماعةٌ: إن الصُّور هو القَرْن، قال بعضهم: هي لغة اليمنِ وأنشد:
    1955- نحن نَطَحْناهُمْ غَداة الجَمْعَيْنْ بالشامخات في غبار النَّقْعَيْنْ
    نَطْحاً شديداً لا كنطح الصُّوْرَيْن
    وأيَّدوا ذلك بما ورد الأحاديث الصحيحة، قال عليه السلام: " كيف أَنْعَمُ وصاحبُ القَرْن قد التقمه " وقيل: في صفته إنه قَرْنٌ مستطيل فيه أبخاش، وأن أرواحَ الناس كلهم فيه، فإذا نفخ فيه إسرافيل خرجَتْ روحُ كلِّ جسدٍ من بخش من تلك الأبخاش. وأنحى أبو الهيثم على مَنْ ادَّعى أن الصُّور جمع صُوره فقال: " وقد اعترض قومٌ فأنكروا أن يكون الصُّور قرناً كما أنكروا العرش والميزان والصراط، وادَّعَوا أن الصور جمع الصورة كالصوف جمع الصوفة، ورَوَوْا ذلك عن أبي عبيدة، وهذا خطأٌ فاحشٌ وتحريفٌ لكلام الله عز وجل عن مواضعه لأن الله قال:
    { وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ }
    [غافر: 64]
    { وَنُفِخَ فِي ظ±لصُّورِ }
    [الكهف: 99] فَمَنْ قرأها: " ونُفِخ في الصُّوَرِ " أي بالفتح، وقرأ " فَأَحْسَنَ صُوْرَكم " أي بالسكون فقد افترى الكذبَ على الله، وكان أبو عبيد صاحبَ أخبارٍ وغريب ولم يكن له معرفة بالنحو " قال الأزهري: " قد احتجَّ أبو الهيثم فأحسن الاحتجاج، ولا يجوز عندي غيرُ ما ذهب إليه وهو قول أهل السنة والجماعة " أنتهى، ولا ينبغي أن ينسب ذلك إلى هذه الغاية التي ذكرها أبو الهيثم. وقال الفراء: " يُقال: نَفَخ في الصور ونَفَخَ الصورَ " وأنشد:
    1956- لولا ابنُ جَعْدَةَ لم يُفْتَح قُهَنْدُزُكُمْ ولا خراسانُ حتى يُنْفَخَ الصُّورُ
    وفي المسألة كلامٌ أكثرُ من هذا تركتُه إيثاراً للاختصار.

  2. #212
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,316
    { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ }

    قال الرازى

    واعلم أن هنا بحثاً لا بد منه وهو أنه لا دين أقدم من دين عبدة الأصنام، والدليل عليه أن أقدم الأنبياء الذين وصل إلينا تواريخهم على سبيل التفصيل هو نوح عليه السلام، وهو إنما جاء بالرد على عبدة الأصنام كما قال تعالى حكاية عن قومه أنهم قالوا:
    { لاَ تَذَرُنَّ وُدّاً ولا سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً }
    [نوح: 23] وذلك يدل على أن دين عبدة الأصنام قد كان موجوداً قبل نوح عليه السلام وقد بقي ذلك الدين إلى هذا الزمان فإن أكثر سكان أطراف الأرض مستمرون على هذا الدين والمذهب الذي هذا شأنه يمتنع أن يكون معلوم البطلان في بديهة العقل، لكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلق السماء والأرض علم ضروري، والعلم الضروري يمتنع إطباق الخلق الكثير على إنكاره، فظهر أنه ليس دين عبدة الأصنام كون الصنم خالقاً للسماء والأرض، بل لا بد وأن يكون لهم فيه تأويل، والعلماء ذكروا فيه وجوهاً كثيرة وقد ذكرنا هذا البحث في أول سورة البقرة، ولا بأس بأن نعيده ههنا تكثيراً للفوائد. فالتأويل الأول: وهو الأقوى أن الناس رأوا تغيرات أحوال هذا العالم الأسفل مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب، فإن بحسب قرب الشمس وبعدها من سمت الرأس تحدث الفصول الأربعة، وبسبب حدوث الفصول الأربعة تحدث الأحوال المختلفة في هذا العالم، ثم إن الناس ترصدوا أحوال سائر الكواكب فاعتقدوا ارتباط السعادات والنحوسات بكيفية وقوعها في طوالع الناس على أحوال مختلفة فلما اعتقدوا ذلك غلب على ظنون أكثر الخلق أن مبدأ حدوث الحوادث في هذا العالم هو الاتصالات الفلكية والمناسبات الكوكبية فلما اعتقدوا ذلك بالغوا في تعظيمها ثم منهم من اعتقد أنها واجبة الوجود لذواتها ومنهم من اعتقد حدوثها وكونها مخلوقة للإله الأكبر، إلا أنهم قالوا إنها وإن كانت مخلوقة للإله الأكبر، إلا أنها هي المدبرة لأحوال هذا العالم وهؤلاء هم الذين أثبتوا الوسائط بين الإله الأكبر، وبين أحوال هذا العالم. وعلى كلا التقديرين فالقوم اشتغلوا بعبادتها وتعظيمها ثم إنهم لما رأوا أن هذه الكواكب قد تغيب عن الأبصار في أكثر الأوقات اتخذوا لكل كوكب صنماً من الجوهر المنسوب إليه واتخذوا صنم الشمس من الذهب وزينوه بالأحجار المنسوبة إلى الشمس وهي الياقوت والألماس واتخذوا صنم القمر من الفضة وعلى هذا القياس ثم أقبلوا على عبادة هذه الأصنام وغرضهم من عبادة هذه الأصنام هو عبادة تلك الكواكب والتقرب إليها وعند هذا البحث يظهر أن المقصود الأصلي من عبادة هذه الأصنام هو عبادة الكواكب.

    وأما الأنبياء صلوات الله عليهم فلهم ههنا مقامان: أحدهما: إقامة الدلائل على أن هذه الكواكب لا تأثير لها البتة في أحوال هذا العالم كما قال الله تعالى:
    { أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ }
    [الأعراف: 54] بعد أن بين في الكواكب أنها مسخرة. والثاني: أنها بتقدير أنها تفعل شيئاً ويصدر عنها تأثيرات في هذا العالم إلا أن دلائل الحدوث حاصلة فيها فوجب كونها مخلوقة والاشتغال بعبادة الأصل أولى من الاشتغال بعبادة الفرع، والدليل على أن حاصل دين عبدة الأصنام ما ذكرناه أنه تعالى لما حكى عن الخليل صلوات الله عليه أنه قال لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة؟ إني أراك وقومك في ضلال مبين فأفتى بهذا الكلام أن عبادة الأصنام جهل، ثم لما اشتغل بذكر الدليل أقام الدليل على أن الكواكب والقمر والشمس لا يصلح شيء منها للإلهية وهذا يدل على أن دين عبدة الأصنام حاصله يرجع إلى القول بإلهية هذه الكواكب وإلا لصارت هذه الآية متنافية متنافرة. وإذا عرفت هذا ظهر أنه لا طريق إلى إبطال القول بعبادة الأصنام إلا بإبطال كون الشمس والقمر وسائر الكواكب آلهة لهذا العالم مدبرة له. .....

    المسألة الرابعة: قالت الشيعة: إن أحداً من آباء الرسول عليه الصلاة والسلام وأجداده ما كان كافراً وأنكروا أن يقال أن والد إبراهيم كان كافراً وذكروا أن آزر كان عم إبراهيم عليه السلام. وما كان والداً له واحتجوا على قولهم بوجوه: الحجة الأولى: أن آباء الأنبياء ما كانوا كفاراً ويدل عليه وجوه: منها قوله تعالى:
    { ٱلَّذِى يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ }
    [الشعراء: 218، 219]. قيل معناه: إنه كان ينقل روحه من ساجد إلى ساجد وبهذا التقدير: فالآية دالة على أن جميع آباء محمد عليه السلام كانوا مسلمين. وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم عليه السلام كان مسلماً. فإن قيل: قوله: { وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ } يحتمل وجوهاً أخر: أحدها: إنه لما نسخ فرض قيام الليل طاف الرسول صلى الله عليه وسلم تلك الليلة على بيوت الصحابة لينظر ماذا يصنعون لشدة حرصه على ما يظهر منهم من الطاعات فوجدها كبيوت الزنانير لكثرة ما سمع من أصوات قراءتهم وتسبيحهم وتهليلهم. فالمراد من قوله: { وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ } طوافه صلوات الله عليه تلك الليلة على الساجدين. وثانيها: المراد أنه عليه السلام كان يصلي بالجماعة فتقلبه في الساجدين معناه: كونه فيما بينهم ومختلطاً بهم حال القيام والركوع والسجود. وثالثها: أن يكون المراد أنه ما يخفى حالك على الله كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في الاشتغال بأمور الدين. ورابعها: المراد تقلب بصره فيمن يصلي خلفه، والدليل عليه قوله عليه السلام: " أتموا الركوع والسجود فإني أراكم من وراء ظهري " فهذه الوجوه الأربعة مما يحتملها ظاهر الآية، فسقط ما ذكرتم. والجواب: لفظ الآية محتمل للكل، فليس حمل الآية على البعض أولى من حملها على الباقي. فوجب أن نحملها على الكل وحينئذ يحصل المقصود، ومما يدل أيضاً على أن أحداً من آباء محمد عليه السلام ما كان من المشركين قوله عليه السلام: " لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات " وقال تعالى:
    { إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ }
    [التوبة: 28] وذلك يوجب أن يقال: إن أحداً من أجداده ما كان من المشركين. إذا ثبت هذا فنقول: ثبت بما ذكرنا أن والد إبراهيم عليه السلام ما كان مشركاً، وثبت أن آزر كان مشركاً. فوجب القطع بأن والد إبراهيم كان إنساناً آخر غير آزر. الحجة الثانية: على أن آزر ما كان والد إبراهيم عليه السلام. أن هذه الآية دالة على أن إبراهيم عليه السلام شافه آزر بالغلظة والجفاء. ومشافهة الأب بالجفاء لا تجوز، وهذا يدل على أن آزر ما كان والد إبراهيم، إنما قلنا: إن إبراهيم شافه آزر بالغلظة والجفاء في هذه الآية لوجهين: الأول: أنه قرىء { وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ لاِبِيهِ ءَازَرَ } بضم آزر وهذا يكون محمولاً على النداء ونداء الأب بالاسم الأصلي من أعظم أنواع الجفاء.

    الثاني: أنه قال لآزر: { إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } وهذا من أعظم أنواع الجفاء والإيذاء. فثبت أنه عليه السلام شافه آزر بالجفاء، وإنما قلنا: أن مشافهة الأب بالجفاء لا تجوز لوجوه: الأول: قوله تعالى:
    { وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً }
    [الإسراء: 23] وهذا عام في حق الأب الكافر والمسلم، قال تعالى:
    { فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا }
    [الإسراء: 23] وهذا أيضاً عام. والثاني: أنه تعالى لما بعث موسى عليه السلام إلى فرعون أمره بالرفق معه فقال
    { فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ }
    [طه: 44] والسبب فيه أن يصير ذلك رعاية لحق تربية فرعون. فههنا الوالد أولى بالرفق. الثالث: أن الدعوة مع الرفق أكثر تأثيراً في القلب، أما التغليظ فإنه يوجب التنفير والبعد عن القبول. ولهذا المعنى قال تعالى لمحمد عليه السلام:
    { وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ }
    [النحل: 125] فكيف يليق بإبراهيم عليه السلام مثل هذه الخشونة مع أبيه في الدعوة؟ الرابع: أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام الحلم، فقال:
    { إِنَّ إِبْرٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ }
    [هود: 75] وكيف يليق بالرجل الحليم مثل هذا الجفاء مع الآب؟ فثبت بهذه الوجوه أن آزر ما كان والد إبراهيم عليه السلام بل كان عماً له، فأما والده فهو تارح والعم قد يسمى بالأب على ما ذكرنا أن أولاد يعقوب سموا إسمعيل بكونه أباً ليعقوب مع أنه كان عماً له. وقال عليه السلام: " ردوا علي أبي " يعني العم العباس وأيضاً يحتمل أن آزر كان والد أم إبراهيم عليه السلام وهذا قد يقال له الأب. والدليل عليه قوله تعالى:
    { وَمِن ذُرّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ }
    [الأنعام: 84] إلى قوله:
    { وعِيسَى }
    [الأنعام: 85] فجعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أن إبراهيم عليه السلام كان جداً لعيسى من قبل الأم. وأما أصحابنا فقد زعموا أن والد رسول الله كان كافراً وذكروا أن نص الكتاب في هذه الآية تدل على أن آزر كان كافراً وكان والد إبراهيم عليه السلام. وأيضاً قوله تعالى: { وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرٰهِيمَ لاِبِيهِ } إلى قوله:
    { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ }
    [التوبة: 114] وذلك يدل على قولنا، وأما قوله { وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ } قلنا: قد بينا أن هذه الآية تحتمل سائر الوجوه قوله تحمل هذه الآية على الكل، قلنا هذا محال لأن حمل اللفظ المشترك على جميع معانيه لا يجوز، وأيضاً حمل اللفظ على حقيقته ومجازه معاً لا يجوز، وأما قوله عليه السلام: " لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات " فذلك محمول على أنه ما وقع في نسبه ما كان سفاحاً، أما قوله التغليظ مع الأب لا يليق بإبراهيم عليه السلام.

    قلنا: لعله أصر على كفره فلأجل الإصرار استحق ذلك التغليط. والله أعلم...

    اشتمل كلام إبراهيم عليه السلام في هذه الآية على ذكر الحجة العقلية على فساد قول عبدة الأصنام من وجهين: الأول: أن قوله: { أتتخذ أصناماً آلهة } يدل على أنهم كانوا يقولون بكثرة الآلهة إلا أن القول بكثرة الآلهة باطل بالدليل العقلي الذي فهم من قوله تعالى: { لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } والثاني: أن هذه الأصنام لو حصلت لها قدرة على الخير والشر لكان الصنم الواحد كافياً، فلما لم يكن الواحد كافياً دل ذلك على أنها وإن كثرت فلا نفع فيها ألبتة. المسألة الثامنة: احتج بعضهم بهذه الآية على أن وجوب معرفة الله تعالى ووجوب الاشتغال بشكره معلوم بالعقل لا بالسمع. قال لأن إبراهيم عليه السلام حكم عليهم بالضلال، ولولا الوجوب العقلي لما حكم عليهم بالضلال. لأن ذلك المذهب كان متقدماً على دعوة إبراهيم. ولقائل أن يقول: إنه كان ضلالاً بحكم شرع الأنبياء الذين كانوا متقدمين على إبراهيم عليه السلام.

    وقال الالوسي

    والذي عول عليه الجم الغفير من أهل السنة أن ءازر لم يكن والد إبراهيم عليه السلام وادعوا أنه ليس في آباء النبـي صلى الله عليه وسلم كافر / أصلاً لقوله عليه الصلاة والسلام " لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات والمشركون نجس " ، وتخصيص الطهارة بالطهارة من السفاح لا دليل له يعول عليه. والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. وقد ألفوا في هذا المطلب الرسائل واستدلوا له بما استدلوا، والقول بأن ذلك قول الشيعة كما ادعاه الإمام الرازي ناشىء من قلة التتبع، وأكثر هؤلاء على أن ءازر اسم لعم إبراهيم عليه السلام، وجاء إطلاق الأب على العم في قوله تعالى:
    { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ }
    [البقرة: 133] وفيه إطلاق الأب على الجد أيضاً.

  3. #213
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,316
    وَكَذَلِكَ نُرِيغ¤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ظ±لْمُوقِنِينَ }

    قال الرازى

    وسمعت الشيخ الإمام الوالد عمر ضياء الدين رحمه الله تعالى قال: سمعت الشيخ أبا القاسم الأنصاري يقول: سمعت إمام الحرمين يقول: معلومات الله تعالى غير متناهية، ومعلوماته في كل واحد من تلك المعلومات أيضاً غير متناهية، وذلك لأن الجوهر الفرد يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل، ويمكن اتصافه بصفات لا نهاية لها على البدل، وكل تلك الأحوال التقديرية دالة على حكمة الله تعالى وقدرته أيضاً، وإذا كان الجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزأ كذلك فكيف القول في كل ملكوت الله تعالى، فثبت أن دلالة ملك الله تعالى، وملكوته على نعوت جلاله وسمات عظمته وعزته غير متناهية، وحصول المعلومات التي لا نهاية لها دفعة واحدة في عقول الخلق محال، فإذن لا طريق إلى تحصيل تلك المعارف إلا بأن يحصل بعضها عقيب البعض لا إلى نهاية ولا إلى آخر في المستقبل، فلهذا السبب والله أعلم لم يقل، وكذلك أريناه ملكوت السموات والأرض، بل قال: { وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرظ°هِيمَ مَلَكُوتَ وظ±لأَرْضِ } وهذا هو المراد من قول المحققين السفر إلى الله له نهاية، وأما السفر في الله فإنه لا نهاية له والله أعلم.

    وقال السيوطى فى دره

    وأخرج أحمد وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: رأيت ربي في أحسن صورة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قال: قلت أنت أعلم أي رب...! قال: فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي. قال: فعلمت ما في السموات والأرض، ثم تلا هذه الآية { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين } ثم قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: في الدرجات والكفارات قال: وما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام إلى الجماعات، والمجالس في المساجد خلاف الصلوات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروه، فمن يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير، ويكن من خطيئته كهيتئه يوم ولدته أمه، وأما الدرجات فبذل السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام، قال: قل اللهم إني أسألك الطيبات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعلموهن فإنهن حق ".

  4. #214
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,316
    { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ظ±لْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـظ°ذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاغ¤ أُحِبُّ ظ±لآفِلِينَ } * { فَلَمَّآ رَأَى ظ±لْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـظ°ذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ظ±لْقَوْمِ ظ±لضَّالِّينَ } * { فَلَماَّ رَأَى ظ±لشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـظ°ذَا رَبِّي هَـظ°ذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يظ°قَوْمِ إِنِّي بَرِيغ¤ءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } * { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ظ±لْمُشْرِكِينَ }
    قال الرازى

    المسألة السادسة: أن إبراهيم عليه السلام استدل بأفول الكوكب على أنه لا يجوز أن يكون رباً له وخالقاً له. ويجب علينا ههنا أن نبحث عن أمرين: أحدهما: أن الأفول ما هو؟ والثاني: أن الأفول كيف يدل على عدم ربوبية الكوكب؟ فنقول: الأفول عبارة عن غيبوبة الشيء بعد ظهوره. وإذا عرفت هذا فلسائل أن يسأل، فيقول: الأفول إنما يدل على الحدوث من حيث إنه حركة وعلى هذا التقدير، فيكون الطلوع أيضاً دليلاً على الحدوث، فلم ترك إبراهيم عليه السلام الاستدلال على حدوثها بالطلوع وعول في إثبات هذا المطلوب على الأفول؟ والجواب: لا شك أن الطلوع والغروب يشتركان في الدلالة على الحدوث إلا أن الدليل الذي يحتج به الأنبياء في معرض دعوة الخلق كلهم إلى الله لا بد وأن يكون ظاهراً جلياً بحيث يشترك في فهمه الذكي والغبي والعاقل. ودلالة الحركة على الحدوث وإن كانت يقينية إلا أنها دقيقة لا يعرفها إلا الأفاضل من الخلق. أما دلالة الأفول فإنها دلالة ظاهرة يعرفها كل أحد، فإن الكوكب يزول سلطانه وقت الأفول فكانت دلالة الأفول على هذا المقصود أتم. وأيضاً قال بعض المحققين: الهوى في خطرة الإمكان أفول، وأحسن الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص وحصة الأوساط وحصة العوام، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان، وكل ممكن محتاج، والمحتاج: لا يكون مقطوع الحاجة، فلا بد من الانتهاء إلى من يكون منزهاً عن الإمكان حتى تنقطع الحاجات بسبب وجوده كما قال:
    { ظ° وَأَنَّ إِلَىظ° رَبّكَ ظ±لْمُنتَهَىظ° }
    [النجم: 42] وأما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة، فكل متحرك محدث، وكل محدث فهو محتاج إلى القديم القادر. فلا يكون الآفل إلهاً بل الإله هو الذي احتاج إليه ذلك الآفل. وأما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب وهم يشاهدون أن كل كوكب يقرب من الأفول والغروب فإنه يزول نوره وينتقص ضوءه ويذهب سلطانه ويصير كالمعزول ومن يكون كذلك لا يصلح للإلهية، فهذه الكلمة الواحدة أعني قوله: { لا أُحِبُّ ظ±لأَفِلِينَ } كلمة مشتملة على نصيب المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فكانت أكمل الدلائل وأفضل البراهين.

    وفيه دقيقة أخرى: وهو أنه عليه السلام إنما كان يناظرهم وهم كانوا منجمين. ومذهب أهل النجوم أن الكوكب إذا كان في الربع الشرقي ويكون صاعداً إلى وسط السماء كان قوياً عظيماً التأثير. أما إذا كان غريباً وقريباً من الأفول فإنه يكون ضعيف التأثير قليل القوة. فنبه بهذه الدقيقة على أن الإله هو الذي لا تتغير قدرته إلى العجز وكماله إلى النقصان، ومذهبكم أن الكوكب حال كونه في الربع الغربي، يكون ضعيف القوة، ناقص التأثير، عاجزاً عن التدبير، وذلك يدل على القدح في إلهيته، فظهر على قول المنجمين أن للأفول مزيد خاصية في كونه موجباً للقدح في إلهيته، والله أعلم. أما المقام الثاني: وهو بيان أن كون الكوكب آفلاً يمنع من ربوبيته. فلقائل أيضاً أن يقول: أقصى ما في الباب أن يكون أفوله دالاً على حدوثه إلا أن حدوثه لا يمنع من كونه رباً لإبراهيم ومعبوداً له، ألا ترى أن المنجمين وأصحاب الوسايط يقولون أن الإله الأكبر خلق الكواكب وأبدعها وأحدثها، ثم أن هذه الكواكب تخلق النبات والحيوان في هذا العالم الأسفل، فثبت أن أفول الكواكب وإن دل على حدوثها إلا أنه لا يمنع من كونها أرباباً للإنسان وآلهة لهذا العالم. والجواب: لنا ههنا مقامان: المقام الأول: أن يكون المراد من الرب والإله الموجود الذي عنده تنقطع الحاجات، ومتى ثبت بأفول الكواكب حدوثها، وثبت في بداهة العقول أن كل ما كان محدثاً، فإنه يكون في وجوده محتاجاً إلى الغير. وجب القطع باحتياج هذه الكواكب في وجودها إلى غيرها، ومتى ثبت هذا المعنى امتنع كونها أرباباً وآلهة. بمعنى أنه تنقطع الحاجات عند وجودها، فثبت أن كونها آفلة يوجب القدح في كونها أرباباً وآلهة بهذا التفسير. المقام الثاني: أن يكون المراد من الرب والإله. من يكون خالقاً لنا وموجداً لذواتنا وصفاتنا. فنقول: أفول الكواكب يدل على كونها عاجزة عن الخلق والإيجاد وعلى أنه لا يجوز عبادتها وبيانه من وجوه: الأول: أن أفولها يدل على حدوثها. وحدوثها يدل على افتقارها إلى فاعل قديم قادر ويجب أن تكون قادرية ذلك القادر أزلية. وإلا لافتقرت قادريته إلى قادر آخر، ولزم التسلسل وهو محال، فثبت أن قادريته أزلية. وإذا ثبت هذا فنقول: الشيء الذي هو مقدور له إنما صح كونه مقدوراً له باعتبار إمكانه والإمكان واحد في كل الممكنات. فثبت أن ما لأجله صار بعض الممكنات مقدوراً لله تعالى فهو حاصل في كل الممكنات، فوجب في كل الممكنات أن تكون مقدروة لله تعالى. وإذا ثبت هذا امتنع وقوع شيء من الممكنات بغيره على ما بينا صحة هذه المقامات بالدلائل اليقينة في علم الأصول. فالحاصل أنه ثبت بالدليل أن كون الكواكب آفلة يدل على كونها محدثة، وإن كان لا يثبت هذا المعنى إلا بواسطة مقدمات كثيرة، وأيضاً فكونها في نفسها محدثة يوجب القول بامتناع كونها قادرة على الإيجاد والإبداع، وإن كان لا يثبت هذا المعنى إلا بواسطة مقدمات كثيرة.

    ودلائل القرآن إنما يذكر فيها أصول المقدمات، فأما التفريع والتفصيل، فذاك إنما يليق بعلم الجدل. فلما ذكر الله تعالى هاتين المقدمتين على سبيل الرمز لا جرم اكتفى بذكرهما في بيان أن الكواكب لا قدرة لها على الإيجاد والإبداع، فلهذا السبب استدل إبراهيم عليه السلام بأفولها على امتناع كونها أرباباً وآلهة لحوادث هذا العالم. الوجه الثاني: أن أفول الكواكب يدل على حدوثها وحدوثها يدل على افتقارها في وجودها إلى القادر المختار، فيكون ذلك الفاعل هو الخالق للأفلاك والكواكب، ومن كان قادراً على خلق الكواكب والأفلاك من دون واسطة أي شيء كان فبأن يكون قادراً على خلق الإنسان أولى لأن القادر على خلق الشيء الأعظم لا بد وأن يكون قادراً على خلق الشيء الأضعف، وإليه الإشارة بقوله تعالى:
    { لَخَلْقُ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ظ±لنَّاسِ }
    [غافر: 57] وبقوله:
    { أَوَلَـيْسَ ظ±لَذِى خَلَقَ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ بِقَـظ°دِرٍ عَلَىظ° أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىظ° وَهُوَ ظ±لْخَلَّـظ°قُ ظ±لْعَلِيمُ }
    [يسغ¤: 81] فثبت بهذا الطريق أن الإله الأكبر يجب أن يكون قادراً على خلق البشر، وعلى تدبير العالم الأسفل بدون واسطة الأجرام الفلكية وإذا كان الأمر كذلك كان الاشتغال بعبادة الإله الأكبر أولى من الاشتغال بعبادة الشمس والنجوم والقمر. الوجه الثالث: أنه لو صح كون بعض الكواكب موجدة وخالقة، لبقي هذا الاحتمال في الكل وحينئذ لا يعرف الإنسان أن خالقه هذا الكوكب. أو ذلك الآخر أو مجموع الكواكب فيبقى شاكاً في معرفة خالقه. أما لو عرفنا الكل وأسندنا الخلق والإيجاد والتدبير إلى خالق الكل فحينئذ يمكننا معرفة الخالق والموجد ويمكننا الاشتغال بعبادته وشكره، فثبت بهذه الوجوه أن أفول الكواكب كما يدل على امتناع كونها قديمة فكذلك يدل على امتناع كونها آلهة لهذا العالم وأرباباً للحيوان والإنسان. والله أعلم. فهذا تمام الكلام في تقرير هذا الدليل. فإن قيل: لا شك أن تلك الليلة كانت مسبوقة بنهار وليل، وكان أفول الكواكب والقمر والشمس حاصلاً في الليل السابق والنهار السابق وبهذا التقرير لا يبقى للأفول الحاصل في تلك الليلة مزيد فائدة. والجواب أنا بينا أنه صلوات الله عليه إنما أورد هذا الدليل على الأقوام الذين كان يدعوهم من عبادة النجوم إلى التوحيد. فلا يبعد أن يقال أنه عليه السلام كان جالساً مع أولئك الأقوام ليلة من الليالي وزجرهم عن عبادة الكواكب فبينما هو في تقرير ذلك الكلام إذ وقع بصره على كوكب مضيء. فلما أفل قال إبراهيم عليه السلام لو كان هذا الكوكب إلهاً لما انتقل من الصعود إلى الأفول ومن القوة إلى الضعف.

    ثم في أثناء ذلك الكلام طلع القمر وأفل. فأعاد عليهم ذلك الكلام، وكذا القول في الشمس، فهذا جملة ما يحضرنا في تقرير دليل إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه. المسألة السادسة: تفلسف الغزالي في بعض كتبه وحمل الكوكب على النفس الناطقة الحيوانية التي لكل كوكب، والقمر على النفس الناطقة التي لكل فلك، والشمس على العقل المجرد الذي لكل ذلك، وكان أبو علي بن سيناء يفسر الأفول بالإمكان، فزعم الغزالي أن المراد بأفولها إمكانها في نفسها، وزعم أن المراد من قوله: { لا أُحِبُّ ظ±لأَفِلِينَ } أن هذه الأشياء بأسرها ممكنة الوجود لذواتها، وكل ممكن فلا بد له من مؤثر، ولا بد له من الانتهاء إلى واجب الوجود. واعلم أن هذا الكلام لا بأس به. إلا أنه يبعد حمل لفظ الآية عليه، ومن الناس من حمل الكوكب على الحس والقمر على الخيال والوهم، والشمس على العقل، والمراد أن هذه القوى المدركة الثلاثة قاصرة متناهية، ومدبر العالم مستول عليها قاهر لها، والله أعلم. المسألة السابعة: دل قوله: { لا أُحِبُّ ظ±لأَفِلِينَ } على أحكام:الحكم الأول هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس بجسم إذ لو كان جسماً لكان غائباً عنا أبداً فكان آفلاً أبداً، وأيضاً يمتنع أن يكون تعالى ينزل من العرش إلى السماء تارة ويصعد من السماء إلى العرش أخرى، وإلا لحصل معنى الأفول.الحكم الثاني هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس محلاً للصفات المحدثة كما تقوله الكرامية، وإلا لكان متغيراً، وحينئذ يحصل معنى الأفول، وذلك محال.الحكم الثالث تدل هذه الآية على أن الدين يجب أن يكون مبنياً على الدليل لا على التقليد، وإلا لم يكن لهذا الاستدلال فائدة ألبتة. الحكم الرابع تدل هذه الآية على أن معارف الأنبياء بربهم استدلالية لا ضرورية، وإلا لما احتاج إبراهيم إلى الاستدلال.الحكم الخامس تدل على هذه الآية على أنه لا طريق إلى تحصيل معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال في أحوال مخلوقاته، إذ لو أمكن تحصيلها بطريق آخر لما عدل إبراهيم عليه السلام إلى هذه الطريقة والله أعلم....

    المسألة الثانية: دل قوله: { لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى لأَكُونَنَّ مِنَ ظ±لْقَوْمِ ظ±لضَّالّينَ } على أن الهداية ليست إلا من الله تعالى. ولا يمكن حمل لفظ الهداية على التمكن وإزاحة الأعذار ونصب الدلائل.

    لأن كل ذلك كان حاصلاً، فالهداية التي كان يطلبها بعد حصول تلك الأشياء لا بد وأن تكون زائدة عليها. واعلم أن كون إبراهيم عليه السلام على مذهبنا أظهر من أن يشتبه على العاقل لأنه في هذه الآية أضاف الهداية إلى الله تعالى، وكذا في قوله: { ظ±لَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ } وكذا في قوله: { وَظ±جْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ظ±لأَصْنَامَ }. ..

    المسألة الثالثة: أن إبراهيم عليه السلام حاجهم في الله وهو قوله: { لا أُحِبُّ ظ±لأَفِلِينَ } والقوم أيضاً حاجوه في الله، وهو قوله تعالى خبراً عنهم: { وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِى ظ±للَّهِ } فحصل لنا من هذه الآية أن المحاجة في الله تارة تكون موجبة للمدح العظيم والثناء البالغ، وهي المحاجة التي ذكرها إبراهيم عليه السلام، وذلك المدح والثناء هو قوله تعالى: { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءَاتَيْنَـظ°هَا إِبْرظ°هِيمَ عَلَىظ° قَوْمِهِ } وتارة تكون موجبة للذم وهو قوله: { قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِى ظ±للَّهِ } ولا فرق بين هذين البابين إلا أن المحاجة في تقرير الدين الحق توجب أعظم أنواع المدح والثناء، والمحاجة في تقرير الدين الباطل توجب أعظم أنواع الذم والزجر. وإذا ثبت هذا الأصل صار هذا قانوناً معتبراً، فكل موضع جاء في القرآن والأخبار يدل على تهجين أمر المحاجة والمناظرة فهو محمول على تقرير الدين الباطل، وكل موضع جاء يدل على مدحه فهو محمول على تقرير الدين الحق والمذهب الصدق. والله أعلم

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { قَالَ هَـظ°ذَا رَبِّي } اختُلف في معناه على أقوال؛ فقيل: كان هذا منه في مُهْلة النظر وحال الطفُولِيّة وقبل قيام الحجة؛ وفي تلك الحال لا يكون كفر ولا إيمان. فاستدلّ قائلو هذه المقالة بما روي عن عليّ بن أبي طلحة عن ظ±بن عباس قال: «فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي» فعبده حتى غاب عنه، وكذلك الشمس والقمر؛ فلما تَمّ نظره قال: «إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ». وظ±ستدلّ بالأفول؛ لأنه أظهرُ الآيات على الحدوث. وقال قوم: هذا لا يصحّ؛ وقالوا: غير جائز أن يكون لله تعالى رسولٌ يأتى عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله تعالى مُوَحِّد وبه عارف، ومِن كل معبود سواه بريء. قالوا: وكيف يصحّ أن يتوهّم هذا على مَن عصمه الله وأتاه رُشده من قبلُ، وأراه مَلكوته ليكون من المُوقِنِين، ولا يجوزُ أن يُوصف بالخُلُّو عن المعرفة، بل عرف الربَّ أوّل النظر. قال الزجاج: هذا الجواب عندي خطأ وغلط ممن قاله؛ وقد أخبر الله تعالى عن إبراهيم أنه قال:
    { وَظ±جْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ظ±لأَصْنَامَ }
    [إبراهيم: 35] وقال جل وعز:
    { إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }
    [الصافات: 84] أي لم يُشرك به قَطّ. قال: والجواب عندي أنه قال: { هَذَا رَبِّي } على قولكم؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر؛ ونظير هذا قوله تعالى: «أَيْنَ شُرَكَائِي» وهو جل وعلا واحدٌ لا شريك له. والمعنى: أين شركائي على قولكم. وقيل: لما خرج إبراهيم من السَّرَب رأى ضوء الكوكب وهو طالب لربّه؛ فظن أنه ضوءه قال: { هذا ربي } أي بأنه يتراءى لي نوره. { فَلَمَّآ أَفَلَ } علم أنه ليس بربّه. { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً } ونظر إلى ضوئه { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي } وليس هذا شركاً.

    إنما نَسب ذلك الضوءَ إلى ربّه فلما رآه زائلاً دَلّه العلم على أنه غير مستحقّ لذلك؛ فنفاه بقلبه وعلم أنه مَرْبُوب وليس بربّ. وقيل: إنما قال { هذا ربّي } لتقرير الحجّة على قومه فأظهر موافقتهم؛ فلما أفَلَ النَّجم قرّر الحجة وقال: ما تغيّر لا يجوز أن يكون رَبًّا. وكانوا يعظّمون النجوم ويعبدونها ويحكمون بها. وقال النحاس: ومن أحسن ما قيل في هذا ما صحّ عن ظ±بن عباس أنه قال في قول الله عز وجل:
    { نُّورٌ عَلَىظ° نُورٍ }
    [النور: 35] قال: كذلك قلب المؤمن يعرف الله عز وجل ويستدلّ عليه بقلبه، فإذا عرفه ظ±زداد نوراً على نور؛ وكذا إبراهيم عليه السلام عرف الله عز وجل بقلبه واستدلّ عليه بدلائله، فعلم أن له رَبًّا وخالقاً. فلما عرّفه الله عز وجل بنفسه ازداد معرفة فقال: { أَتُحَاجُّونِّي فِي ظ±للَّهِ وَقَدْ هَدَانِ }. وقيل: هو على معنى الاستفهام والتوبيخ، مُنْكِراً لفعلهم. والمعنى أهذا ربي، أو مثل هذا يكون رَبًّا؟ فحذف الهمزة. وفي التنزيل
    { أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ظ±لْخَالِدُونَ }
    [الأنبياء: 34] أي أَفهُم الخالدون. وقال الهُذَلِيّ:
    رَفَوْنِي وقالوا يا خُوَيْلدُ لاَ تُرَعْ فقلتُ وأنكرتُ الوجوهَ هُمُ هُمُ
    آخر:
    لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كنتُ دارِياً بسبع رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بثَمانِ
    وقيل: المعنى هذا ربي على زعمكم؛ كما قال تعالى:
    { أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ظ±لَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ }
    [القصص: 62]. وقال:
    { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ظ±لْعَزِيزُ ظ±لْكَرِيمُ }
    [الدخان: 49] أي عند نفسك. وقيل: المعنى أي وأنتم تقولون هذا رَبّي؛ فأضمر القول، وإضماره في القرآن كثير. وقيل: المعنى في هذا ربي؛ أي هذا دليل على رَبّي.

  5. #215
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,316
    { ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوغ¤اْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـظ°ئِكَ لَهُمُ ظ±لأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ }

    قال الرازى

    اعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية من وجه والمعتزلة يتمسكون بها من وجه آخر. أما وجه تمسك أصحابنا فهو أن نقول إنه تعالى شرط في الإيمان الموجب للأمن عدم الظلم، ولو كان ترك الظلم أحد أجزاء مسمى الإيمان لكان هذا التقييد عبثاً، فثبت أن الفاسق مؤمن وبطل به قول المعتزلة، وأما وجه تمسك المعتزلة بها فهو أنه تعالى شرط في حصول الأمن حصول الأمرين، الإيمان وعدم الظلم، فوجب أن لا يحصل الأمن للفاسق وذلك يوجب حصول الوعيد له. وأجاب أصحابنا عنه من وجهين: الوجه الأول: أن قوله: { وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـظ°نَهُمْ بِظُلْمٍ } المراد من الظلم الشرك، لقوله تعالى حكاية عن لقمان إذ قال لابنه:
    { يظ°بُنَىَّ لاَ تُشْرِكْ بِظ±للَّهِ إِنَّ ظ±لشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }
    [لقمان: 13] فالمراد ههنا الذين آمنوا بالله ولم يثبتوا لله شريكاً في المعبودية. والدليل على أن هذا هو المراد أن هذه القصة من أولها إلى آخرها إنما وردت في نفي الشركاء والأضداد والأنداد، وليس فيها ذكر الطاعات والعبادات، فوجب حمل الظلم ههنا على ذلك. الوجه الثاني: في الجواب: أن وعيد الفاسق من أهل الصلاة يحتمل أن يعذبه الله، ويحتمل أن يعفو عنه، وعلى كلا التقديرين: فالأمن زائل والخوف حاصل، فلم يلزم من عدم الأمن القطع بحصول العذاب؟ والله أعلم....

    المسألة الثانية: قوله: { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتَيْنَـظ°هَا إِبْرظ°هِيمَ } يدل على أن تلك الحجة إنما حصلت في عقل إبراهيم عليه السلام بإيتاء الله وبإظهاره تلك الحجة في عقله، وذلك يدل على أن الإيمان والكفر لا يحصلان إلا بخلق الله تعالى. ويتأكد هذا أيضاً بقوله: { نَرْفَعُ دَرَجَـظ°تٍ مَّن نَّشَاء } فإن المراد أنه تعالى رفع درجات إبراهيم بسبب أنه تعالى آتاه تلك الحجة، ولو كان حصول العلم بتلك الحجة إنما كان من قبل إبراهيم لا من قبل الله تعالى لكان إبراهيم عليه السلام هو الذي رفع درجات نفسه وحينئذ كان قوله: { نَرْفَعُ دَرَجَـظ°تٍ مَّن نَّشَاء } باطلاً. فثبت أن هذا صريح قولنا في مسألة الهدى والضلال. المسألة الثالثة: هذه الآية من أدل الدلائل على فساد قول الحشوية في الطعن في النظر وتقرير الحجة وذكر الدليل. لأنه تعالى أثبت لإبراهيم عليه السلام حصول الرفعة والفوز بالدرجات العالية، لأجل أنه ذكر الحجة في التوحيد وقررها وذب عنها وذلك يدل على أنه لا مرتبة بعد النبوة والرسالة أعلى وأشرف من هذه المرتبة

    المسألة الثانية: قوله تعالى: { فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَـظ°فِرِينَ } يدل على أنه إنما خلقهم للإيمان.

    وأما غيرهم فهو تعالى ما خلقهم للإيمان، لأنه تعالى لو خلق الكل للإيمان كان البيان والتمكين وفعل الألطاف مشتركاً فيه بين المؤمن وغير المؤمن، وحينئذ لا يبقى لقوله: { فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَـظ°فِرِينَ } معنىظ°. وأجاب الكعبي عنه من وجهين: الأول: أنه تعالى زاد المؤمنين عند إيمانهم وبعده من ألطافه وفوائده وشريف أحكامه ما لا يحصيه إلا الله، وذكر في الجواب وجهاً ثانياً، فقال: وبتقدير: أن يسوى لكان بعضهم إذا قصر ولم ينتفع صح أن يقال بحسب الظاهر أن لم يحصل له نعم الله كالوالد الذي يسوي بين الولدين في العطية، فإنه يصح أن يقال: إنه أعطى أحدهما دون الآخر إذا كان ذلك الآخر ضيعه وأفسده. واعلم أن الجواب الأول ضعيف، لأن الألطاف الداعية إلى الإيمان مشتركة فيما بين الكافر والمؤمن والتخصيص عند المعتزلة غير جائز، والثاني: أيضاً فاسد. لأن الوالد لما سوى بين الولدين في العطية، ثم إن أحدهما ضيع نصيبه، فأي عاقل يجوز أن يقال أن الأب ما أنعم عليه، وما أعطاه شيئاً.

  6. #216
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,316
    { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ }

    قال الرازى

    احتج العلماء بهذه الآية على أن رسولنا صلى الله عليه وسلم أفضل من جميع الأنبياء عليهم السلام، وتقريره: هو أنا بينا أن خصال الكمال، وصفات الشرف كانت مفرقة فيهم بأجمعهم، فداود وسليمان كانا من أصحاب الشكر على النعمة، وأيوب كان من أصحاب الصبر على البلاء ويوسف كان مستجمعاً لهاتين الحالتين. وموسى عليه السلام كان صاحب الشريعة القوية القاهرة والمعجزات الظاهرة، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس، كانوا أصحاب الزهد، وإسماعيل كان صاحب الصدق، ويونس صاحب التضرع، فثبت إنه تعالى إنما ذكر كل واحد من هؤلاء الأنبياء لأن الغالب عليه كان خصلة معينة من خصال المدح والشرف، ثم أنه تعالى لما ذكر الكل أمر محمداً عليه الصلاة والسلام بأن يقتدي بهم بأسرهم، فكان التقدير كأنه تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم أن يجمع من خصال العبودية والطاعة كل الصفات التي كانت مفرقة فيهم بأجمعهم ولما أمره الله تعالى بذلك، امتنع أن يقال: إنه قصر في تحصيلها، فثبت أنه حصلها، ومتى كان الأمر كذلك، ثبت أنه اجتمع فيه من خصال الخير ما كان متفرقاً فيهم بإسرهم، ومتى كان الأمر كذلك، وجب أن يقال: إنه أفضل منهم بكليتهم. والله أعلم.

    { وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ }

    قال الرازى

    مذهب كثير من المحققين أن عقول الخلق لا تصل إلى كنه معرفة الله تعالى / البتة، ثم إن الكثير من أهل هذا المذهب يحتجون على صحته بقوله تعالى: { وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } أي وما عرفوا الله حق معرفته، وهذا الاستدلال بعيد، لأنه تعالى ذكر هذه اللفظة في القرآن في ثلاثة مواضع، وكلها وردت في حق الكفار فههنا ورد في حق اليهود أو كفار مكة، وكذا القول في الموضعين الآخرين، وحينئذ لا يبقى في هذا الاستدلال فائدة. والله أعلم.

    ملحوظة

    التعريف فى باب الصفات بالرسم لابالحد فلايعلم ماهية الذات ولا الصفات الا الله فالتعريف باللازم والاشتراك فى اللازم لايوجب الاشتراك فى الملزوم

  7. #217
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,316
    قال الرازى

    تمسك الصاحب بن عباد بقوله: { فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } على أن فعل العبد ليس مخلوقاً لله تعالى. قال: لأنه تعالى لو خلق الأفك فيه، فكيف يليق به أن يقول مع ذلك: { فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ }. والجواب عنه: أن القدرة بالنسبة إلى الضدين على السوية، فإن ترجح أحد الطرفين على الآخر لا لمرجح، فحينئذ لا يكون هذا الرجحان من العبد، بل يكون محض الاتفاق، فكيف يحسن أن يقال له: { فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } وأن توقف ذلك المرجح على حصول مرجح، وهي الداعية الجاذبة إلى الفعل، فحصول تلك الداعية يكون من الله تعالى، وعند حصولها يجب الفعل، وحينئذ يلزمكم كل ما ألزمتموه علينا. والله أعلم.

  8. #218
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,316
    { فَالِقُ ظ±لإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ظ±لْلَّيْلَ سَكَناً وَظ±لشَّمْسَ وَظ±لْقَمَرَ حُسْبَاناً ذظ°لِكَ تَقْدِيرُ ظ±لْعَزِيزِ ظ±لْعَلِيمِ }

    قال الرازى

    اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته، فالنوع المتقدم كان مأخوذاً من دلالة أحوال النبات والحيوان، والنوع المذكور في هذه الآية مأخوذ من الأحوال الفلكية، وذلك لأن فلق ظلمة الليل بنور الصبح أعظم في كمال القدرة من فلق الحب والنوى بالنبات والشجر، ولأن من المعلوم بالضرورة أن الأحوال الفلكية أعظم في القلوب وأكثر وقعاً من الأحوال الأرضية، وتقرير الحجة من وجوه: الأول: أن نقول: الصبح صبحان. فالصبح الأول: هو الصبح المستطيل كذنب السرحان، ثم تعقبه ظلمة خالصة، ثم يطلع بعده الصبح المستطير في جميع الأفق فنقول: أما الصبح الأول: وهو المستطيل الذي يحصل عقيبه ظلمة خالصة فهو من أقوى الدلائل على قدرة الله وحكمته، وذلك لأنا نقول: إن ذلك النور إما أن يقال: إنه حصل من تأثير قرص الشمس أو ليس الأمر كذلك، والأول باطل، وذلك لأن مركز الشمس إذا وصل إلى دائرة نصف الليل فأهل الموضع الذي تكون تلك الدائرة أفقاً لهم قد طلعت الشمس من مشرقهم، وفي ذلك الموضع أيضاً نصف كرة الأرض، وذلك يقتضي أنه حصل الضوء في الربع الشرقي من بلدتنا، وذلك الضوء يكون منتشراً مستطيراً في جميع أجزاء الجو، ويجب أن يكون ذلك الضوء في كل ساعة إلى القوة والزيادة والكمال، والصبح الأول لو كان أثر قرص الشمس لامتنع كونه خطاً مستطيلاً، بل يجب أن يكون مستطيراً في جميع الأفق منتشراً فيه بالكلية، وأن يكون متزايداً متكاملاً بحسب كل حين ولحظة، ولما لم يكن الأمر كذلك بل علمنا أن الصبح الأول يبدو كالخيط الأبيض الصاعد حتى تشبهه العرب بذنب السرحان، ثم إنه يحصل عقيبه ظلمة خالصة، ثم يحصل الصبح المستطير بعد ذلك علمنا أن ذلك الصبح المستطيل ليس من تأثير قرص الشمس، ولا من جنس نوره، فوجب أن يكون ذلك حاصلاً بتخليق الله تعالى ابتداء تنبيهاً على أن الأنوار ليس لها وجود إلا بتخليقه، وإن الظلمات لا ثبات لها إلا بتقديره كما قال في أول هذه السورة { وَجَعَلَ ظ±لظُّلُمَـظ°تِ وَظ±لنُّورَ }. والوجه الثاني: في تقرير هذا الدليل أنا لما بحثنا وتأملنا علمنا أن الشمس والقمر وسائر الكواكب لا تقع أضواؤها إلى على الجرم المقابل لها. فأما الذي لا يكون مقابلاً لها فيمتنع وقوع أضوائها عليه، وهذه مقدمة متفق عليها بين الفلاسفة وبين الرياضيين الباحثين عن أحوال الضوء المضيء، ولهم في تقريرها وجوه نفيسة. إذا عرفت هذا نقول: الشمس عند طلوع الصبح غير مرتفعة من الأفق فلا يكون جرم الشمس مقابلاً لجزء من أجزاء وجه الأرض، فيمتنع وقوع ضوء الشمس على وجه الأرض، وإذا كان كذلك امتنع أن يكون ضوء الصبح من تأثير قرص الشمس، فوجب أن يكون ذلك بتخليق الفاعل المختار.

    فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال: الشمس حين كونها تحت الأرض توجب إضاءة ذلك الهواء المقابل له، ثم ذلك الهواء مقابل للهواء الواقف فوق الأرض، فيصيره ضوء الهواء الواقف تحت الأرض سبباً لضوء الهواء الواقف فوق الأرض، ثم لا يزال يسري ذلك الضوء من هواء إلى هواء آخر ملاصق له حتى يصل إلى الهواء المحيط بنا هذا هو الوجه الذي عول عليه أبو علي بن الهيثم في تقرير هذا المعنى في كتابه الذي سماه «بالمناظر الكثة». والجواب: أن هذا العذر باطل من وجهين: الأول: أن الهواء جرم شفاف عديم اللون، وما كان كذلك فإنه لا يقبل النور، واللون في ذاته وجوهره، وهذا متفق عليه بين الفلاسفة. واحتجوا عليه بأنه لو استقر النور على سطحه لوقف البصر على سطحه. ولو كان كذلك لما نفذ البصر فيما وراءه، ولصار إبصاره مانعاً عن إبصار ما وراءه، فحيث لم يكن كذلك علمنا أنه لم يقبل اللون والنور في ذاته وجوهره، وما كان كذلك امتنع أن ينعكس النور منه إلى غيره، فامتنع أن يصير ضوءه سبباً لضوء هواء آخر مقابل له. فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال: إنه حصل في الأفق أجزاء كثيفة من الأبخرة والأدخنة؟ وهي لكثافتها تقبل النور عن قرص الشمس. ثم إن بحصول الضوء فيها يصير سبباً لحصول الضوء في الهواء المقابل لها، فنقول: لو كان السبب ما ذكرتم لكان كلما كانت الأبخرة والأدخنة في الأفق أكثر، وجب أن يكون ضوء الصباح أقوى لكنه ليس الأمر كذلك، بل على العكس منه فبطل هذا العذر. الوجه الثاني: في إبطال هذا الكلام الذي ذكره ابن الهيثم أن الدائرة التي هي دائرة الأفق لنا، فهي بعينها دائرة نصف النهار لقوم آخرين، فإذا كان كذلك، فالدائرة التي هي نصف النهار في بلدنا، وجب كونها دائرة الأفق لأولئك الأقوام. إذا ثبت هذا فنقول: إذا وصل مركز الشمس إلى دائرة نصف الليل وتجاوز عنها، فالشمس قد طلعت على أولئك الأقوام، واستنار نصف العام هناك، والربع من الفلك الذي هو ربع شرقي لأهل بلدنا فهو بعينه ربع غربي بالنسبة إلى تلك البلدة وإذا كان كذلك فالشمس إذا تجاوز مركزها عن دائرة نصف الليل قد صار جرمها محاذياً لهواء الربع الشرقي لأهل بلدنا. فلو كان الهواء يقبل كيفية النور من الشمس لوجب أن يحصل الضوء والنور في هواء الربع الشرقي من بلدنا بعد نصف الليل. وأن يصير هواء الربع الشرقي في غاية الإضاءة والإنارة بعد نصف الليل، وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن الهواء لا يقبل كيفية النور في ذاته.

    وإذا بطل هذا بطل العذر الذي ذكره ابن الهيثم فقد ذكرنا برهانين دقيقين عقليين محضين على أن خالق الضوء والظلمة هو الله تعالى لا قرص الشمس، والله أعلم. والوجه الثالث: هب أن النور الحاصل في العالم إنما كان بتأثير الشمس. إلا أنا نقول: الأجسام متماثلة في تمام الماهية ومتى كان الأمر كذلك كان حصول هذه الخاصية لقرص الشمس يجب أن يكون بتخليق الفاعل المختار. أما بيان المقام الأول: فهو أن الأجسام متماثلة في كونها أجساماً ومتحيزة. فلو حصل الاختلاف بينها لكان ذلك الاختلاف واقعاً في مفهوم مغاير لمفهوم الجسمية ضرورة أن ما به المشاركة مغاير لما به المخالفة فنقول: ذلك الأمر إما أن يكون محلاً للجسمية أو حالاً فيها أو لا محلاً لها ولا حالاً فيها. والأول: باطل لأنه يقتضي كون الجسم صفة قائمة بذات أخرى وذلك محال لأن ذلك المحل إن كان متحيزاً ومختصاً بحيز كان محل الجسم غير الجسم وهو محال، وإن لم يكن كذلك كان الحاصل في الحيز حالاً في محل لا تعلق له بشيء من الأحياز والجهات، وذلك مدفوع في بديهة العقل. والثاني: أيضاً باطل لأن على هذا التقدير: الذوات هي الأجسام وما به قد حصلت المخالفة هو الصفات وكل ما يصح على الشيء صح على مثله فلما كانت الذوات متماثلة في تمام الماهية وجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على الآخر وهو المطلوب. والثالث: وهو القول بأن ما به حصلت المخالفة ليس محلاً للجسم ولا حالاً فيه، وفساد هذا القسم ظاهر. فثبت بهذا البرهان أن الأجسام متماثلة. وإذا ثبت هذا فنقول: كل ما يصح على أحد المثلين فإنه يصح أيضاً على المثل الثاني. وإذا استوت الأجسام بأسرها في قبول جميع الصفات على البدل كان اختصاص جسم الشمس لهذه الإضاءة وهذه الإنارة لا بد وأن يكون بتخصيص الفاعل المختار. وإذا ثبت هذا كان فالق الإصباح في الحقيقة هو الله تعالى، وذلك هو المطلوب، والله أعلم. الوجه الرابع: في تقرير هذا المطلوب أن الظلمة شبيهة بالعدم. بل البرهان القاطع قد دل على أنه مفهوم عدمي والنور محض الوجود. فإذا أظلم الليل حصل الخوف والفزع في قلب الكل فاستولى النوم عليهم وصاروا كالأموات وسكنت المتحركات وتعطلت التأثيرات ورفعت التفعيلات فإذا وصل نور الصباح إلى هذا العالم فكأنه نفخ في الصور مادة الحياة وقوة الإدراك فضعف النوم وابتدأت اليقظة بالظهور. وكلما كان نور الصباح أقوى وأكمل كان ظهور قوة الحس والحركة في الحيوانات أكمل. ومعلوم أن أعظم نعم الله على الخلق هو قوة الحياة والحس والحركة ولما كان النور هو السبب الأصلي لحصول هذه الأحوال كان تأثير قدرة الله تعالى في تخليق النور من أعظم أقسام النعم وأجل أنواع الفضل والكرم.

    إذا عرفت هذا فكونه سبحانه فالقاً للأصباح في كونه دليلاً على كمال قدرة الله تعالى أجل أقسام الدلائل، وفي كونه فضلاً ورحمة وإحساناً من الله تعالى على الخلق أجل الأقسام وأشرف الأنواع فهذا ما حضرنا في تقرير دلالة قوله تعالى: { فَالِقُ ظ±لإِصْبَاحِ } على وجود الصانع القادر المختار الحكم. والله أعلم. ولنختم هذه الدلائل بخاتمة شريفة فنقول: إنه تعالى فالق ظلمة العدم بصباح التكوين والإيجاد وفالق ظلمة الجمادية بصباح الحياة والعقل والرشاد، وفالق ظلمة الجهالة بصباح العقل والإدراك، وفالق ظلمات العالم الجسماني بتخليص النفس القدسية إلى صبحة عالم الأفلاك، وفالق ظلمات الاشتغال بعالم الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات والمبدعات.

    ملحوظة

    فى الحديث

    الفجرُ فجرانِ ، فأمَّا الفجرُ الذي يكونُ كذنَبِ السَّرْحانِ فلا يُحِلُّ الصلاةَ ، ولَا يُحَرِّمُ الطعامَ ، وأَما الفجرُ الذي يذهبُ مُسْتَطِيلًا في الأفُقِ ، فإِنَّه يُحِلُّ الصلاةَ ، ويُحَرِّمُ الطعامَ

    الفجرُ فجرانِ ، فجرٌ يقال له : ذَنَبُ السَّرحانِ ، و هو الكاذبُ يذهب طولًا ، و لا يذهبُ عرضًا ، و الفجرُ الآخَرُ يذهب عرضًا ، و لا يذهبُ طولًا

    قال الالوسي

    وذكر أفضل المتأخرين العلامة أحمد بن حجر الهيتمي أن لأهل الهيئة في تحقيق الصبح الكاذب كلاماً طويلاً مبنياً على الحدس المبني على قاعدة الحكماء الباطلة كمنع الخرق والالتئام على أنه لا يفي ببيان سبب كون أعلاه أضوأ مع أنه أبعد من أسفله عن مستمده وهو الشمس ولا ببيان سبب انعدامه بالكلية حتى تعقبه ظلمة كما صرح به الأئمة وقدروها بساعة. والظاهر أن مرادهم مطلق الزمن لأنها تطول تارة وتقصر أخرى وهذا شأن الساعات الزمانية المسماة بالمعوجة ويقابلونها بالساعات المستوية المقدر كل منها دائماً بخمس عشرة درجة، وزعم بعض أهل الهيئة عدم انعدامه وإنما يتناقص حتى ينغمر في الصادق وقد تقدم لك ذلك فيما نقلناه لك عنهم ولعله بحسب التقدير لا الحس، وفي خبر مسلم " لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا العارض لعمود الصبح حتى يستطير " أي ينتشر ذلك العمود في نواحي الأفق ويؤخذ من تسميته عارضاً للثاني شيئان، أحدهما: أنه يعرض للشعاع الناشيء عنه الصبح، الثاني: انحباس قرب ظهوره كما يشعر به التنفس في / قوله سبحانه:

    وَظ±لصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ }
    [التكوير: 18] فعند ذلك الانحباس يتنفس منه شيء من شبه كوة، والمشاهد في المنحبس إذا خرج بعضه دفعة أن يكون أوله أكثر من آخره، وهذا لكون كلام الصادق قد يدل عليه ولانبائه عن سبب طوله وإضاءة أعلاه واختلاف زمنه وانعدامه بالكلية الموافق للحس أولى مما ذكره أهل الهيئة القاصر عن كل ذلك. ثانيهما: أنه صلى الله عليه وسلم أشار بالعارض إلى أن المقصود بالذات هو الصادق وأن الكاذب إنما قصد بطريق العرضية لينبه الناس به لقرب ذلك فينتبهوا ليدركوا فضيلة أول الوقت لاشتغالهم بالنوم الذي لولا هذه العلامة لمنعهم إدراك أول الوقت، فالحاصل أنه نور يبرزه الله تعالى من ذلك الشعاع أو يخلقه حينئذ علامة على قرب الصبح ومخالفاً له في الشكل ليحصل التمييز وتتضح العلامة العارضة من المعلم عليه المقصود فتأمل ذلك فإنه غريب مهم.

    وفي حديث عند أحمد " ليس الفجر الأبيض المستطيل في الأفق ولكن الفجر الأحمر المعترض " وفيه شاهد لما ذكر آخر. ومما يؤيد ما أشير إليه من الكوة ما أخرجه غير واحد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن للشمس ثلثمائة كوة تطلع كل يوم من كوة فلا بدع أنها عند قربها من تلك الكوة ينحبس شعاعها ثم يتنفس كما مر. وللقرافي المالكي وغيره كالأصبحي من الشافعية فيه كلام يوضحه ويبين صحة ما ذكر من الكوات ويوافق الاستشكال لكونه يظهر ثم يغيب. وحاصله وإن كان فيه طول لمس الحاجة إليه أنه بياض يطلع قبل الفجر ثم يذهب عند أكثر الأبصار دون الراصد المجد القوي النظر.

    ملحوظة

    مااجمل استدلالات الاشاعرة وتأملهم فى اثبات وجود الفاعل المختار والرد علي اهل البدع والمضلين
    ومباحث الاشاعرة فى هذا الباب من اعمق وادق المباحث

  9. #219
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,316
    { وَهُوَ ظ±لَّذِيغ¤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَظ°حِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا ظ±لآيَظ°تِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }

    قال الرازى

    قوله: { لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ } ظاهره مشعر بأنه تعالى قد يفعل الفعل لغرض وحكمة.

    وجواب أهل السنة: أن اللام لام العاقبة، أو يكون ذلك محمولاً على التشبيه بحال من يفعل الفعل لغرض. والثاني: أن هذه الآية تدل على أنه تعالى أراد من جميع الخلق الفقه، والفهم والإيمان. وما أراد بأحد منهم الكفر. وهذا قول المعتزلة. وجواب أهل السنة: أن المراد منه كأنه تعالى يقول: إنما فصلت هذا البيان لمن عرف وفقه وفهم، وهم المؤمنون لا غير. والثالث: أنه تعالى ختم الآية السابقة، وهي الآية التي استدل فيها بأحوال النجوم بقوله: { يَعْلَمُونَ } وختم آخر هذه الآية بقوله: { يَفْقَهُونَ } والفرق أن إنشاء الإنس من واحدة، وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيراً، فكان ذكر الفقه ههنا لأجل أن الفقه يفيد مزيد فطنة وقوة وذكاء وفهم. والله أعلم.

  10. #220
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,316
    قال الرازى

    المسألة الثالثة: قوله: { فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَىْء } فيه أبحاث: البحث الأول: ظاهر قوله: { فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَىْء } يدل على أنه تعالى إنما أخرج النبات بواسطة الماء، وذلك يوجب القول بالطبع والمتكلمون ينكرونه، وقد بالغنا في تحقيق هذه المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى:

    { وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ }
    [البقرة: 22] فلا فائدة في الإعادة

    ملحوظة

    ذكرنا الاية فى سورة البقرة واستدراك الالوسي علي الاشاعرة فيها ونزيد من اقوال الرازى قال:

    وههنا سؤالات: السؤال الأول: هل تقولون إن الله تعالى هو الخالق لهذه الثمرات عقيب وصول الماء إليها بمجرى العادة، أو تقولون إن الله تعالى خلق في الماء طبيعة مؤثرة، وفي الأرض طبيعة قابلة، فإذا اجتمعا حصل الأثر من تلك القوة التي خلقها الله تعالى؟ والجواب: لا شك أن على كلا القولين لا بدّ من الصانع الحكيم وأما التفصيل فنقول: لا شك أنه تعالى قادر على خلق هذه الثمار ابتداء من غير هذه الوسائط لأن الثمرة لا معنى لها إلا جسم قام به طعم ولون ورائحة ورطوبة، والجسم قابل لهذه الصفات، وهذه الصفات مقدورة لله تعالى ابتداء لأن المصحح للمقدورية إما الحدوث، أو الإمكان، وإما هما وعلى التقديرات فإنه يلزم أن يكون الله تعالى قادراً على خلق هذه الأعراض في الجسم ابتداء بدون هذه الوسائط، ومما يؤكد هذا الدليل العقلي من الدلائل النقلية ما ورد الخبر بأنه تعالى يخترع نعيم أهل الجنة للمثابين من غير هذه الوسائط، إلا أنا نقول قدرته على خلقها ابتداء لا تنافي قدرته عليها بواسطة خلق هذه القوى المؤثرة والقابلة في الأجسام، وظاهر قول المتأخرين من المتكلمين إنكار ذلك ولا بدّ فيه من دليل. السؤال الثاني: لما كان قادراً على خلق هذه الثمار بدون هذه الوسائط فما الحكمة في خلقها بهذه الوسائط في هذه المدة الطويلة؟ والجواب: يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد. ثم ذكروا من الحكم المفصلة وجوهاً: أحدها: أنه تعالى إنما أجرى العادة بأن لا يفعل ذلك إلا على ترتيب وتدريج، لأن المكلفين إذا تحلوا المشقة في الحرث والغرس طلباً للثمرات وكدوا أنفسهم في ذلك حالاً بعد حال علموا أنهم لما احتاجوا إلى تحمل هذه المشاق لطلب هذه المنافع الدنيوية، فلأن يتحملوا مشاق أقل من المشاق الدنيوية لطلب المنافع الأخروية التي هي أعظم من المنافع الدنيوية كان أولى، وصار هذا كما قلنا أنه تعالى قادر على خلق الشفاء من غير تناول الدواء لكنه أجرى عادته بتوقيفه عليه لأنه إذا تحمل مرارة الأدوية دفعاً لضرر المرض، فلأن يتحمل مشاق التكليف دفعاً لضرر العقاب كان أولى وثانيها: أنه تعالى لو خلقها دفعة من غير هذه الوسائط لحصل العلم الضروري بإسنادها إلى القادر الحكيم، وذلك كالمنافي للتكليف والابتلاء أما لو خلقها بهذه الوسائط فحينئذٍ يفتقر المكلف في إسنادها إلى القادر إلى نظر دقيق، وفكر غامض فيستوجب الثواب، ولهذا قيل: لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب.
    ...

  11. #221
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,316
    { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ظ±لْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَظ°تٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَظ°نَهُ وَتَعَظ°لَىظ° عَمَّا يَصِفُونَ }


    قال الرازى

    واعلم أن المجوس قالوا: كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان وجميع ما فيه من الشرور فهو من أهرمن، وهو المسمى بإبليس في شرعنا، ثم اختلفوا فالأكثرون منهم على أن أهرمن محدث، ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة، والأقلون منهم قالوا: إنه قديم أزلي، وعلى القولين فقد اتفقوا على أنه شريك لله في تدبير هذا العالم فخيرات هذا العالم من الله تعالى وشروره من إبليس فهذا شرح ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما.

    فإن قيل: فعلى هذا التقدير: القوم أثبتوا لله شريكاً واحداً وهو إبليس، فكيف حكى الله عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء؟ والجواب: أنهم يقولون عسكر الله هم الملائكة، وعسكر إبليس هم الشياطين والملائكة فيهم كثرة عظيمة، وهم أرواح طاهرة مقدسة وهم يلهمون تلك الأرواح البشرية بالخيرات والطاعات. والشياطين أيضاً فيهم كثرة عظيمة وهي تلقي الوساوس الخبيثة إلى الأرواح البشرية، والله مع عسكره من الملائكة يحاربون إبليس مع عسكره من الشياطين. فلهذا السبب حكى الله تعالى عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء من الجن فهذا تفصيل هذا القول. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: { وَخَلَقَهُمْ } إشارة إلى الدليل القاطع الدال على فساد كون إبليس شريكاً لله تعالى في ملكه، وتقريره من وجهين: الأول: أنا نقلنا عن المجوس أن الأكثرين منهم معترفون بأن إبليس ليس بقديم بل هو محدث. إذا ثبت هذا فنقول: إن كل محدث فله خالق وموجد، وما ذاك إلا الله سبحانه وتعالى فهؤلاء المجوس يلزمهم القطع بأن خالق إبليس هو الله تعالى، ولما كان إبليس أصلاً لجميع الشرور والآفات والمفاسد والقبائح، والمجوس سلموا أن خالقه هو الله تعالى، فحينئذ قد سلموا أن إله العالم هو الخالق لما هو أصل الشرور والقبائح والمفاسد، وإذا كان كذلك امتنع عليهم أن يقولوا لا بد من إلهين يكون أحدهما فاعلاً للخيرات، والثاني يكون فاعلاً للشرور لأن بهذا الطريق ثبت أن إله الخير هو بعينه الخالق لهذا الذي هو الشر الأعظم فقوله تعالى: { وَخَلَقَهُمْ } إشارة إلى أن تعالى هو الخالق لهؤلاء الشياطين على مذهب المجوس، وإذا كان خالقاً لهم فقد اعترفوا بكون إله الخير فاعلاً لأعظم الشرور، وإذا اعترفوا بذلك وسقط قولهم: لا بد للخيرات من إله، وللشرور من إله آخر. والوجه الثاني: في استنباط الحجة من قوله: { وَخَلَقَهُمْ } ما بينا في هذا الكتاب وفي كتاب «الأربعين في أصول الدين» أن ما سوى الواحد ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فهو محدث، ينتج أن ما سوى الواحد الأحد الحق فهو محدث، فيلزم القطع بأن إبليس وجميع جنوده يكونون موصوفين بالحدوث. وحصول الوجود بعدم العدم، وحينئذ يعود الإلزام المذكور على ما قررناه، فهذا تقرير المقصود الأصلي من هذه الآية وبالله التوفيق. ....

    ملحوظة

    كتاب الاربعين للرازى من اهم الكتب فى علم الكلام وهو بداية للانطلاق الي امهات كتب علم الكلام كالمواقف والمقاصد والمطالب وابكار الافكار

    وقال الالوسي

    وقوله تعالى: { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ } استئناف لتحقيق ما ذكر من الاستحالة أو حال أخرى مقررة لها أي أنَّى يكون له ولد والحال أنه خلق كل شيء من الموجودات التي من جملتها ما سموه ولداً فكيف يتصور أن يكون المخلوق ولداً لخالقه. ويفهم من «التفسير الكبير» أن من زعم أن لله تعالى شأنه ولداً إن أراد أنه سبحانه أحدثه على سبيل الإبداع من غير تقدم نطفة مثلاً رد بأن خلقه للسماوات والأرض كذلك فيلزم كونهما ولداً له تعالى وهو باطل بالاتفاق، وإن أراد ما هو المعروف من الولادة في الحيوانات رد أولاً بأنه لا صاحبة له وهي أمر لازم في المعروف. وثانياً بأن تحصيل الولد بذلك الطريق إنما يصح في حق من لا يكون قادراً على الخلق والإيجاد والتكوين دفعة واحدة أما من كان خالقاً لكل الممكنات وكان قادراً على كل المحدثات فإذا أراد شيئاً قال له كن فيكون فيمتنع منه إحداث شخص بطريق الولادة. وإن أراد مفهوماً ثالثاً فهو غير متصور.

    { وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ } من شأنه أن يعلم كائناً ما كان مخلوقاً أو غير مخلوق كما ينبىء عنه ترك الإضمار إلى الإظهار { عَلِيمٌ } مبالغ في العلم أزلا وأبداً حسبما يعرب عنه العدول إلى الجملة الإسمية، وحينئذ فلا يخلو إما أن يكون الولد قديماً أو محدثاً لا جائز أن يكون قديماً لأن القديم يجب كونه واجب الوجود لذاته وما كان كذلك كان غنياً عن غيره فامتنع كونه ولداً للغير فتعين كونه حادثاً، ولا شك أنه تعالى عالم بكل شيء فإما أن يعلم أن له في تحصيل الولد كمالاً أو نفعاً أو يعلم أنه ليس كذلك، فإن كان الأول فلا وقت يفرض إلا والداعي إلى إيجاد هذا الولد كان حاصلاً قبله وهو يوجب كونه أزلياً وهو محال وإن كان الثاني وجب أن لا يحدث البتة في وقت من الأوقات. وقرر الإمام عليه الرحمة الرد بهذه الجملة بوجه آخر أيضاً، وبعضهم جعل هذه الجملة مع ما قبلها متضمنة لوجه واحد من أوجه الرد. والجملة إما حالية أو مستأنفة، واقتصر بعضهم على الثاني فقال: «إنها استئناف مقرر لمضمون ما قبلها من الدلائل القاطعة ببطلان مقالتهم الشنعاء التي اجترءوا عليها بغير علم» والظاهر من هذا أن ما في الآية أدلة قطعية على بطلان ما زعمه المختلقون، وكلام الإمام حيث قال بعد تقرير الوجوه. «لو أن الأولين والآخرين اجتمعوا على أن يذكروا في هذه المسألة كلاماً يساويه -أي ما دلت عليه الآية ـ في القوة والكمال لعجزوا عنه». وادعى الشهاب أن ما يفهم من ذلك أدلة اقناعية، ولعل الأولى القول بأن البعض قطعي والبعض الآخر إقناعي فتدبر.

  12. #222
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,316
    قال الرازى

    المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى بين في هذه السورة بالدلائل الكثيرة افتقار الخلق إلى خالق وموجد، ومحدث، ومبدع، ومدبر، ولم يذكر دليلاً منفصلاً يدل على نفي الشركاء، والأضداد والأنداد، ثم إنه اتبع الدلائل الدالة على وجود الصانع بأن نقل قول من أثبت لله شريكاً، فهذا القدر يكون أوجب الجزم بالتشريك من الجن، ثم أبطله، ثم إنه تعالى بعد ذلك أتى بالتوحيد المحض حيث قال: { ذظ°لِكُمُ ظ±للَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـظ°هَ إِلاَّ هُوَ خَـظ°لِقُ كُلّ شَىْء فَظ±عْبُدُوهُ } وعند هذا يتوجه السؤال وهو أن حاصل ما تقدم إقامة الدليل على وجود الخالق، وتزييف دليل من أثبت لله شريكاً، فهذا القدر كيف أوجب الجزم بالتوحيد المحض؟ فنقول: للعلماء في إثبات التوحيد طرق كثيرة، ومن جملتها هذه الطريقة. وتقريرها من وجوه: الأول: قال المتقدمون الصانع الواحد كاف وما زاد على الواحد فالقول فيه متكافىء، فوجب القول بالتوحيد أما قولنا: الصانع الواحد كاف فلأن الإله القادر على كل المقدورات العالم بكل المعلومات كاف في كونه إلهاً للعالم، ومدبراً له. وأما أن الزائد على الواحد، فالقول فيه متكافىء، فلأن الزائد على الواحد لم يدل الدليل على ثبوته، فلم يكن إثبات عدد أولى من إثبات عدد آخر، فيلزم إما إثبات آلهة لا نهاية لها، وهو محال، أو إثبات عدد معين مع أنه ليس ذلك العدد أولى من سائر الأعداد، وهو أيضاً محال، وإذا كان القسمان باطلين لم يبق إلا القول بالتوحيد.

    الوجه الثاني: في تقرير هذه الطريقة أن الإله القادر على كل الممكنات العالم بكل المعلومات كاف في تدبير العالم، فلو قدرنا إلهاً ثانياً لكان ذلك الثاني إما أن يكون فاعلاً وموجوداً لشيء من حوادث هذا العالم أو لا يكون، والأول باطل، لأنه لما كان كل واحد منهما قادراً على جميع الممكنات فكل فعل يفعله أحدهما صار كونه فاعلاً لذلك الفعل مانعاً للآخر عن تحصيل مقدوره، وذلك يوجب كون كل واحد منهما سبباً لعجز الآخر وهو محال. وإن كان الثاني لا يفعل فعلاً ولا يوجد شيئاً كان ناقصاً معطلاً، وذلك لا يصلح للإلهية. والوجه الثالث: في تقرير هذه الطريقة أن نقول: إن هذا الإله الواحد لا بد وأن يكون كاملاً في صفات الإلهية، فلو فرضنا إلهاً ثانياً لكان ذلك الثاني إما أن يكون مشاركاً للأول في جميع صفات الكمال أو لا يكون، فإن كان مشاركاً للأول في جميع صفات الكمال فلا بد وأن يكون متميزاً عن الأول بأمر ما، إذ لو لم يحصل الامتياز بأمر من الأمور لم يحصل التعدد والإثنينية، وإذا حصل الامتياز بأمر ما فذلك الأمر المميز إما أن يكون من صفات الكمال أو لا يكون. فإن كان من صفات الكمال مع أنه حصل الامتياز به لم يكن جميع صفات الكمال مشتركاً فيه بينهما، وإن لم يكن ذلك المميز من صفات الكمال، فالموصوف به يكون موصوفاً بصفة ليست من صفات الكمال، وذلك نفصان، فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الإله الواحد كاف في تدبير العالم والإيجاد، وأن الزائد يجب نفيه فهذه الطريقة هي التي ذكرها الله تعالى ههنا في تقرير التوحيد. وأما التمسك بدليل التمانع فقد ذكرناه في سورة البقرة. المسألة الثالثة: تمسك أصحابنا بقوله: { خَـظ°لِقُ كُلّ شَىْء } على أنه تعالى هو الخالق لأعمال العباد قالوا: أعمال العباد أشياء، والله تعالى خالق كل شيء بحكم هذه الآية فوجب كونه تعالى خالقاً لها واعلم أنا أطنبنا الكلام في هذا الدليل في كتاب «الجبر والقدر»، ونكتفي ههنا من تلك الكلمات بنكت قليلة. قالت المعتزلة: هذا اللفظ وإن كان عاماً إلا أنه حصل مع هذه الآية وجوه تدل على أن أعمال العباد خارجة عن هذا العموم. فأحدهما: أنه تعالى قال: { خَـظ°لِقُ كُلّ شَىْء فَظ±عْبُدُوهُ } فلو دخلت أعمال العباد تحت قوله: { خَـظ°لِقُ كُلّ شَىْء } لصار تقدير الآية: أنا خلقت أعمالكم فافعلوها بأعيانها أنتم مرة أخرى. ومعلوم أن ذلك فاسد. وثانيها: أنه تعالى إنما ذكر قوله: { خَـظ°لِقُ كُلّ شَىْء } في معرض المدح والثناء على نفسه، فلو دخل تحته أعمال العباد لخرج عن كونه مدحاً وثناء لأنه لا يليق به سبحانه أن يتمدح بخلق الزنا واللواط والسرقة والكفر.

    وثالثها: أنه تعالى قال بعد هذه الآية:
    { قَدْ جَاءكُم بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا }
    [الأنعام:104]، وهذا تصريح بكون العبد مستقلاً بالفعل والترك، وأنه لا مانع له ألبتة من الفعل والترك، وذلك يدل على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى إذ لو كان مخلوقاً لله تعالى لما كان العبد مستقلاً به، لأنه إذا أوجده الله تعالى امتنع منه الدفع، وإذا لم يوجده الله تعالى امتنع منه التحصيل. فلما دلت هذه الآية على كون العبد مستقلاً بالفعل والترك وثبت أن كونه كذلك يمنع أن يقال فعل العبد مخلوق لله تعالى، ثبت أن ذكر قوله: { فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا } يوجب تخصيص ذلك العموم. ورابعها: أن هذه الآية مذكورة عقيب قوله: { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء ظ±لْجِنَّ } وقد بينا أن المراد منه رواية مذهب المجوس في إثبات إلهين للعالم. أحدهما يفعل اللذات والخيرات، والآخر يفعل الآلام والآفات فقوله بعد ذلك: { لا إِلَـظ°هَ إِلاَّ هُوَ خَـظ°لِقُ كُلّ شَىْء } يجب أن يكون محمولاً على إبطال ذلك المذهب، وذلك إنما يكون إذا قلنا إنه تعالى هو الخالق لكل ما في هذا العالم من السباع والحشرات والأمراض والآلام، فإذا حملنا قوله: { خَـظ°لِقُ كُلّ شَىْء } على هذا الوجه لم يدخل تحت أعمال العباد. قالوا: فثبت أن هذه الدلائل الأربعة توجب خروج أعمال العباد عن عموم قوله تعالى: { خَـظ°لِقُ كُلّ شَىْء }. والجواب: أنا نقول الدليل العقلي القاطع قد ساعد على صحة ظاهر هذه الآية. وتقريره أن الفعل موقوف على الداعي وخالق الداعي هو الله تعالى، ومجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل وذلك يقتضي كونه تعالى خالقاً لأفعال العباد، وإذا تأكد هذا الظاهر بهذا البرهان العقلي القاطع زالت الشكوك والشبهات. المسألة الرابعة: قوله تعالى: { خَـظ°لِقُ كُلّ شَىْء فَظ±عْبُدُوهُ } يدل على ترتيب الأمر بالعبادة على كونه تعالى خالقاً لكل الأشياء بفاء التعقيب وترتيب الحكم على الوصف بحرف الفاء مشعر بالسببية، فهذا يقتضي أن يكون كونه تعالى خالقاً للأشياء هو الموجب لكونه معبوداً على الإطلاق، والإله هو المستحق للمعبودية، فهذا يشعر بصحة ما يذكره بعض أصحابنا من أن الإله عبارة عن القادر على الخلق والإبداع والإيجاد والاختراع. المسألة الخامسة: احتج كثير من المعتزلة بقوله: { خَـظ°لِقُ كُلّ شَىْء } على نفي الصفات، وعلى كون القرآن مخلوقاً. أما نفي الصفات فلأنهم قالوا: لو كان تعالى عالماً بالعلم قادراً بالقدرة، لكان ذلك العلم والقدرة إما أن يقال: إنهما قديمان. أو محدثان، والأول باطل. لأن عموم قوله: { خَـظ°لِقُ كُلّ شَىْء } يقتضي كونه خالقاً لكل الأشياء أدخلنا التخصيص في هذا العموم بحسب ذاته تعالى ضرورة أنه يمتنع أن يكون خالقاً لنفسه، فوجب أن يبقى على عمومه فيما سواه، والقول بإثبات الصفات القديمة يقتضي مزيد التخصيص في هذا العموم، وأنه لا يجوز.

    والثاني: وهو القول بحدوث علم الله وقدرته. فهو باطل بالإجماع، ولأنه يلزم افتقار إيجاد ذلك العلم والقدرة إلى سبق علم آخر وقدرة أخرى، وأن ذلك محال. وأما تمسكهم بهذه الآية على كون القرآن مخلوقاً. فقالوا: القرآن شيء وكل شيء فهو مخلوق لله تعالى بحكم هذا العموم. فلزم كون القرآن مخلوقاً لله تعالى أقصى ما في هذا الباب أن هذا العموم دخله التخصيص في ذات الله تعالى، إلا أن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، ولذلك فإن دخول هذا التخصيص في هذا العموم لم يمنع أهل السنة من التمسك به في إثبات أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. وجواب أصحابنا عنه: أنا نخصص هذا العموم بالدلائل الدالة على كونه تعالى عالماً بالعلم قادراً بالقدرة، وبالدلائل الدالة على أن كلام الله تعالى قديم....

    ملحوظة

    سوف اقوم بأذن الله بشرح مسألةعدم خلق القران وانه كلام الله الازلي وباذن الله سينشرح لها صدر اهل السنة أشاعرة وحنابلة وماأجمل التوفيق بين أهل السنة

    وستعلم ان الخلاف بأذن الله لفظى بين الفريقين وان كان ظاهر مافى الكتب انها حرب طاحنة بين الاشاعرة والحنابلة وربما يكون هذا من عدم اطلاع كامل واحاطة بعقيدة كلا الفريقين



    وان شاء الله بالتحقيق ستجد ان لاخلاف بين الحنابلة والاشاعرة بل لو قلت ربما الحنابلة اقرب للاشاعرة من المانريدية لم ابعد عن الصواب


    والله الموفق

    قال الالوسي

    واستدل أصحابنا بعموم { خَـظ°لِقُ كُلِّ شَيْءٍ } على أنه تعالى هو الخالق لأعمال العباد والمعتزلة قالوا: عندنا هنا أشياء تخرج أعمال العباد من البين. أحدها: تعقيب ذلك العموم بقوله سبحانه: { فَظ±عْبُدُوهُ } فإنه لو دخلت أعمال العباد هناك لصار تقدير الآية إنا خلقنا أعمالكم فافعلوها بأعيانها مرة أخرى وفساده ظاهر. وثانيها: أن { خَـظ°لِقُ كُلِّ شَيْءٍ } ذكر في معرض المدح والثناء ولا تمدح بخلق الزنا واللواطة والسرقة والكفر مثلا. ثالثها: أنه تعالى قال بعد.
    { قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا }
    [الأنعام: 104] وهو تصريح بكون العبد مستقلاً بالفعل والترك وأنه لا مانع له. رابعها: أن هذه الآية أتى بها بعد
    { وَجَعَلُواْ ظ±للَّهِ شُرَكَاءَ ظ±لْجِنَّ }
    [الأنعام:100] والمراد منه على ما روي عن الحبر الرد على المجوس في إثبات الهين فيجب أن يكون { خَـظ°لِقُ كُلِّ شَيْءٍ } محمولاً على إبطال ذلك وهو إنما يكون إذا قلنا: إنه تعالى هو الخالق لما في هذا العالم من السباع والآلام ونحوها وإذا حمل على ذلك لم تدخل أعمال العباد ولا يخفى ما في ذلك من النظر ومثله استدلالهم بالآية على نفي الصفات وكون القرآن مخلوقاً فتدبر.

  13. #223
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,316
    { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ }

    قال الرازى

    في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى تجوز رؤيته والمؤمنين يرونه يوم القيامة من وجوه: الأول: في تقرير هذا المطلوب أن نقول: هذه الآية تدل على أنه تعالى تجوز رؤيته. وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة. أما المقام الأول: فتقريره: أنه تعالى تمدح بقوله: { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } وذلك مما يساعد الخصم عليه، وعليه بنوا استدلالهم في إثبات مذهبهم في نفي الرؤية. وإذا ثبت هذا فنقول: لو لم يكن تعالى جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله: { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } ألا ترى أن المعدوم لا تصح رؤيته. والعلوم والقدرة والإرادة والروائح والطعوم لا يصح رؤية شيء منها، ولا مدح لشيء منها في كونها بحيث لا تصح رؤيتها، فثبت أن قوله: { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } يفيد المدح، وثبت أن ذلك إنما يفيد المدح لو كان صحيح الرؤية، وهذا يدل على أن قوله تعالى: { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } يفيد كونه تعالى جائز الرؤية، وتمام التحقيق فيه أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث يمتنع رؤيته، فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء. أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية، ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه كانت هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة. فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته. وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة، والدليل عليه أن القائل قائلان: قائل قال بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه، وقائل قال لا يرونه ولا تجوز رؤيته. فأما القول بأنه تعالى تجوز رؤيته مع أنه لا يراه أحد من المؤمنين فهو قول لم يقل به أحد من الأمة فكان باطلاً. فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية تدل على أنه تعالى جائز الرؤية في ذاته، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك، وجب القطع بأن المؤمنين يرونه، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على حصول الرؤية وهذا استدلال لطيف من هذه الآية. الوجه الثاني: أن نقول المراد بالأبصار في قوله: { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } ليس هو نفس الإبصار فإن البصر لا يدرك شيئاً ألبتة في موضع من المواضع. بل المدرك هو المبصر فوجب القطع بأن المراد من قوله { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } هو أنه لا يدركه المبصرون وإذا كان كذلك كان قوله: { وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ } المراد منه وهو يدرك المبصرين، ومعتزلة البصرة يوافقوننا على أنه تعالى يبصر الأشياء فكان هو تعالى من جملة المبصرين فقوله: { وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ } يقتضي كونه تعالى مبصراً لنفسه، وإذا كان الأمر كذلك كان تعالى جائز الرؤية في ذاته، وكان تعالى يرى نفسه.

    وكل من قال إنه تعالى جائز الرؤية في نفسه، قال: إن المؤمنين يرونه يوم القيامة فصارت هذه الآية دالة على أنه جائز الرؤية وعلى أن المؤمنين يرونه يوم القيامة، وإن أردنا أن نزيد هذا الاستدلال اختصاراً قلنا: قوله تعالى: { وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ } المراد منه إما نفس البصر أو المبصر، وعلى التقديرين: فيلزم كونه تعالى مبصراً لأبصار نفسه، وكونه مبصراً لذات نفسه. وإذا ثبت هذا وجب أن يراه المؤمنون يوم القيامة ضرورة أنه لا قائل بالفرق. الوجه الثالث: في الاستدلال بالآية أن لفظ { ٱلأَبْصَـٰرِ } صيغة جمع دخل عليها الألف واللام فهي تفيد الاستغراق فقوله: { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } يفيد أنه لا يراه جميع الأبصار، فهذا يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب. إذا عرفت هذا فنقول: تخصيص هذا السلب بالمجموع يدل على ثبوت الحكم في بعض أفراد المجموع، ألا ترى أن الرجل إذا قال إن زيداً ما ضربه كل الناس فإنه يفيد أنه ضربه بعضهم. فإذا قيل: إن محمداً صلى الله عليه وسلم ما آمن به كل الناس أفاد أنه آمن به بعض الناس، وكذا قوله: { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } معناه: أنه لا تدركه جميع الأبصار، فوجب أن يفيد أنه تدركه بعض الأبصار. أقصى ما في الباب أن يقال: هذا تمسك بدليل الخطاب. فنقول: هب أنه كذلك إلا أنه دليل صحيح لأن بتقدير أن لا يحصل الإدراك لأحد ألبتة كان تخصيص هذا السلب بالمجموع من حيث هو مجموع عبثاً، وصون كلام الله تعالى عن العبث واجب. الوجه الرابع: في التمسك بهذه الآية ما نقل أن ضرار بن عمرو الكوفي كان يقول: إن الله تعالى لا يرى بالعين، وإنما يرى بحاسة سادسة يخلقها الله تعالى يوم القيامة، واحتج عليه بهذه الآية فقال: دلت هذه الآية على تخصيص نفي إدراك الله تعالى بالبصر، وتخصيص الحكم بالشيء يدل على أن الحال في غيره بخلافه، فوجب أن يكون إدراك الله بغير البصر جائزاً في الجملة، ولما ثبت أن سائر الحواس الموجودة الآن لا تصلح لذلك ثبت أن يقال: إنه تعالى يخلق يوم القيامة حاسة سادسة بها تحصل رؤية الله تعالى وإدراكه، فهذه وجوه أربعة مستنبطة من هذه الآية يمكن العويل عليها في إثبات أن المؤمنين يرون الله في القيامة. المسألة الثانية: في حكاية استدلال المعتزلة بهذه الآية في نفي الرؤية. اعلم أنهم يحتجون بهذه الآية من وجهين: الأول: أنهم قالوا: الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية، بدليل أن قائلاً لو قال أدركته ببصري وما رأيته، أو قال رأيته وما أدركته ببصري فإنه يكون كلامه متناقضاً، فثبت أن الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية.

    إذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } يقتضي أنه لا يراه شيء من الأبصار في شيء من الأحوال، والدليل على صحة هذا العموم وجهان: الأول: يصح استثناء جميع الأشخاص وجميع الأحوال عنه فيقال: لا تدركه الأبصار إلا بصر فلان، وإلا في الحالة الفلانية والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله. فثبت أن عموم هذه الآية يفيد عموم النفي عن كل الأشخاص في جميع الأحوال. وذلك يدل على أن أحداً لا يرى الله تعالى في شيء من الأحوال. الوجه الثاني: في بيان أن هذه الآية تفيد العموم أن عائشة رضي الله عنها لما أنكرت قول ابن عباس في أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج تمسكت في نصرة مذهب نفسها بهذه الآية، ولو لم تكن هذه الآية مفيدة للعموم بالنسبة إلى كل الأشخاص وكل الأحوال لما تم ذلك الاستدلال، ولا شك أنها كانت من أشد الناس علماً بلغة العرب. فثبت أن هذه الآية دالة على النفي بالنسبة إلى كل الأشخاص وذلك يفيد المطلوب. الوجه الثاني: في تقرير استدلال المعتزلة بهذه الآية أنهم قالوا: إن ما قبل هذه الآية إلى هذا الموضع مشتمل على المدح والثناء، وقوله بعد ذلك: { وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ } أيضاً مدح وثناء فوجب أن يكون قوله: { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } مدحاً وثناء، وإلا لزم أن يقال: إن ما ليس بمدح وثناء وقع في خلال ما هو مدح وثناء، وذلك يوجب الركاكة وهي غير لائقة بكلام الله. إذا ثبت هذا فنقول: كل ما كان عدمه مدحاً ولم يكن ذلك من باب الفعل كان ثبوته نقصاً في حق الله تعالى، والنقص على الله تعالى محال، لقوله:
    { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ }
    [البقرة: 255] وقوله:
    { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء }
    [الشورى: 11] وقوله:
    { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ }
    [الإخلاص: 3] إلى غير ذلك. فوجب أن يقال كونه تعالى مرئياً محال. واعلم أن القوم إنما قيدوا ذلك بما لا يكون من باب الفعل لأنه تعالى تمدح بنفي الظلم عن نفسه في قوله:
    { وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعَـٰلَمِينَ }
    [آل عمران: 108] وقوله:
    { وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ }
    [فصلت: 46] مع أنه تعالى قادر على الظلم عندهم، فذكروا هذا القيد دفعاً لهذا النقض عن كلامهم. فهذا غاية تقرير كلامهم في هذا الباب. والجواب عن الوجه الأول من وجوه: الأول: لا نسلم أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية والدليل عليه: أن لفظ الإدراك في أصل اللغة عبارة عن اللحوق والوصول قال تعالى:
    { قَالَ أَصْحَـٰبُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ }
    [الشعراء: 61] أي لملحقون وقال:
    { حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ }
    [يونس: 90] أي لحقه، ويقال: أدرك فلان فلاناً، وأدرك الغلام أي بلغ الحلم، وأدركت الثمرة أي نضجت. فثبت أن الإدراك هو الوصول إلى الشيء.

    إذا عرفت هذا فنقول: المرئي إذا كان له حد ونهاية وأدركه البصر بجميع حدوده وجوانبه ونهاياته. صار كأن ذلك الإبصار أحاط به فتسمى هذه الرؤية إدراكاً، أما إذا لم يحط البصر بجوانب المرئي لم تسم تلك الرؤية إدراكاً. فالحاصل أن الرؤية جنس تحتها نوعان: رؤية مع الإحاطة. ورؤية لا مع الإحاطة. والرؤية مع الإحاطة هي المسماة بالإدراك فنفي الإدراك يفيد نفي نوع واحد من نوعي الرؤية، ونفي النوع لا يوجب نفي الجنس. فلم يلزم من نفي الإدراك عن الله تعالى نفي الرؤية عن الله تعالى، فهذا وجه حسن مقبول في الاعتراض على كلام الخصم. فإن قالوا لما بينتم أن الإدراك أمر مغاير للرؤية فقد أفسدتم على أنفسكم الوجوه الأربعة التي تمسكتم بها في هذه الآية في إثبات الرؤية على الله تعالى. قلنا: هذا بعيد لأن الإدراك أخص من الرؤية وإثبات الأخص يوجب إثبات الأعم. وأما نفي الأخص لا يوجب نفي الأعم. فثبت أن البيان الذي ذكرناه يبطل كلامكم ولا يبطل كلامنا. الوجه الثاني: في الاعتراض أن نقول: هب أن الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية، لكن لم قلتم أن قوله لا تدركه الأبصار يفيد عموم النفي عن كل الأشخاص وعن كل الأحوال وفي كل الأوقات؟ وأما الاستدلال بصحة الاستثناء على عموم النفي فمعارض بصحة الاستثناء عن جمع القلة مع أنها لا تفيد عموم النفي بل نسلم أنه يفيد العموم إلا أن نفي العموم غير، وعموم النفي غير، وقد دللنا على أن هذا اللفظ لا يفيد إلا نفي العموم، وبينا أن نفي العموم يوجب ثبوت الخصوص، وهذا هو الذي قررناه في وجه الاستدلال. وأما قوله إن عائشة رضي الله عنها تمسكت بهذه الآية في نفي الرؤية فنقول: معرفة مفردات اللغة إنما تكتسب من علماء اللغة، فأما كيفية الاستدلال بالدليل فلا يرجع فيه إلى التقليد، وبالجملة فالدليل العقلي دل على أن قوله: { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } يفيد نفي العموم. وثبت بصريح العقل أن نفي العموم مغاير لعموم النفي ومقصودهم إنما يتم لو دلت الآية على عموم النفي، فسقط كلامهم. الوجه الثالث: أن نقول صيغة الجمع كما تحمل على الاستغراق فقد تحمل على المعهود السابق أيضاً، وإذا كان كذلك فقوله: { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } يفيد أن الأبصار المعهودة في الدنيا لا تدركه، ونحن نقول بموجبه فإن هذه الأبصار وهذه الأحداق ما دامت تبقى على هذه الصفات التي هي موصوفة بها في الدنيا لا تدرك الله تعالى، وإنما تدرك الله تعالى إذا تبدلت صفاتها وتغيرت أحوالها فلم قلتم أن عند حصول هذه التغيرات لا تدرك الله؟ الوجه الرابع: سلمنا أن الأبصار البتة لا تدرك الله تعالى فلم لا يجوز حصول إدراك الله تعالى بحاسة سادسة مغايرة لهذه الحواس كما كان ضرار بن عمرو يقول به؟ وعلى هذا التقدير فلا يبقى في التمسك بهذه الآية فائدة.

    الوجه الخامس: هب أن هذه الآية عامة إلا أن الآيات الدالة على إثبات رؤية الله تعالى خاصة والخاص مقدم على العام، وحينئذ ينتقل الكلام من هذا المقام إلى بيان أن تلك الآيات هل تدل على حصول رؤية الله تعالى أم لا؟ الوجه السادس: أن نقول بموجب الآية فنقول: سلمنا أن الأبصار لا تدرك الله تعالى، فلم قلتم إن المبصرين لا يدركون الله تعالى؟ فهذا مجموع الأسئلة على الوجه الأول، وأما الوجه الثاني فقد بينا أنه يمتنع حصول التمدح بنفي الرؤية لو كان تعالى في ذاته بحيث تمتنع رؤيته، بل إنما يحصل التمدح لو كان بحيث تصح رؤيته، ثم إنه تعالى يحجب الأبصار عن رؤيته، وبهذا الطريق يسقط كلامهم بالكلية، ثم نقول: إن النفي يمتنع أن يكون سبباً لحصول المدح والثناء، وذلك لأن النفي المحض والعدم الصرف لا يكون موجباً للمدح والثناء والعلم به ضروري، بل إذا كان النفي دليلاً على حصول صفة ثابتة من صفات المدح والثناء. قيل: بأن ذلك النفي يوجب المدح. ومثاله أن قوله: { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } لا يفيد المدح نظراً إلى هذا النفي. فإن الجماد لا تأخذه سنة ولا نوم إلا أن هذا النفي في حق الباري تعالى يدل على كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات أبداً من غير تبدل ولا زوال وكذلك قوله:
    { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ }
    [الأنعام: 14] يدل على كونه قائماً بنفسه غنياً في ذاته لأن الجماد أيضاً لا يأكل ولا يطعم. إذا ثبت هذا فنقول: قوله: { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلاْبْصَـٰرُ } يمتنع أن يفيد المدح والثناء إلا إذا دل على معنى موجود يفيد المدح والثناء، وذلك هو الذي قلناه، فإنه يفيد كونه تعالى قادراً على حجب الأبصار ومنعها عن إدراكه ورؤيته. وبهذا التقرير فإن الكلام ينقلب عليهم حجة فسقط استدلال المعتزلة بهذه الآية من كل الوجوه. المسألة الثالثة: اعلم أن القاضي ذكر في «تفسيره» وجوهاً أخرى تدل على نفي الرؤية وهي في الحقيقة خارجة عن التمسك بهذه الآية ومنفصلة عن علم التفسير وخوض في علم الأصول، ولما فعل القاضي ذلك فنحن ننقلها ونجيب عنها ثم نذكر لأصحابنا وجوهاً دالة على صحة الرؤية. أما القاضي فقد تمسك بوجوه عقلية أولها: أن الحاسة إذا كانت سليمة وكان المرئي حاضراً وكانت الشرائط المعتبرة حاصلة وهي أن لا يحصل القرب القريب ولا البعد البعيد ولا يحصل الحجاب ويكون المرئي مقابلاً أو في حكم المقابل فإنه يجب حصول الرؤية، إذ لو جاز مع حصول هذه الأمور أن لا تحصل الرؤية جاز أن يكون بحضرتنا بوقات وطبلات ولا نسمعها ولا نراها وذلك يوجب السفسطة.

    قالوا إذا ثبت هذا فنقول: إن انتفاء القرب القريب والبعد البعيد والحجاب وحصول المقابلة في حق الله تعالى ممتنع، فلو صحت رؤيته لوجب أن يكون المقتضي لحصول تلك الرؤية هو سلامة الحاسة وكون المرئي تصح رؤيته. وهذان المعنيان حاصلان في هذا الوقت. فلو كان بحيث تصح رؤيته لوجب أن تحصل رؤيته في هذا الوقت. وحيث لم تحصل هذه الرؤية علمنا أنه ممتنع الرؤية. والحجة الثانية: أن كل ما كان مرئياً كان مقابلاً أو في حكم المقابل والله تعالى ليس كذلك، فوجب أن تمتنع رؤيته. والحجة الثالثة: قال القاضي: ويقال لهم كيف يراه أهل الجنة دون أهل النار؟ إما أن يقرب منهم أو يقابلهم فيكون حالهم معه بخلاف أهل النار وهذا يوجب أنه جسم يجوز عليه القرب والبعد والحجاب. والحجة الرابعة: قال القاضي: إن قلتم إن أهل الجنة يرونه في كل حال حتى عند الجماع وغيره فهو باطل، أو يرونه في حال دون حال وهذا أيضاً باطل، لأن ذلك يوجب أنه تعالى مرة يقرب وأخرى يبعد. وأيضاً فرؤيته أعظم اللذات، وإذا كان كذلك وجب أن يكونوا مشتهين لتلك الرؤية أبداً. فإذا لم يروه في بعض الأوقات وقعوا في الغم والحزن وذلك لا يليق بصفات أهل الجنة. فهذا مجموع ما ذكره في «كتاب التفسير». واعلم أن هذه الوجوه في غاية الضعف. أما الوجه الأول: فيقال له هب أن رؤية الأجسام والأعراض عند حصول سلامة الحاسة وحضور المرئي وحصول سائر الشرائط واجبة، فلم قلتم إنه يلزم منه أن يكون رؤية الله تعالى عند سلامة الحاسة وعند كون المرئي بحيث يصح رؤيته واجبة؟ ألم تعلموا أن ذاته تعالى مخالفة لسائر الذوات، ولا يلزم من ثبوت حكم في شيء ثبوت مثل ذلك الحكم فيما يخالفه، والعجب من هؤلاء المعتزلة أن أولهم وآخرهم عولوا على هذا الدليل وهم يدعون الفطنة التامة والكياسة الشديدة ولم يتنبه أحد منهم لهذا السؤال ولم يخطر بباله ركاكة هذا الكلام. وأما الوجه الثاني: فيقال له إن النزاع بيننا وبينك وقع في أن الموجود الذي لا يكون مختصاً بمكان وجهة هل يجوز رؤيته أم لا؟ فإما أن تدعوا أن العلم بامتناع رؤية هذا الموجود الموصوف بهذه الصفة علم بديهي أو تقولوا أنه علم استدلالي، والأول باطل لأنه لو كان العلم به بديهياً لما وقع الخلاف فيه بين العقلاء. وأيضاً فبتقدير أن يكون هذا العلم بديهياً كان الاشتغال بذكر الدليل عبثاً فاتركوا الاستدلال واكتفوا بادعاء البديهة. وإن كان الثاني فنقول: قولكم المرئي يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل إعادة لعين الدعوى، لأن حاصل الكلام أنكم قلتم: الدليل على أن ما لا يكون مقابلاً ولا في حكم المقابل لا تجوز رؤيته، أن كل ما كان مرئياً فإنه يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل، ومعلوم أنه لا فائدة في هذا الكلام إلا إعادة الدعوى.

    وأما الوجه الثالث: فيقال له لم لا يجوز أن يقال إن أهل الجنة يرونه وأهل النار لا يرونه؟ لا لأجل القرب والبعد كما ذكرت، بل لأنه تعالى يخلق الرؤية في عيون أهل الجنة ولا يخلقها في عيون أهل النار فلو رجعت في إبطال هذا الكلام إلى أن تجويزه يفضي إلى تجويز أن يكون بحضرتنا بوقات وطبلات ولا نراها ولا نسمعها، كان هذا رجوعاً إلى الطريقة الأولى، وقد سبق جوابها. وأما الوجه الرابع: فيقال لم لا يجوز أن يقال: إن المؤمنين يرون الله تعالى في حال دون حال. أما قوله فهذا يقتضي أن يقال: إنه تعالى مرة يقرب ومرة يبعد، فيقال هذا عود إلى أن الإبصار لا يحصل إلا عند الشرائط المذكورة، وهو عود إلى الطريق الأول، وقد سبق جوابه، وقوله ثانياً: الرؤية أعظم اللذات، فيقال له إنها وإن كانت كذلك إلا أنه لا يبعد أن يقال إنهم يشتهونها في حال دون حال، بدليل أن سائر لذات الجنة ومنافعها طيبة ولذيذة ثم إنها تحصل في حال دون حال فكذا ههنا. فهذا تمام الكلام في الجواب عن الوجوه التي ذكرها في هذا الباب. المسألة الرابعة: في تقرير الوجوه الدالة على أن المؤمنين يرون الله تعالى ونحن نعدها هنا عدا، ونحيل تقريرها إلى المواضع اللائقة بها. فالأول: أن موسى عليه السلام طلب الرؤية من الله تعالى، وذلك يدل على جواز رؤية الله تعالى. والثاني: أنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل حيث قال:
    { فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى }
    [الأعراف: 143] واستقرار الجبل جائز والمعلق على الجائز جائز، وهذان الدليلان سيأتي تقريرهما إن شاء الله تعالى في سورة الأعراف. الحجة الثالثة: التمسك بقوله: { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } من الوجوه المذكورة. الحجة الرابعة: التمسك بقوله تعالى:
    { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ }
    [يونس: 26] وزيادة وتقريره قد ذكرناه في سورة يونس. الحجة الخامسة: التمسك بقوله تعالى:
    { فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ }
    [الكهف: 110] وكذا القول في جميع الآيات المشتملة على اللقاء وتقريره قد مر في هذا التفسير مراراً وأطواراً. الحجة السادسة: التمسك بقوله تعالى:
    { وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً }
    [الإنسان: 20] فإن إحدى القراآت في هذه الآية: { ملكاً } بفتح الميم وكسر اللام، وأجمع المسلمون على أن ذلك الملك ليس إلا الله تعالى. وعندي التمسك بهذه الآية أقوى من التمسك بغيرها. الحجة السابعة: التمسك بقوله تعالى:
    { كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ }
    [المطففين: 15] وتخصيص الكفار بالحجب يدل على أن المؤمنين لا يكونون محجوبين عن رؤية الله عز وجل. الحجة الثامنة: التمسك بقوله تعالى:

    وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ }
    [النجم: 13، 14] وتقرير هذه الحجة سيأتي في تفسير سورة النجم. الحجة التاسعة: أن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة الله تعالى على أكمل الوجوه، وأكمل طرق المعرفة هو الرؤية. فوجب أن تكون رؤية الله تعالى مطلوبة لكل أحد، وإذا ثبت هذا وجب القطع بحصولها لقوله تعالى:
    { وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ }
    [فصلت: 31]. الحجة العاشرة: قوله تعالى:
    { إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً }
    [الكهف: 107] دلت هذه الآية على أنه تعالى جعل جميع جنات الفردوس نزلاً للمؤمنين، والاقتصار فيها على النزل لا يجوز، بل لا بد وأن يحصل عقيب النزل تشريف أعظم حالاً من ذلك النزل، وما ذاك إلا الرؤية. الحجة الحادية عشرة: قوله تعالى:
    { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ }
    [القيامة: 22، 23] وتقرير كل واحد من هذه الوجوه سيأتي في الموضع اللائق به من هذا الكتاب. وأما الأخبار فكثيرة منها الحديث المشهور وهو قوله عليه السلام: " سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته " واعلم أن التشبيه وقع في تشبيه الرؤية بالرؤية في الجلاء والوضوح لا في تشبيه المرئي بالمرئي، ومنها ما اتفق الجمهور عليه من أنه صلى الله عليه وسلم قرأ قوله تعالى:
    { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ }
    [يونس: 26] فقال الحسنى هي الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله، ومنها أن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في أن النبي صلى الله عليه وسلم هل رأى الله ليلة المعراج، ولم يكفر بعضهم بعضاً بهذا السبب؟ وما نسبه إلى البدعة والضلالة، وهذا يدل على أنهم كانوا مجمعين على أنه لا امتناع عقلاً في رؤية الله تعالى، فهذا جملة الكلام في سمعيات مسألة الرؤية. المسألة الخامسة: دل قوله تعالى: { وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ } على أنه تعالى يرى الأشياء ويبصرها ويدركها. وذلك لأنه إما أن يكون المراد من الأبصار عين الأبصار. أو المراد منه المبصرين، فإن كان الأول وجب الحكم بكونه تعالى رائياً لرؤية الرائين ولأبصار المبصرين، وكل من قال ذلك قال إنه تعالى يرى جميع المرئيات والمبصرات. وإن كان الثاني وجب الحكم بكونه تعالى رائياً للمبصرين، فعلى كلا التقديرين تدل هذه الآية على كونه تعالى مبصراً للمبصرات رائياً للمرئيات. المسألة السادسة: قوله تعالى: { وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ } يفيد الحصر معناه أنه تعالى هو يدرك الأبصار ولا يدركها غير الله تعالى، والمعنى أن الأمر الذي به يصير الحي رائياً للمرئيات ومبصراً للمبصرات ومدركاً للمدركات، أمر عجيب وماهية شريفة، لا يحيط العقل بكنهها. ومع ذلك فإن الله تعالى مدرك لحقيقتها مطلع على ماهيتها، فيكون المعنى من قوله: { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } هو أن شيئاً من القوى المدركة لا تحيط بحقيقته، وأن عقلاً من العقول لا يقف على كنه صمديته، فكلت الأبصار عن إدراكه، وارتدعت العقول عن الوصول إلى ميادين عزته، وكما أن شيئاً لا يحيط به، فعلمه محيط بالكل، وإدراكه متناول للكل، فهذا كيفية نظم هذه الآية.

  14. #224
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,316
    وقال الالوسي

    وحاصله أن المراد بالإدراك الرؤية المطلقة لا الرؤية على وجه الإحاطة، وأن { لاَّ تُدْرِكُهُ ظ±لأَبْصَـظ°رُ } سالبة كلية دائمة وهذا أقوى أدلتهم النقلية في هذا المطلب كما ذكره شيخ مشايخنا الكوراني قدس سره والجواب عنه من وجوه.

    الأول أن الإدراك ليس هو الرؤية المطلقة وإن اختاره ـ على ما نقله الآمدي ـ أبو الحسن الأشعري وإنما هو الرؤية على نعت الإحاطة بجوانب المرئي كما فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بها في أحد تفسيريه، ففي «الدر المنثور» «وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { لاَّ تُدْرِكُهُ ظ±لأَبْصَـظ°رُ } لا يحيط بصر أحد بالله» تعالى انتهى. وإليه ذكب الكثير من أئمة اللغة وغيرهم. والرؤية المكيفة بكيفية الإحاطة أخص مطلقاً من الرؤية المطلقة ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فظهر صحة أن يقال: رأيته وما أدركه بصري أي ما أحاط به من جوانبه وإن لم يصح عكسه

    الثاني أن { لاَّ تُدْرِكُهُ ظ±لأَبْصَـظ°رُ } كما يحتمل أن يلاحظ فيه أولاً دخول النفي ثم ورود اللام فتكون سالبة كلية على طرز قوله تعالى:
    { وَمَا ظ±للَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ }
    [غافر: 31] فيكون لعموم السلب كذلك يحتمل أن يعتبر فيه العموم أولاً ثم ورود النفي عليه فتكون سالبة جزئية نحو ما قام العبيد كلهم ولم آخذ الدراهم كلها فتكون لسلب العموم وكلما احتمل سلب العموم لم يكن نصاً في عموم السلب وإن كان عموم السلب في مثل هذا هو الأكثر وكلما كان كذلك لم يبق فيه حجة على امتناع الرؤية مطلقاً وهو ظاهر، هذا إذا كان أل في «الأبصار» للاستغراق فإن كان للجنس كان { لاَّ تُدْرِكُهُ ظ±لأَبْصَـظ°رُ } سالبة مهملة وهي في قوة الجزئية فيكون المعنى لا تدركه بعض الأبصار وهو متفق عليه.

    الثالث أنا لو سلمنا أن الإدراك هو الرؤية المطلقة وأن أل للاستغراق وأن الكلام لعموم السلب لكن لا نسلم عمومه في الأحوال والأوقات أي لا نسلم أنها دائمة لجواز أن يكون المراد نفي الرؤية في الدنيا كما يروى تقييده بذلك عن الحسن وغيره. ويدل عليه ما أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» وأبو نعيم في «الحلية» عن ابن عباس قال: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية:
    { رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ }
    [الأعراف: 143] فقال: قال الله تعالى: يا موسى إنه / لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده ولا رطب إلا تفرق وإنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم ولا تبلى أجسادهم» قولهم: بل هي دائمة لأن قولك: فلان تدركه الأبصار لا يفيد عموم الأوقات فلا بد أن يفيده ما يقابله، قلنا: هذا لا يتم إلا إذا وجب أن يكون التقابل من الله تعالى تدركه الأبصار و «لا تدركه الأبصار» تقابل تناقض ولا موجب لذلك لا عقلياً ولا لغوياً ولا شرعياً: أما الأول فلأنا إذا وجدنا قضية موجبة مطلقة جاز أن يقابلها سالبة دائمة مطلقة وأن يقابلها سالبة دائمة ولا تتعين الدائمة الصادقة إلا إذا كانت المطلقة كاذبة قطعاً لكن كذب المطلقة هظ°هنا أول البحث وعين المتنازع فيه فلا يجوز أن يبنى كون { لاَّ تُدْرِكُهُ ظ±لأَبْصَـظ°رُ } دائمة على كذب هذه المطلقة أعني الله تعالى يدركه الأبصار مراداً بها أبصار المؤمنين في الجنة والموقف لأنه مصادرة على المطلوب المستلزم للدور، وأما الثاني فلأن الجملة ثبوتية كانت أو منفية تستعمل بحسب المقامات تارة في الإطلاق وتارة في الدوام وليس يجب في اللغة أنا إذا وجدنا جملة مثبتة استعملت في مقام ما في معنى الإطلاق أن تكون الجملة المقابلة لها مستعملة في معنى الدوام البتة بل يخلتف باختلاف المقامات وقصد المستعملين لها وهو ظاهر جداً، وأما الثالث فلأن المطلقة المذكورة بالمعنى السابق عين المتنازع فيه بيننا وبين المعتزلة شرعاً فنحن نقول إنها صادقة شرعاً ونحتج عليها بالعقل والنقل من الكتاب والسنة، وكلما كان كذلك لزم أن لا يكون { لاَّ تُدْرِكُهُ ظ±لأَبْصَـظ°رُ } دائمة دفعاً للتناقض فتكون إما مطلقة عامة أو وقتية مطلقة، وعلى التقديرين لا تناقض لانتفاء اتحاد الزمان فيصدق الله تعالى تدركه الأبصار أي أبصار المؤمنين يوم القيامة مثلاً أو وقت تجليه في نوره الذي لا يذهب بالأبصار الله تعالى لا تدركه الأبصار أي في الدنيا بالقيد الذي أشير إليه سابقاً أو وقت تجليه بنوره الذي يذهب بالأبصار وهو النور الشعشعاني المشار إليه في الحديث الوارد في «صحيح مسلم» وغيره

    لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره " وإلى هذا التقييد يشير ثاني تفسيري ابن عباس المتقدم أولهما. فقد روي أنه قال: " رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه فقال له عكرمة: أليس الله تعالى يقول: { لاَّ تُدْرِكُهُ ظ±لأَبْصَـظ°رُ } فقال: لا أم لك ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء " الحديث. وبإثبات هذين النورين يجمع بين " جوابيه عليه الصلاة والسلام لأبي ذر حيث سأله هل رأيت ربك؟ فقال في أحد جوابيه «نور أنى أراه». وفي الجواب الآخر «رأيت نوراً» " فيقال: النور الذي نفى رؤيته في الاستفهام الإنكاري المدلول عليه بأنى هو نوره أعني النور الذي يذهب بالأبصار ولا يقوم له بصر، والنور الذي أثبت رؤيته هو النور الذي لا يذهب بالأبصار. وكذا يمكن حمل قول عائشة رضي الله عنهما: «من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه سبحانه فقد أعظم على الله عز وجل الفرية» واستشهادها لذلك بهذه الآية على هذا بأن يقال: أرادت من زعم أن محمداً عليه الصلاة والسلام رأى ربه سبحانه في نوره الذي هو نوره الذي يذهب بالأبصار فقد أعظم على الله عز وجل الفرية؛ ويكون الاستشهاد بالآية على ما روي عن ابن عباس من ثاني تفسيريه، وحينئذ لا يتم للمعتزلة دعوى كون { لاَّ تُدْرِكُهُ ظ±لأَبْصَـظ°رُ } دائمة إلا إذا كانت هذه المطلقة كاذبة شرعاً وهو عين المتنازع فيه كما عرفت فلم يبق لهم على دعوى الدوام دليل أصلاً. وقد يقال أيضاً: المراد نفي الرؤية وقت عدم إذن الله تعالى للأبصار بالإدراك، والدليل على صحة إرادة هذا القيد هو أن إرادة الأبصار فعل من أفعال العبيد وكسب من كسبهم وقد ثبت بغير ما دليل أن العباد / لا يقدرون على شيء ما من المقدورات إلا بإذن الله تعالى ومشيئته وتمكينه فلا تدركه الأبصار إلا بإذنه وهو المطلوب.

    ويؤيد هذا البيان ويشيد أركانه أن { لاَّ تُدْرِكُهُ ظ±لأَبْصَـظ°رُ } وقع بعد قوله سبحانه:
    { وَهُوَ عَلَىظ° كُلّ شَيْءٍ وَكِيلٌ }
    [الأنعام: 102]. ووجه التأييد أن الله تعالى أخبر بأنه على كل شيء وكيل أي متول لأموره، ومعلوم أن الأبصار من الأشياء وأن إدراكها من أمورها فهو سبحانه وتعالى متوليها ومتصرف فيها على حسب مشيئته فيفيض عليها الإدراك ويأذن لها إذا شاء كيف شاء وعلى الحد الذي شاء ويقبض عنها الإدراك قبضاً كلياً أو جزئياً في أي وقت شاء كيف شاء، ولا يخفى على هذا أنه غاية التمدح بالعزة والقهر والغلبة فإن من هو على كل شيء وكيل إذا لم تدركه الأبصار إلا بإذنه مع كونه يدرك الأبصار ولا تخفى عليه خافية كان ذلك غاية في عزته وقهره وكونه غالباً على أمره. وذهب بعض المحققين أن الآية لم تسق للتمدح وإنما سيقت للتخويف بأنه سبحانه رقيب من حيث لا يرى فليحذر، وهو ظاهر على التفسير الثاني للوكيل.

    الرابع من الوجوه يجوز أن يكون المراد لا تدركه الأبصار على الوجه المعتاد في رؤية المحسوسات المشروطة بالشروط التسعة العادية على ما يشير إليه آخر الآية، ومعلوم أن نفي الخاص لا يستلزم نفي العام فلا يلزم على هذا من الآية نفي الرؤية مطلقاً.

    الخامس ما قيل: إنا لو سلمنا للخصم ما أراد نقول: إن الآية إنما تدل على أن الأبصار لا تدركه ونحن نقول به وندعي أن ذوي الأبصار يدركونه، والاعتراض بأنه كما أن الأبصار لا تدركه فكذلك لا يدركه غيرها فلا فائدة للتخصيص مدفوع بأنه إنما يلزم انتفاء الفائدة أن لو انحصرت في نفي حكم المنطوق على المسكوت وهو غير مسلم ولعله كان بخصوص سؤال سائل عنه دون غيره أو لمعنى آخر.

    السادس أنا سلمنا أن المراد لا يدركه المبصرون بأبصارهم لكنه لا يفيد المطلوب أيضاً لجواز حصول إدراك الله تعالى بحاسة سادسة مغايرة لهذه الحواس كما يدعيه ضرار بن عمرو الكوفي، فقد نقل عنه أنه كان يقول: إن الله تعالى لا يرى بالعين وإنما يرى بحاسة سادسة يخلقها سبحانه له يوم القيامة، واحتج عليه بهذه الآية فقال: إنها دلت على تخصيص نفي إدراك الله تعالى بالبصر وتخصيص الحكم بالشيء يدل على أن الحال في غيره بخلافه فوجب أن يكون إدراك الله تعالى بغير البصر جائزاً في الجملة، ولما ثبت أن سائر الحواس الموجودة الآن لا يصلح لذلك ثبت أنه تعالى يخلق يوم القيامة حاسة سادسة بها تحصل رؤية الله تعالى وإدراكه اهـ.

    ومن الناس من استدل بالآية على أن الإطلاع على كنه ذات الله تعالى ممتنع بناء على أن الأبصار جمع بصر بمعنى البصيرة وقرره كما قرر المعتزلة استدلالهم على امتناع الرؤية وفيه ما فيه.

    نعم احتمال حمل البصر على البصيرة مما يوهن استدلال المعتزلة كما لا يخفى، ولهم في هذا المطلب أدلة أخرى نقلية سيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على بعضها، وعقلية قد عقلها القوم في معاطن البطلان. ولعل النوبة تفضي إلى تسريح يعملات الأقلام في رياض تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى الملك العلام فمنه التوفيق لإدراك أبصار الأفهام مخفيات الأسرار وفلق صباح الحق بسواطع الأنوار.

    { وَهُوَ يُدْرِكُ ظ±لأَبْصَـظ°رَ } أي يراها على وجه الإحاطة أو يحيط بها علماً أو علما ورؤية كما قيل. وذكر الآمدي أن البصريين من المعتزلة ذهبوا إلى أن إدراك الله تعالى بمعنى / الرؤية وأن البغداديين منهم ذهبوا إلى أنها بمعنى العلم لا بمعنى الرؤية، والمراد بالأبصار هنا على ما قرره بعض المحققين النور الذي تدرك به المبصرات فإنه لا يدركه مدرك بخلاف جرم العين فإنه يرى. ولعل هذا هو السر في الإظهار في مقام الإضمار، وجوز أن يقال المراد أن كل عين لا ترى نفسها.

    { وَهُوَ ظ±للَّطِيفُ ظ±لْخَبِيرُ } فيدرك سبحانه ما لا يدركه الأبصار، فالجملة سيقت لوصفه تعالى بما يتضمن تعليل قوله سبحانه: «وهو» الخ. وجوز غير واحد أن يكون ما ذكر من باب اللف فإن اللطيف يناسب كونه غير مدرك بالفتح والخبير يناسب كونه تعالى مدركاً بالكسر، واللطيف مستعار من مقابل الكثيف لما لا يدرك بالحاسة من الشيء الخفي. ويفهم من ظاهر كلام البهائي ـ كما قال الشهاب ـ أنه لا استعارة في ذلك حيث قال في «شرح أسماء الله تعالى الحسنى»: اللطيف الذي يعامل عباده باللطف وألطافه جل شأنه لا تتناهى ظواهرها وبواطنها في الأولى والأخرى
    { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ظ±للَّهِ لاَ تُحْصُوهَا }
    [النحل: 18] وقيل: اللطيف العليم بالغوامض والدقائق من المعاني والحقائق ولذا يقال للحاذق في صنعته لطيف. ويحتمل أن يكون من اللطافة المقابلة للكثافة وهو وإن كان في ظاهر الاستعمال من أوصاف الجسم لكن اللطافة المطلقة لا توجد في الجسم لأن الجسمية يلزمها الكثافة وإنما لطافتها بالإضافة، فاللطافة المطلقة لا يبعد أن يوصف بها النور المطلق الذي يجل عن إدراك البصائر فضلاً عن الأبصار ويعز عن شعور الأسرار فضلاً عن الأفكار ويتعالى عن مشابهة الصور والأمثال وينزه عن حلول الألوان والأشكال، فإن كمال اللطافة إنما يكون لمن هذا شأنه ووصف الغير بها لا يكون على الإطلاق بل بالقياس إلى ما هو دونه في اللطافة ويوصف إليه بالكثافة انتهى. والمرجح أن إطلاق اللطيف بمعنى مقابل الكثيف على ما ينساق إلى الذهن على الله تعالى ليس بحقيقة أصلا كما لا يخفى.

    ملحوظة

    من أفضل الكتب التى ناقشت المسألة الاربعين للرازى وحواشي الحامدى علي كبري السنوسي بالاضافة لامهات كتب علم الكلام كشرح المقاصد وابكار الافكار

    ويقول كاتب هذه السطور اسامة بن محمد خيري بن عبد الرحمن

    لو نفى اهل السنة الرؤيا لتفطرت اكباد قوم فى الدنيا لوحجب عنهم فى الاخرة لاستغاثوا من الجنة كما يستغيث اهل النار من النار

    فلله الحمد والمنة علي اتباع السنة

    واعلم ان هذه المسألة ترد علي من افترى وقال الاشاعرة يقدموا دليل العقل علي النقل وراجع الاربعين للرازى تفهم مااقول

  15. #225
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,316
    { قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ }

    قال الرازى

    المسألة الثانية: في أحكام هذه الآية، وهي أربعة ذكرها القاضي: فالأول: الغرض بهذه البصائر أن ينتفع بها اختياراً استحق بها الثواب لا أن يحمل عليها أو يلجأ إليها، لأن ذلك يبطل هذا الغرض. والثاني: أنه تعالى إنما دلنا وبين لنا منافع، وأغراض المنافع تعود إلينا لا لمنافع تعود إلى الله تعالى. والثالث: أن المرء بعدوله عن النظر والتدبر يضر بنفسه، ولم يؤت إلا من قبله لا من قبل ربه. والرابع: أنه متمكن من الأمرين، فلذلك قال: { فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا } قال: وفيه إبطال قول المجبرة في المخلوق، وفي أنه تعالى يكلف بلا قدرة. واعلم أنه متى شرعت المعتزلة في الحكمة والفلسفة والأمر والنهي، فلا طريق فيه إلا معارضته بسؤال الداعي فإنه يهدم كل ما يذكرونه

    { وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }

    قال الرازى

    وإنما الكلام في الوجه الأول وهو قوله: { وَلِيَقُولُواْ دارست } لأن قولهم للرسول دارست كفر منهم بالقرآن والرسول، وعند هذا الكلام عاد بحث مسألة الجبر والقدر. فأما أصحابنا فإنهم أجروا الكلام على ظاهره فقالوا معناه إنا ذكرنا هذه الدلائل حالاً بعد حال ليقول بعضهم دارست فيزداد كفراً على كفر، وتثبيتاً لبعضهم فيزداد إيماناً على إيمان، ونظيره قوله تعالى:
    { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا }
    [البقرة: 26] وقوله:
    { وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ }
    [التوبة: 125] وأما المعتزلة فقد تحيروا. قال الجبائي والقاضي: وليس فيه إلا أحد وجهين: الأول: أن يحمل هذا الإثبات على النفي، والتقدير: وكذلك نصرف الآيات لئلا يقولوا درست. ونظيره قوله تعالى: { يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } ومعناه: لئلا تضلوا. والثاني: أن تحمل هذه اللام على لام العاقبة. والتقدير: أن عاقبة أمرهم عند تصريفنا هذه الآيات أن يقولوا هذا القول مستندين إلى اختيارهم، عادلين عما يلزم من النظر في هذه الدلائل. هذا غاية كلام القوم في هذا الباب. ولقائل أن يقول: أما الجواب الأول فضعيف من وجهين: الأول: أن حمل الإثبات على النفي تحريف لكلام الله وتغيير له، وفتح هذا الباب يوجب أن لا يبقى وثوق لا بنفيه ولا بإثباته، وذلك يخرجه عن كونه حجة وأنه باطل. والثاني: أن بتقدير أن يجوز هذا النوع من التصرف في الجملة، إلا أنه غير لائق ألبتة بهذا الموضع، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يظهر آيات القرآن نجماً نجما، والكفار كانوا يقولون: إن محمداً يضم هذه الآيات بعضها إلى بعض ويتفكر فيها ويصلحها آية فآية ثم يظهرها، ولو كان هذا بوحي نازل إليه من السماء، فلم لايأتي بهذا القرآن دفعة واحدة؟ كما أن موسى عليه السلام أتى بالتوراة دفعة واحدة. إذا عرفت هذا فنقول: إن تصريف هذه الآيات حالاً فحالاً هي التي أوقعت الشبهة للقوم في أن محمداً صلى الله عليه وسلم، إنما يأتي بهذا القرآن على سبيل المدارسة مع التفكر والمذاكرة مع أقوام آخرين وعلى ما يقول الجبائي والقاضي فإنه يقتضي أن يكون تصريف هذه الآيات حالاً بعد حال يوجب أن يمتنعوا من القول بأن محمداً عليه الصلاة والسلام إنما أتى بهذا القرآن على سبيل المدارسة والمذاكرة. فثبت أن الجواب الذي ذكره إنما يصح لو جعلنا تصريف الآيات علة لأن يمتنعوا من ذلك القول، مع أنا بينا أن تصريف الآيات، هو الموجب لذلك القول فسقط هذا الكلام. وأما الجواب الثاني: وهو حمل اللام على لام العاقبة، فهو أيضاً بعيد لأن حمل هذه اللام على لام العاقبة مجاز، وحمله على لام الغرض حقيقة، والحقيقة أقوى من المجاز فلو قلنا: «اللام» في قوله: { وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ } لام العاقبة في قوله: { وَلِنُبَيّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } للحقيقة فقد حصل تقديم المجاز على الحقيقة في الذكر وأنه لا يجوز.

    فثبت بما ذكرنا ضعف هذين الجوابين وأن الحق ما ذكرنا أن المراد منه عين المذكور في قوله تعالى: { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } ومما يؤكد هذا التأويل قوله: { وَلِنُبَيّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } يعني أنا ما بيناه إلا لهؤلاء، فأما الذين لا يعلمون فما بينا هذه الآيات لهم، ولما دل هذا على أنه تعالى ما جعله بياناً إلا للمؤمنين ثبت أنه جعله ضلالاً للكافرين وذلك ما قلنا. والله أعلم.
    وقال السمين

    قوله: " ولِيقولوا " الجمهور على كسرِ اللامِ، وهي لام كي، والفعلُ بعدها منصوب بإضمار " أَنْ " فهو في تأويل مصدر مجرور بها على ما عُرِف غيرَ مرة، وسمَّاها أبو البقاء وابن عطية لام الصيرورة كقوله تعالى:
    { فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً }
    [القصص: 8] وكقوله:
    2026ـ لِدُوا للموتِ وابنُوا للخَراب ..................
    أي: لمَّا صار أمرُهم إلى ذلك عبَّر بهذه العبارة، والعلة غير مرادة في هذه الأمثلة، والمحققون يأبَوْن جَعْلَها للعاقبة والصيرورة، ويُؤَوِّلون ما وَرَدَ من ذلك على المجاز. وجَوَّز أبو البقاء فيها الوجهين: أعني كونَها لامَ العاقبة أو العلة حقيقةً فإنه قال: " واللام لام العاقبة أي: إن أمرَهم يَصير إلى هذا " وقيل: إنه قصد بالتصريف أن يقولوا دَرَسَتْ عقوبةً لهم " يعني فهذه علة صريحة وقد أوضح بعضهم هذا فقال: " المعنى: يُصَرِّف هذه الدلائل حالاً بعد حال ليقولَ بعضُهم دارَسَتْ فيزدادوا كفراً، وتنبيهٌ لبعضهم فيزدادوا إيماناً، ونحو:
    { يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً }
    [البقرة: 2]. وأبو علي جعلها في بعض القراءات لام الصيرورة، وفي بعضها لام العلة فقال: " واللام في ليقولوا في قراءة ابن عامر ومَنْ وافقه بمعنى: لئلا يقولوا أي: صُرِفَت الآيات وأُحْكِمَتْ لئلا يقولوا هذه أساطير الأولين قديمة قد بَلِيَتْ وتكرَّرَتْ على الأسماع، واللام على سائر القراءات لام الصيرورة ". قلت: قراءة ابن عامر دَرَسَتْ بوزن أَكَلَتْ وسَرَقتْ فعلاً ماضياً مسنداً لضمير الآيات، وسيأتي تحقيق القراءات في هذه الكلمة متواتِرها وشاذِّها. قال الشيخ " وما أجازه من إضمارِ " لا " بعد اللام المضمر بعدها " أَنْ " هو مذهب لبعض الكوفيين كما أضمروها بعد " أَنْ " المظهرة في
    { أَن تَضِلُّواْ }
    [النساء: 176]، ولا يجيز البصريون إضمار " لا " إلا في القسم على ما تبيَّن فيه ".

    ثم هذه اللام لا بدَّ لها من مُتَعَلَّق، فقدَّره الزمخشري وغيره متأخراً. قال الزمخشري: " وليقولوا جوابه محذوف تقديره: وليقولوا دَرَسَتْ نُصَرِّفها. فإن قلت: أيُّ فرق بين اللامين في لِيَقُولوا ولنبيِّنه؟ قلت: الفرق بينهما أن الأولى مجاز والثانية حقيقة، وذلك أن الآيات صُرِفَت للتبيين، ولم تُصْرَفْ ليقولوا دارست، ولكن لأنه لمَّا حصل هذا القولُ بتصريف الآيات كما حصل للتبيين شَبَّهَ به فَسِيْق مَساقَه، وقيل: ليقولوا كما قيل لنبيِّه ". قلت: فقد نص هنا على أن لام " ليقولوا " علة مجازية.

    وجَوَّز بعضهم أن تكون هذه اللام نسقاً على علةٍ محذوفة. قال ابن الأنباري: " دخلت الواو في " وليقولوا " عطفاً على مضمر، التقدير: وكذلك نصرف الآيات لنُلْزِمَهم الحجةَ وليقولوا ". قلت: وعلى هذا فاللامُ متعلقةٌ بفعلِ التصريف من حيث المعنى ولذلك قَدَّره مَنْ قدَّره متأخراً بـ " نُصَرِّف ". وقال الشيخ: " ولا يتعيَّن ما ذكره المُعْرِبون والمفسِّرون من أن اللامَ لامُ كي أو لامُ الصيرورة، بل الظاهر أنها لام الأمر والفعل مجزوم بها، ويؤيده قراءة مَنْ سكن اللام، والمعنى عليه يتمكن، كأنه قيل: وكذلك نُصَرِّف الآياتِ وليقولوا هم ما يقولون مِنْ كونها دَرَسْتَها وَتَعَلَّمتها أو دَرَسَت هي أي: بَلِيَتْ وقَدُمَتْ، فإنه لا يُحْتَفَلُ بهم ولا يُلْتفت إلى قولهم، وهو أمرٌ معناه الوعيدُ والتهديدُ وعدمُ الاكتراث بقولهم أي: نُصَرِّفها وليدَّعُوا فيها ما شاؤوا، فإنه لا اكتراث بدعواهم ".

    وفيه نظر من حيث إن المعنى على ما قاله الناس وفهموه، وأيضاً فإنَّ بعده/ ولنبيِّنَه وهو نصٌّ في لام كي، وأمَّا تسكين اللام في القراءة الشاذة فلا يدلُّ لاحتمال أن تكون لام كي سُكِّنت إجراءً للكلمة مُجْرى كَتِف وكَبِد. وقد ردَّ الشيخ على الزمخشري حيث قال: " وليقولوا جوابه محذوف " فقال: " وتسميتُه ما يتعلَّق به قوله " وليقولوا " جواباً اصطلاحٌ غريب، لا يقال في " جئتَ " من قولك " جئت لتقوم " إنه جواب ". قلت: هذه العبارة قد تكررت للزمخشري وسيأتي ذلك في قوله
    { وَلِتَصْغَىۤ }
    [الأنعام: 113] أيضاً. وقال الشيخ هناك: " وهذا اصطلاحٌ غريب " ، والذي يظهر أنه إنما يُسَمِّي هذا النحوَ جواباً لأنه يقع جواباً لسائل. تقول: أين الذي يتعلَّق به هذا الجارُّ؟ فيُجاب به، فسُمِّي جواباً بهذا الاعتبار، وأضيف إلى الجارِّ في قوله " وليقولوا " جوابه، لأن الإِضافة [تقع] بأدنى ملابسة وإلا فكلامُ إمامٍ يتكرَّر لا يُحمل على فساد.

صفحة 15 من 22 الأولىالأولى ... 5111213141516171819 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •