حزب التحرير : قراءه نقدية إسلاميه لمفاهيمه النظرية ومواقفه العملية 1
د.صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
تمهيد(ملخص الدراسة): هذه الدراسة هي قراءه نقدية إسلاميه للمفاهيم النظرية والمواقف العملية لحزب التحرير . ومضمون هذه القراءة - على المستوى النظري– تناول مفاهيم هذا الحزب من حيث اتساقها أو تناقضها مع أصول الدين ، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ، وطبقا للفهم الصحيح لها متمثلا في فهم السلف الصالح وعلماء أهل ألسنه بمذاهبهم ألاعتقاديه والفقهية المتعددة لهذه الأصول، وهنا تخلص هذه القراءة إلى انه إذا كانت بعض مفاهيم حزب التحرير تتسق مع هذه الأصول،فان بعضها الآخر يتناقض معها. أما مضمون هذه القراءة– على المستوى العملي- فيتمثل في بيان ما يلزم "موضوعيا" - وبصرف النظر عن النوايا الذاتية لمؤسس الحزب وأنصاره - من نتائج تطبيقيه من مواقف سياسيه،اقتصاديه ،اجتماعيه ، وهنا نخلص هذه الدراسة أن الكثير من هذه المواقف يلزم منها الإبقاء على الواقع العربي ، والقائم على الاستبداد " الداخلي "،والاستعمار القديم والجديد"الخارجي"، والتجزئة والتفتيت،والظلم الاجتماعي والتبعية الاقتصادية بدون تغيير،وأنها تتعارض مع أهداف وغايات الاراده الشعبية العربية ،والممثلة في الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية. وأنها تخدم المشاريع الهادفة إلى إلغاء الإرادة الشعبية العربية ، ومنها مشروع الشرق الأوسط "الامبريالي الصهيوني". ثم تخلص الدراسة إلى ضرورة إجراء أنصار حزب مراجعه شرعيه لهذا الفكر، تشمل مستواه النظري" وتضمن ضبط مفاهيمه النظرية بالضوابط الشرعية، ليتحول من احد صيغ مذهب التفسير السياسي للدين ،الذي عبر عنه البعض خطا بمصطلح"الإسلام السياسي " ، الذي هو بدعه في ذاته وفيما يلزم منه من مفاهيم ، ويخالف مذهب أهل السنة في الامامه، إلى مذهب منضبط بالتفسير الديني للسياسية ، الذي يوافق مذهب أهل السنة في الامامه، والذي عبر عنه علماء أهل السنة بمصطلح "السياسة الشرعية" . كما تشمل هذه المراجعة تصحيح كثير من مواقفه التطبيقية، لتتسق عن غايات الاراده الشعبية العربية ممثله في الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية .
ضوابط القراءة النقدية الاسلاميه: كما ذكرنا أعلاه فان هذه الدراسة هي قراءه نقدية إسلاميه للمفاهيم النظرية والمواقف العملية لحزب التحرير ، وضوابط هذه القراءة :
أولا: أن المفاهيم النظرية والمواقف العملية لحزب التحرير تمثل مذهب في الفكر الاسلامى- و ما يلزم من هذا المذهب عمليا – فهي اجتهاد بشرى" اى فهم أو تفسير معين للنصوص الظنية الورود والدلالة"، يحتمل الصواب والخطأ. وليست نص يقيني الورود قطعي الدلالة لا يجوز مخالفته.
ثانيا: أن الموقف الشرعي الصحيح من المذاهب المتعددة في الفكر الاسلامى - ومنها مذهب حزب التحرير- يتجاوز موقفي الرفض أو القبول المطلقين- والقائمين على الرفض أو القبول دون تمييز بين الايجابيات والسلبيات - إلى الموقف النقدي-المنطلق من مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية - الذي يميز بين الايجابيات والسلبيات ، فيقبل الأولى ويرفض الثانية ، ،هذا الموقف أشارت اليه الكثير من النصوص : قال تعالى( فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ (الزمر:17-18)،ورد فى تفسير الطبرى( يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (بَشِّرْ يَا مُحَمَّد عِبَادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْل مِنْ الْقَائِلِينَ , فَيَتَّبِعُونَ أَرْشَدَهُ وَأَهْدَاهُ , وَأَدَلَّهُ عَلَى تَوْحِيد اللَّه , وَالْعَمَل بِطَاعَتِهِ , وَيَتْرُكُونَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْقَوْل الَّذِي لَا يَدُلّ عَلَى رَشَاد , وَلَا يَهْدِي إِلَى سَدَاد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل)، وقال الرسول ( صلى الله عليه وسلم) (لا يكن أحدكم إمعة، يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسئت، بل وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا،وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم)، وهذا الموقف هو الموقف الحقيقي لعلماء الإسلام من كثير من المفاهيم والمجالات المعرفيه ، كموقف الإمام ابن تيمية الذي يقول في تقييم التصوف على سبيل المثال (لأجل ما وقع في كثير من الاجتهاد والتنازع فيه، تنازع الناس في طريقهم فطائفة ذمت “الصوفية والتصوف” وقال أنهم مبتدعون خارجون عن السنة … وطائفة غلو فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء، وكلا طرفي هذه الأمور ذميم. ..) .
ثالثا:أن هناك العديد من المفاهيم الشرعية التي تؤسس للمنهج النقدي المنضبط بالضوابط الشرعية ومنها : ا/ مفهوم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر: الذي أشارت العديد من النصوص كقوله تعالى( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله..) (آل عمران: 110). ب/ مفهوم النصيحة: الذي أشارت إليه أيضا العديد من النصوص كقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) (الدِّينُ النَّصِيحَةُ) قُلْنَا لِمَنْ ، قَالَ (لِلَّهِ وَلِرَسُولِه َولِكِتَابِهِ ِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) مُسلم .ج/ مفهوم التقويم: الذي أشار اليه السلف الصالح كما فى قول أبوبكر الصديق (رضي الله عنه) (إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني). د/ مذهب أهل السنة في العصمة، والقائم على انه لا عصمه "بالاصاله" لأحد بعد الرسول(صلى الله عليه وسلم)، وان العصمة "بالتبعية" للجماعة وليست لآحاد الناس"سواء كان هذا الآحاد فرد مسلم أو جماعه من المسلمين" ، يقول الامام ابن تيمية : (والقاعدة الكلية في هذا ألا نعتقد أن أحداً معصوم بعد النبي – صلى الله عليه وسلم- ، بل الخلفاء وغير الخلفاء يجوز عليهم الخطأ) (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية :6/196) ، ويقول أيضا (والله تعالى قد ضمن العصمة للأمة ... فلم يتفق أهل السنة على ضلالة أصلاً) (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية :3/408 ، 409) .
أولا:المفاهيم النظرية: كما ذكرنا أعلاه فان مضمون هذه القراءة - على المستوى النظري– تناول مفاهيم هذا الحزب من حيث اتساقها أو تناقضها مع أصول الدين ، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ، وطبقا للفهم الصحيح لها متمثلا في فهم السلف الصالح وعلماء أهل ألسنه بمذاهبهم ألاعتقاديه والفقهية المتعددة لهذه الأصول، وهنا تخلص هذه القراءة إلى انه إذا كانت بعض مفاهيم حزب التحرير تتسق مع هذه الأصول، فان بعضها الآخر يتناقض معها ومن هذه المفاهيم التي تتناقض مع هذه الأصول :
اقامه الخلافة من أصول الدين "النصية" وليست من فروعه "الاجتهادية" يلزم من مذهب حزب التحرير في الخلافة على وجه الإجمال ، أن أقامه الخلافة " مطلقا " أصل من أصول الدين النصية ، وليست فرع من فروعه الاجتهادية، وهو ما يمكن استقراءه من تفصيلاته الاتيه:
التفصيل الأول: اقامه الخلافة"مطلقا" فرض عين "واجب عينى" وليست فرض كفاية"واجب كفائي" : يقرر حزب التحرير أن أقامه الخلافة " مطلقا" فرض عين" واجب عيني" ، وليس فرض كفاية "واجب كفائي" ، وهو تقرير وارد في الكثير من كتب ومنشورات الحزب بصيغ شتى ، فالنبهانى مثلا يأثم كل من قعد عن أقامه الخلافة في قوله (فالمسلمون جميعاً آثمون إثماً كبيراً في قعودهم عن إقامة خليفة للمسلمين، فإن أجمعوا على هذا القعود كان الإثم على كل فرد منهم في جميع أقطار المعمورة ) (كتاب الشخصية الإسلامية صفحة 3)، وكما هو معلوم فان فرض العين هو الذي لا يسقط عن أحد "وبالتالي يأثم كل من تركه" - خلافا لفرض الكفاية الذي إذا قام به البعض يسقط عن الآخرين " وبالتالي يسقط الإثم عنهم" - كما تشير أدبيات الحزب إلى أن اقامه الخلافة فرض وواجب دون تحديد كونه فرض عين أو فرض كفاية، فعلى سبيل المثال ورد عن المكتب الإعلامي لحزب التحرير ولاية مصر(العمل لإقامة دولة الخلافة واجب شرعى، وحزب التحرير هو من يعمل لها بمنهج واضح منضبط بالشرع الحنيف ..)، كما ساوى بعض قاده حزب التحرير بين اقامه الخلافة و فروض العبادة كالصلاة والزكاة ، باعتبار ان التقصير في كلاهما معصية - رغم كون الأولى فرض كفاية والثانية فرض عين - يقول حسن الضاحي رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في الكويت في مقال له فى صحيفة السياسة الكويتية في عددها رقم 13569 الصادر في 24 رجب 1427هـ الموافق في 18/8/ 2006 م ( ان العمل لإقامة الخلافة فرض واجب على المسلمين الالتزام به، والتقصير فيه يكون معصية كالتقصير بأي فرض من الفروض كالصلاة والزكاة وغيرها)، نقلا عن مجله الوعي- العدد 236 - العدد 236 – السنة الواحدة والعشرون، رمضان 1427هـ، الموافق تشرين الأول 2006م ).
مخالفه مذهب أهل السنة( الوجوب الكفائى"لا العينى" لنصب إمام أو خليفه “مطلقا” ): وهذا التفصيل يخالف مذهب أهل السنة في الوجوب الكفائى"لا العينى" لنصب إمام أو خليفة “مطلقا” من جهتين:
الجهة الأولى:الوجوب متصل بالامامه بمعنى الدولة"نصب امام مطلقا": فقد قرر علماء أهل السنة وجوب الامامه فيما يتعلق بنصب إمام أو خليفة مطلقا “اى في كل زمان ومكان”، اى فيما يتعلق بالامامه بمعنى الدولة ،يقول الماوردي ( وعقدها- أي الإمامة – لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع…) (الأحكام السلطانية)، ويقول القاضي أبو يعلى ( نصبة الإمام واجبة…)(المصدر السابق)، ويقول النووي( وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة…) (نيل الأوطار)، فهذه الأقوال لا تتحدث عن نصب امام فى زمان ومكان معينين– اى لا تتحدث عن السلطة- بل تتحدث عن نصب إمام أو خليفة في كل زمان ومكان- اى تتحدث عن الدولة ، فهي ئؤكد على مبدأ ان الدولة هي ضرورة اجتماعيه،والذي قرره على بن أبى طالب (رضي الله عنه) بقوله (..وانه لابد للناس من أماره بره أو فاجرة) ، ، ويمكن التحقق من صحة ذلك ، من خلال استقراء هذه الأقوال ، ودراسة السياق الذي ورد فيه القول بوجوب نصب الإمام ، فعلى سبيل المثال يقول الإيجي ( نَصْبُ الإمام عندنا واجبٌ علينا سمعاً…وقال : انه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة النبي ? على امتناع خلو الوقت عن إمام، حتى قال أبو بكر ” رضى الله عنه ” في خطبته” ألا إن محمداً قد مات، ولا بدَّ لهذا الدين ممن يقوم به ” ، فبادر الكل إلى قبوله، وتركوا له أهم الأشياء، وهو دفن رسول الله ، ولم يزل الناس على ذلك في كل عصر إلى زماننا هذا مِنْ نَصْب إمام متَّبَع في كل عصر…)(المواقف ، ص 395 ). فهذا النص يتحدث عن نصب الأمام في كل زمان ، وليس نصب الإمام في زمان معين، كما تفيد العبارات( تواتر إجماع المسلمين … على امتناع خلو الوقت عن إمام) ، و (لم يزل الناس على ذلك … مِنْ نَصْب إمام متَّبَع في كل عصر…).
الجهة الثانية: الوجوب المتعلق بنصب إمام أو خليفة"مطلقا" كفائي لا عيني: ووجوب نصب امام أو خليفة “مطلقا” هو وجوب كفائي لا عيني، اى أن نصب إمام أو خليفة ” مطلقا ” هو فرض كفاية لا فرض عين ، اى ان الوجوب هنا لا يشمل الجميع ، يقول الماوردي ( فإذا ثبت وجوبها ففرضها على الكفاية كالجهاد وطلب العلم، فإذا قام بها من هو من أهلها سقط ففرضها على الكفاية، وإن لم يقم بها أحد خرج من الناس فريقان: أحدهما أهل الاختيار حتى يختاروا إمامًا للأمة، والثاني: أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهما للإمامة، وليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم، وإذا تميز هذان الفريقان من الأمة في فرض الإمامة وجب أن يعتبر كل فريق منهما بالشروط المعتبرة فيه) ( الأحكام السلطانية: ص 5) ، ويقول القاضي أبو يعلى: (وهي فرض على الكفاية ، مخاطبا بها طائفتان من الناس، إحداهما: أهل الاجتهاد حتى يختاروا، والثانية: من يوجد فيه شرائط الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة) (الأحكام السلطانية: ص)19)، ويقول الإمام النووي: (تولي الإمامة فرض كفاية ، فإن لم يكن من يصلح إلا واحد تعين عليه ، ولزمه طلبها إن لم يبتدؤه، هذا إذا كان الدافع له الحرص على مصلحة المسلمين ، وإلا فإن من شروط الإمام ألا يطلبها لنفسه كما سيأتي في الشروط) (روضة الطالبين :10/43). اما المذهب الشيعي فيجعل وجوب الامامه وجوب عينى وليس وجوب كفائى، اى فرض عين وليس فرض كفاية .
التفصيل الثاني:الزاميه البيعة: كما يقرر حزب التحرير أن بيعه الإمام ملزمة للجميع- في معرض استدلاله بالزاميه البيعة للقول بوجوب اقامه الخلافة"وجوب عينى"- وقد احتج في ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)، يقول النبهاني في كتابه "الشخصية الإسلامية" (الجزء الثاني صفحة 31، 92) (فالنبي صلي الله عليه وسلم فرض على كل مسلم أن تكون في عنقه بيعة، ووصف من يموت وليس في عنقه بيعة بأنه مات ميتة جاهلية)
وجه الخطأ في التفصيل: وهذا التفصيل: غير صحيح حيث أن ميتة الجاهلية في هذا الحديث وغيره من النصوص تتعلق بمن خرج على الإمام القائم الشرعي - اى الذي تم اختياره ببيعه صحيحة " قائمه على المرضاة والاختبار الذي لم يدخله إجبار ولا اكراه" اى تتعلق باقامه الخلافة في مكان وزمان معينين - وليس لها صله بالمسلم الذي يموت في زمن ليس فيه جماعة ولا إمام – اى تتعلق باقامه الخلافة في كل زمان ومكان- بدليل الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عباس عن الرسول ( صلى الله عليه وسلم) قال ( من كره من أميره شيئا فليصبر عليه فانه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية). و بدليل الحديث ( تلزم جماعة المسلمين وامامهم) قال: فان لم يكن لهم إمام (أي خليفة) أو جماعة؟ قال: تعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تلقى الله وأنت على ذلك) [رواه مسلم وهو عند البخاري] .
التفصيل الثالث: التكفير باعتبار مكان الاقامه " بلاد المسلمين دار كفر": كما يقرر حزب التحرير أن ديار المسلمين هي ديار كفر ، ورد في كتاب حزب التحرير ( بلاد المسلمين تعتبر كلها دار كفر ولو كان أهلها مسلمين والمسلمون اليوم يعيشون في دار كفر ) (ص 32 ، 103 ).وهذا يعنى أن حزب التحرير يكفر المسلمين من جهة مكان إقامتهم "بلاد المسلمين"، وليس باعتبار أشخاصهم،ولكنه في النهاية شكل من أشكال التكفير، ولا يمكن اعتبار هذا الشكل من تكفير المسلمين تطبيق لقاعدة جواز التكفير على العموم،لكن المعين يتوقف تكفيره على استيفاء شروط التكفير وانتفاء موانعه، التي قررها علماء أهل السنة لان المقصود بالعموم هنا المذهب أو القول المعين وليس جميع المسلمين .
تعارض التفصيل مع النصوص ومذهب أهل السنة: وهذا التفصيل يتعارض مع ورود الكثير من النصوص التي تفيد النهى عن تكفير المسلمين: قال تعالى ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً تبغون عرض الحياة الدنيا). و قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) ( ومن رمى مؤمناً بكفر فهو كقتله ) (ترجم له البخاري).كما يتعارض مع مذهب أهل السنة القائم على الضبط الشرعي لمفهوم التكفير ، ويوافق مذهب الخوارج في الإطلاق البدعى للتكفير.
مخالفه مذهب أهل السنة في الامامه(الامامه من فروع الدين وليست من أصوله) : بعد العرض السابق لتفصيلات مذهب حزب التحرير في اقامه الخلافة – مع بيان مخالفتها لمذهب أهل السنة - نخلص إلى أن مجمل مذهب حزب التحرير في اقامه الخلافة يلزم منه أن أقامه الخلافة " مطلقا " أصل من أصول الدين النصية ، وليست فرع من فروعه الاجتهادية ، وهو بالتالي يعارض مع مذهب أهل ألسنه في الامامه ، والقائم على أن الامامه بمعنى السلطة – والتي تتصل بنصب امام "خليفه" معين ، اى باقامه الخلافة في مكان وزمان معينين- هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله ، يقول الامام الآمدي ( واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات ، ولا من الأُمور اللابدِّيَّات ، بحيث لا يسع المكلَّف الإعراض عنها والجهل بها … ) (غاية المرام في علم الكلام : ص 363) ، ويقول الامام الإيجي ( وهي عندنا من الفروع ، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا ) (المواقف : ص 395) ، ويقول الإمام الغزالي ( اعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليس من المهمات ، وليس أيضاً من فنّ المعقولات ، بل من الفقهيات … ) (الاقتصاد في الإعتقاد : ص 234) ، ويقول التفتازاني ( لا نزاع في أنّ مباحث الإمامة ، بعلم الفروع أَليق … ) (شرح المقاصد : ج 2، ص 271)، والقول بان الامامه من أصول الدين يمثل المذهب الشيعي في الامامه،حيث ينقل الشيعة عن أبي جعفر انه قال( بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية، قال زرارة: فقلت: وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال:” الولاية أفضل ” …)( الكافي ، 2/16، كتاب الإيمان والكفر، باب دعائم الإسلام). وقد رد الامام ابن تيميه (في منهاج السنة:1/75) على هذا المذهب بقوله ( فقوله إن مسألة الإمامة أهم المطالب كذب بالإجماع؛ إذ الإيمان أهم, فمن المعلوم بالضرورة، أن الكفار على عهد النبي-صلى الله عليه و سلم- كانوا إذا أسلموا أجري عليهم أحكام الإسلام, ولم تذكر لهم الإمامة بحال, فكيف تكون أهمّ المطالب) …ثم يقول و قوله أن الإمامة أحد أركان الدين جهل وبهتان, فإن النبي-صلى الله عليه و سلم-فسَّر الإيمان وشعبه, ولم يذكر الإمامة في أركانه, ولا جاء ذلك في القرآن).
احد صيغ مذهب التفسير السياسي للدين"الإسلام السياسي" المخالف للتفسير الديني للسياسة"السياسة الشرعية" : و مذهب حزب التحرير في ألخلافه يمثل احد صيغ مذهب التفسير السياسي للدين "الذي عبر عنه البعض خطا بمصطلح الإسلام السياسي"،والذي يخالف التفسير الديني للسياسة "الذي عبر عنه علماء أهل السنة بمصطلح"السياسة الشرعية".
تعريف مذهب التفسير السياسي للدين " الإسلام السياسي ": هو مذهب معين في تفسير طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة ، يقوم على إثبات العلاقة بينهما ، ولكنه يتطرف في هذا الإثبات إلى درجه جعل العلاقة بينهما علاقة تطابق و خلط ، فهو يلتقي مع الثيوقراطيه كمذهب يسند إلى الحاكم سلطه دينيه مطلقه ” سلطه التحليل والتحريم بدون نص”، ومقيده “من مظاهرها انفراده بسلطة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ” ، ويترتب على هذا أحقيته في الانفراد بالسلطة السياسية . والثيوقراطيه تتعارض مع الإسلام ، إذ ليس فيه سلطه دينيه مطلقه ” التحليل و التحريم بدون نص قطعي ” قال تعالى ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ)(النحل:116).كما أن الحكام لا ينفردون في المنظور السياسي الاسلامى بسلطة دينيه مقيده” الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر “ ، لان هذه السلطة الدينية المقيدة مخوله فيه – بموجب الاستخلاف العام - لجماعة المسلمين﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾ ، كما أن الحكام لا ينفردون في المنظور السياسي الاسلامى بالسلطة السياسية ،لأنه يسندها إلى الجماعة – بموجب الاستخلاف العام أيضا- قال تعالى ﴿ وأمرهم شورى بينهم)، أما الحاكم فنائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعينه ومراقبته وعزله ، يقول أبو يعلي (الخليفة وكيل للمسلمين ) (الماوردي، الأحكام السلطانية، ص 7 ). فهذا المذهب لا يتسق مع المنظور السياسي الاسلامى ، الذي يجعل العلاقة بين الدين والدولة علاقة وحدة وارتباط (وليست علاقة خلط أو تطابق كما في الثيوقراطيه كما اشرنا أعلاه)، لان السلطة في المنظور السياسي الإسلامي مقيده بمفاهيم وقيم قواعد كليه ، مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعي الدلالة "كالشورى والعدل والمساواة.... .وعلاقة تمييز( وليست علاقة فصل كما في العلمانية) ، لان الإسلام- ميز بين التشريع كوضع الهي ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير. كما أن هذا المذهب يساوى بين الدين والسياسة في الدرجة، وقد يتطرف فيجعل السياسة أعلى درجه من الدين، حين يجعل الغاية هي الدولة – السلطة والوسيلة هي الدين، بينما الدين هو الأصل” الغاية” والسياسة هي الفرع” الوسيلة” ، وهو ما أشارت إليه كثير من النصوص كقوله تعالى (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة واتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر …)( الحج). ومرجع التطرف مذهب التفسير السياسي للدين في إثبات العلاقة بين الدين والدولة أن هذا المذهب إنما ظهر في المجتمعات المسلمة في العصور الحديثة والمعاصرة كرد فعل على الليبرالية والتي باستنادها إلى العلمانية نفت اى علاقة للدين بالدولة.
بدعية مذهب التفسير السياسي للدين : وهذا المذهب هو بدعه في ذاته " اى يستند إلى مفاهيم بدعية "، ومن أهم هذه المفاهيم هو القول بان الامامه” بمعنى السلطة” أصل من أصول الدين وليست فرع من فروعه، وهو ما يخالف مذهب أهل السنة في الامامه ، والقائم على أن الامامه هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله كما قرر علماء أهل السنة، يقول الآمدي ( واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات ، ولا من الأُمور اللابدِّيَّات ... ) (غاية المرام في علم الكلام : ص 363) . ويقول الإيجي ( وهي عندنا من الفروع  ، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا ) (المواقف : ص 395) . ويقول الإمام الغزالي ( اعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليس من المهمات ، وليس أيضاً من فنّ المعقولات ، بل من الفقهيات ... ) (الاقتصاد في الاعتقاد : ص 234) . كما أن هذا المذهب بدعه فيما يلزم منه اى يلزم منه مفاهيم بدعية ومنها على سبيل المثال لا الحصر: أولا: تكفير المخالف فى المذهب، وهو يخالف مذهب أهل السنة، القائم على اباحه الخلاف في فروع الدين دون أصوله، وبالتالي عدم جواز تكفير المخالف في المذهب، يقول ابن مفلح ( لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع)(الآداب الشرعية 1/186)، ثانيا:اباحه الاختلاف ” التعدد “على مستوى أصول الدين:وهو ما يتناقض مع ما قررته النصوص ، من النهى عن الاختلاف ،على مستوى أصول الدين ،التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة : يقول تعالى( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ~ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ( آل عمران: الآية (104)..
التفسير الديني للسياسة: السياسة الاسلاميه” الشرعية”: أما التفسير الديني ” الاسلامى – الشرعي- للسياسة فهو - خلافا لمذهب التفسير السياسي للدين - يجعل الدين هو الأصل – والسياسة هي الفرع، اى أن يكون الدين ” ممثلا في مفاهيمه قيمه وقواعده الكلية ” للسياسة بمثابة الكل للجزء، يحده فيكمله ولكن لا يلغيه . وطبقا لهذا التفسير فان النشاط السياسي يجب ان يلتزم بجمله من الضوابط التي تهدف إلى تحقيق اكبر قدر ممكن من الاتساق- وليس التطابق- بينه وبين مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية ،ومن هذه الضوابط :
أولا:الامامه من فروع الدين: قرر علماء أهل السنة أن الامامه - بمعنى السلطة - هي فرع من فروع الدين ،خلافا للمذهب الشيعي،الذي اعتبرها أصل من أصوله .
ثانيا: السياسة الشرعية ما يحقق مصلحه الجماعة ولو لم يرد في نص: كما قرر علماء أهل السنة أن السياسة الشرعية هي ما كل يحقق مصلحه الجماعة ولو لم يرد فيه نص ، فهي اتساق – وليس تطابق- مع النص، يقول ابْنُ عَقِيلٍ(السِّيَاسَةُ مَا كَانَ فِعْلاً يَكُونُ مَعَهُ النَّاسُ أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ، وَأَبْعَدَ عَنْ الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَزَلَ بِهِ وَحْيٌ.) ويقول ابن القيم(... فَإِذَا ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْعَدْلِ وَأَسْفَرَ وَجْهُهُ بِأَيْ طَرِيقٍ كَانَ، فَثَمَّ شَرْعُ اللهِ وَدِينُهُ، ...) (الأحكام السلطانية،أبي يعلى الفراء).