الاستخلاف كفلسفة(حكمه) ومنهج ومذهب: نحو نسق معرفي اسلامى معاصر 1
د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
تمهيد : تهدف هذه الدراسة إلى التأسيس لنسق معرفي اسلامى معاصر، استنادا إلى الأبعاد الفلسفية والمنهجية والمذهبية لمفهوم الاستخلاف . وإسلاميه هذا النسق المعرفي لا تعنى انه نص" يقيني الورود قطعي الدلالة "، بل يقصد بها انه اجتهاد مقيد بالنص، فالدراسة لا تقتصر على تناول الاستخلاف كمفهوم " نصي- جزئي – تاسيسى"، اى باعتباره احد المفاهيم القرانيه (بالاضافه إلى مفهومي التوحيد والتسخير)،التي تفسر احد محاور الوجود"الإنسان"، (بالاضافه إلى الله تعالى والطبيعة)،والتي تؤسس للتصور الاسلامى للوجود، بل تتناول الدراسة الاستخلاف أيضا كنسق "اجتهادي – كلى- بنائي"، اى تستخدم مصطلح "الاستخلاف" للدلاله على اجتهاد لبناء نسق معرفي اسلامى معاصر، ذو مستويات ثلاثة : فلسفيه ومنهجيه ومذهبيه، استنادا إلى الأبعاد المعرفية "الفلسفية والمنهجية والمذهبية " لمفهوم الاستخلاف . والمقصود بكون هذا النسق المعرفي الاسلامى معاصر: أولا:انه يهدف إلى وضع حلول للمشاكل- المشتركة- التي يطرحها واقعنا الزمانى والمكاني، ثانيا: انه يتجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين من الإسهامات الحضارية "عامه "والمعرفية "خاصة" للمجتمعات الأخرى المعاصرة لنا، إلى موقف نقدي يرفض من هذه الإسهامات ، ما تناقض مع أصول الدين"على المستوى النظري " ، وواقع المجتمعات المسلمة "على المستوى العملي " ، ويأخذ ما اتسق معهما.
أولا: مفهوم الاستخلاف تعريفه وأقسامه :
تعريف الاستخلاف لغة واصطلاحا : الاستخلاف لغة النيابة والوكالة (الفخر الرازي ، التفسير الكبير ومفاتيح الغيب،ج26،ص199). والوكالة نوعان:عامه وهى نيابة شامله، وخاصة وهى نيابة مقصورة على موضوع معين، وقد ورد مصطلح الاستخلاف في القران بما يقابل هذين النوعين ، فقد ورد بمعنى الوكالة العامة "الشاملة"، وطبقا للمعنى الحقيقي للمصطلح ، وهو هنا يعنى أبدال وتغيير قوم بقوم آخرين ، كما في الاستخلاف التكويني "الاجتماعي"، كما ورد بمعنى الوكالة الخاصة " المقصورة على موضوع معين "، وطبقا للمعنى المجازى للمصطلح، حيث يصور القران الوجود بمملكه ملكها الله تعالى والإنسان نائب ووكيل عنه في الأرض، تكريما للإنسان، وهو الاستخلاف التكليفى ، يقول الراغب الاصفهانى ( الخلافة النيابة عن الغير إما لغيبه المنوب عنه...
وإما لتشريف المستخلف)( المفردات في غريب القران ، ص156).
أقسام الاستخلاف:
أولا:الاستخلاف الخاص:وهو استخلاف فرد معين، وهو مقصور على الأنبياء والرسل (عليهم السلام )،ومثال له قوله تعالى:﴿ يا داؤد إنا جعلناك في الأرض خليفة فاحكم بين الناس بالحق﴾،وبختم النبوة وانقطاع الوحي بوفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) انتهى هذا القسم من أقسام الاستخلاف . غير أن بعض العلماء قال باختصاص الحاكم بخلافة الله في الأرض، ذهب إلى هذا الزجاج ،وحكاه الماوردي عن بعض العلماء، كذلك قال به الشيعة في حق أئمتهم. غير أن هذا القول يفضي إلى مساواة الحاكم و الإمام و النبي في المرتبة ، ويخالفه رأي اغلب علماء أهل السنة في أن المستخلف هو الجماعة(الاستخلاف العام) إما الحاكم فهو نائب ووكيل عن الجماعة لها حق تعيينه و محاسبته وعزله.
ثانيا:الاستخلاف العام : وهو استخلاف الجماعة، ولا ينفرد به إي فرد أو فئة و أدلته، ومثال له قوله تعالى﴿ وإذ قال ربك إني جاعل في الأرض خليفة﴾ ، قالت جمهرة من المفسرين :المراد بالخليفة ذرية آدم بدليل قوله على لسان الملائكة ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾، يقول أبن كثير( الظاهر أنه لم يرد آدم عليه ، ولو كان ذلك لما حسن قول الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها)( أبن كثير , تفسير القرآن العظيم،ص114 )،والذي نرجحه هو أن الآية تضمن الاستخلاف الخاص وهو لآدم (عليه السلام) باعتبار نبوته، كما تتضمن الاستخلاف العام وهو لذرية آدم .وقد أشارت إليه العديد من النصوص منها قوله تعالى ﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم﴾،ورد في تفسير الأمام أبن جزئ الكلبي( .....إي يخلف بعضكم بعضاً أو خلائف عن الله والخطاب في هذا لجميع الناس) ( تفسير أبن جزئ الكلبي ،ص41) ، وقوله تعالى ﴿ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره﴾، ورد في تفسير النسفي ( .... والمعنى انه جعلكم خلفاء في أرضه وقد ملككم مقاليد التصرف فيها وسلطكم على ما فيها وأباح لكم منافعها لتشكروه بالتوحيد و الطاعة )( مدارك النزيل وحقائق التأويل. ص201) . وفي السنة النبوية قوله (صلى الله عليه وسلم)(إن الدنيا حلوة خضرة وان الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون) ( مسلم: ذكر, 99, الترمذي فتن36)
أقسام الاستخلاف العام:
ا- الاستخلاف التكويني : ومضمونه أن الله تعالى أودع في الإنسان( من حيث هو إنسان) إمكانية تحقيق الاستخلاف في الأرض ، وذلك بتوافر امكانيه معرفه والتزام السنن إلالهيه التي تضبط حركة الوجود، وفي القرآن العديد من الآيات تشير إلى هذا النوع من الاستخلاف كقوله تعالى ﴿ ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون﴾.
الاستخلاف الاجتماعي: ومن أشكال هذا الاستخلاف الاستخلاف الاجتماعي ، ويستند إلى المعنى الحقيقي لمصطلح الاستخلاف ، ومضمونه هو أبدال وتغيير قوم بقوم آخرين: ومن أدلته قوله تعالى ﴿ قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُون ﴾ ( الأعراف: 119) ، وقوله تعالى ﴿ وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ ﴾( الأعراف:74)، ورد في تفسير أبن كثير ( اي قوماً يخلف بعضهم قرنا بعد قرن وجيلاً بعد جيل) ،وهذا الاستخلاف الاجتماعي لا يتم جملة واحدة ، بل خلال أطوار هي ذات الوحدات الاجتماعية التي يتم خلالها الاستخلاف الاجتماعي وهي نامية خلال الزمان وهي الاسره ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ﴾ ، فالعشيرة ﴿ وانذر عشيرتك الأقربين﴾،فالقبيلة فالشعب،( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) ، فالامه التي مناط الانتماء إليها اللسان لقوله ( صلى الله عليه وسلم) (إلا أن العربية اللسان..)،وتتميز بالاستقرار في الأرض الخاصة (الديار) ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم تبروهم وتقسطوا إليهم أن الله يحب المقسطين﴾ ( الممتحنة:8)، فطور العالمية الذي هو غاية الاستخلاف الاجتماعى.
ب-الاستخلاف ألتكليفي : و مضمونه إظهار الإنسان لربوبية الله تعالى وإلوهيته في الأرض، بالعبودية والعبادة ، على المستوى الصفاتى، يقول الإمام الماتريدى(وجائز أن يكونوا خلفاء فى إظهار أحكام الله ودينه)( تأويلات أهل السنة، ج1) ، ويقول الالوسى( فلابد من إظهار من تم استعداده وقابليته ليكون مجليا لى ومراه لاسمائى وصفاتي) (روح المعاني،ص223)، و بالتالي فإن هذا النوع من أنواع الاستخلاف مقصور على الذين يلتزمون بالوحي ، فهو يحد النوع السابق ولا يلغيه فيكمله ، وقد أشار القرآن إلى هذا النوع من الاستخلاف أيضا كما في قوله تعالى ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض﴾.
أدلته: ومن أدله هذا الاستخلاف التكليفى – الذي طبقا له يكون الإنسان الملتزم بالوحي”سواء كان فردا أو جماعه ” خليفة الله في الأرض- في السيرة: : قول الصحابي للرسول (صلى الله عليه وسلم)( تأذن لي يا خليفة الله أضرب عنقه) ( أبي داؤد, حدود,3ك). وعن القثوبان قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)( من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر هو خليفة الله في الأرض وخليفة كتابه وخليفة رسوله)( السيوطي، الفتح الكبير، ج1، ص 751). وعن السلف الصالح: قال المغيرة لعمر: (يا خليفة الله فقال ذاك نبي الله داؤد)( التاج في أخلاق الملوك, بيروت, 1955 هامش ص162) . وقال علي أبن أبي طالب ( إلا أن الأرض لا تخلو من قائم لله بحجة, ومن مؤتمن يصلح لحمل الحق حتى يؤديه لأشباهه من الناس فيزرعه في قلوبهم: قلوب تحمل ذلك العلم ظاهراً وباطناً تحقيقاً له... أؤلئك خلفاء الله في أرضه بما استلا نوه مما استرعاه المترفون, وانسوا مما استوحش منه الجاهلون, قد صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة معلقة بالملأ إلا على, واؤلئك خلفاء الله في أرضه ودعاته إلى دينه فآه لهم وواه شوقاً إلى رؤيتهم"( ابن القيم مفتاح السعادة, دار العهد الجديد, مصر ص 123). وعن الحسن أخرج وضاح في كتاب القطعان وحديث الاوزاعي انه بلغه عنه انه قال( لن يزال لله نصحاء في الأرض من عباده يعرضون أعمال العباد على كتأب الله فان وافقوه حمدوا الله وإذا خالفوه عرفوا بكتاب الله ضلالة من ضل وهدى من اهتدى فاؤلئك خلفاء الله)( ألشاطبي, الاعتصام, دار الفكر, ج1, ص43). وعن علماء أهل السنة قال ابن الجوزي( فكلما جد العباد صاح بهم لسان الحال عبادتكم لا. يتعداكم نفعها, وإنما يتعدى نفع العلماء وهم ورثة الأنبياء وخلفاء الله في الأرض)( أبن الجوزي ، صيد الخاطر، ج 2 ، ص 151).وقد قال البعض أن ابن تيميه أنكر جواز استخدام مصطلح "خليفة الله "مطلقا، استنادا إلى نفيه قول الشيعة أن الإمام هو خليفة الله في أرضه(...لان الله تعالى لا يخلفه غيره, فان الخلافة تكون عن غائب وهو سبحانه تعالى شهيد مدبر لخلقه....) ( ابن تيميه، منهاج السنة النبوية، ج1، ص136-137)، والصواب هو أن ابن تيميه أنكر جواز استخدام مصطلح" خليفة الله " على وجه يفيد أن استخلاف الإمام هو شكل من أشكال الاستخلاف الخاص ، والذي مضمونه استخلاف فرد معين، لأنه مقصور على الأنبياء والرسل، وبختم النبوة بوفاة الرسول انتهى هذا القسم من أقسام الاستخلاف ، وهذا القول يلزم منه المساواة بين الإمام والنبي في الدرجة ، كما أنكر استخدام مصطلح "خليفه الله " على وجه يفيد غيبه المستخلف " الله تعالى " ، ولكنه لم ينكر استخدام مصطلح "خليفة الله " بإطلاق ، بدليل استخدامه له في سياق أخر حيث يقول ( ... وقد كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهو خليفة الله على الأرض قد وكل أعوانًا يمنعون الداخل من تقبيل الأرض، ويؤدبهم إذا قبل أحد الأرض...) ( الفتاوى/ زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور/حكم وضع الرأس عند الكبراء من الشيوخ وتقبيل الأرض).
أشكاله : ومن أشكال هذا الاستخلاف التكليفى:
1-الاستخلاف الاقتصادي: ومضمونه إسناد ملكية المال (اى حق التصرف المطلق في
المال) لله تعالى وحده ﴿ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ (النور: 33)،واستخلاف الجماعة في إظهار ملكيته تعالى ،بإسناد الانتفاع بالمال على الوجه الذي حدده مالك المال إليها قال تعالى﴿وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ (الحديد: 7)، أما الفرد فهو نائب ووكيل عنها فى الانتفاع بالمال على الوجه الذي لا يتناقض مع مصلحتها (الوظيفة الاجتماعية للملكية).
2-الاستخلاف السياسي: و مضمونه إسناد الحاكمية(السيادة أو السلطة المطلقة ) لله وحدة ﴿ ...اِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ ﴾ ( يوسف: 40)، واستخلاف الجماعة في إظهار حاكمتيه تعالى ، بإسناد الأمر (السلطة المقيدة بالحاكميه-السيادة- الالهيه) إليها، قال تعالى ﴿ وأمرهم شورى بينهم﴾، أما الحاكم فهو نائب ووكيل عن الجماعة لها حق تعيينه ومراقبته وعزله.
البعد الحكمي ” الفلسفي”لمفهوم الاستخلاف (حكمه”فلسفه”الاستخلاف): يتمثل البعد الحكمي “الفلسفي” ، في حكمه ” فلسفه ” الاستخلاف ، التي تقوم على محاوله تحديد العلاقة بين المستخلف” الله تعالى” والمستخلف”الإنسان” والمستخلف فيه “الكون”- اى محاوله تحديد العلاقة بين أطراف علاقة الاستخلاف – وذلك باتخاذ المفاهيم ألقرانيه الكلية ( التوحيد والاستخلاف والتسخير) مسلمات أولى ، ثم محاوله استنباط النتائج الحكمية”الفلسفية” لهذه المفاهيم الكلية، متخذه من اجتهادات أهل السنة – بمذاهبهم المتعددة- العقدية “الكلامية ” – نقطه بداية- وليس نقطه نهايه – لهذا الاجتهاد.
الحكمة والمفهوم الاسلامى للفلسفة: والدراسة تنطلق في تحديدها لفلسفه"حكمه"الاستخلاف من المفهوم الاسلامى للفلسفة سواء استخدمت مصطلح" الحكمة " أو مصطلح "الفلسفة" فالدلالة الأصلية لمصطلح فلسفة يرجع إلى لفظ يوناني مشتق من كلمتي (فيلو) و (سوفيا) أي محبة الحكمة، وهناك من يرى أن هذا اللفظ قال به فيثاغورس الذي رأى أن الإله وحده الحكيم أما الإنسان فيجب أن يكتفي بمحبة الحكمة ، وهناك من يرى أن سقراط هو أول من استخدمها، وعلى أي حال استخدمها أفلاطون ليميز بين حب الحكمة عند سقراط وادعاء الحكمة عند السفسطائيين.أما تعريفات الفلسفة فى الفلسفة الغربية فقد تعددت طبقاً لتعدد الفلسفات ومناهج المعرفة المستخدمة في تعريفها. و إذا كان القدماء اليونانيين قد اكتفوا بوصف الإنسان بأنه محب للحكمة ، فان القران الكريم قد جمع بين وصف الله تعالى بالحكمة، كما في قوله تعالى(والله عزيز حكيم) (المائدة: 38)، ووصف الإنسان بالحكمة، كما في قوله تعالى( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ..)، مع وجوب أن نضع في الاعتبار أن الحكمه إلهيه مطلقه ،والحكمة الانسانيه محدودة ، بناء على هذا فإننا نرى إن مصطلح (حكمة ) هو المصطلح القرآني المقابل لمصطلح (فلسفة) في الفكر الغربي ، وهذا ما يمكن استنباطه من ورود مصطلح الحكمة في القرآن بمعاني كالعقل والعلم والفهم والإصابة في القول ( ابن كثير، تفسير القرآن العظيم. زبده التفسير من فتح القدير، ص540.) غير أننا نرى انه لا حرج من استخدام مصطلح الفلسفه ، ما دام هذا الاستخدام للفظ ذو دلاله لا تتناقض مع مفاهيم وقيم وقواعد الوحي الكلية ، وهنا نستأنس بتقرير العلماء لقاعدة (لا مشاحة في الألفاظ بعد معرفة المعاني)( المستصفى: 1/23 ) ، وإذا كان العلماء قد أجمعوا على أنه ليس في القرآن " كلام مركب من ألفاظ أعجمية " يعطي معنى من هذا التركيب ،فأنهم قد اجمعوا أيضا على أن في القرآن " أسماء أعلام أعجمية " مثل : نوح ، ولوط ، وإسرائيل ، وجبريل... يقول القرطبي في مقدمة تفسيره ( لا خلاف بين الأئمة أنه ليس في القرآن كلام مركب على أساليب غير العرب ، وأن في القرآن أسماء أعلاماً لمن لسانه غير لسان العرب كإسرائيل وجبريل وعمران ونوح ولوط ) (تفسير القرطبي : 1 / 68 ) ، كما العديد من علماء الإسلام قد استخدموا مصطلح الفلسفة ، يقول أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ( الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه (البيهقي ، معرفة السنن والآثار (1/118 ). وابن عساكر ، تاريخ دمشق 51/350).
مذهب الشمول الشرعي لمصطلح ” أهل السنة” : والدراسة تستخدم مصطلح "أهل السنة" طبقا لمذهب الشمول الشرعي ، وليس طبقا لمذهب التضييق المذهبي. فالأخير هو مذهب يقصر دلاله مصطلح ” أهل السنة ” على مذهب معين، وبالتالي يرى انه لا يجوز أن نصف به غيره من المذاهب، ووجه الخطأ في هذا المذهب هو انه يفترض أن لمصطلح ” أهل السنة ” دلاله واحده .آما الأول "مذهب الشمول الشرعي" فهو المذهب الصحيح ، و يقوم على أساس أن لمصطلح أهل السنة دلالات متعددة: خاصة تتمثل في وصف مذهب معين من هذه المذاهب بمصطلح ” أهل السنة ” وعامه مضمونها كل مسلم متمسك بالكتاب والسنة ، يقول الإمام ابن تيميه (فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى (3/346) ،وتندرج تحت هذه الدلالة العامة المذاهب الفقهية:الحنبلي والشافعي والمالكي والحنفي…والمذاهب ألاعتقاديه الكلامية: الحنبلي و الظاهري و الماتريدي والطحاوي والاشعرى والتصوف السني الذي يشكل المذهب الأخير” الاشعرى ” أساسه العقدي . يقول الإمام ابن تيمية ( فلفظ السنة يراد به من أثبت الخلفاء الثلاثة ، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلاّ الرافضة )(منهاج السنة 2/ 221) ، واستنادا إلى هذا فانه يرى ان وصف مذهب معين بهذا المصطلح ” أهل السنة ” على وجه الخصوص، لا يعنى أن هذا المصطلح مقصور عليه، لذا يجوز ان نصف به غيره من المذاهب على وجه العموم، مادامت هذه المذاهب مقيده بضوابط المصطلح الشرعية..وإذا كان بعض متاخرى الحنابلة ومعاصريهم ، قد قالوا بمذهب التضييق المذهب ، فقصروا مصطلح أهل السنة على المذهب الحنبلي، فان العديد من ائمه المذهب الحنبلي قد قالوا بمذهب الشمول الشرعي ،يقول العلامة السفاريني الحنبلي( أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: الأثرية، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه ، والأشعرية، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله ، والماتريدية، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) (لوامع الأنوار البهية 1 / 73) ، ويقول العلامة المواهبي الحنبلي : (طوائف أهل السنة ثلاثة: أشاعرة، وحنابلة، وماتريدية، بدليل عطف العلماء الحنابلة على الأشاعرة في كثير من الكتب الكلامية وجميع كتب الحنابلة) (العين والأثر ص/53).
نظريه الوجود: تستند فلسفه"حكمه" الاستخلاف إلى نظريه فى الوجود ، تنطلق من ثلاثة مفاهيم قرانيه هي:
ا/ مفهوم التوحيد : ومضمونه إفراد الربوبية والالوهيه لله تعالى ، فهو بالتالي ينقسم إلى توحيد الربوبية الذي مضمونه أن الله تعالى ينفرد بكونه الفاعل المطلق(الدائم كونه فاعلا فتعبير ابن تيميه ) ، يقول الإمام ابن تيميه في معرض رفضه لاستدلال المتكلمين على وجود الله بطريقه الأعراض الدالة على حدوث الأجسام ( إن هذا المسلك مبنى على امتناع دوام كون الرب فاعلا وامتناع قيام الأفعال الاختيارية بذاته) (ابن تيميه، درء التعارض،1/98.)، أما مضمون توحيد الإلوهية فهو أن الله تعالى ينفرد بكونه الغاية المطلقة( الغاية المطلوب بتعبير ابن تيميه)، يقول ابن تيمية ( …. ولكن المراد المستعان على قسمين: منه ما يراد لغيره ….. ومنه ما يراد لنفسه فمن المرادات ما يكون هو الغاية المطلوب فهو الذي يذل له الطالب ويحبه وهو الإله المعبود ومنه ما يراد لغيره)..فالتوحيد بقسميه(توحيد الربوبية و الالوهيه) يتعلق إذا بإفراد الوجود المطلق – فعلا وغاية- لله تعالى، والوجود المطلق هو الوجود القائم بذاته وكل وجود سواه قائم به ، وبتعبير الغزالي( فهو القيوم لان قوامه بذاته ،وقوام كل شيء به ،وليس ذلك إلا الله تعالى)( الغزالي، المقصد الاسنى في شرح أسماء الله الحسنى).
الظهور الصفاتى والذاتي للربوبية : وللفعل المطلق الذي عبر عنه القران الكريم بمصطلح "الربوبية"، ظهور صفاتي وظهور ذاتي :
ا/الظهور الصفاتى : ومضمونه أن عالم الشهادة قائم على ظهور صفات الربوبية ” اى ما دل على الفعل المطلق لله تعالى”، يقول ابن القيم ( فالكون كما هو محل الخلق والأمر ، مظهر الأسماء والصفات ، فهو بجميعه شواهد وأدله وآيات دعا الله سبحانه عباده إلى النظر فيها)، ولهذا الظهور شكلين: الأول تكويني: يتمثل في الكون، والسنن الإلهية التي تضبط حركته ، يقول ابن تيميه(المخلوقات كلها آيات للخالق والفرق بين الايه والقياس إن الايه تدل على عين المطلوب الذي هو أيه وعلامة عليه)( ابن تيميه، مجموع الفتاوى،1/48)، والثاني تكليفي :يتمثل في الوحي ومفاهيمه وقيمه وقواعده يقول ابن القيم( القران كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته) ، ولهذا الوجود الشهادى درجتان هما: الوجود التسخيرى (الطبيعي) والوجود الاستخلافى (الانسانى)، لذا يتصل بتفسير الوجود الشهادى تناول مفهومي التسخير والاستخلاف :
ب/ مفهوم التسخير: ومضمونه أن الأشياء والكائنات التي لها درجه التسخير تظهر صفات ربوبية والوهيه الله تعالى ، على وجه الإجبار ، فهي دائما آيات داله على وجوده المطلق يقول ابن القيم ( فالكون كما هو محل الخلق والأمر مظهر الأسماء والصفات فهو بجميعه شواهد وأدله وآيات دعا الله سبحانه عباده إلى النظر فيها). ويترتب على مفهوم التسخير قاعدتان هما:
أولا. الموضوعية: وتنقسم إلى قسمين هما : الموضوعية التكوينية (تتمثل في الوجود الموضوعي للكون)، والموضوعية التكلفية (وتتمثل في الوحي كوضع الهي مطلق)، وقسما الموضوعية يترتب عليهما تقرير أن الوجود الانسانى غير منفصل عن العالم الطبيعي وقوانينه ،أو الوحي ومفاهيمه وقيمه وقواعده الكلية.
ثانيا: السببية: وطبقا لها فان مضمون السنن الالهيه “الكلية والنوعية “التي تضبط حركه الوجود الشهادى ، هو تحقق المسبب بتوافر السبب وتخلفه بتخلف السبب. ويترتب على قاعدة السببية تقرير أن الضرورة ( ممثلة في انضباط حركة الوجود الشهادي بسنن إلهية لا تتبدل) هي شرط – وليس إلغاء – للوجود الانسانى ، أي أن تحقق الوجود الإنساني يتوقف على معرفة والتزام حتمية هذه السنن الإلهية.
ج/ مفهوم الاستخلاف : ومضمونه إظهار الإنسان لربوبية وإلوهيته الله تعالى في الأرض ،على المستوى الصفاتى، على وجه الاختيار، وهو ما يكون بالعبودية والعبادة، يقول الالوسى ( فلابد من إظهار من تم استعداده وقابليته ليكون مجليا لي ومراه لاسمائى وصفاتي)( روح المعنى،ص223) ، وإظهار صفات الالوهيه يكون بتوحيد الالوهيه والعبادة، وللاخيره معنى خاص ومعنى عام ، ومضمون الأخير كل فعل الغاية المطلقة منه الله تعالى يقول الإمام ابن تيميه ( العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة) (رسالة العبودية ، ص 38) ، والعبادة – طبقا لهذا التعريف – هي ضمان موضوعي مطلق لتحقيق البعد الايجابي للوجود الانسانى(على المستوى الذاتي) ، لأن اتخاذ الله تعالى غاية مطلقة، يمد الذات بإمكانيات غير محدودة للترقي”الروحي” ، لأنه لا تتوافر للذات الإنسانية إمكانية التحقيق النهائي لها. أما إظهار صفات الربوبية فيكون بتوحيد الربوبية والعبودية، التي تعنى تحديد الفعل الانسانى – وليس إلغائه – وذلك باتخاذ مقتضى صفات الربوبية ضوابط موضوعيه مطلقه له ، والعبودية- طبقا لهذا التعريف – ضمان موضوعي مطلق لتحقيق البعد الإيجابي للوجود الانسانى (على المستوى الموضوعي)، لان الفعل الالهى المطلق عندما يحدد الفعل الانسانى ، فانه يكمله ولا يلغيه.
ب/ الظهور الذاتي( الحياة الاخره): ومضمونه ظهور ذات الفعل المطلق ، وقد عبر عنه القران بمصطلح التجلي كما في قوله تعالى (…فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) (الأعراف: 143)، ولهذا الظهور الذاتي شكلين:الأول :مقيد: ويتم في الحياة الدنيا وله شكل تكويني يتمثل في معجزات الأنبياء، وشكل تكليفي يتمثل في نزول الوحي على الأنبياء.والثاني : مطلق: ويتم في الاخره ، فالحياة الاخره هي درجه من درجات الوجود قائمه على الظهور الذاتي (التجلي) ، قال تعالى(وأشرقت الأرض بنور ربها)، هذا التجلي يترتب عليه تغيير الوجود الشهادى المحدود بالزمان والمكان ،والقائم على الظهور الصفاتى، بوجود غيبي، قائم على الظهور الذاتى قال تعالى (كلا إذا دكت الأرض دكا دكا ) ،وقال تعالى(يوم يبدل الله الأرض غير الأرض والسماوات)، غير أن هذا الظهور الذاتي أو التجلي( بالنسبة إلي الناس) ليس شاملا لجميعهم، بل هو مقصور على المؤمنين، وهو ما عبر عنه أهل السنة برؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة،استنادا إلى العديد من النصوص كقوله تعالى (وجوهٌ يومئذٍ ناضرة، إلى ربِّها ناظرة).
نظريه المعرفة: كما تستند فلسفه "حكمه "الاستخلاف إلى نظريه في المعرفة مضمونها أن العلم صفة ألوهية،وبالتالي ذات مضمون دال على كونه تعالى غاية مطلقة ،وهذه الصفة تظهر في عالم الشهادة من خلال شكلين:ا/ شكل تكويني: يتمثل في عالم الشهادة(المتضمن للكون المسخر والإنسان المستخلف)كمصدر للمعرفة – والإحساس والتفكير المجرد(التذكير والإدراك والتصور) والرؤية الصادقة كوسائل لمعرفته..ب/ شكل تكليفي:يتمثل في عالم الغيب كمصدر للمعرفة والوحي كوسيلة لمعرفته. يقول ابن القيم (وهذا البيان نوعان: بيان بالآيات المسموعة المتلوة ، وبيان بالآيات المشهودة المرتبة، وكلاهما أدلة وآيات علة توحيد الله وأسمائه وصفاته وكلامه). ومضمون الاستخلاف هنا إظهار صفه العلم الالهيه في الأرض، وذلك بإفراد العلم المطلق لله ، واتخاذ صفة العلم الإلهية مثل أعلى مطلق يسعى الإنسان لتحقيقه في واقعه المحدود، دون أن تتوافر له امكانيه التحقيق النهائى له ، وهو ما يتم باتخاذ مقتضى هذه الصفة كضوابط موضوعية مطلقة تحدد المعرفة الإنسانية ولا تلغيها .فالوحي يحدد – ولا يلغى – جدل المعرفة القائم على الانتقال من الموضوعي (المشكلة العينية) إلي الذاتي (الحل المجرد) إلي الموضوعي(الواقع) مرة أخرى من أجل تغييره ، فيكون بمثابة ضمان موضوعي مطلق لاستمرار فاعليته.