العلاقة بين الدين والدولة بين الكهنوت والثيوقراطيه والعلمانية والدولة المدنية: قراءه تقويميه إسلاميه 2
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
ثانيا: العلاقة بين الدين والدولة في الفكر السياسي الاسلامى الحديث والمعاصر:
ا/ مذاهب متاثره بمذاهب ومفاهيم أجنبيه:
1- مظاهر الكهنوت التي تلزم من بعض دلالات مصطلح “الإسلاميين”:ورغم تعارض الكهنوت مع الإسلام، إلا أن بعض دلالات مصطلح “الإسلاميين” - وهى الدلالة البدعيه للمصطلح- يلزم منها كثير من مظاهر الكهنوت.
أصل المصطلح: من ناحية اللفظ لم يرد لفظ “ اسلامى” أو “إسلاميين” كصيغه نسب لمفرد أو جماعه من البشر في القران أو ألسنه أو أقوال السلف الصالح، إنما ورد لفظ مسلم ومسلمين، قال الله تعالى: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (الحج:78)، فمصطلح (اسلامى) هو لفظ اصطلاحي (توفيقي) رغم أن موضوعه ديني (الإسلام)، وليس مصطلح شرعي (توقيفي)،. وإذا كان بعض العلماء المسلمين فى مراحل تاليه لعهد السلف الصالح (رضي الله عنهم) قد استخدم مصطلح (إسلاميين)، فأنهم قد استخدموه بدلالات غير دلالاته المعاصرة ، من هؤلاء العلماء الإمام أبو الحسن الاشعرى في كتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين)،حيث عنى بالإسلاميين كل فرق وطوائف المسلمين – بما في ذلك الفرق التي تختلف مع أهل السنة والجماعة كالشيعة، والخوارج والمرجئة والمعتزلة،مع تركيزه على المذاهب ألاعتقاديه (الكلامية) المختلفة لهذه الفرق،وهى دلاله تختلف عن دلالته المعاصرة التي تقتصر على فئة معينه من المسلمين ولا تمتد وتشمل كل المسلمين. وطوال التاريخ الاسلامى ، فان المسلمين استخدموا المصطلحات ألقرانيه (المسلم المسلمين) في وصف كل من التزم بأصول الدين الثابتة من أفراد وجماعات، أما الجماعات التي تلتزم بأحد المذاهب الاسلاميه،التي هي محصله الاجتهاد في فروع الدين المتغيرة،فقد نسبوها إلى صاحب المذهب ، كالحنابلة والمالكية والشافعية والحنفية في الفقه أو الاشاعره والماتريديه و الطحاويه في علم الكلام ، ولم يتم استخدام مصطلح اسلامى وإسلاميين بدلالاته الحديثة في المجتمعات المسلمة إلا في العصور الحديثة بعد ظهور الاستعمار ( أحمد الريسوني : الحركة الإسلامية المغربية ، ص17 ).
المواقف المتعددة من المصطلح: وقد تعددت المواقف من مصطلح ” الإسلاميين ” كصيغه نسب لجماعه من البشر، فهناك من يقبل هذا المصطلح. كما أن هناك قطاع من العلماء يرفض هذا المصطلح ، يقول الدكتور محمد بن عبد العزيز المسند ( والمقصود أن هذا المصطلح ـ مصطلح الإسلاميين ـ مصطلح علماني دخيل ، لا يصح إطلاقه على أحد من أبناء هذه البلاد ، فأهل هذه البلاد كلهم مسلمون ، قد رضوا بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد صلى الله عليه رسولاً ونبياً ..). أما الموقف الذي نرجحه فهو الموقف الذي لا يضع حكما كليا بالمنع أو الإيجاب ،على هذا المصطلح،على وجه الإجمال، دون تمييز بين دلالاته المختلفة- كما في مذهب الإجمال-، بل يميز بين الدلالات المتعددة المصطلح، وبالتالي يميز في الحكم علي هذه الدلالات،طبقا لمدى اتفاقها او عدم اتفاقها مع مقاصد وضوابط الشرع– اتساقا مع مذهب التفضيل- ، وبناءا على هذا فان هذا الموقف يميز بين دلالتين لمصطلح “الإسلاميين”:
الدلالة الأولى: الدلالة الاجتهادية للمصطلح: الدلالة الأولى تعتبر أن مصطلح”الإسلاميين ” اصطلاح بشرى، وبالتالي فانه يتم استخدامه في هذه الدلالة، باعتبار انه فرع من فروع الدين وليس من أصوله، وهذه الدلالة يمكن اعتبارها شكل من أشكال الاجتهاد في فروع الدين المتغيرة ، بشرط التزامها بالضوابط السياسة الشرعية ، واتساقها مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية.وهذه الدلالة غير ذات صله بالكهنوت وصفاته ، فمصطلح “الإسلاميين” في هذه الدلالة يقارب مصطلح العلماء بالدين “ذو الدلالة المعرفية- العلمية .
الدلالة الثانية: الدلالة البدعية للمصطلح : تعتبر أن المصطلح هو مصطلح شرعي توقيفي ، وبالتالي فانه يتم استخدامه في هذه الدلالة باعتبار انه أصل من أصول الدين- وهو ما يتعارض مع حقيقة أن المصطلح لم يرد فى القران أو ألسنه أو أقوال السلف الصالح – كما تنطلق هذه الدلالة من أو يلزم منها ، جمله من المفاهيم والقيم والقواعد البدعيه، التي تتناقض مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية، ، وكثير من هذه المفاهيم والقيم والقواعد البدعيه هي مظاهر للكهنوت ، فمصطلح “الإسلاميين” في هذه الدلالة يقارب مصطلح “رجال الدين ” ذو الدلالة الكهنوتية ، ومن هذه المفاهيم والقيم والقواعد:
اباحه الاختلاف ” التعدد “على مستوى أصول الدين(الشيع): حيث يستخدم مصطلح” الإسلاميين” – طبقا لهذه الدلالة – لوصف جماعات متعددة ، مختلفة ليس في قضايا فرعيه اجتهادية فقط ، بل في قضايا أصوليه نصيه أيضا ، وهو ما يتناقض مع ما قررته النصوص ، من النهى عن الاختلاف ،على مستوى أصول الدين ،التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة يقول تعالى( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ~ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ( آل عمران: الآية 104)، ففي هذه الدلالة يقارب أو يقابل مصطلح “الإسلاميين” مصطلح” الشيع” في القران الكريم،وقد استخدمه أشار القران الكريم للاشاره إلى ظاهره سالبه أصابت تدين اليهود والنصارى ،هي ظاهره التفرق في الدين ” – شانها شان ظاهره الكهنوت كظاهرة سالبه أخرى أصابت تدينهم ، ولعل الصلة بينهما ان الكهنوت يتضمن عمليه تحويل للتعدد “الاختلاف” على مستوى القضايا الفرعية الاجتهادية(المشروع تكليفيا، والحتمي تكوينيا “لأنه من السنن الالهيه النوعية التي تضبط حركه الوجود الانسانى”) إلى تعدد ” اختلاف” على مستوى القضايا الاصوليه النصية – غير المشروع ، عندما ينسب هذا الكهنوت للعلماء سلطه دينيه مطلقه لا يملكها احد من البشر، بل ينفرد بها رب البشر “هي سلطه التحليل والتحريم”،وعندما يعتبر أن هؤلاء العلماء معصومين ، بينما لا عصمه لأحد بعد الرسول (صلى الله عليه وسلم).
إلغاء الاختلاف”التعدد” على مستوى فروع الدين(جماعه المسلمين وليست جماعه من المسلمين): ويترتب على هذه الدلاله أن وصف جماعه معينه بأنها جماعه – حركه إسلاميه – إسلاميين اعتبار أنها جماعه المسلمين وليست جماعه من المسلمين، وافتراض أنها تحتكر التحدث باسم الدين ، وهو ما يعنى أنها تنفرد بالسلطة الدينية المقيدة “سلطه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ” ، وهو ما يخالف إقرار الإسلام للتعدد (المقيد) على المستوى التكليفى ،من خلال تقريره للوحدة على مستوى الأصول، وإقراره للتعدد والاختلاف على مستوى الفروع التى مصدرها النصوص الظنية الورود والدلالة ، يقول ابن مفلح ( لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع)(الآداب الشرعية 1/186). كما انه من صفات الكهنوت والثيوقراطيه كما سبق ذكره.
تكفير المخالف: ويترتب على هذا الدلاله أيضا نسبه جماعه من المسلمين إلى الإسلام – فهم إسلاميين – نفى نسبه سواهم من المسلمين – ولو كانوا اغلبيه المسلمين – إلى الإسلام – فهم ليسو إسلاميين –وهو تكفير ضمنى ان لم يكن صريح – وهو ما يتعارض مع ورود الكثير من النصوص التي تفيد النهى عن تكفير المسلمين: قال تعالى ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً تبغون عرض الحياة الدنيا). و قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) ( ومن رمى مؤمناً بكفر فهو كقتله ) (ترجم له البخاري|) ، وتكفير المخالف من لوازم الكهنوت، لان المخالف هنا يخالف من يملك سلطه دينيه مطلقه ، وهو معصوم عن الخطأ ” طبقا للمنطق الكهنوتي”.
السلطة الدينية المطلقة : وهذه الدلالة تنسب إلى زعماء وقاده جماعه من المسلمين ” الإسلاميين” سلطة دينيه مطلقة ” التحليل والتحريم بدون نص” من خلال إيجابها طاعتهم طاعه مطلقه ، واتباعهم بدون دليل ،والقول بامتلاك احد من البشر سلطه دينيه مطلقه من صفات الكهنوت كما سبق ذكره.
الواسطة بين الإنسان وربه: كما أن هذه الدلالة تنسب جماعه من المسلمين إلى الإسلام – على وجه الانفراد- فهم دون غيرهم الاسلاميين – بما يعنى أنها وسيط بين الله تعالى وغيرهم من المسلمين ، وهو شكل من أشكال الشرك الذى نعت عنه النصوص هو شرك الواسطة، وهو من صفات الكهنوت كما سبق بيانه . – قال تعالى (وإذا ساْلك عبادي عنى فاني قريب أجيب دعوه الداعي إذا دعاني ، يقول الإمام ابن تيمية : (ليس أحد من البشر واسطة بين الله وخلقه في رزقه وخلقه ، وهداه ونصره ، وإنما الرسل وسائط في تبليغ رسالاته ، لا سبيل لأحد إلى السعادة إلا بطاعة الرسل . وأما خلقه ورزقه ، وهداه ونصره ، فلا يقدر عليه إلا الله (تعالى) ، فهذا لا يتوقف على حياة الرسل وبقائهم ، بل ولا يتوقف نصر الخلق ورزقهم على وجود الرسل أصلاً ، بل قد يخلق الله ذلك بما شاء من الأسباب بواسطة الملائكة أو غيرهم ، وقد يكون لبعض البشر في ذلك من الأسباب ما هو معروف في البشر ، وأما كون ذلك لا يكون إلا بواسطة البشر ، أو أن أحداً من البشر يتولى ذلك كله ، ونحو ذلك ، فهذا كله باطل) ( منهاج السنة النبوية :1/97).
تقرير وجود معصومين بعد الرسول : كما ان نسبه هذه الدلاله لجماعه من المسلمين إلى الإسلام يعنى أن أفرادها معصومين عن الخطأ، وهو ما يتعارض مع القاعدة التي قررها علماء أهل السنة، وهى انه لا عصمه لأحد بعد الرسول (صلى الله عليه وسلم)، كما انها من صفات الكهنوت كما سبق ذكره ..
2- مظاهر الكهنوت والثيوقراطيه التي تلزم من مذهب التفسير السياسي للدين" الإسلام السياسي" : ورغم تعارض الكهنوت و الثيوقراطيه مع الإسلام ، فان بعض المذاهب التي ينسبها أصحابها للإسلام، يلزم منها كثير من مظاهرهما ، ومن هذه المذاهب مذهب التفسير السياسي للدين :
تعريف مذهب التفسير السياسي للدين: هو مذهب معين في تفسير طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة، يقوم على إثبات العلاقة بينهما ، ولكنه يتطرف في هذا الإثبات إلى درجه جعل العلاقة بينهما علاقة تطابق و خلط ، فهو يلتقي هنا مع الكهنوت والثيوقراطيه، ويخالف المنظور السياسي الاسلامى ، الذي يجعل العلاقة بين الدين والدولة علاقة وحدة وارتباط (وليست علاقة خلط أو تطابق كما في الثيوقراطيه)، لان السلطة في المنظور السياسي الإسلامي مقيده بمفاهيم وقيم قواعد كليه ، مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعي الدلالة "كالشورى والعدل والمساواة.... .وعلاقة تمييز( وليست علاقة فصل كما في العلمانية) ، لان الإسلام ميز بين التشريع كوضع الهي ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير. كما أن هذا المذهب يساوى بين الدين والسياسة في الدرجة، وقد يتطرف فيجعل السياسة أعلى درجه من الدين، حين يجعل الغاية هي الدولة – السلطة والوسيلة هي الدين، بينما الدين هو الأصل” الغاية” والسياسة هي الفرع” الوسيلة” ،وهو ما أشارت إليه كثير من النصوص كقوله تعالى (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة واتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر …)( الحج). ومرجع التطرف مذهب التفسير السياسي للدين في إثبات العلاقة بين الدين والدولة أن هذا المذهب إنما ظهر في المجتمعات المسلمة في العصور الحديثة والمعاصرة كرد فعل على الليبرالية والتي باستنادها إلى العلمانية نفت اى علاقة للدين بالدولة.
لزوم مظاهر الكهنوت والثيوقراطيه من مفاهيم المذهب : ويلزم من العديد من مفاهيم هذا المذهب الكثير من مظاهر الثيوقراطيه ومن هذه المفاهيم:
القول بان الامامه من أصول الدين : حيث يستند هذا المذهب إلى افتراض مضمونه أن الامامه” بمعنى السلطة” هى أصل من أصول الدين ، وهو ما يخالف مذهب أهل السنة في الامامه ، والقائم على أن الامامه ” بمعنى السلطة” هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله ، يقول الإيجي ( وهي عندنا من الفروع  ، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا ) (المواقف : ص 395) ، ويقول التفتازاني ( لا نزاع في أنّ مباحث الإمامة ، بعلم الفروع أَليق …) (شرح المقاصد : ج 2، ص 271 )، تعارض هذا المفهوم مع المذهب السني ، فانه يتفق مع احد الأصول السياسية للمذهب الشيعي، الذي أشارت إليه الكثير من مصادره ، فعلى سبيل المثال لا الحصر ينقل الشيعة عن أبي جعفر انه قال( بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية، قال زرارة: فقلت: وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال:” الولاية أفضل ” )( الكافي ، 2/16، كتاب الإيمان والكفر، باب دعائم الإسلام)، لذا نجد كثير من مظاهر الكهنوت والثيوقراطيه المذهب الشيعي: الاصلى في الامامه (كالنص والتعيين الالهى للائمه ، وعصمه الائمه..) ،وفى نسخته المعدلة التي وضعها الخومينى” ولاية الفقيه “(كالقول بان الحاكم نائب المهدى المنتظر).
الطاعة المطلقة ومظاهر الثيوقراطيه: وهذا المذهب يقول بوجوب طاعة الحاكم طاعة مطلقه ، وهو ما يتعارض مع تحريم النصوص للطاعة المطلقة للحكام او غيرهم ، وإيجابها للطاعة المقيدة – المشروطة – اى الطاعة بالمعروف كما فى الحديث النبوى (إنما الطاعة في المعروف لا طاعة في معصية) كما سبق ذكره .وهو بقوله بالطاعة المطلقة للحاكم يلزم منه كثير من مظاهر الثيوقراطيه من إسناد سلطه دينيه مطلقه للحاكم “مظهرها الاساسى سلطه التحليل والتحريم بدون نص”، والقول بانفراده بالسلطة الدينية المقيدة ” ومن مظاهرها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ” ويرتب على هذا القول بانفراده بالسلطة السياسية.وكما سبق ذكره فان كل هذه المظاهر للثيوقراطيه تتعارض مع الإسلام والفلسفة السياسية الاسلاميه.
3- مذهبي الاستخلاف الخاص: في إطار الفكر السياسي الاسلامى نجد مذهب يقارب مذهبي الكهنوت والثيوقراطيه ،ويتمثل في مذهب الاستخلاف الخاص، والقائم على ان الحاكم ينفرد دون الجماعة بالاستخلاف عن الله في الأرض، وهو مذهب قال به بعض الخلفاء الأمويين والعباسيين، وقال به الشيعة في حق ألائمه من أحفاد على (رضي الله عنه).ووجه الخطأ في هذا المذهب هو أن الاستخلاف الخاص مقصور على الأنبياء،وبختم النبوة وبوفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) انتهى هذا النوع من أنواع الاستخلاف، والقول بهذا المذهب يعنى المساواة بين الحاكم والنبي في الدرجة.
ب/ مذهب الاستخلاف العام: وهناك مذهب الاستخلاف العام ، الذي يستند إلى تصور معين لطبيعة العلاقة بين السلطتين الدينية والسياسية ،فيجعل العلاقة بينهما علاقة وحدة وارتباط (وليست علاقة خلط أو تطابق كما في مذهبي الكهنوت و الثيوقراطيه ) ،وتمييز (وليس فصل كما في العلمانية ) ،فهي علاقة ارتباط ووحده لان السلطة في الإسلام مقيده بقواعد كليه (كالشورى والعدل والمساواة...).كما أنها علاقة تمييز لان الإسلام يميز بين التشريع كوضع الهى ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير قال تعالى ﴿ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾.ثبت في صحيح مسلم عن حديث بريدة بن الحصيب قوله (صلى الله عليه وسلم) (إذا حاصرت حصناً سألوك أن تنزلهم على حكم الله ورسوله فلا تنزلهم على حكم الله ورسوله فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك). ولما كتب الكاتب بين يدي عمر بن الخطاب حكماً حكم به فقال هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر( فقال: لا تقل هذا، ولكن قل هذا ما أرى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب). ومضمون هذا المذهب هو إسناد كل من السلطتين الدينية والسياسية للجماعة "الشعب" بموجب مفهوم الاستخلاف. فالسلطة الدينية "التي عبر عنها القران بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر" مخوله بموجب الاستخلاف العام للجماعة﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾،لذا فان في الإسلام علماء بالدين وليس به رجال دين(كهنوت)، والفارق بين المصطلحين ان المصطلح الاول يفيد التخصص، بينما الثاني يفيد الانفراد، ،وهو ما يعنى ان هناك وسيط بين الإنسان وخالفه (وإذا ساْلك عبادي عنى فاني قريب أجيب دعوه الداعي إذا دعاني).والسلطة السياسية " التي عبر عنها القران بمفهوم الأمر" مخوله بموجب الاستخلاف العام أيضا للجماعة(وأمرهم شورى بينهم) ، أما الحاكم فنائب ووكيل عنها لها حق تعيينه ومراقبته وعزله ، يعرف الماوردي البيعة بأنها ( عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار)(الأحكام السلطانية، ص 7 ).ويقول أبو يعلي أن الخليفة ( وكيل للمسلمين ).
ج/ مفهوم "الدولة المدنية" بين التصورين الليبرالي "العلماني"والاسلامى:
تعدد دلالات مصطلح "الدولة المدنية" : لمصطلح "الدولة المدنية" –ككل المصطلحات- دلالات متعددة: فهناك الدلالة العامة- المشتركة للمصطلح، وتتمثل في الدولة المدنية كمفهوم مجرد ، تشترك في فهمه كل الفلسفات والمناهج ،ومضمون هذه الدلالة له جانبين: أولا: جانب ايجابي مضمونه أن الدولة المدنية تقوم على إسناد السلطة السياسية للشعب، وبالتالي فان الحاكم فيها نائب ووكيل عنه ، لها حق تعيينه ومراقبته وعزله،ثانيا: جانب سلبي مضمونه أن الدولة المدنية نقيض للدولة الثيوقراطيه "الدولة الدينية بالمعنى الغربي" التي ينفرد الحاكم فيها بالسلطة السياسية دون الشعب ، كنتيجة لازمه لانفراده بالسلطة الروحية " الدينيه " دونه . كما أن هناك الدلالة الخاصة - المنفردة لمصطلح"الدولة المدنية"ممثلا فى ، ومثال لهذه الدلالة الدولة المدنية كما جرى تطبيقها في واقع المجتمعات الغربية ، وطبقا للمفهوم الليبرالي للدولة المدنية .
المواقف المتعددة من الدولة المدنية: وهناك ثلاثة مواقف أساسيه من الدولة المدنية في المجتمعات المسلمة المعاصرة وهى :
الرفض المطلق (التقليد): وهو موقف يقوم على الرفض المطلق للدولة المدنية ، اى رفض كافه دلالات مصطلح "الدولة المدنية" ، فهو لا يميز بين الدلالات المتعددة له، الايجابية منها والسلبية.
القبول المطلق (التغريب): وهو موقف يقوم على القبول المطلق للدولة المدنية،اى قبول كافه دلالات مصطلح "الدولة المدنية" ، دون تمييز بين دلالاته المتعددة ، الايجابية منها والسلبية.
الموقف النقدي (التجديد): وهو موقف يتجاوز موقفي الرفض المطلق أو القبول المطلق للدولة المدنية، إلى موقف نقدي منها، يقوم على التمييز بين الدلالات المتعددة لمصطلح ألدوله المدنية ، أولا: الدلالة ألعامه – المشتركة – للمصطلح : ففيما يتصل بالدلالة ألعامه – المشتركة – للمصطلح فانه يرى أنها لا تعارض مع المنظور المنظور السياسي الاسلامى
أولا: اتساق مفاهيم وقواعد المنظور السياسي الاسلامى مع الجانب الايجابي لمضمون الدلالة العامة المشتركة لمصطلح ألدوله المدنية:
ا/استخلاف الجماعة في الأمر " السلطة" والشورى : فالفلسفة السياسية الاسلاميه قائمه على جمله من المفاهيم الكلية التي لا تتناقض مع هذه الدلالة ، كاستخلاف الجماعة "الشعب" في الأمر اى السلطة "ممارسه السيادة فى زمان ومكان معينين"، استنادا إلى مفهوم الاستخلاف- بعد إسناد ألحاكميه اى السيادة (السلطة المطلقة) لله تعالى استنادا الى مفهوم التوحيد ﴿ … إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ ﴾ ( يوسف: 40) - ومن أدله ذلك تقرير القران أن الأمر اى السلطة شورى بين المسلمين ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾، وكذلك عموم الاستخلاف في القرآن ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ﴾ ( فاطر: 39).
ب/ البيعة: وكذلك جاء تعريف علماء أهل السنة- بمذاهبهم الكلامية والفقهية المتعددة - للبيعة متسقا مع كون الحاكم في الدولة المدنية نائب ووكيل عن الشعب، له حق تعينه ومراقبته وعزله ، يقول القاضي الباقلاني ( إن الإمام إنما ينصب لإقامة الأحكام وحدود ، وأمور شرعها الرسول وقد علم الأمة بها ،وهو في جميع ما يتولاه وكيل للأمة ،عليها خلعة والاستبدال به متي اقترف ما يوجب خلعة)(جلال الدين السيوطي والمحلى، تفسير الجلالين ، ص 188) ، ويعرف الماوردي البيعة بأنها ( عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار)، ويقول أبو يعلي أن الخليفة ( وكيل للمسلمين ) (المارودي، الأحكام السلطانية، ص 7 ).
ج/ الامامه "السلطة" من فروع الدين وليست من أصوله: ويتسق مع الدلالة العامة -المشتركة لمصطلح "الدولة المدنية" أن الامامه – بمعنى السلطة – هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله ، يقول الآمدي ( واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات ، ولا من الأُمور اللابدِّيَّات ، بحيث لا يسع المكلَّف الإعراض عنها والجهل بها ...) (غاية المرام في علم الكلام : ص 363) .
د/ تقرير كثير من العلماء عدم حجِّية التصرفات النبوية الدنيوية : كما يتسق مع الدلالة العامة –المشتركة لمصطلح الدوله المدنية تقرير كثير من علماء أهل السنة عدم حجِّية التصرفات النبوية الدنيوية: وقد استندوا إلى العديد من الادله ومنها حديث تأبير النخل : في صحيح مسلم، ” قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فإذا هم يأبرون النخل –يقول: يلقحون النخل- فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه. قال لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا. فتركوه، فنفضت، فذكروا ذلك له، فقال: إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر”. يقول الإمام ابن حزم بعد أن ساق حادثة التأبير(فهذا بيان جلي – مـع صحة سنده – في الفرق بين الرأي في أمر الدنيا والدين”. ثم قال: “وإننا أبصر منه بأمـور الدنيا التي لا خير معها إلا في الأقل وهو أعلم منا بأمر الله تعالى، وبأمر الدين المؤدي إلى الخير الحقيقي…).
ه/تقرير علماء أهل السنة آن السياسة الشرعية هي ما يحقق مصالح المسلمين ولو لم يرد في نص.
ثانيا: الدلالة الخاصة المنفردة للمصطلح: أما الموقف الصحيح من الدلالة الخاصة المنفردة لمصطلح" الدولة المدنية " ومثال لها المفهوم الليبرالي للدولة المدنية"فهو الموقف النقدي الذي يقوم على ورد ورفض ما خالف أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة،واخذ وقبول ما وافقهما.
الدولة المدنية ومشكله العلاقة بين الدين والدولة: ويتصل مصطلح " الدولة المدنية "- وعلى وجه الخصوص دلالاته الخاصة - بمشكله علاقة الدين بالدولة ، والحلول التي قدمت لها:
أولا: مذهبي الكهنوت والثيوقراطيه ( دينيه السلطة والتشريع) : فكلاهما يقومان على الخلط بين الدين والدولة، وجعل العلاقة بينهم علاقة تطابق" وليست علاقة وحده وارتباط"- كما سبق 1ذكره - وهذا الحل ينتهي إلى القول بدينيه السلطة والتشريع ، اى نفى مدنيه السلطة .
ثانيا: العلمانية(مدنيه السلطة والتشريع): وتقوم على فصل الدين عن الدولة، اى فصل السلطة الروحية (الدينية) عن السلطة السياسية –كما سبق ذكره- وهذا الحل يقول بمدنيه السلطة والتشريع ، اى ينفى دينيه التشريع.
ثالثا:المنظور السياسي الاسلامى (مدنيه السلطة ودينيه التشريع) : والحل الإسلامي يقوم على أن علاقة الدين بالدولة هي علاقة وحدة وارتباط (وليست علاقة خلط أو تطابق كما فى الثيوقراطيه )، لان السلطة في الإسلام مقيده بمفاهيم وقيم قواعد كليه ، مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعي الدلالة "كالشورى والعدل والمساواة....كما أنها علاقة تمييز( وليست علاقة فصل كما في العلمانية) لان الإسلام ميز بين التشريع كوضع الهي ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير- كما سبق ذكره- فالمنظور السياسي الاسلامى يقوم على مدنيه السلطة (وليس التشريع كما في العلمانية) ” لان الحاكم في المنظور السياسي الاسلامى نائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعيينه ومراقبته وعزله اذا جار” ، كما يقوم على دينيه التشريع " على مستوى أصوله " (وليس السلطة كما في الثيوقراطيه) ، “باعتبار أن قواعد الشريعة الاصوليه هي المصدر الرئيسي للتشريع ”.