خواطر وتأملات فى فاعلية علم المنطق،وأنه علم حيوى مُنتج عكس مايُروج له البعض من المُجسمة وأصحاب التوجهات الحداثية والعلمانية .

علم المنطق هو علم ٌ عقلى يهدف إلى تنظيم عملية الفكر الإنسانى أثناء سيره الفكرى والبحثى فى المعلومات والمعارف الموجودة بين يديه بالفعل ، وهو كذلك علم يبحث فى قوانيين الفكر التى تساعد الإنسان فى تمييز المعارف الصائبة(Real- science) من المعارف المدخولة الزائفة (Pseudoscience)، وتساعده أيضا فى توليد وإنتاج معارف جديدة (كانت مجهولة لديه) من معارف قديمة(كانت معلومة لديه) .. وهذا العلم بالنظر إلى فائدته فى العلوم الأخرى ، فهو يعتبر أداة وآلة قانونية يتعلم بها الإنسان كيف يمكن أن يضبط معارفه وأفكاره ، وكيف يفكر فيها ويتأمل بها ، وهو كما عرفه الشريف الجرجانى : ( آلة قانونية تعصم الذهن من الخطأ فى الفكر ). إذَنْ من خلال هذه المقدمات نستطيع أن نقول أن علم المنطق هو علم شديد الأهمية ، وأن الحوجة تتأتى إلى تفعيله من حيثية أن الإنسان اذا ما أعمل عقله فى قضية أو مسألة فكرية ما، من غير إستصحاب لقواعد هذا العلم العظيم ، فإنه لامحالة ستختلط عليه كثيرا من وجوه النظر ويصعُب عليه التفرقة بين صحيح المعارف وفاسدها، وهذا الأمر واضح لايحتاج إلى برهان لأنه واقع مشاهد ومحسوس ، لكن للأسف مع أهمية هذا العلم ووجوب إعماله فى الفكر والعلوم ، نجد بعض الأصوات التى لا تريد أن تنضبط بقواعد هذا العلم فى سيرهم الفكرى والبحثى ، نجدها تُنادى بعدم أهمية علم المنطق وعدم جداوه فى العلوم والبحث وأنه منطق عقيم لاينتج أى معرفة جديدة... الخ من الدعاوى العارية عن الدليل والبرهان ، مما نتج لدينا فى الساحة الفكرية والثقافية مُسوخا فكرية وأفكارا شاذة ومنحرفة لايمكن أن تثبت وتستقر فى ميزان العلم والنظر ،بل وتجد أكثرهم يُنادى برمى هذا العلم وراء ظُهورنا لأن العلم الحديث -حسب زعمهم- لم يتقدم إلا عندما ترك المنطق (الأرسطى) ورمى به وراء ظهره ، فكل هذا الدعاوى وأمثالها غير صحيحة بالمرة ، لأن الدارس للعلوم الحديثة اليوم يرى أن أغلبها ـــ إن لم نقل كلها- خصوصا التجريبية منها يرى أنها لم يكتب لها التطور إلا حينما استخدمت الرياضيات فى تأسيس قوانينها ونظرياتها الخاصة بها ، واذا نظرنا إلى علم الرياضيات نجد أن الرياضيات نفسها قد تأسست على قواعد منطقية صارمة ، وأن كل النظريات والقواعد الرياضية يمكن ردها وإرجاعها إلى مبدأ مهم جدا وهو مبدأ عدم التناقض (non-contradiction) أو الإتساق الداخلى (Consistency) وهذا المبدأ فى حد ذاته هو مبدأ منطقى محض ...
عموما إن أصحاب هذه الدعاوى وأمثالها يمكن أن نُناقش دعواهم على النحو التالى :
أولا : هؤلاء القوم إما أن يحاولوا برهنة هذه الدعوى من الداخل، أى باستخدام نفس القواعد التى قررها علماء المنطق الأوائل ، وهذا بالطبع ينقض أساس دعواهم ويهدم بُنيان زعمهم ، لأنهم إبتداء لايسلمون بصحة هذه القواعد ، وبالتالى لايثبُت لهم مايدعون.
ثانيا: أو أن يبرهنوا على دعواهم هذه من الخارج ، أى باستحداث منطق جديد لايعتمد فى هيئته وقواعده على المنطق الأول ، وفى هذه الحالة نطالبهم بإقامة البرهان على جدوى وصلاحية هذا المنطق (الجديد) الذى استحدثوه ، وهنا لدينا معهم إحتمالين:
الإحتمال_الأول: أن يبرهنوا على صحة هذا المنطق (الجديد) من القواعد التى قرروها ، وهذا يعتبر نوعا من المصادرة على المطلوب(Begging the question) ، لأن صحة دعواهم تكون فى هذه الحالة مُتوقفة على مانُطالبهم بُبرهانه ، وهذا بالضرورة باطل.
الإحتمال_الثانى: أن يُحاولوا البرهنة عليه باستحداث منطق جديد آخر ، وهكذا فيتسلسل الأمر لا إلى نهاية وفى هذه الحالة ستكون النتيجة عجزهم التام عن إقامة البرهان على صدق دعواهم .

الخلاصـــــــــــة:

1)لابد من وجود قواعد ومبادئ ثابتة يقوم عليها أى بناء فكرى ، وهذه القواعد كثيرة ومُهمة وقد اهتمت ببيانها وذكرها كتب علم المنطق المُحرر ، لكن هنالك مبدأين أو قاعدتين تقوم وتنبنى عليها كل القواعد الأخرى ، وهذان المبدأن لايتوقفان على أى قواعد أو مبادئ أخرى ، بل هما مبدأن يُدركهما العقل بداهة وضرورة من غير إحتياج إلى نظر أو إثبات ...
#مبدأ_الذَّاتيَّة_(الهويَّة)(The principle of identity) : وينص هذا المبدأ على أن الشئ يبقى هو هو وما دام هو هو فلايمكن أن يكون (هو = غيره )، ويُعبر عن هذا المبدأ رمزيا كمايلى : A=A.
مبدأ_عدم_التناقض (The principle of non-contradiction ) : وينص هذا المبدأ على أن الشئ الواحد لايمكن أن تجتمع فيه صفتان متناقضتان فى آن واحد ، فمثلا العدد 3 ، إما أن يكون عددا فرديا أو زوجيا ، ويعبر عن هذا المبدأ رمزيا كمايلى: لايمكن ل A ان تكون B ولا B فى نفس الوقت .
2) نحن من خلال هذا الكلام لانزعم أن علم المنطق هو علم قد نضُج عوده واستوى ولاينبغى أن يُنقد ، بل لازال أصحاب التحقيق فى هذا العلم يرون مجالا رحبا للإضافة والتفصيل فيه مع إمكانية توجيه بعض النقود الدقيقة إلى بعض مسائله ، لكن هذا النقد ينبغى أن يكون قائما على منهجية علمية واضحة ودقيقة ، وذلك بالتمكن من الإلمام بقواعد هذا العلم ومسائله ، لا أن يكون النقد فقط من باب التقليد الأعمى لمقولات كثير من الفلاسفة الغربيين من غير نظر ولاتمحيص .
وقد لاحظت أن كثيرا من المثقفين والمفكرين من أصحاب التوجه الحداثى أو العلمانى يتكئون على مقولات وأراء بعض الفلاسفة كأمثال الفيلسوف الفرنسى رينيه ديكارت والفيلسوف الإنجليزى فرنسيس بيكون وحول ماكتبوه فى نقدهم لعلم المنطق ، خصوصا ماكتبه فرنسيس بيكون فى نقده للمنطق الأرسطى فى كتابه (الأرجانون الجديد - The New Organon) فيقول مثلا : ( أن المنطق الأرسطى هو منطق عقيم وغير منتج وأجوف لأنه لايفسر لنا إلا مانعلمه " أى أنه تحصيل حاصل" ولايكشف لنا عما نجهله، بالتالى هذا المنطق لايصلح لأن يكون أداة فى يد العلماء للكشف عن قوانيين الطبيعة )* . عموما مانود أن نشير إليه فى هذا المقال القصير ، هو أن هنالك حقيقة مهمة قد غابت عن أذهان أولئك المفكرين والمثقفين ، و هى أن المنطق الموجود اليوم بين أيدى المسلمين ليس هو المنطق الأرسطى بتمامه وكماله، بل هو منطق مُحقق قد عمل علماء المسلمين على تنقيحه وتصويبه من الإشكالات الفلسفية الفاسدة التى كانت تصاحبه حين تُرجم من اللغة اليونانية، وتكميل ماكان ناقصا منه، وبالتالى القدر الذى اعتمده المسلمون بعد ذلك هو قدر صحيح فى نفسه لايمكن أن يتسرب إليه الشك أو الارتياب .


_______
(*) للرد على هذا الإعتراض وأمثاله يمكن الرجوع إلى كتاب " تدعيم المنطق " للعلامة الدكتور سعيد فودة ، فهو من أفضل ماوقفت عليه فى هذا الباب.