النتائج 1 إلى 14 من 14

الموضوع: الحقائق الخفية في محن الصوفية في عصر الدولة العباسية

  1. #1

    الحقائق الخفية في محن الصوفية في عصر الدولة العباسية

    الحقائق الخفية في محن الصوفية في عصر الدولة العباسية

    مقدمة هامة:
    هناك حقبتين بالإسلام لم يكن فيها خلافة مهدية محمدية، وأعني الإمامة العلمية الموروثة بالاستحقاق والأهلية، وهي الخلافة والمرجعية المطلقة بالعلم الديني، وإنما كانت خلافة بدلية حيث خلف الخليفة الرباني المهدي الوارث لمقام النبوة والعلم الشريف الإمام الصادق جعفر بن محمد الباقر رضي الله عنه، نجليه بالتبعية دون مقام الخلافة المهدية المحمدية، الإمامين الجليلين الكاظم والرضا وهما نجلي الإمام الصادق من آل بيت النبوة رضي الله عنهم أجمعين، والسبب في هذه الحالة التجاوزية، هو الحفاظ على فترة تحولية هامة جداً في المنهجية الدينية أحدثها بالتجديد الإمام الصادق، فرسخ نجليه أسسها، وكانت سبب في حفظ الاستمرارية بالدين إلى زمننا هذا، فقد أرسى الإمام الصادق، مهدي الفقهاء رضي الله عنه، دعامة العمل بالمذاهب الفقهية، وعلم الأسانيد الحديثية، وقام بتوفيق من الله بإطلاق أسس العملية الإصلاحية السلوكية، للترف المنهجي الفكري المبتدع الدخيل، والترف المادي الوليد في الأمة الإسلامية، وهذا التيار الإصلاحي الإيماني التربوي، أوكله مهدي الفقهاء إلى نخبة من المتقين الزهاد من أهل الوعظ والإرشاد، شهد بعدالتهم وأمانتهم العلمية والمسلكية، أكثر علماء عصرهم، وكان لهم تأثير كبير في كبح جماح الزندقة الدينية، وعرفوا فيما بعد بالزهاد الصوفية، وما زال هؤلاء الزهاد أو الأولياء مقربين محبوبين من قبل العامة والخاصة، حتى انقسوا إلى فسطاسين بالخيرية، فسطاس بقي قريب من الناس، وهو فسطاس العارفين الربانين، والذي تمثل بمدرسة تاج العارفين الإمام أبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى، والتي كانت دعواها سلوكية علمية وفقهية شرعية وعقدية، وفسطاس الأولياء الصالحين، وتمثل بمدرسة المحتسب أمير القلوب الزاهد الحسين النوري رحمه الله تعالى، وكانت دعواها سلوكية عملية، عنوانها الزهد في كل شيء عدا الحق تعالى، إلا أنها كانت منغلقة نوعاً ما بمنهاجيتها، مقارنة مع مدرسة العارفين العلمية العملية الفقهية، وهذا الانغلاق المنهجي جعلها في دائرة الشك من قبل أئمة علم كبار وأعلام معاصرين لها، فبعضهم اتهموا روادها من باب الظن بالجهل الفقهي والأصولي، وذلك بالمقارنة مع مسلك بعض الزنادقة الحلولية، وشك البعض الأخر من العلماء بدخول هذه المدرسة بدائرة الزندقة بسبب انغلاقها المفاجئ، وذلك لتفاقم ظهور الزندقة الصوفية حينئذ، والتي كانت كوفية المنشأ، وسبب هذه العزلة الصوفية النسبية في مدرسة الأولياء، هو أنهم كانوا على منهج سلوكي قويم تغيرت أركانه نسبياً في هذه الفترة الزمنية، مع ظهور ثورة التجديد المنهجية الدينية، فخافوا أن تحارب عندهم هذه المنهجية القائمة على تزكية النفس، والسعي لنيل مقام الإحسان، وهو ما كان عليه النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، وأصحابه السلفية من السلوك بالإيمان والتقوى: فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ: ( (( تَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً ))، قَالُوا: وَمَا تِلْكَ الْفِرْقَةُ؟ قَالَ: (( مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي )) )؛ (1) ..
    ومن ناحية أخرى نجدهم حرصوا على البعد عن مظاهر الرياء والسمعة وهو الشرك الخفي، عملاً بالأثر المحمدي: ( مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ )؛ (2)؛ وبقيت هذه الحالة من الخفاء النسبي مستقرة، حتى وفاة سلطان العارفين وإمام الأولياء أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى، عام 264 ه، حيث بدأت مرحلة المحنة الصوفية الأولى ..
    --------------------------

    (1) رواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 26/ر:2641]، بإسناد حسن، بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2641]؛ وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:5343]؛ وصححه أحمد شاكر في "عمدة التفسير" [ج1/ص: 353]؛ ورواه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج3/ص: 284]، وقال في حكمه: أسانيده جياد؛ وأرده الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" [ج8/ص: 97]، وقال بحكمه: محفوظ، ورواه البغوي في "شرح السنة" [ج1/ص: 185]، وفي "أحكام القرآن" [ج3/ص: 342]، وقال بحكمه: ثابت ..
    (2) رواه أبو داود في "سننه" [ر:3664]، بإسناد صحيح، بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:3664]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج8/ص: 819/ر:8438]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق شاكر في "المسند" [ج16/ص: 193]؛ وصححه النووي في "المجموع" [ج1/ص: 23]؛ وفي "رياض الصالحين" [ر:447]؛ وصححه الذهبي في "الكبائر" [ج1/ص: 284]؛ والهيتمي في "الزواجر" [ج1/ص: 41]؛ وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:6159]؛ وفي "صحيح ابن ماجه" [ر:206]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    ======================


  2. #2
    تمهيد:
    الرواية القصصية في هذا البحث، المقدم بها ميزان العقل، على أخبار النقل، مع مراعاة المتون النقلية التاريخية الأصيلة، والتقيد بالناحية السلوكية والمنهجية اللائقة بأئمة الصوفي المتقدمين الأوائل، بالشكل الأمثل، والعمل بما أخبرنا به غير إخباري التاريخ، بالتسلسل السندي من قبل ورثة السلالة النقية لسادتنا النقشبندية الأجلاء، والمعتمدة بالخبر الصحيح، عن هؤلاء الأعلام المتقين النبلاء ..
    وقبل البدء بالمحنة نريد أن ننوه إلى أن فتنة خلق القرآن التي جاء بها زنادقة المتكلمين من المعتزلة المتأخرين، والتي استحوذت على دعم الخلافة العباسية، وأعيت علماء الأمة الإسلامية، انتهت على يد أحد حكماء الصوفية!، وكان إمام محدث تقياً نقياً خفياً شامياً، وليس بمشهور عراقي، وقيل أنه كان شيخاً لأئمة حفاظ كبار منهم الحافظ والناقد أبو عبد الرحمن النَسَاّئِيٍ، ورأس أئمة السنن الأربعة الأصحاء أبو داود السَجِسْتَاّنِيٍ، وهم من أشهر أصحاب كتب السنن الصحاح ..
    ولمعرفة الحقائق التاريخية عن أمتنا الإسلامية بالصورة الصحيحة، نعيد ونؤكد كما أسلفنا بأنه علينا وزنها بميزان العقل السليم المتوافق مع هيكلية المجتمع الإسلامي وفق المرحلة أو الحقبة التاريخية والتي هي ضمن القرون الخيرية الثلاثة الأولى الهجرية أم بعدها، وثم ترك الخبر السقيم الذي يتنافى مع المعقول، وأصدق المنقول وهو كتاب الله، الذي تندرج في ثناياه بالدلالة والإشارة قوانين السلوك البشري الفردية والجماعية ..
    يقول الصحابي الجليل القرآني الصدوق فقيه العراق الأكبر عُبَدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ [ابن أم عبد] رضي الله عنه: ( مَنْ أَرَادَ الْعِلْمَ فَلْيُثَوِّرِ الْقُرْآنَ، فَإِنَّ فِيهِ عِلْمَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ )؛ (3) ..
    لذلك كان المقدم عندي أنا العبد لله في هذا البحث أو المقام، كما أسلفت أعلاه، تقديم المعقول على المنقول، دون إهمال متون الخبر الجذرية، مع مراعاة رد المبالغ في تلك المتون، لأن مصادرها رواة إخباريين قل ما يكون فيهم الموثوق، وليسوا رواة محدثين كثر فيهم الثقاة، وأقل رواة الحديث ثقة بنقل الخبر، خير من خير ثقات الإخبار التاريخي، لأن الإخبار التاريخي اعتمد بعد اعتماد الإسناد بالحديث بأكثر من ثمانين سنة، أي بعد جيلين من العلماء تقريباً مع تباعد الزمن، وتجاوز عهد كثير تابعين التابعين الرواة الثقات فسهل التلاعب بالأخبار التاريخية والدس بها ..
    ولمعرفة خبر حقيقة الصوفية جملة على أنهم أهل حق وتحقق، ووجودهم حق مقرر من الحق سبحانه، وليس امتداد للزنادقة الوثنية كما يؤول البعض، ن ناحية أخرى نجد أن الإيذان بنشأة حركتهم الزكية الأصولية، بدر من جهة خلفية وارثة للحق عن الاستحقاق لمقام النبوة والعلم الشريف، بالوصاية والوكالة، لذلك ومن باب الانصاف وجب علينا تدبر الآية الكريمة: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [المائدة : 54] ..
    الدليل في الآية أن المقصود هنا كوجه من وجوه الدلالة القرآنية، هم الأولياء الصوفية، قوله تعالى: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ }، فالمجمع عند المنصف من الأمة، أن الغالب في إيمان الصوفية محبة الله، وهي خصوصية ودلالة تثبت وفق تقرير الآية، محبة الله لهم أيضاً، فلو لم يحبهم لما صافى واصطفى الأصحاء منهم، واستخلصهم لذاته، فأظهرهم على الناس وسير أفئدة سواد لأمة، وكثير من أمنائها العلماء في شتى أصناف العلوم ..
    يقول الإمام الحافظ والواعظ المربي أبو الفرج: ابن الجوزي الحنبلي رحمه الله تعالى: ( مَنْ أّحَبَ شِيّئَاً، أّكْثَرَ ذِكْرَهُ، وَمَنْ أّجَلّ أّمْرَاً، أّعْظَمَ قَدْرَهُ، وَلَا حَبِيّبَ أّحَبُ مِنَ اللهِ إلَىَ أّهْلِ وِلَاّيٍتِهِ، وَلَا جَلِيّلَ أّجَلُ مِنَ اللهِ عِنْدَ أّهْلِ مَعْرِفَتِهِ، فِاذْكُرُوا اللهَ ذِكْرَ المُحِبْينَ، وَأّجِلّوُهُ إِجْلَالَ العَاّرِفِيِنَ )؛ ورد في "التذكرة" لابن الجوزي [ج1/ص: 119] ..
    وهم كما في الآية أعلاه، أذلة على المؤمنين سخروا أنفسهم لخدمة من وجدوا فيه خير ظاهر أو دفين مكين، وبصيص إيمان في قلب قد يلين للحق المبين، وهم كما في الآية أيضاً، متأسيين بذلك بسلوك سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، كما في قوله تعالى: { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [الشعراء : 215]، أعزة على الكفار ويعني هنا كل متكبر معرض عن سماع الحق ساتر له لكبره، وأعزاء: أي عن أن ينال من الأصحاء الأصفياء منهم بأي شكل كان مادياً بكيد، ومعنوياً بعلم بحالة المواجهة أو المناظرة أو المجالسة، وهم وفق سياق الآية لا يخافون بالحق لومة لائم، لأنهم على حق، رافعين للواء الحق المبين، منهاجهم بالدعوة إلى الحق منهاج النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، في قوله تعالى: { قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [يوسف : 108] ..
    أما عن مطلع الآية أعلاه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ }، نقول: إن ردة المؤمن ليست كردة عوام المسلمين، فهي ردة زيغ في فهم المنهج العقلي العقدي الأصولي الصحيح في الدين، نتيجة ضعف وتراجع إيماني وزيغ يصيب المؤمن في حالة انشغاله عن موجبات الترقي الإيماني، ويؤكد ذلك قوله تعالى: { رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ } [آل عمران : 8]، فمن لم يتمكن في الاستزادة بالإيمان فهو كائن مقيم بالنقص، فلو درسنا الحقبة التاريخية التي كانت بها الردة في عهد الخليفة الراشدي الأول والصديق الأكبر أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، فإننا نجد أن الردة شملت الأعراب المسلمين والصحابة المنافقين الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بأجسادهم ولم تدرك مقامه وقدره قلوبهم وأفئدتهم، ولم يكن من الصحابة المؤمنين أي مرتد، فكيف يرتد المؤمن عن دينه وهو مؤمن؟! ..
    لذا نؤكد فنقول إن الارتداد عند المؤمن عن الدين يكون بالزيغ عن أصل الدين وهو قواعد العقائد، والخوض بالمتشابهات العقائدية، بقصد زيادة المعرفة الإيمانية، في أمور سكت عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم رحمة بالمؤمنين، ويؤيد ذلك قوله تعالى: { هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ } [آل عمران : 7] ..
    نقول وفقاً للآية أعلاه، تأويل المتشابهات يأتي وتعرف حقيقته فقط بإذن الله للراسخين بالعلم الإيماني، وهذا يأتي على قدر الاستنارة بنور التقوى، وعلو المشاهدة الإيمانية للحق المكنون، عندما تنفتح مغاليق الغافلة عن الحق الحقيق ..
    أما المتشابهات بغير كشف عليمي نوراني، فهي ما كان فيها شبهة تشبيه وتشابه مثل ذلك ما أخبر الله تعالى به في كتابه بأن له يد، وأكثر المخلوقات لها أيدي، فهذه شبهة تشابه وتشبيه بين الأيدي كأيدي، وهنا ظهرت أول فتنة كلامية مع ظهور زنادقة الكلام المشبهة أمثال الكرامية نسبة لابن كرام والسبئية نسبة لابن سبأ ثم الهشامية واليونسية والبيانية والمغيرية والمنصورية والخطابية، والحشوية، وهؤلاء هم الذين كان محركهم الفتنة وهوى النفس في تشبيه صفات الخالق الخبرية بصفات المخلوق الخلقية، كما ظهر من زنادقة الكلام المعطلة الذين نفوا حقيقة الصفات الخبرية بتأويلها لغير موضعها فعطلوا الخبر بها، ومن أمثال المعطلة الجهمية والجعدية والمعتزلة، فهؤلاء خرجوا عن النهج السني المحمدي القويم، وبدأوا بإعدام أصل الدين وجوهره المكين عقيدة الإيمان الحكيم، ومن هنا كان لزاماً على أخيار الأمة التصدي لهذا الترف الفكري العقائدي، فأظهر الله تعالى وقيض ضد الزنادقة، تيارين منهجيين أصوليين التيار الأول تيار الأثريين السلفية، والتيار الثاني بالتتابع الزمني تيار الزهاد الصوفية، وقد كانت غاية ووجهة هذان التيارين مبدأ واحد في عهد التابعين ولم يكن هناك تسمية صوفية لتيار الواعظ الزهاد، حيث بدأ التباين التخصصي الإصلاحي في أواخر القرن الثاني الهجري، وظهر من الصوفية من اختص بعلم الكلام العقائدي للرد على فتنة زنادقة المتكلمين أمثال الإمام المحاسيبي رحمه الله تعالى، ومن السلفيين السنة الأثريين إمامهم ابن حنبل رحمه الله تعالى ..
    ويؤكد الموقف السلبي الصوفي من المتكلمين، الإمام الجنيد إمام الطائفتين، بقوله: ( أَقَلُّ مَا فِي الكَلاَمِ، [أي: علم الكلام] سُقُوْطُ هَيْبَةِ الرَّبِّ جَلَّ جَلاَلُهُ مِنَ القَلْبِ، وَالقَلْبُ إِذَا عَرِيَ مِنَ الهَيْبَةِ، عَرِيَ مِنَ الإِيْمَانِ )؛ (4) ..
    ويروي الإمام الجنيد رحمه الله تعالى، عن شيخه وخاله، فيقول: ( قال لي السري خالي وشيخي يوماً: (( إذا قمت من عندي فمن تجالس؟ ))، قلت: المحاسبي، فقال: (( نعم خذ من علمه وأدبه، ودع عنك تشقيقه الكلام ورده على المتكلمين ))، ثم لما وليت سمعته يقول: (( جعلك الله صاحب حديث صوفياً، ولا جعلك صوفياً صاحب حديث )) )؛ (5) ..
    ويقول العارف المعروف معروف الكرخي رحمه الله تعالى: ( كلام الرجل فيما لا يعنيه مقت من الله عز وجل )؛ (6) ..
    ويروي الشمس الذهبي فيقول: سمعت الإمام أبا العباس أحمد بن عبد الحليم [ابن تيمية]، سمعت الشيخ عز الدين الفاروثي، سمعت شيخنا شهاب الدين السهروردي، يقول: ( عزمت على الاشتغال بالكلام وأصول الدين، فقلت في نفسي: استشير الشيخ عبد القادر [الجيلاني]. فأتيته فقال قبل أن أنطق: (( يا عمر، ما هو من عدة القبر، يا عمر ما هو من عدة القبر ))، قال: فتركته )؛ (7) ..
    ويقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ( كل متكلم من الكتاب والسنة فهو الحق، وما سواه فهو هذيان )؛ (8) ..
    يقول أيضا فقيه السنة الأكبر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ( لو يعلم الناس ما في علم الكلام من الأهواء، لفروا منه فرارهم من الأسد )؛ (9) ..
    ونجد فقيه السنة الأكبر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، أيضاً يقول: ( لأن يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك به، خير من النظر في الكلام، فاني والله اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننته قط )؛ (10) ..
    يقول الإمام الحجة الغزالي رحمه الله تعالى، عن شدة موقف الإمام أحمد من المتكلمين: ( وبالغ فيه [يعني بغض الإمام أحمد بن حنبل، لعلم الكلام] حتى هجر الحارث المحاسبي مع زهده وورعه، بسبب تصنيفه كتاباً في الرد على المبتدعة، وقال: (( ويحك اسكت. أتحكي بدعتهم أولاً ثم ترد، عليهم! ألست تحمل الناس بتصنيفك على مطالعة البدعة والتفكر في تلك الشبهات فيدعوهم ذلك إلى الرأي والبحث؟! )) )؛ (11) ..
    وكان إمام أهل السنة ابن حنبل، يقول: ( علماء الكلام زنادقة )؛ (12) ..
    وكان الإمام أحمد، يقول بمن يخوض من المتكلمين بالإلهيات: ( لا يفلح صاحب كلام أبدا، علماء الكلام زنادقة )؛ (13) ..
    وقال أيضا: ( لا يفلح صاحب الكلام أبدا، ولا تكاد ترى أحدا نظر في الكلام، إلا وفي قلبه دغل )؛ (14) ..
    ومن علماء الأصول الأصحاء من قال:
    يقول الإمام الفخر الرازي رحمه الله تعالى: ( لقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن )؛ (15) ..
    وقال: ( لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: {الرحمن على العرش استوى} [ طه ،آية:5]، و{إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر،آية:10 ]، وأقرأ في النفي {ليس كمثله شيء} [الشورى،آية:11]، {ولا يحيطون به علما} [طه،آية:110]، ثم قال من جرب مِثْلَ تجربتي عرف مِثْلَ معرفتي )؛ (16) ..
    وكل ما تقدم هو دليل قاطع على نبذ الكلام بالعقيدة، وزندقة الكلام ..
    إلا أن الزندقة لم تنحسر بالمتكلمين بل طالت الصوفية ليظهر زنادقة الصوفية الذين كانوا يسقطون التكاليف الشرعية عنهم بحجة أنهم أهل الله وخاصته، كما ظهر زنادقة الحديث، وهم أهل أهواء أكثرهم من غير العرب، وخاصة اليهود، كانوا يكذبون بنسبة الحديث إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو من بنيات أفكارهم ووضعهم كوضاعين، والغاية هو هدم الدين بأصول الدين ..
    وظهرت ظاهرة أخرى خطيرة وخفية وهي أن كثير من الفقهاء والمحدثين انشغلوا بشكل زائد بعلوم الدين الدنيوية كعلم الحديث والفقه، على حساب العلوم الأخروية، فقست قلوب بعضهم عن الحق واضمحل عند الأخر نور التقوى ..
    وهذا يفسر شعر فقيه السنة الأكبر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، في "البحر الوافر": ( شَكَوتُ إلى وَكِيعٍ سُوْءَ حِفْظِي، فأرشَدَني إلى تَرْكِ المَعَاصِي، وَأَخبَرني بِأَنّ العِلمَ نُورٌ، وَنُورُ الله لا يُهْدَى لِعَاصِي )؛ (17) ..
    لذلك الإمام الشافعي أيضاً يقول: ( فَقيهاً وَصوفِياً فَكُن لَيسَ واحِداً، فَإِنّي وَحَقُ اللَهِ إيّاكَ أَنصَحُ، فَذَلِكَ قاَسٍ لَم يَذُق قَلبُهُ تُقىً، وَهَذا جَهولٌ كَيفَ ذو الجَهلِ يَصلُحُ )؛ (18) ..
    ويؤيده شيخه الأول إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه الذي يقول: ( مَنْ تَصْوُفْ ولْم يَتَفْقْهَ فَقْد تَزْنْدَق، ومَنْ تَفْقْهَ ولْم يَتَصْوُفَ فَقْد تَفْسَقَ، ومَنْ جَمْعَ بَيِنَهْمْا فَقْد تَحَقْقَ )؛ (19) ..
    -------------------------------------


    (3) رواه الإمام أحمد في "الزهد" [ر:532]، والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" [ر:123]، ورواه الهيثمي في "مجمع الزوائد" [ج7/ص: 168]، وقال: روي بأسانيد رجال أحدها رجال الصحيح؛ ورواه البوصيري في "إتحاف المهرة" [ج1/ص: 190]، وحكمه: [صحيح] ..
    (4) ورد في "سير الأعلام النبلاء" للذهبي [ج4 / ص: 68]، وفي "تاريخ الإسلام" للذهبي [ج22/ص: 121]، وفي "طبقات الشافعية" لابن قاض [ج1/ص: 77]؛ وفي "أقاويل الثقات" للكرمي [ج1/ص: 113]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 187] ..
    (5) ورد في "الإحياء" للغزالي [ج1/ص: 45]، وفي "قوت القلوب" للمكي [ج1/ص: 223]، وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ص: 185] ..
    (6) ورد في "المجالسة وجوهر العلم" للدينوري [ج2/ص: 121] ..
    (7) ورد في "تاريخ الإسلام" للذهبي [ج39/ص: 90] ..
    (8) ورد في "توالي التأسيس" لابن حجر [ص: 64] ..
    (9) ورد في "مفتاح السعادة" لابن القيم [ج2/ص: 26]، وفي "سير أعلام النبلاء" للذهبي [ج10/ص: 16]..
    (10) ورد في "حلية الأولياء" لأبو نعيم [ج9/ص: 111]؛ وفي "شرح الإعتقاد" للالكائي [ج1/ص: 146]؛ وفي "ذم الكلام" للهروي [ج1/ص: 355]؛ وفي "كذب المفتري" لابن عساكر [ج1/ص: 335] ..
    (11) ورد في "الإحياء" للغزالي [ج1/ص: 95]، وفي "درء التعارض" لابن تيمية [ج7/ص: 147] ..
    (12) ورد في "الإحياء" للغزالي [ج1/ص: 95] ..
    (13) ورد في "تلبيس إبليس" لابن الجوزي [ج1/ص: 83] ..
    (14) ورد في "الإحياء" للغزالي [ج1/ص: 95]؛ وفي "جامع البيان" للقرطبي [ج2/ص: 95]؛ وفي "إعلام الموقعين" للجوزية [ج1/ص: 76] ..
    (15) ورد في "تاريخ الإسلام" للذهبي [ج18/ص: 242 -243] ..
    (16) ورد في "سير أعلام النبلاء" للذهبي [ج21/ص: 500]، وفي "البداية والنهاية" لابن كثير [ج13/ص: 61 – 62 ] ..
    (17) ورد في "الجوهر النفيس" للشافعي [ج1/ص: 87] ..
    (18) ورد في "الجوهر النفيس" للشافعي [ج1/ص: 46] ..
    (19) ورد في "شرح عين العلم وزين الحلم" للإِمام مُلا علي القاري [ج1/ ص :33]، و ورد في شرح الإمام الزرقاني في "الفقه المالكي" لعلي العدوي [ج3 / ص: 95] ..

    ============================

  3. #3
    مقدمات المحنة الصوفية:
    تنقسم محنة الصوفية إلى قسمين قسم مشرق مثمر، وهي المحنة الأولى، والثاني محرق مُثبر، وسبب المحنتين هو انشقاق لمريدين صوفيين عن جماعتهم وشيوخهم الصوفية، لاختلافات حول المنهج والرأي، والحق أن الإثنين كانوا أهل مطامع الأول دنيوية والثاني الغالب أنها مطامع آخروية ولكن دون الحكمة والرشاد ..
    وكما أسلفنا أعلاه فإن ثورة الحركة الإصلاحية الصوفية كانت أول ما كانت على زنادقة المتكلمين في أصول العقائد الإيمانية، لأنها جوهر الدين وفيصله، بهدمها وزيغها يهدم الدين، لذلك كان جميع علماء الأمة الأصحاء في صف الصوفية في بداية الأمر، بل لما اشتد عود زنادقة الكلام عند السلطان، وأعني المعتزلة في مسألة خلق القرآن، لم ينهي فتنة هذه المسألة إلا الصوفية!، بالحكمة والموعظة الحسنة، فقد سير الله لهذا الأمر محدثاً صوفياً آته الله الحكمة الإلهية، هو الإمام أبو عبد الرحمن الأذرمي، حيث أرتضى هذا الأخير أن يكبل بالسلاسل بيديه ورجليه، ويقبل الإهانة إن حصلت نصرة للدين، فأحضر إلى مجلس الخليفة العباسي الواثق، فاستهاب الواثق حضوره فوقف اجلالا له، وأجلسه في مجلس تكريم، وخفف عنه قيوده، فتفرس الإمام الأذرمي ضعفاً في ابن أبي دُؤَادٍ رأس المعتزلة حينئذ، على حواره وصرح بذلك أمام الواثق فأغضبه، إذ قال للواثق: "إنَّهُ ليسَ أَهْلاً أنْ يُنَاظِرَنِي، ولا أنْ أُنَاظِرَهُ"، ثم هدأ روع الخليفة بقوله: "مَهْلاً؛ سَوْفَ يَظْهَرُ الحَقُّ وَيَتَبَيَّنُ عِنْدَ المُنَاظَرَةِ، أُنَاظِرُهُ تَمَشِّيًا على رَغْبَتِكَ"، فرضي الواثق منه هذا القول، فلما بادر ابن أبي دُؤَادٍ بسؤال الأذرمي بقوله: ما تقول بالقرآن؟، فاستأذن الإمام الأذرمي الخليفة الواثق بأن يكون هو المبادر بالسؤال، لأن من آداب الحوار أن يخير المناظر، فأذن له الواثق، فسأل رأس المعتزلة، بعد أن قال لابن أبي دُؤَادٍ: "مَاّ أّنْصَفْتَنِيٍ، أّنَاّ الذِيٍ أّبْدَأُ بِالسُؤَال"، فقال الخليفة: دعه يسأل، فسأل الأذرمي ابن أبي دُؤَادٍ عن مسألة خلق القرآن دون أن يذكر اسمها، بقوله: مسألتك هذه من صلب وأصل الدين، ولا يكتمل الدين إلا بها، فأجاب ابن أبي دُؤَادٍ بنعم، فقال له أخبرني عن قوله تعالى: { ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ..... } [المائدة : 3]، أكان الله الصادق في تمام دينه، أم أنت الصادق بنقصانه؟! ..
    فصمت رأس المعتزلة دون رد، قال الأذرمي للواثق يا أمير المؤمنين واحدة، أي واحدة سجلت على ابن أبي دُؤَادٍ، فقال الواثق واحدة ..
    ثم عاد وسأل رأس المعتزلة، عندما أنزل الله أمره على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، هل أمره بهذه المسألة، فقال: نعم، فقال الأذرمي فلما لم يبلغ بهذه المسألة والله تعالى، يقول: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } [المائدة : 67]، فصمت ابن أبي دُؤَادٍ ..
    فقال الأذرمي للواثق يا أمير المؤمنين ثانية، قال الواثق: ثانية ..
    فقال الأذرمي لابن أبي دُؤَادٍ، أعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بهذه المسألة؟
    فقال رأس المعتزلة: نعم ..
    فقال أعلمها الخلفاء الراشدين؟ ..
    فقال ابن أبي دُؤَادٍ: لا ..
    فقال الأذرمي: أيعقل أن تعلم أنت مسألة لم يعلمها الخلفاء الراشدين؟! ..
    فصمت رأس المعتزلة حياء مما قال ..
    فقال الأذرمي: أتقصد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، علمها لخاصته من الخلفاء الراشدين وباقي المبشرين وفقهاء الصحابة المعتبرين، ولم يعلموها بذاتهم ..
    فقال ابن أبي دُؤَادٍ: نعم ..
    فقال الأذرمي: أوسع النبي الأمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وخلفاءه الراشدين وباقي المبشرين وفقهاء الصحابة المعتبرين بما فيهم ابن عباس حبر الأمة، إن علموها أن يكتموها، فقال رأس المعتزلة: نعم ..
    فالتفت الإمام الأذرمي، إلى الخليفة الواثق وقال: يا أمير المؤمنين إن كان قد وسع جدكم الأكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخلفاءه الراشدين وباقي المبشرين وفقهاء الصحابة في الدين بمن فيهم ابن عمكم حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنه، إن علموا هذه المسألة أن يكتموها، أفلا وسعك ما وسعهم، بأن تحذو حذوهم، إن كنت خير خلف لخير سلف؟! ..
    فقال الواثق: نعم، إن لم يتسع لنا ما اتسع لرسول الله والخلفاء الراشدين، فلا وسع الله علينا، وأمر بقطع قيد الشيخ، فلما قطعوا القيد وثب الأذرمي على القيود وأخذها من الحداد ولكن الحداد لم يسمح له.
    فقال الواثق: دع الشيخ يأخذه، فأخذه فوضعه في كمه. فقال الواثق: يا شيخ، لما جاذبت الحداد عليه؟
    فقال الأذرمي: لأني نويت أن أتقدم إلى من أوصي إليه إن أنا مت أن يجعله بيني وبين كفني، حتى أخاصم به هذا الظالم [ابن أبي دُؤَادٍ] عند الله يوم القيامة، وأقول: يا رب، سل عبدك هذا لم قيدني وروع أهلي وولدي وإخواني بلا حق أوجب ذلك علي؟ وبكى الشيخ وأبكى الواثق ومن حوله ..
    ثم سأله الواثق أن يجعله في حل وسعة مما ناله، فقال الشيخ: والله يا أمير المؤمنين، لقد جعلتك في حل وسعة من أول يوم إكراما لرسول الله، إذ كنت رجلاً من أهله ..
    فقال الواثق: لي إليك حاجة ..
    فقال الأذرمي: أن كانت ممكنة فعلت ..
    فقال الواثق: تقيم قبلنا، فننتفع بك وينتفع بك فتياننا ..
    فقال الأذرمي: يا أمير المؤمنين، إن ردك إياي إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا الظالم، أنفع لك من مقامي عليك، وأخبرك بما في ذلك، وأصير إلى أهلي وولدي فأكف دعاءهم عليك، فقد خلفتهم على ذلك ..
    فقال الواثق: فتقبل منا صلة تستعين بها على دهرك ..
    فقال: يا أمير المؤمنين، لا تحل لي، وإن عني وذو مرة سوي ..
    فقال: سل حاجة ..
    فقال: أوتقضيها يا أمير المؤمنين؟ ..
    قال: نعم ..
    قال: تأذن أن يخلى لي السبيل إلى الثغر ..
    قال: قد أذنت لك ..
    فسلم وخرج ..
    وذهب الواثق إلى مجلس الخلوة واستلقى على ظهره وظل يردد: أفلا وسعك ما وسعهم؟، فصمت الواثق من حينها يتكلم بها بعد ذلك ..
    فقد قال المهتدي بالله، ابن الخليفة الواثق: فرجعت عن هذه المقالة، وأظن الواثق رجع عنها منذ ذلك الوقت ..
    فالأذرمي مؤمن حق الإيمان، بلغ حق التقوى، فتفرس مواطن الضعف في شخص رأس المعتزلة فأغلق عليه المسألة دون أن يخوض بها بما ألهمه الله من حكمة، وتفرس بالواثق استيائه وتخوفه من زيادة شهرة وسلطة المعتزلة وتطورها إلى سلطة سياسية، فأوجد بعون الله وتوفيقه له زريعة ليحجم سلطتهم (20) ..
    -------------------------------
    (20) انظر: في "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني [ج6/ص: 5]، وفي "مناقب أحمد" لابن قيم الجوزي [ج1/ص: 436]، وفي "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي [ج10/ص: 77 – 78]، وفي "اللمعة" لابن قدامة [ج1/ص: 194]؛ وفي "الاعتصام" للشاطبي [ج1/ص: 46-50]؛ وفي "مروج الذهب" للمسعودي [ج1/ص: 121]، وفي "الشريعة" للآجري [ج1/ص: 62] ..

  4. #4
    أسباب المحنة الصوفية الأولى:
    هناك أسباب جوهرية حركت الفتنة أو المحنة الصوفية الأولى، منها:
    1. ظهور الزندقة الصوفية، مع التسمية الصوفية، فأول من سمي بالصوفي زاهد كوفي سمي بأبي هاشم الصوفي، وأول زنديق صوفي كان عبدك الكوفي الذي سمي بالصوفي، حيث عادت به الرهبانية المسيحية، والإباحية، والزندقة الحلولية والحالية، على أنها معتقدات صوفية ..
    2. عدم ظهور اهتمام بالتقسيم المنهجي للعلوم الدينية الفقهية الشرعية والأصولية العقدية والإسنادية الحديثية، عند جماعة الصوفية ..
    3. زيادة نفوذ الفقهاء والمحدثين ومن ثم الأصوليين، السلطوية، وتوليهم الحسبة الشرعية والقضاء بدعم الخلافة العباسية الحاكمة، بعد ذهاب سلطة المعتزلة ..
    وقد نوهنا من قبل في عدة مواضع ومناسبات، أن منهجية الأولياء الصوفية، نشأت على أنها حركة إصلاحية عامة لعموم المجتمع الإسلامي، إلا أن بقية التيارات الدينية الإصلاحية الأخرى، المُحدثة بالدين الأصيل، لصلاح الدين، وحفظ الثوابت الأولية فيه، أصبحت مطلب أساسي قائم بذاته أيضاً، فحراس السنة حفاظ الحديث الشريف، جعلوا سند الحديث في رفع نسبته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، من أساسيات علم الحديث، بل جوهر الحديث، ومن الدين، وكذلك الفقهاء المجتهدين حراس الشريعة السمحاء، جعلوا المذاهب الفقهية، ضرورة ملحة، وكأنها ركن من أركان الدين، وكذلك العلماء الأصوليين، جعلوا ثوابت العقيدة وقواعدها، التي كانت مبثوثة بالكتاب الكريم، ركائز أساسية يقوم عليها الدين الحنيف، وهذه المسالك المنهجية، كلها صحيحة وأصولية، كضرورة معاصرة، فلكل زمان دولة ورجال، وعلى وجه الخصوص مع توسع رقعة الأمة الإسلام، وتعدد أعرافها الاجتماعية، وثقافاتها الأجنبية، فأصبح ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصحبه الكرام، على ما كان عليه، إرث قديم، جددت فيه المنهجية ..
    وبالعودة إلى ما بدأنا به نقول، قد وجد الوارث المهدي المحمدي سلطان العارفين وإمام الأولياء أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى، من الحكمة القيام بتجديد جديد، مبني على ضرورة الانغلاق الجزئي، في منهاج الصوفية، كحاجة ملحة عند الأولياء الصوفية، وذلك بتخصيص المنهج الإرشادي السلوكي، والتهذيبي الأخلاقي، وجعله محصوراً بمريدي الحق الصادقين، مقابل فتح مجال واسع لطلبة العلم، في مجالس العارفين، لأنه كان متماشي إلى مع المتغيرات المنهجية إلى حد كبير، ومعاصر مع علوم الاسناد والمذاهب والأصول، وهي المدرسة التي خرجت علماء أصوليين، وفقهاء مجتهدين، وحفاظ ونقاد محدثين، ذوي مرجعية معرفية صوفية، وهو ما حفظ التوازن بين المنهجية العلمية والسلوكية الصوفية، في المجتمع الإسلامي، وكي يكون منهاج الأولياء الصوفي المتخصص كمنهاج عملي، بدأ سلطان العارفين ذلك التخصيص في مجلسه ليكون قدوة يقتدى به، فأصبح لا يجلس به إلا نخبة من العارفين والأولياء، أمثال: الإمام المحاسبي والإمام النخشبي، وأبو سليمان الداراني وذي النون المصري، ويحيى بن معاذ وغيرهم، وخص مجلس خاص يقصد سلطان العارفين فيه ببغداد تاج العارفين الإمام الجنيد، وذلك تكريماً له ولمقامه، وجلال مهمته الزكية، وقد كان الإمام الجنيد، يقول: ( أَبُوّ يَزِيّدْ مِنْاّ، بِمَنْزِلَةِ جِبْرِيّلُ مِنَ المَلّائِكَةِ )؛ (21)، وهي إشارة صريحة على الإقرار بإمامته العلمية وخلافته المحمدية ..
    وقبل البدء بسرد أحداث المحنة الأولى، نعود بتفصيل أكثر لما تقدمنا به في مقدمة هذا البحث، فنقول: أنه بعد خلافة الأئمة الراشدين جاءت خلافة الصحابة المهديين، ومن بعدها آلت الخلافة المحمدية المهدية [خلافة العلم الرباني] كما أسلفنا، إلى أحد أحفاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، من آل بيته الأفاضل، بعد أن انتهت خلافة الراشدين الجامعة للإمامة والإمارة معاً، بموت العشرة من الصحابة المبشرين، حيث اتخذ هذا الإمام الوارث المحمدي لمقام النبوة والعلم الشريف، من مدينة جده المنورة، مركز له لنشر العلم بعيداً عن فتن الخوارج الرافضية، والمعتركات السياسية، وكان هذا الوراث المحمدي كما بينا من قبل هو: الإمام الصادق جعفر بن محمد الباقر رضي الله عنهما، حيث كان رضي الله عنه، مصدر انطلاق تجديدي كبير لثورة إصلاحية دينية بعيدة المدى والتأثير، من خلال إحداث عدة اتجاهات دينية حافظة ومصلحة ضد أي تيار وجد لإفساد الدين القويم، مع ظهور الزنادقة بأنواعهم، ومنهم زنادقة الكلام، الذين أحدثوا فتن كلامية في ثوابت العقيدة الأصولية، ومنهم زنادقة الحديث الذين اختلقوا الآثار الموضوعة ليضلوا عن سبيل الله بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما فعل الخوارج زنادقة القرآن ليضلوا عن القرآن بالقرآن، من خلال الأخذ بظاهر النصوص القرآنية دون شرح أو تفسير أو بيان، لمقاصد معانيه العلية، وحتى لا تتفاقم ظاهرة الزندقة، أحدث الإمام الصادق عدة تيارات دينية أصولية مضادة، وذلك لكبح جماح الزنادقة وظاهرة الترف الفكري والمادي وتعدد الثقافات الاجتماعية، من خلال دخول الفلسفة العجمية الفارسية، والرومانية واليونانية الوثنية ..
    كان التيار الأول متمثل بظهور المذاهب الاجتهادية الفقهية، من أجل حفظ أحكام الشريعة الفقهية، بفقه القرآن وفقه السنة وفقه الاجتهاد، وتولى هذا المنهاج الديني القويم الفقهاء المجتهدين، وظهر علم اسناد الحديث بالنقل، وفقه الحديث بالعقل، وتولى هذا النهج الحفاظ المحدثين، وأوكل الإمام الرباني الصادق هذين التيارين في بادئ الأمر لأماميين كبيرين كانوا من تلاميذه الأكابر، وهما الإمام مالك الأصبحي إمام دار الهجرة صاحب المذهب المالكي بالفقه، وصاحب الموطأ بإسناد الحديث الشريف، والإمام الثاني كان الإمام أبو حنيفة النعمان، صاحب المذهب الحنفي بالفقه، وصاحب كتاب "الأثار "[مسند أبو حنيفة] بإسناد الحديث، إلا أن الإمام أبو حنيفة أوكل له وضع أسس العقيدة الذي عرفت حينئذ بالفقه الأكبر، وكان أول متون العقيدة الصحيحة ومن بعده متن العقيدة الطحاوية لأحد أتباع مذهب الأحناف، وأوكل للأمام أبو حنيفة مهمة تفعيل تيار الإصلاح السلوكي الأخروية بالوعظ والإرشاد وكان أول نواته هو أحد تلاميذ الإمام الأعظم أبو حنيفة الأفزاز وهو داود بن نصير الطائي الكوفي، حيث قال أبو حنيفة لداود الطائي، يوماً: ( أَمْاّ الآلَاتُ فَقْدْ أّحْكَمْنَاّهَا )، فقال له الطائي: ما بقي؟، فقال الإمام الأعظم: ( العَمَلُ بِمَا عَلِمْنَاهُ ) (22)؛ فانقطع للعمل بما علم حتى صار من فحول العلماء العاملين ومن الأولياء الصالحين، واختص بالأخلاق والسلوك والزهد والرقاق، فكان أول أعلام الأولياء الصوفية، وكان ملماً بكل العلوم الدينية، من فقه وحديث وعقيدة، فلا يحفظ هذا الدين إلا من أحاط بجميع جوانبه، وكان يجله ويزوره، ويرتاد مجالسه كبار من أئمة السلف أمثال: الإمام الثوري وابن عيينة وابن المبارك وابن السماك، وكان يقول إنما شرع تعلم العلم ليعمل به، توفي عام 162 ه، ثم خلفه الإمام العارف المعروف معروف بن فيروز الكرخي [ت 201 ه]، مرجع إرشاد السلوك عند فقيهي المذاهب الشافعي وأحمد، ثم جاء وخلفه ابن المغلس [السري القطي]، خال الجنيد وأستاذه، وتوفي عام 253 ه، فخلفه بالظاهر الزجاج البغدادي، وأعني تاج العارفين الإمام أبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى، أما في الباطن أو في الحقيقة خلفه كمسلك صوفي ابن البغوي المحتسب أبو الحسين النوري، والسبب في انغمار مقام النوري مقارنة مع الجنيد خصوصية مجلس النوري، التي قللت شهرته مقارنة مع الإمام الجنيد، إلا أنه كان معروفاً أنه من أقران الجنيد وليس دونه، بل كان من شيوخ الجنيد في حقيقة الأمر، حيث أدرك ذلك بعض المتحققين والباحثين؛ والفرق بين الإمام النوري والإمام الجنيد بالمسلك أن الإمام الجنيد كان أعلم من الإمام النوري أما الإمام النوري فقد كان أعمل أو أعبد من الجنيد البغدادي، فقال أبو أحمد المغازلي: ( (( مَاّ رَأّيِتُ أّعْبَدَ مِنْ اَلْنُوّرِيٍ ))، قيل: ولا الجنيد؟ قال: (( وَلَاَ اَلْجُنِيِدْ )) )؛ (23)، ولم يكن للإمام النوري مكانة بارزة عند الخلافة العباسية من وقار وتدير كما هو حال الإمام الجنيد، الذي اشتهر بأنه إمام الطائفتين، طائفة الصوفية وطائفة الفقهاء، فكان أستاذ مدرسة العارفين والمرجع الأشهر للأولياء المتصوفين ..
    --------------------
    (21) ورد في "كشف المحجوب" للهجويري [ج1/ص: 317] ..
    (22) ورد في "صفوة الصفوة" لابن الجوزي [ج1/ص: 331]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 11]؛ وفي "حلية الأولياء" للأصفهاني [ج7/ص: 342]
    (23) ورد في "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 35]؛ وفي "سير الأعلام" للذهبي [ج14/ص: 76]؛ وفي "صفوة الصفوة" لابن الجوزي [ج1/ص: 530]؛ وكذلك "المنتظم" [ج13/ص: 73] ..

  5. #5
    المحنة الصوفية الأولى:
    تنسب أحداث المحنة الصوفية الأولى، إلى إمام مدرسة الأولياء الصوفية الأول في هذه الحقبة، وهو المحتسب بالله أبو الحسين النوري رحمه الله تعالى، والمعروف بابن البغوي، وقد كان ابن البغوي حكيماً صوفياً، وتقياً خفياً، قائماً بالليل صائماً في النهار، لا يبتغي بعمله كله إلا وجه الله عز وجل، فكان صادقاً مع الله ومع نفسه، أمينا مع من سواه، قليل الكلام، كثير العزلة بالله، وكانت له وصايا لمريديه، منها: الابتعاد عن أي شخص يخرجه حاله مع الله، عن حدود شرع الله، وعن كل من ابتغى الرياء بالعلم، وتقرب من غير أهل طريقته ومنهجه بالسلوك الأخروي، فهو عند النوري منبوذ مبعد عن الجماعة، والثالثة الابتعاد عن كل مريد للجاه والسلطة والغنى بالمال، وتملق السلطان، وكان يعظ بعدم الاقتراب من كل متكبر مغرور بعلمه، والوصية الخامسة عند النوري ترك كل مدعي لباطن دفين ثمين لا يوثق دعواه بحقيقة سلوكه الرصين، وقد كان غذاء النوري الماء وما فنيا من طعام الناس رحمة بالناس من المسائلة، فقد كان يأخذ من بيته رغفي خبز، يتصدق بهما ثم يقضي وقت طعامه في المسجد فلا يزال في صلاة النوافل وذكر الحق ومناجاته، حتى يأتي وقت عمله بحانوته بالسوق، فيظن أهل السوق أنه تغذا في بيته، ويظن أهل بيته أن أكل في السوق، وهو في حقيقة الأمر صائم يفطر على جرعات ماء قليلة، وما يجمعه في طريقة من فتات فنا طعام الناس، حتى يبعد عنهم المسائلة يوم القيامة عن هذا النعيم، وكان متفانياً بخدمة مريديه واخوانه بالله حتى أنه إذا وقع أحد من اخوانه في عسرة أو ضيق أنفق ما توفر معه لأنه كان لا يدخر، وهرع إلى ذويه واخوانه بالطريق ليجمع منهم حاجة المعسر، من الميسر، ولا يتلكأ أن يتسول مقابل قضاء حاجة أخيه في الله، وهو حال كل الأولياء الأتقياء الصالحين المغبوطين من الأنبياء والشهداء، على مكانتهم من الله عز وجل، ولتحابوهم في على غير أنساب بينهم ولا أموال يتعاطونها، أثروا الفقر على الغنى، والجوع على الشبع رجاء ما عند الله عز وجل ..
    وأحداث المحنة الأولى التي نحن الآن وبعون الله وتوفيقه بصدد سردها، منشأها بدء باختلاف حصل بين الإمام النوري وأحد مريديه المتقدمين، الذي كان يعرف بغلام الخليل، حول مسألة المحبة بأنها عقيدة إيمانية إذا ما ملئت القلب استولت عليه فغلبت المحبة لله على الهيبة منه سبحانه، وكان غلام الخليل يرى أن الأولى هو غلبة الهيبة لأنها تضبط سلوك التعامل مع الله بالإجلال وحسن التقدير، ووجد أن المحبة بلا خوف مبعث خطير للزندقة الصوفية، لذلك انشق غلام الخليل عن شيخه النوري وقصد مدرسة منهاج العارفين، وهي مدرسة تاج العارفين الإمام أبو القاسم الجنيد، الذي رفض قبوله توقيراً لقرينه أو شيخه النوري، فاعتزل غلام الخليل المدرستين معاً ليبدأ مثيرته الخاصة، وغلام الخليل هذا: هو كما وصفه الشمس الذهبي في السير: "الشَّيْخ، العالِـمُ، الزَّاهِدُ، الواعظ، شَيْخ بَغْدَاد، أبو عبد الله، أحمد بن مـحمَّد بن غَالب بن خَالد بن مِرْدَاس، البـاهِلـي البَصْري، سَكَنَ بغداد. وكانَ له جَلاَلةٌ عَجِيبَةٌ، وصَولَةٌ مَهِيبَةٌ، وأمرٌ بـالـمعروفِ، واتبـاعٌ كثـيرٌ، وصِحَّةُ مُعْتَقَدٍ" (24)، أي أن هذا الرجل أنشأ مدرسة دعوية مستقلة، وكان على ما يبدو في قرارة نفسه صوفي المسلك مرائي يريد الشهرة الدنيوية، أي وقع في الشرك الخفي، وحاول هذا الرجل أن يجمل مجلس وعظه بما اسند إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بالزهد والرقاق والأذكار، فوجد بضاعة أحاديث الرقاق المسندة عند المحدثين قليلة، فدخل في زندقة الحديث، ووضعه وصناعته، بحجة السعي إلى ترقيق قلوب العامة للإيمان ولو بالكذب (25)، فكان عذر أقبح من ذنب، لأن الإيمان هو منهاج الصدق، فكيف يبنى على الكذب؟! ..
    ومن الطبيعي أن من يكذب على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يسهل عليه أن يكذب بروايات باطلة عن أصحابه بغية هدم مدرسة الأولياء الصوفية، وإبراز مدرسته الدينية الإرشادية الدعوية بدافع حب الشهرة وحب الأمارة وهو مرض كان في قلبه خفي ظهر في هذه المرحلة، فمطامعه الدنيوية دفعته للسعي للتكلم عن أصحابه الصوفية وشيخهم النوري بالباطل والزيف والبهتان، واتهمهم بأنهم أهل زندقة بعقيدتهم الحلولية والإباحية، وهو ما جعل الناس يخلطون نوعاً ما بينهم وبين زنادقة الصوفية، والأصحاء الأتقياء، وما جعله مصدقاً عند الناس أنه كان من جماعة الصوفية قبل أن يستقل بمدرسته التربوية، إضافة لجميل ارشاده وصدق ظاهر وداده، وزهده وتقشفه وورعه، وصحة معتقده، عند علماء الظاهر الأصولية، وصدق معاملاته مع البرية، إلا أنه من حفر حفرة لأخيه وقع في شر أعماله ..
    فقد اشتهرت موضوعات غلام الخليل الحديثية، ووصلت بعض متونها وأسانيدها إلى المحدثين والفقهاء، الذين رأوا ذلك من الزندقة، فطلبوا من غلام الخليل الخضوع والمسول أمام المحاكمة الشرعية، التي عقدت بموافقة من الخليفة العباسي المعتمد على الله، حيث عرضت أحاديث غلام الخليل، على أحد أكبر وأشهر أئمة كتب السنن بالحديث، وهو الإمام الحافظ أبو داود السجستاني، حيث قيم منها نحو أربعمائة حديث بالموضوعات المكذوبة التي لا تصح لا بالسند ولا بالمتن، ووصف غلام الخليل بأنه دجال بغداد (26)، وأجمع مجمع العلماء والقضاة على حجزه ريثما ينظر في أمر زندقته بالحديث، وقد كان لغلام الخليل شعبية وصلات سلطوية كبيرة، حيث كان له شأنه عند أم مفتي الخلافة المحتسب الموفق ابن أبي ثور، الذي تواصل مع غلام الخليل أثناء محاكمته، وعرض عليه أن يلصق تهمة زندقته بالوضع وصناعة السند بغيره، وأكد له أنه سوف يدعم موقفه هذا ويكون بذلك نجاته من قصاص الزنادقة الوضاعين وهو ضرب العنق، أو القتل التعزيري ..
    عقد مجلس العلماء والقضاة للمرة الثانية بحضور الخليفة العباسي المعتمد على الله، والمحتسب الموفق مفتي الخلافة العباسية، وقاضي القضاة الأزدي حيث سأل المحتسب غلام الخليل، عن باعثه الذي دفعه للوقوع بالزندقة رغم ما اشتهر عنه من زهد وتقوى وأخلاق سنية حميدة، فأنكر غلام الخليل وضعه للأحاديث أكد أنه غير أسانيدها بأسانيد أخذها من ابن شبيب، وكله ثقة بصحة متونها النقلية، لأنه أخذها عن رجل مشهور بعدالته وصلاحه وزهده، أخبر أنه كان يذكر الحديث مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، دون أن يذكر سنده، فاجتهد غلام الخليل وفق ما ادعى بإيجاد أسانيد لهذه النصوص النقلية ..
    فلما سئل من هذا الرجل قال هو شيخي السابق ابن البغوي الصوفي أبو الحسين النوري، فسئل ما دمت تؤمن بصدقه بالحديث وإن لم يكن عنده سند فيه، فلما اعتزلته، فقال اختلفت معه في مسألة إيمان المحبة، لأنه وصحبه يقولون: "نحن نحب ربنا ويحبنا، فأسقط عنا خوفه بغلبة حبه"؛ وأنا أرى: أن الخوف أولى بنا، لأن قولهم هذا قد يجعل منهم من يقول بالإباحة وسقوط التكاليف، وبالحلول وكل هذا مع ذهاب الهيبة، وهذا السلوك من الزندقة ..
    هنا وجد بعض المحدثين من أصحاب الإمام أحمد، أن غلام الخليل صادق بما يدعي، لأنه كان ممن صحب أمامهم إمام أهل السنة ابن حنبل رحمه الله تعالى، وشكك بعضهم بأنه ليس ممن يفتعل الحديث، فقد كان بنظرهم زهداً متخلياً عن الدنيا وشهواتها، منقطعاً إلى العبادة والتقوى، محبوباً من العامة، ومن كثير من المحدثين من أصحاب الإمام أحمد، ورأوه أنه كان يروي مكذوب الحديث جهلاً وبَلَهاً، مع سلامة صدر، وقلة نباهة في هذا العلم، وعدم عناية بمعرفة أصول الحديث، جرى الكذب على لسانه وهو لا يعلم، لأنه كان يحسن الظن، بمن يعلم وهي إشارة إلى شيخه النوري ..
    ولأن غلام الخليل كان مشهور بالصدق والصلاح والزهد عند الناس، أخذ كلامه وكلام مؤيديه على محمل الجد، ورأى المحتسب أن يخضع النوري وأتباعه لقصاص الزندقة دون جلسة تحقيق لأن شهادة غلام الخليل شهادة عدل ثقة آذره بها ثقات، وهو صدوق، مغبون بتصديقه لشيخه الذي اعتزله، فوافق أكثر من في المجلس على رأي المحتسب الموفق وصادق الخليفة العباسي بموافقة المحتسب، فتشاور القضاة والفقهاء مع المحدثين، في الأمر ووجدوا رأس الشر في صناعة الأسانيد هما شاذان الوضاع شيخ شيوخ ابن شبيب، وابن البغوي الصوفي، شيخ غلام الخليل السابق، ولكن كان أمامهم معضلة، وهي أن ابن البغوي النوري، كان من أقران الإمام الجنيد، وشيوخه، والقبض عليه، ومن ثم محاكمته، سوف يدفع بالجنيد لتجنيد نفسه وأتباعه للدفاع عنه بكل ثقله، وتبرئة ساحته، وهو ما قد يكسبهم عداوة الجنيد، وطائفته من الصوفية العارفين والفقهاء، وفي نفس الوقت تقوى شوكة الزنادقة في بغداد، دون رقيب أو محاسب؛ هنا بين المحتسب الموفق، أن الحل يكون بالحكم الغيابي بالقصاص ما دامت الزندقة ثابتة، على أن ينفذ الحكم بالزنادقة ليلاً، ودون علم أحد إلا المقربين الموثوقين من قبل الخلافة، فيصبح بموتهم أمر واقع، لا نجاة منه، ولا رجعة عنه، فوجد أكثر الحضور الصواب بما أشار به المحتسب الموفق، ووافق الخليفة على هذا الرأي وأمر المحتسب أن يلقي القبض على النوري وأصحابه خلسة وبالحيلة دون أن يعلم أحد من خير الخاصة وعلماء المجلس، حتى ينقضي الأمر دون فتنة ..
    وتم القبض على النوري ومريديه، وأوكل إلى سياف الخليفة الوليد بن ربيعة تنفيذ القصاص بالسرعة القصوى، حتى لا يصل ذلك إلى مسامع الجنيد وجمهور الصوفية ومحبي الصوفية، فيحولوا دون تنفيذ هذا القصاص الشرعي ..
    والآن وقبل متابعة ملابسات أحداث المحنة الصوفية الأولى، أحب أن أنوه من جديد إلى جانب مهم في الفارق بين منهج مدرسة الإمام الجنيد، ومدرسة الإمام النوري، فإن مدرسة الجنيد كانت مدرسة للعارفين أي فقهاء الصوفية، المبنية على الإجلال للحق تعالى، على قدر المعرفة للمعاني الألوهية، أما مدرسة النوري فكانت مدرسة للأولياء الأتقياء الأصفياء، وتختلف بأنها منغلقة على المريدين فيها، لأنها مبنية على النواحي الذوقية الإيمانية التي أسست على المحبة لله على قدر إدراك وكشف معاني الربوبية، بينما مدرسة الجنيد كانت مفتوحة لكل عالم ومتعلم، وهذا ما جعل مدرسة الجنيد أكثر موثوقية عند عموم الأمة من عامتها وعلمائها ..
    فكانت بقية مدارس الأولياء الصوفية محل شك وارتياب عند حراس الشريعة الفقهاء، وحراس السنة المحدثين، حيث يرى بعض الفقهاء أن السلوك الصوفي الباطني مبعث تهمة بالزندقة، وبعضهم يتهم الصوفية بالجهل الشرعي والعقدي ..
    لذلك حازت وشاية غلام الخليل بالصوفية على سرعة القبول لأنها أكدت شكوك علماء الفقه والحديث، واستجد عندهم أيضاً ظاهرة الإهمال لسند الحديث، وروايته المعلقة دون رواة إلا من الصحابي الراوي في أحسن الأحوال، كما أن قول غلام الخليل بغلبة الخوف على الحب الإيماني كان مستساغ أكثر عند العلماء المجتمعين، لأنه مجرب في منهجهم السلوكي الإيماني، وبناء عليه جاء أمر الخليفة العباسي للموفق باعتقال النوري ومريديه وتجريمهم بجرم الزندقة وضرب أعناقهم من قبل سيافه الوليد بن ربيعة، حتى تحجم ظاهرة الزندقة الصوفية ..
    فجمع المحتسب الموفق، الإمام النوري وأتباعه الذين زادوا على سبعين مريد فيهم المتقدم مثل الشحام والرقام، والدقاق [أبي بكر]، البغدادي الصوفي [أبو حمزة]، وأتى السياف بالسيف ليعمل القصاص، ثم قال من منكم يبادر للسيف، فأقبل الإمام النوري إلى السياف مسرعاً ودون أن ينطق بكلمة واحدة، ليضع رأسه على خشبة السياف استعداداً لضرب عنقه، عجب السياف من هذا الفعل العجيب، فسأل ابن البغوي النوري، أو تدري لما أنت مقبل، قال النوري: أدري، فقال فلما العجلة، فقال النوري: استعجل الحبيب لقائي فسارعت إلى اللقاء، وعمدت لقصر البقاء في دار الشقاء، وقلت في نفسي أوثر أصحابي بساعة، علهم يزدادوا عني قرباً من الله وطاعة ..
    زاد تعجب السياف من هذا السلوك الذي لا يبدر إلا ممن صدق العمل إيمانه، فراحة المؤمن الحق تكون بلقاء ربه، ومبتغاه التحرر من سجن الدنيا دار الغرور، وكذلك المبادرة بالمؤثرة التي لا تبدر إلا منن كبار المؤمنين المتقين ..
    فما كان من السياف إلا أن ترك المضي بالقصاص، قاصداً الخليفة سراً ليعرض عليه الأمر، فلما سمع الخليفة رواية السياف عجب أشد العجب، واستنكر كسيافه أن يبدر هذا السلوك من زنديق البتة، فاطرق رأسه يفكر بالأمر فوجد أن الحكمة تقتضي التحقق من تهمة الزندقة، من قبل قاضي القضاة وكان حينها هو إسماعيل بن إسحاق الأزدي ..
    يتبع ..
    --------------------------
    (24) ورد في "سير الأعلام" للذهبي [ج13/ص: 282] ..
    (25) قال: "وضعناها لنرقق بها قلوب العام" ورد في "تاريخ بغداد" للخطيب [ج5/ص: 79]؛ وفي "المنتظم" لابن الجوزي [ج5/ص: 95]؛ وفي "ميزان الاعتدال" للذهبي [ج1/ص: 141]؛ وفي "الموضوعات الكبرى" لابن الجوزي [ج1/ص: 224]؛ وفي "الكشف الحثيث" لأبو الوفا [ج1/ص: 53] ..
    (26) قال: "وضعناها لنرقق بها قلوب العام" ورد في "تاريخ بغداد" للخطيب [ج5/ص: 79]؛ وفي "المنتظم" لابن الجوزي [ج5/ص: 95]؛ وفي "ميزان الاعتدال" للذهبي [ج1/ص: 141]؛ وفي "الموضوعات الكبرى" لابن الجوزي [ج1/ص: 224]؛ وفي "الكشف الحثيث" لأبو الوفا [ج1/ص: 53] ..

  6. #6
    هنا وجه الخليفة لقاضي القضاة الأمر بمعاودة النظر في تهمة الزندقة والتحقق من صحتها في هؤلاء الصوفية على أن يتم الأمر سراً، ولأن لهذه الجماعة رأس يمثلهم، فقد عرض الإمام النوري على قاضي القضاة الخلافة العباسية إسماعيل بن إسحاق الأزذي، فبادر قاضي القضاة بعد رد السلام على الفور بعرض مسائل فقهية شرعية على ابن البغوي النوري، وذلك لأن فهم ميزان الشرع والالتزام بتعاليمه أكبر كشاف عن الزندقة، ولأن الزنادقة لا يتابعون أحكام الشريعة باهتمام واتقان حالهم حال المنافق المنتفع، لتهاونهم بالعبادات علماً وعملاً، وهذا ما يؤول باطنتيهم الكفرية ..
    إلا أن الإمام النوري تفرس هذه النية في القاضي، فكان مسارعاً برد هذه الشبهة الأولية، بإجابته الفورية على كل المسائل القاضي الشرعية التي سأل عنها في أحكام الصلاة والطهارة في الشرعية الإسلامية ..
    إلا أن القاضي كان متفاجئ، ليس من سرعة إجابة النوري على مسائله فحسب، إنما تفاجئ من تفرد النوري بالمقارنة مع الغير، بأسلوب استدلالي غير مألوف للقاضي، مخالف حتى لما كان عليه إمام الطائفة وتاج العارفين الجنيد قرين النوري، من استدلال شرعي فقهي معتمد على فقهه في مذهب الإمام الثوري [سفيان الثوري]، ومن ثم اجتهادات السادة الشافعية، بل أن النوري لم يكن يعتمد على الاجتهاد الفقهي المذهبي مطلقاً كما كان شائع عند الفقهاء والمتفقهين، أو على نصوص سنية نقلية مرفوعة مسندة كما هو شائع عند كثير من الأئمة المحدثين، أو العمل باجتهادات في موقوفات الصحابة، أو مقطوعات الأئمة التابعين ..
    إنما كان وجه الاستدلال محصور بآيات الكتاب الكريم البينات المحكمات، والآيات المبينات الشارحة لخفايا غير البينات من آيات الكتاب الكريم، مع متابعات لشروحات قولية من قول النوري، موافقة بمضمونها لمقاصد ومعاني ودلالات السنة النبوية الصحيحة، ورغم تعجب القاضي من هذا النهج الفريد بالحجة والدلالة الشرعية، إلا أنه لم ينكره لأنه يعتمد بالدلالة على الأصل الأول الذي يقوم فيه الدين، ألا وهو كتاب رب العالمين، وهو كما وصفه النبي صلى الله عليه وآله سلم، بالمرفوع الصحيح، بأنه أصدق الحديث (27) ، ويصدق ذلك قوله تعالى: { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً } [النساء : 87] ..
    هنا خاطب القاضي الإمام النوري قائلاً: يا شيخ عندما سألتك بأسالتي الفقهية، أجبتني عليها كلها بدلالات قرآنية، ولم أراك تعرج لنصوص السنة النبوية إلا بالمعنى من قولك دون نسبة أو رفع لمتن أصل القول، أو الأخذ من الاجتهادات الفقهية بشيء؟! ..
    فأخبره الإمام النوري، بأن القرآن هو أصل الشريعة بالنص والدليل، فإن وجد المطلب بالأصل فلما العروج إلى الفروع، ما دامت حاجتي مبثوثة بالكتاب، أيها القاضي: اعلم أن من عرف الله، عرف بمعرفته كل شيء، وفهم من قوله تعالى كل شيء، لأن القرآن فيه تبيان لكل شيء، فالله تعالى يقول، في محكم تنزيله: { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } [النحل : 89]، ولا يكون ذلك إلا لمن أنار الله قلبه بنور التقوى المحمدية الذي تفتح به مغاليق القلوب التقية، فالله تعالى يقول: { فَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } [محمد : 24]، فمن تفتحت له أقفال قلبه بنور التقوى تبين له علم كل شيء، لقوله تعالى: { وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [البقرة : 282] ..
    فقال القاضي: هل أنت من دعاة ترك العمل بالمذاهب الفقهية؟ ..
    فقال النوري: لا أعمل بها، ولا أدعو لتركها، لأن اختلاف الأئمة فيه رحمة وسلامة للأمة ..
    فقال القاضي: أولا تعمل بالسنة؟! ..
    فأجابه الإمام النوري نحن لا نعمل إلا بالسنة وخلقنا القرآن على أثر أخلاق سيد الأنام عليه الصلاة والسلام، فنحن على أثر النبي العدنان صلى الله عليه وآله وسلم، بالقول والموافقة بالتمثل المحمدي، والعمل بالمطابقة، مقتبسين منه الحق المبين، ومستلهمين من أثره الشريف الرصين، وملتمسين من نور سراج قلبه بيان الكتاب الكريم، ويكون هذا بدوام الاتباع وترك الابتداع، والتأسي به وحسن الاقتداء، والتَمَثُلِ بعظيم أخلاقه الندية، وتقواه العلية، عملاً بقوله تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً } [الأحزاب : 21] ..
    وفي مجالسنا نذكر متون ما قاله صلى الله عليه وآله وسلم، بالوعظ والإرشاد وما ترق به قلوب العباد، فالسنة شرح الكتاب فمن ضل عنها ضل عن الكتاب ..
    فقال القاضي: ما دامت السنة شرح الكتاب، فلما لم تشرح بها آياتك الدلالية؟ ..
    فقال النوري: لأن المقدم بيان قول الله، بما قاله الله، فأفضل البيان تبيان القرآن بالقرآن، فمن لم يجد فعليه بسنة النبي العدنان عليه الصلاة والسلام ..
    فقال القاضي: بلغني أنك تروي نصوص السنة، من غير ذكر رواتها ..
    فقال النوري: نعم، نروي المعروف والمشهور من الحديث، موصولاً بالنبي صلى الله عليه وآله سلم، من غير رواته أو حتى راويه أحياناً ..
    فقال القاضي: فلما تروي السنة من غير رواتها أو سند روايتها؟ ..
    فأجاب الإمام النوري: لأن القائل أعظم وأجل من الناقل، فوجب تقديم ذكره على ذكر راوي القول عنه ..
    فقال القاضي: أو تنكر العمل بالسند؟ ..
    فقال النوري: لا أنكره ولا أتباعه لأعمل به، وأجل حملة السنة ومبلغيها، وأدعوا لهم بحسن السداد وخير الرشاد، ولي فيه عن شويخي سند واحد لأكثر من أثر واحد ..
    فقال القاضي: ما دمت لك في سند الحديث سند واحد، فلما لا تعمل بسند الحديث وتتعلمه؟، ويكون لك به باع ..
    فقال: لأنه له أهله من حملته الأجلاء، وهو عندي ليس من زاد الآخرة، ولا هو عندي من عدة القبور، إنما أحفظ من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما أعمل به، أو أرشد وأعظ به، هو مطلبي الحثيث ..
    فقال القاصي: كيف تعرف حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، دون سند يثبت نسبته مرفوعاً إليه صلى الله عليه وآله وسلم ..
    فقال النوري: لأن الحديث له ضياء كالشمس تعرفه بنور التقوى المقتبس من نور مشكاة قلب محمد عليه الصلاة والسلام، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد جاء بالحق، لقوله تعالى: { وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } [سبأ : 6]، فكل من نطق به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هو موافق للحق المنزل، وتعرفه قلوبنا أنه من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنور التقوى، فقد ثبت عندنا من المأثور الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ( إذا سَمِعْتُمُ الحَديثَ عنِّي تعرِفُهُ قلوبُكُم )؛ (28)؛ ولا يعلم ذلك إلا بنور التقوى الذي نرى به الحق حقاً، لقوله تعالى: { أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ } [الرعد : 19]، ويكون ذلك بنور العقل وهو جوهر القلوب الذي يفرق به بين الحق والباطل، فالله تعالى يقول: { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } [الحج : 46]، وعلى قدر معرفتنا به تعالى تستنير قلوبنا بنور تقوى النبوة، وتتفتح عقولنا بذلك النور، فكل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، موافق لكتاب الله عز وجل بالدلالة والإشارة، بنصه ودليله، والسنة بيان محصور بالقرآن، لأن الله تعالى، يقول: { وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [النحل : 64] ..
    فقال القاضي لكن الله كرم رجال السند وفقهاء الحديث، كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: ( نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ )؛ (29) ..
    فتبسم النوري، ثم قال: سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول: ( (( إِنَّ لِلَّهِ أَهْلَيْنِ مِنَ النَّاسِ ))؛ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَهْلُ اللَّهِ؟ قَالَ: (( أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ )) )؛ (30) ..
    فصمت القاضي وتبسم، وقال: ألا تخبرني عن حديث بسندك؟ ..
    فقال النوري لي كما أخبرتك في الحديث سند واحد لأكثر من حديث واحد، وهو سندي عن شيوخي، ثم قال ومنها: حدثنا شيخي السَّرِيُّ، عَنْ مَعْرُوفٍ الْكَرُخِيِّ، عَنِ ابْنِ سِمَاكٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَنَسٍ بن مالك رضي الله عنه، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( مَنْ قَضَى لأَخِيهِ الْمُسْلِمِ حَاجَةً، كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ ،كَمَن خَدَمَ اللَّهَ؛ وفي رواية: كَمَن حَجَّ واعتَمَرَ )؛ (31) ..
    فقال القاضي لا أعرف عدالة لهذا السند ولا أعرف أن هذه الطبقات من رواة الحديث، إلا سفيان الثوري عن الأعمش، ولم أقرأ بكتب أئمة الحديث الصحاح مثل هذا المتن ..
    فقال النوري، لولا ثقتي بشيوخي، ولولا اجماع من عرفهم ومن خَبِرَهُم على حسن صدقهم وتمام عدالتهم، وعلوي تقواهم، ما أخذت منهم شيء، فهم أهل ثقة مجربين بالقول والعمل، وهذا الحديث صحيح بمتنه إن لم يصح سنده عندكم، لأنه موافق لقوله تعالى: { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [المائدة : 2]، ففي الآية قدم الله تعالى التعاون على الخير وإنقاذ الغير بالبر، على مطلب التقوى للذات، ويؤيد ذلك، من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( واللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ )؛ (32)؛ ويصدق ذلك قوله تعالى: { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [الفتح : 10] ..
    وكذلك قوله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( مَن كانَ في حاجَةِ أخيِه، كانَ اللهُ في حاجَتِهِ )؛ (33) ..
    هنا صمت القاضي قليلاً ثم قال: ولكن كيف عرفت بصحة هذين الحديثين الذي استشهدت بهما، وأنت لا علم لك بالسند وسلاسل الأصحاء الثقاة، ولم تقرأ بكتب الحديث قط؟، فقال النوري: "مَنْ عَقَلَ أن الأشْيَاءَ كُلّهَا تُعْرَفُ بِالله، فَرُجُوعُهُ فِيْ كُلِ شَيِءٍ إِلَىّ الله"، (34) ..
    هنا أدرك القاضي الأزدي أن يحاور عارف كبير ومتفقه خبير، فأحجم ..
    يتبع ..
    ----------------------------
    (27) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: (( مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ، إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ))؛ رواه الشيخان البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2262/ر:5747]، ومسلم في "صحيحة" [ج6/ص: 392/ر:2002]، والنسائي في "سننه ’المجتبى’" [ج3/ص: 209/ر:1577]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج4/ص: 263/ر:14022]، وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج1/ص: 186/ر:10]، وصححه ابن خزيمة في "صحيحة" [ج3/ص: 143/ر:1785]، وخلاصة حكمه: [متفق عليه] ..
    (28) النص الكامل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( إذا سَمِعْتُمُ الحَديثَ عنِّي تعرِفُهُ قلوبُكُم، وتَلينُ لَهُ أشعارُكُم وأَبشارُكُم، وترَونَ أنَّهُ منكُم قريبٌ، فأَنا أَولاكُم بِهِ، وإذا سَمِعْتُمُ الحديثَ عنِّي تنكُرُهُ قلوبُكُم وتنفِرُ أشعارُكُم وأبشارُكُم، وتَرَونَ أنَّهُ منكُم بَعيدٌ، فأَنا أبعدُكُم )؛ رواه ابن حبان في "صحيحة" [ج1/ص: 264/ر:63]، بإسناد صحيح، على شرط مسلم؛ رواه البخاري في "التاريخ الكبير" [ج3/ص: 391/ر:1585]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج5/ص: 425/ر:23606]؛ وصححه ابن كثير في "تفسير القرآن" [ج4/ص: 275]؛ والهيثمي في "مجمع الزوائد" [ج1/ص: 154]؛ وأحمد شاكر في "عمدة التفسير" [ج2/ص: 64]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:699]؛ وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:612]؛ وحكمه: [صحيح]؛ وفي رواية أخرى أقل صحة: ( إِذَا حُدِّثْتُمْ عَنِّي بِحَدِيثٍ تَعْرِفُونَهُ وَلا تُنْكِرُونَهُ قُلْتُهُ أَوْ لَمْ أَقُلْهُ فَصَدِّقُوا بِهِ، فَإِنِّي أَقُولُ مَا يُعْرَفُ وَلا يُنْكَرُ، وَإِذَا حُدِّثْتُمْ بِحَدِيثٍ تُنْكِرُونَهُ وَلا تَعْرِفُونَهُ فَكَذِّبُوا بِهِ، فَإِنِّي لا أَقُولُ مَا يُنْكَرُ وَلا يُعْرَفُ )؛ رواه الدار قطني في "سننه" [ج4/ص: 408/ر:4475]؛ والذهبي في "سير الأعلام" [ج8/ص: 199/ر:609]؛ الخطيب في "تاريخ بغداد" [ج11/ص: 391/ر:3910]؛ وورد في "نوادر الأصول" للحكيم الترمذي [ج1/ص: 233]؛ وورد في "التاريخ الكبير" للبخاري [2/ص: 434]؛ وفي "كنز العمال" للمتقي الهندي [ج10/ص: 230] ..
    (29) رواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 346/ر:3660]، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:3660]، ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 33/ر:2656]، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2656]، ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 128/ر:230]، ورواه الدارمي في "سننه" [ج1/ص: 80/ر:233]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج6/ص: 233/ر:21080]، وصححه الشيخ شاكر في "مسند أحمد" [ج6/ص: 96]، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:9264]، ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:6762]، وصححه ابن حبان في "الثقات" [ج2/454/ر:680]، وصححه الحاكم في "المستدرك" [ج1/ص: 162/ر:294]، ورواه أبو يعلى في "مسنده" [ج13/ص: 335/ر:7413]، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
    (30) رواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 121/ر:215]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:179]؛ ورواه الدارمي في "سننه" [ج2/ص: 891/ر:3206]؛ بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأسد في "سنن الدارمي" [ج2/ص: 536]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج3/ص: 580/ر:11870]، بإسناد حسن؛ بتحقيق الأرنئوط في "مسند أحمد" [ج3/ص: 127]؛ وبإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج10/ص: 111]؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج1/ص: 743/ر:2046]، وقال: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ عَنْ أَنَسٍ هَذَا أَمِثْلُهَا؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:2374]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [2165]؛ وصححه المنذري في "الترغيب" ووافقه الألباني في "صحيح الترغيب" [ر:1432]؛ وصححه الدمياطي في "المتجر الرابح" [ج1/ص: 192]؛ وصححه الزرقاني في "مختصر المقاصد" [ج1/ص: 227]؛ والصعدي في "النوافح العطري" [ج1/ص: 75]؛ وصححه الوادعي في "الصحيح المسند" [ج1/ص: 78]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (31) ورد في "تخريج الإحياء" للعراقي [ج3/: 1211/ر:1807]؛ وفي "تاريخ بغداد" للخطيب [ج5/ص: 131]؛ وفي "العلل المتناهية" لابن الجوزي [ج2/ص: 511/ر:844]؛ وفي "حلية الأولياء" لأبو نعيم [ج10/ص: 255]؛ وفي "طبقات الصوفية" للسلمي [ج1/ص: 99]، وهو: حسن لغيره ..
    (32) رواه مسلم في "صحيحة" [ر:2699] ..
    (33) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ر:2442]؛ ومسلم في "صحيحة" [ر:2580] ..
    (34) ورد في "طبقات الصوفية" للسلمي [ج1/ص: 100]؛ وفي "الكواكب الدرية" للمناوي [ج1/ص: 525] ..

  7. #7
    ثم تابع القاضي حديثه مع الإمام النوري، فقال له أعندك حديث آخر ترويه؟ ..
    فقال: عندي ولكن بسندي السابق ..
    فقال القاضي أخبرني عن أحدها، فقال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: ( أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، لا يَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ بِهِمَا، غيرُ شاكٍّ، إِلا حَجَبَتَا عَنْهُ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )؛ (35) ..
    فقال القاضي: هذا حديث صحيح عندنا بسند آخر، ولفظ مشابه بالمعنى والقصد، ولكن هذا المتن ليس من رواية أنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنه، فرواية أنس: ( مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ )؛ (36) ..
    هنا أخبر النوري القاضي، بأن ما يقوله أنه من رواية أنس رضي الله عنه، هو عن أنس بالشهرة وكثرة روايته ربما متفرداً بتبليغه لأكثر من راوي عنه، والنص المحمدي الذي رواته أكثر شهرة فقد رواه أنس وغيره من الصحابة لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاله على ملأ من الصحابة في إحدى الغزوات، وهذه الألفاظ على تعددها وتنوع صيغها، مصبها في معنى واحد وهو معرفة كلمة التوحيد معرفة قلبية شهودية، وفضل هذه المعرفة اليقينية في الدارين ..
    ثم أخبر أمير القلوب النوري قاضي القضاة الأزدي، أن هذه المشغلة بدقائق الرواية وإن كانت من الورع، إلا أن هذا الورع إن كان على حساب إهمال معاني المتون ودلالاتها الوجدانية، تغدو معصية بترك تقديم الجوهر الدلالي العقلي، والاهتمام بالقشور الروائي النقلي، وهو سر عدم انشغال النوري بهذا العلم رغم أهميته بحفظ أصول الدين، وأخبره بأن النظر في مفاريد صحيح الرواية، لا يخرج عن طور الظن بنسبتها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأخذ بمجاميع الألفاظ الجامعة لمعنى دلالي واحد توصل إلى اليقين، ففقه متن الحديث، مقدماً في أصول الدين على فقه رواية الحديث ..
    هنا صمت القاضي متدبراً ما قاله الإمام النوري، ثم قال: من هو الفقيه عندك؟ ..
    فقال الفقيه الحق عندي: من عرف الله حق معرفته، وعرف ما قد يرضي الله فاتبعه، وعرف ما قد يسخط الحق تعالى فاجتنبه، ومقت ذاته ابتغاء قرب الله، ولم يدع القرآن رغبة إلى ما سواه، فأشهده الحق لمعاني كتابه وجوه عدة ..
    هنا رأى القاضي أن يعرض على الإمام النوري بعض الأحاديث التي حفظها من الموضوعات، التي أدين بوضعها غلام الخليل، ونسب هذا الأخير أصل القول بها للإمام النوري، ليتحقق تماماً من عدم نسبتها إليه، فقال: أخبرني يا شيخ، ما دمت تعرف فقه الصحيح من عدمه بالحديث، عن الحديث الذي نصه: ( تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَىّ بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِيْ الجَنَّةِ، إلَّا فِرْقةً وَاحِدَةً، وَهِيَ الزَّنادقةُ )؛ (35) ..
    فقال النوري لا يصح من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصحابته ولا التابعين بل هو من قول الزنادقة، لأنه يدعو إلى الفرقة، حتى وإن تفرد بأن المخالف هم الزنادقة فتلك تورية، لأنه مخالف لما جاء بالكتاب من قوله تعالى: { َاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [آل عمران : 103]؛ وفي سنة رسول الله الصحيحة كثير من الأحاديث تؤكد ذلك، لأن يد الله مع الجماعة، ونبذ الفرقة، والصحيح أن الفرقة الواحدة هي الناجية وهي الجماعة، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ؛ وإِنَّه سَيخرُجُ من أُمَّتِي أقوامٌ تَجَارَى بِهِمْ تِلكَ الأَهواءُ كَما يَتَجارَى الكلبُ لِصاحِبِه، لا يَبقَى مِنه عِرقٌ ولا مِفْصَلٌ إِلَّا دَخَلَهُ )؛ (36) ..
    هنا وافقه القاضي، وقال له أصبت، فما قولك بما نسب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: ( مَنْ قَبَّلَ غُلامًا لِشَهْوَةٍ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَإِنْ صَافَحَهُ بِشَهْوَةٍ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ صَلاتُهُ، فَإِنْ عَانَقَهُ لِشَهْوَةٍ ضُرِبَ بِسِيَاطٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنْ فَسَقَ بِهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ )؛ (37) ..
    فأجاب النوري، حديث منكر مكذوب بالمتن والسند، لأن الله أمرنا أن لا نقترب من موجبات الزنا، بقوله: { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً } [الإسراء : 32]، فكيف بما هو أشد وأخبث فاحشة يهتز لفعلها العرش، ويغرد لفعلها الشيطان، ولم تكن في سنن الأولين وشهوتهم قبل قوم لوط، بقوله تعالى: { وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ } [الأعراف : 80]، لا أراه إلا من قول الزنادقة ..
    هنا تابع القاضي وقال: صدقت، فما رأيك بالأثر القائل: ( يَدْخُلُ سلًيْمانُ بن دَاوُد الجنّة بَعْدَ دُخُولِ الأنْبِياّءِ بِأّرْبَعِينَ عَاّمَاً، لِلسَبَبِ الذِي أّعْطَاهُ اللهُ تَعَالىّ )؛ (37) ..
    فقال الإمام النوري هذا لا يصح من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إنما هو من وضع الزنادقة وضاعي الأخبار الكاذبة ..
    لأن الله تعالى، يقول: { وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } [ص : 30]، فالمديح بالآية عائد من بلاغة القرآن على نبي الله داود وابنه سليمان، فسليمان كما يقول الله تعالى: { نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ }، ولقد ساوى الله بين داود وأبنه بالفضل في موضع آخر فقال: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ } [النمل : 15]، فقد فضل الله سليمان عليه السلام على كثير من عباده المؤمنين، فقد قال المؤمنين بالتفضل الأخروي، وليس المالكين، فمثل هذا يؤخر عن الجنة؟!، أربعين عاماً وأين كان هذا التأخير، في العذاب أم في الحساب؟! ..
    وكيف يؤخره الله تعالى عن الجنة، وهو القائل فيه في كتابه الحكيم: { وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ } [ص: 40]، وهل حسن المآب أو المرجع بتأخيره عن الجنة؟! ..
    ثم قال النوري: أيها القاضي حديثك هذا لا يصح لا بالنقل ولا بالعقل، فالله تعالى يقول: { لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } [البقرة : 285] ..
    فلا يكون هناك تفرقة بمقام النبوة ولا بالجزاء، إنما فضل الله بين رسله بأن رفع بعضهم فوق بعض بالدرجات، لقوله تعالى: { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ } [البقرة : 253]، فالله فضل نبيه سليمان عليه السلام بأن سخر له كل شيء، كتفضيل دنيوي، ورفع غيره عنه مقابل ذلك بالدرجات كتفضيل آخروي، ولا يكون ذلك بالتأخير عن الجنة ..
    فقال القاضي صدقت فهذا الحديث لا أصل له عندنا ولا يصح بكل متونه وأسانيده، وتبين لي أنه لا يصح أن يكون من روايتك معلقاً أو بسند، كما أدعى غلامكم الكذاب ..
    فقال من تقصد بغلامي الكذاب، فقال القاضي ذلك الواشي الجاحد، المعروف بغلام الخليل، فقد قال لنا غلامكم المرائي ابن غالب الباهلي، غلام الخليل، أنه سمعك تقول: "أّنَا ّأّعْشَقُ الله عَزْ وَجَلّ، وَهُوَ يَعْشَقُنِيِ"، ثم قلت سمعت الله يقول: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة : 54]؛ (39) ، وأشار إلى أنك بهذا القول تعتقد بعقيدة الحلول والاتحاد والمزج، وهي عقيدة فاسدة يقول بها الزنادقة ..
    فقال الإمام النوري: هذا المقال صحيح من قولي، ولا حلول فيه البتة، لأن محبة الله لعبده تكون بمودة الودود بالوداد للعباد المؤمنين، لقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً } [مريم : 96]، أي يجعل لهم منه مودة، لأنه يحبهم، فإن أدركوا هذه المودة وتعايشوا معها أحبوه كما أحبهم، وبيان ذلك بقوله تعالى: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة : 54]، فعشقه لنا بالتودد، يقابله عشقنا له بالموافقة والمولاة بالقول والعمل، فمصداق محبة الله لعبده المؤمن، بالمودة الفعلية، تكون بزيادة الفضل والنعم والخيرات، ومصداق محبة العبد لربه بالشكر بالموافقة والمولاة للحق، لقوله تعالى: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } [إبراهيم : 7]، والشكر هو تأويل عملي للمحبة عند عباد الله الأولياء، وهم قليل لقوله تعالى: { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } [سبأ : 13]، ويبقى هذا التجاذب بين العبد وربه، مع الزيادة فيه، حتى يبلغ العبد مقام الإحسان ويدرك حقيقة العبودية، وهو عشق اللاهوتية ..
    فصمت القاضي برهة، ثم قال: ولكن ما قولكم بأن المحبة لله إذا غلبت في القلب غيبت المهابة أو الخوف؟، والمتعارف عليه بالسنة أن الخوف والرجاء إذا ما وزنا بقلب المؤمن تساويا، فأطرق ابن البغوي الصوفي، ثم رفع رأسه وتبسم وقال: غلبة المحبة لا تذهب الخوف ولا تغيبه، إنما يلازم المحبة خوف أخر غير الخوف المغيب بزيادة المحبة، وهو الخوف من ذهاب حال المحبة عن المحب وهو ما يدخله في جحيم يفوق عذاب جحيم الآخرة، بتغير هذا الحال، أو ثباته دون زيادة، أو تناقصه حتى النفاذ، إن لم يكن هناك استزاده من المحبة لله، وهو خوف أشد على المحب من الخوف المغيب بشدة حب العبد لربه، ومصداق ذلك قوله تعالى: { يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } [الأنبياء : 90] ..
    أي رغبتاً بالاستزادة من المحبة وهو المقدم بالآية أعلاه، ورهبتاً من نقصانه أو ذهابه أو حتى ثباته على حال من الأحوال دون زيادة، وهي خصوصية الولي، أما العارف أو العالم فيغلب عليه الإجلال والهيبة والخشية من الحق مع الطمع بزيادة المعرفة للحق، والظفر برضاه سبحانه، كما في قوله تعالى: { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } [السجدة : 16]، والوازع بالمحبة أثبت وأدوم من رادع الخوف وأصدق ..
    فتقديم الرغبة على الرهبة في الآية الأولى دليل قطعي على غلبة الحب على الخوف، وتقديم الخوف على الطمع المبني على الخشية والهيبة، طلباً للرضا والرحمة، في الآية الأخيرة، دليل على غلبة الإجلال في قلب العارف عن إظهار حبه لله ..
    هنا نظر القاضي إلى ابن البغوي النوري وصمت قليلاً ثم قال: أحسنت التأويل، وأصبت بالدليل، جزاك الله خيراً، وزادك من فضله علماً وفهما وهدى ..
    يتبع ..
    ------------------------
    (35) رواه مسلم في "صحيحة" [ر:27]، بلفظ: ( أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وأنِّي رسولُ اللَّهِ، لا يلقى اللَّهَ بِهما عبدٌ غيرُ شاكٍّ فِيٍهِمَا، إلَّا دخلَ الجنَّةَ )؛ وصححه الوادعي في "الصحيح المسند" [ر:1257]؛ ورواه الفريابي في "دلائل النبوة" [ج1/ص: 29/ر:1]، وصححه الوادعي في "صحيح دلائل النبوة" [ج1/ص: 225]، وقال: صحيح ورجاله ثقات ..
    (36) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج1/ص: 59/ر:128]؛ ورواه مسلم في "صحيحة" [ج1/ص: 240/ر:32]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
    (37) ورد في "الضعفاء الكبير" للعقيلي [ج4/ص: 201]؛ وفي "الموضوعات الكبرى" لابن الجوزي [ج1/ص: 439]؛ وفي "الأباطيل والمناكير" للجوزقاني [ج1/ص: 464]، وأورده ابن تيمية في "بغية المرتاد" [ج1/ص: 336]، وقال بحكمه: لا أصل له بل هو موضوع كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث ..
    (38) رواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 414/ر:3992]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3241]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج3/ص: 611/ر:12070]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج8/ص: 301]؛ وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" [ر:1492]؛ وفي "صحيح الجامع" [ر:1082]؛ وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
    (39) ورد في "الكامل في الضعفاء" لابن عدي الجرجاني [ج1/ص: 322]؛ وفي "اللآلئ المصنوعة" للسيوطي [ج2/ص: 108]؛ وفي "تنزيه الشريعة" لابن عراق [ج2/ص: 221]؛ وفي "الموضوعات الكبرى" لابن الجوزي [ج3/ص: 113] ..
    (40) ورد في "قوت القلوب" للمكي [ج1/ص: 285]؛ وورد في "تنزيه الشريعة" لابن عراق [ج2/ص: 283/ر:40]؛ وورد في "الموضوعات الكبرى" لابن الجوزي [ج6/ص: 362]، وأنكره العراق في "تخريج الإحياء" [ج6/ص: 167] ..
    (41) ورد في "تلبيس ابليس: لابن الجوزي [ج1/ص: 211] ..
    ========================

  8. #8
    تابع القاضي حواره مع الإمام النوري، فقال: ما دمت بهذا الفهم الصحيح والدقيق لعقيدة التوحيد، هل لي أن أسئلك شيئاً بدقائق التوحيد؟ ..
    فتبسم النوري، وقال سل ما بدا لك ..
    فقال أخبرني إذا، من أنت، لماذا أنت، ولما كنت، وأين أنت؟ ..
    هنا تسمر النوري، وأطلق فكره، دون جدوى، ترتجى رغم ما آتاه الله من حكمة وفهم، ثم أطرق وأغمض عينيه، والتجئ إليه سبحانه بالكلية، ثم رفع رأسه بعد وقت قضاه في المنجاة، وتبسم، ثم قال: أنت تقصد، بأسالتك هذه، أن تقول: من أنت من الله، لما خلقك أنت، ولأي شيء خلقك، وأين أنت من الله أين الله منك؟، هنا تبسم القاضي، وقال أحسنت فهذا ما قصدت، فهل لك أن تجيب؟ ..
    هنا، قال النوري: أما قولك من أنت؟ أو من أنت من الله؟، فأقول: إن كنت موجوداً فوجودي، لا يكون إلا بالحق، وللحق، بأن أكون عبداً حقاً للحق تعالى، أقررت بذلك أو أنكرت، طوعاً أو كرهاً، لقوله تعالى: { ِإِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً } [مريم : 93] ..
    هنا توقف الإمام النوري عن المتابعة، وقال: قبل أن أتابع الإجابة، ومن ثم أجيب على باقي الأسئلة هل لي بسؤال واحد، فقال القاضي تفضل يا شيخ، فقال النوري أخبرني من أنت؟ لتسألني بهذه المسائل؟ ..
    فقال القاضي: ما بالك يا شيخ أنا قاضي القضاة ..
    فقال الإمام النوري: تريدني أن أجيبك عن دقائق التوحيد، وأنت غارق بشدائد الإشراك والتفريد ..
    فتغيرت ملامح القاضي، وظهر في وجهة معالم الغضب، وقال بغلظة: تتهمني بالإشراك؟!، فقال النوري: وأنت اتهمني بالزندقة ..
    فقال القاضي: فعلت ذلك لأنك كنت عندي متهماً بتهمة أجمع عليها كبار العلماء، ولأني قاضي القضاة فإما أن تجرم أو تبرئ، فقال النوري: وهذا هو موطن الشرك عندك، إذا أنك تدعي أنك قاضي القضاة الذي يقضي بالحق ولا يقضى عليه، فأنت من جعلت نفسك شريكاً بالملك مع الله، لا أنا، ففرعون من قبلك فر من عون الله: { فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } [النازعات : 24]، وأنت قلت أنا قاضي القضاة، وقاضي القضاة هو الرب الأعلى الذي يقضي بالحق ولا يقضى عليه، وظن فرعون أنه موطن العدل والحق، فقال : { مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ } [غافر : 29] ..
    أما سمعت أن رسول الل صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ، قَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ حَقٍّ وَهُوَ يَعْلَمُ فَذَاكَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى وَهُوَ لا يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَذَاكَ فِي النَّار، وَقَاضٍ قَضَى بِحَقٍّ فَذَاكَ فِي الْجَنَّةِ )؛ (42) ..
    فأين أنت من هؤلاء؟ ..
    هنا صمت القاضي وأطرق للحق مذعننا، فقال له النوري، أكان عسيراً عليك أن تقول أنا فلان أو ابن فلان أو أبو فلان، أصعب عليك أن تقول إنما أنا عبد من عباد الله أقضي بما يرتضيه الله، أو قاضي من قضاة المسلمين ولاني الله القضاء، أو تقول إنما أنا قاضي بما أمر الله به من عدل ..
    أيها القاضي، أين أنت من التوحيد والعبودية، وقد غلب عليك الرياء والتباهي بالألقاب الدنيوية، إن لم تقع في المحظورات الشركية، وتريد أن تحاسبني على أني مشرك وزنديق، وأنا بعيد كل البعد عن الرياء والسمعة، والمطالب والمطامع الدنيوية، نحن لسنا زنادقة كفر، إنما بفضل الله ومنته مخلصون موحدون بالكلية، فالتصوف الحق هو التوحيد بذاته، لأنه هو ترك حظوظ النفس من كل أهوائها الذاتية وشهواتها الدنيوية إلا هوانا الأكبر في نيل العبودية ..
    فنحن بعون الله ومشيئته موحدون بالكلية: لِأّنَنَا عِبَادٌ يَقُوّمُوّنَ بالله، ويَرُوحُوّنَ بالله، ويَنْطُقُوّنَ بالله، ويَحْيُوّنَ بالله، وَيَمُوتُونَ بالله، ويَسْمَعُونَ بِاللَّهِ، وَيَنْظُرُونَ بِاللَّهِ، وَيَصْدُرُونَ باللَّهَ، وَيَرُدُّونَ بِاللَّه، وَيَأْكُلُونَ بِاللَّهِ، وَيلْبَسُونَ بِالله، ويَرْجَعُوْنَ بِكُلِ الأُمُورِ لله، وإنْ قَاّمُوا بِالَحقِ قاموا لله، ووثِقُوا بنظرة الله إِلِيِهِمْ وَمَعِيَتِهِ، فَتّوّكَلُوا حَقَ التَوَكُلِ عَلّىَ الله، فَنَحْنُ قَوْمُ لَيِسَ فِيْ قُلُوّبِنَا إلّا الله وَمَا يُرضِي الله، ولا توجه لنا ولا قصد غير وجهه سبحانه؛ عملا بقوله تعالى: { ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [الروم : 38] ..
    هنا هز هذا الكلام الحق وجدان القاضي فأطرق وبكى، ثم رفع رأسه وقال: صدقت، وإن شئت أعفيتك من أسئلتي، فلست بمكان يحق لي فيه أن أسألك ..
    هنا قال النوري: أنا لم أعظك تهرباً مما سألت، ولكن لأذكرك بما نسيت، ثم قال: بل أجيب رحمني وإياك الله، على أن تعاهدني على التوبة عن مظاهر الكبر الشركية، وترك المراءة، والمطامع الدنيوية، فقال القاضي أعاهدك أمام الله على ذلك ..
    فعاد وقال النوري ما أنا بعبوديتي إلا مِلْكُ من ملكوت الله، ومخلوق فاني لا بقاء لي إلا بالله، وليس عندي في قلبي لغير الله شيء، لقوله تعالى: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [غافر : 16] ..
    فقال القاضي: صدقت، ولكن أخبرني يا شيخ، إن كنت متفرغ لله بالكلية منشغل به عمن سواه، كما تقول، فأين شغلكم بالمعيشة وكيف تحصلون أقواتكم ولا عمل لكم، إلا عمل الآخرة؟!؛ وأين أنت بهذا المسلك من قوله تعالى: { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا .... } [القصص : 77]، أليست هذه من الرهبانية التي نبزها الدين وكانت من سنن الأولين ونهى عنها الرسول الأمين، عملاً بقوله تعالى: { .... وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } [الحديد : 27] ..
    ألم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لعُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ: ( يَا عُثْمَانُ، إِنَّ الرَّهْبَانِيَّةَ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْنَا، أَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَحْفَظُكُمْ لِحُدُودِهِ )؛ (43)، وكان قد شكته زوجه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فَقَالَتْ: ( يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عُثْمَانَ يَصُومُ النَّهَارَ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ )؛ فعندما التقى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( يَا عُثْمَانُ لَمْ يُرْسِلْنِي اللَّهُ تَعَالَى بِالرَّهْبَانِيَّةِ، وَلَكِنْ بَعَثَنِي بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ، أَصُومُ وَأُصَلِّي، وَأَلْمِسُ أَهْلِي، فَمَنْ أَحَبَّ فِطْرَتِي فَلْيَسْتَنَّ بِسُنَّتِي، وَ مِنْ سُنَّتِيَ النِّكَاحُ )) )؛ (44) ..
    وعَنْ أَنَسٍ بن مالك رضي الله عنه، أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا أَتَزَوَّجُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُصَلِّي وَلَا أَنَامُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَصُومُ وَلَا أُفْطِرُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ( أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي )؛ (45) ..
    فهذه الرهبانية مخالفة للسنة النبوية ..
    فقال النوري: لا عجب من هذا السؤال أن يأتي منك ومن كان على شاكلتك، لقوله تعالى: { قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً } [الإسراء : 84]، ثم قال: "مَنْ عَقَلَ أن الأشْيَاءَ كُلّهَا بِالله، فَرُجُوعُهُ فِيْ كُلِ حَاّلاَتِهِ إلِيِه"، أيها القاضي أقول لك أما رهبانينا التي ابتدعناها فقد رعينها حق رعيتها، وكان أكثرنا فيها مؤمنين، ولم نخالف سنة سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، لأنا نصوم ونفطر، ونقوم وننام، ونعطي أهلنا حقها، وأرزاقنا قسطها، أيها القاضي أنما أنتم قوم متبرون [من التبر وهو الذهب، أي مكنزون للمال ومدخرون]، ونحن قوم مدبرون [أي نقتصد بما يأتينا من الرزق، بحسن التدبير فيه] ولا ندخر لأننا متوكلون على الله في أرزاقنا، فالتوكل الحق أن تكون ثقتك بما مخبئ لك بيد الله، أوثق من ثقتك بما هنو ظاهر بيديك، فنحن ننفق ولا ندخر من الرزق إلا على قدر الحاجة، ونتصدق مما زاد على أهلنا وزوي الحاجة فينا، أما تعلم أن ابن البغوي "النوري" ملكه الله حانوتاً بالسوق يشتغل به ويبتاع ويتصدق منه، فيأتيني منه ما يكفيني دون عناء يضنيني، أو انشغال يلهيني، عملاً بقوله تعالى: { رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ } [النور : 37]، وتجدني بفضل الله أُنفق وأتصدق منه بما يغنيني بالله عمن سواه، فإنما الغنى غنى النفس ونحن أغنياء بالله، فإن الله يرزقنا كما يزرق الطير، لصدقنا بالإيمان به وحسن التوكل عليه، دون بزل جهد منا يذكر أو تَدَبُرِ وتدبير يؤثر، فالله خلقنا لأجل عبادته، وخلق لنا الدنيا وسخرها لنا إن عبدناه حق عبادته، وذكرناه كما ارتضا وأراد، وسخرنا للدنيا إن نسيناه وأعرضنا، لقوله تعالى: { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ...... } [البقرة : 29] ثم قال: "مَنْ وَصَلَ إِلَى وُدِّهِ تعالى، أَنِسَ بِقُرْبِهِ، وَمَنْ تُوَاصَّلَ بِالْوِدَادِ فَقَدِ اصْطَفَاهُ الله مِنْ بَيْنِ الْعِبَادِ، وَكَفَاّهُ كُلَ مَسْأّلَةِ وَزَاّدْ"، (46) ..
    أيها القاضي، أما سمعت فقيه العراق الصحابي الصدوق ابن مسعود أو ابن أم عبد رضي الله عنه، حين قال: ( لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوا الْعِلْمَ وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ لَسَادُوا بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لِأَهْلِ الدُّنْيَا لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ فَهَانُوا عَلَيْهِمْ، سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، يَقُولُ: (( مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ )) )؛ (47) ..
    ثم قال: أيها القاضي، إنما الصوفي الحق، هو الموحد الأصيل، لأنه المتفرد بمحبة الله عز وجل، المتجرد عمن سواه، والصوفية هم المتحابين بالله، من غير قرابة أو نسب، ولا مصلحة أو سبب، إلا الأسباب الآخروية ..
    سمعت أن الخليفة الأشهر والفاروق الأشهب رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( (( إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ؟، قَالَ: هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ، وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا، فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ، وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ، لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } [سورة يونس آية 62] )؛ (48) ..
    هنا صمت القاضي طويلاً مطأطئ رأسه، ثم قال: أكمل أيها الشيخ الفاضل، بارك الله فيك، وأجرى الخير على لسانك ويدك ..

    يتبع ..
    ---------------------------
    (42) رواه أبو داود في "سننه" [ج3/ص: 299/ر:3573]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح" أبي داود" [ر:3573]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج3/ص: 613/ر:1322]؛ بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:1322]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج2/ص: 776/ر:2315]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:1887]؛ وصححه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 101/ر:7012]؛ وصححه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج1/ص: 93/ر:173]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (43) رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج43/ص: 70/ر:25893]، وقال: إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين ..
    (44) صححه الألباني في "الإرواء" [ر:2015]؛ وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح ..
    (45) رواه الشيخين: البخاري في "صحيحة" [ج2/ص: 7/ر:5063]؛ ومسلم في "صحيحة" [ج5/ص: 1949/ر:4776]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
    (46) ورد في "تاريخ بغداد" للخطيب [ج5/ص: 134]؛ وفي "حلية الأولياء" لأبو نعيم [ج10/ص: 250]؛ وفي "طبقات الصوفية" للسلمي [ج1/ص: 99]؛ وفي "الكواكب الدرية" للمناوي [ج1/ص: 568] ..
    (47) رواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 139/ر:257]؛ وحسنه الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:209]؛ ووراه الحاكم في "المستدرك" [ج2/ص: 481/ر:3658]، وقال: هَذَاَ حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ؛ ووافقه الذهبي في "التلخيص" [ج2/ص: 443]، وقال: صحيح؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (48) رواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 310/ر:3527]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:3527]؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج2/ص: 332/ر:537]؛ وصححه الألباني في "صحيح الترغيب" [3023]؛ وفي "صحيح الموارد" [2126]؛ وحكمه: [صحيح] ..

    =========================

  9. #9
    فقال الإمام ابن البغوي، أيها القاضي: أما سؤالك: لماذا أنت، ولما كنت؟، أو لماذا خلقك الله، ولأي شيء خلقك؟ ..
    فأقول: خلقنا الله ليسعدنا ويرضينا ويكفينا به سبحانه؛ لا ليطغينا بأنفسنا الأمارة، أو يلهينا بالدنيا الغرارة، فقد كان الله تعالى، كنزاً متخفياً بذاته، فخلق الخلق ليظهر لنا أسمائه في خلقه وصفات ذاته، فعرفناه بنور صنعته، وتجلي ربوبيته، ثم أشهدنا تعالى خفايا محبته، فأحببناه كما أحبنا، فالله خلقنا للعبادة بالطاعة والتفكر، لنعرف حقيقة عبوديته، وهي غاية الأماني بالتدبر، وهو مقصد قوله تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [الذاريات : 56]؛ وقد ورد عندنا بالأثر القدسي المأثور، قوله تعالى: ( كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيِاً لا أُعْرَفُ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ، فَخَلَقْتُ خَلْقًا لِأُعَرَفْ، فَعَرَّفْتُهُمْ بِي، فَبِيٍ عَرَفُونِي )؛ (49) ..
    فقال القاضي أحسنت القول يا شيخ، ولكن ألك أن تخبرني، هل نحن كنا مخيرين بخلقنا عن علم سابق، أم مجبرين عليه بعلم لاحق؟ ..
    فقال النوري: إن الله تعالى، قبل خلقنا هذا، خلق أنفس خالدة، قبل أن يلبسها أجساد بائدة، فعرض عليها إرادة معرفته، لنيل محبته، فكشف لها بنوره جانباً من عظمته، فمن قَدِرَ على ذلك النور المتجلي وقَدْرَ الحق وأقبل، خُلق، ومن أعرض مُحق، رحمة فيه، أو بدل خلقاً غير خلق الإنسان، وهذا تأويل قوله تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ } [الأعراف : 172]، وزيادة في بيان هذه الآية البينة في الآية المبينة: { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } [الأحزاب : 72]، أما سمعت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ، فَلِذَلِكَ أَقُولُ: جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ )؛ (50) ..
    فقال القاضي ما تقول إذا بهذا الحديث:
    عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُوْدْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوْقُ: ( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِيْ بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِيْنَ يَوْمَاً نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُوْنُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُوْنُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ المَلَكُ فَيَنفُخُ فِيْهِ الرٌّوْحَ، وَيَؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيْدٌ فَوَالله الَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُه إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُوْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا حَتَّى مَا يَكُوْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا )؛ (51) ..
    فقال النوري الإجابة على ما أوردت يكون فيما ما قاله رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( (( خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ ثُمَّ أَخَذَ الْخَلْقَ مِنْ ظَهْرِهِ، فَقَالَ: هَؤُلاءِ فِي الْجَنَّةِ وَلا أُبَالِي، وَهَؤُلاءِ فِي النَّارِ وَلا أُبَالِي ))، قَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلَى مَاذَا نَعْمَلُ؟ قَالَ: (( عَلَى مَوَاقِعِ الْقَدَرِ )) )؛ (52) ..
    فالنجاة في النهاية من النار وفق الحديث بموافقة القرار الإنساني للقدر الرباني، باتباع مواضع الرضى من الله، ولا يكون ذلك إلا بالتقوى كخيار، لقوله تعالى: { أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } [الزمر : 24] ..
    فالجنة للمتقين، والنار وفق الآية أيضاً للظالمين، لقوله تعالى: { ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً } [مريم : 72]
    ومن ينتهي إلى النار هو من يسري عليه قوله تعالى: { وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } [النمل : 50]، فمكرهم لخبث نبت في أنفسهم ساءت به خاتمتهم، ومن طابت نفسه بالتقوى، طابت له الجنة، لقوله تعالى: { وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ } [الزمر : 73]

    فقال القاضي: صدقت، ولكن أخبرني أيها الشيخ الفاضل، ما دام خلق الرحمن كان لمن شهد بربوبية الحق قبل الخلق، فلماذا ليس كل من خُلق مصيره إلى الجنة؟! ..
    فقال النوري: السبب لأن الإنسان مخير بالقرار مقهور بالأقدار، والكل يُخْلَقُ على فطرة الإيمان موحداً، حتى تغويه الشياطين، فتحلل له ما حرم الله عليه، وتخرجه من التوحيد إلى الإشراك، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول قال الله تعالى: ( َإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ، فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا )؛ (53) ..
    فيكون الخيار بين قرار الإنسان وأقدار الإيمان، فإن غلبت علبه الأقدار، وتوافق معها القرار نجا من سوء العاقبة وإلا هلك، وإن نجا بحسن قراره اتباع خير أقداره نال عز الدارين، أما قرأت قول الله تعالى: { وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [إبراهيم : 22] ..
    وهو مصير من يعشى عن ذكر الله بالمشاغل الدنيوية الفانية وملهياتها البالية، لقوله تعالى: { وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } [الزخرف : 36]، ومقارنة الشيطان والإعراض عن الحق، لا يورث إلى ضنك العيش، وسوء المحشر يوم القيامة، وبيان ذلك في قوله تعالى: { َوَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } [طه : 124]، وكل هذا خيار الإنسان وقراره، لأن الله تعالى بعد العرض لأمانته وهي إرادة الخلق في الحق، يقول: { قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [البقرة : 38]، أيها القاضي إن الدنيا دار بلاء وشقاء، وليست دار سعادة وبقاء، ومن اجتهد للحق والخير وجاهد الضلال واستقام على الحلال، دون مقاربة الحرام، وأحسن البلاء، فذهب عنه الشقاء، وهداه الله إلى سبل الخير والنجاة، وأبعده عن الشقاء، لقوله تعالى: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } [العنكبوت : 69] ..
    أما سمعت أن الله تعالى يقول على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، بالحديث القدسي: ( يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ، إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ، إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ )؛ (54) ..
    هنا قال القاضي: أحسنت القول والبيان أحسن الله إليك، فلم يبقى لدي أي تساؤل فإن شئت أكمل وإن شئت فلا، فحالك ومقامك لم يعد علي خفياً ..
    --------------------------
    (49) رواه مرفوعا الكناني في "تنزيه الشريعة" [ج1/ص: 144/ر:44]؛ ورواه العجلوني في "كشف الخفاء" [ج2/ص: 132/ر:2016]، ورواه السخاوي مرفوعا في "المقاصد الحسنة" [ج1/ص: 327/ر:838]، والسيوطي في "الدرر المنتثرة" [ج1/ص: 163/ر:330]، ورواه الملا القاري في "الأسرار المرفوعة" برقم: [353]، وقال فيه: قال ابن تيمية: إنه ليس من كلام النبي صلى اللَّه عليه وسلم، ولا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف، وتبعه الزركشي وشيخنا الْعَسْقَلَانِيُّ، لَكِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ } [الذاريات: 56]، أَيْ لِيَعْرِفُونِ، كَمَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ..
    (50) رواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 26/ر:2642]، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2642]؛ وفي "الصحيحة" [ر:1076]؛ وفي "النصيحة" [ر:254]؛ وفي "تخريج المصابيح" [ر:97]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:1733]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:1764]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 368/ر:6606]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج10/ص: 128]؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج14/ص: 43/ر:6169]؛ والحاكم في "المستدرك" [ج1/ص: 84/ر:83]، قال: هذا حديث صحيح، قد تداوله الأئمة، ووافقه الذهبي في "التلخيص" [ج1/ص: 30]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (51) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج3/: 1174ر:3036]؛ ومسلم في "صحيحة" [ج16/ص: 406/ر:6665]؛ وراه أبو داود في "سننه" [ج3/ص: 640/ر:4708]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4708]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 388/ر:2137]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2137]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 64/ر:76]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:61]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 632/ر:3617]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج6/ص: 72]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
    (52) رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج5/ص: 203/ر:17207]؛ وروا ابن حبان في "صحيحة" [ج2/ص: 50/ر:338]؛ ورواه الحكام في "المستدرك" [ج1/ص: 85/ر:84]، وقال: هذا حديث صحيح؛ وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" [ج7/ص: 189]: رجاله ثقات؛ وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:4868]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (53) رواه مسلم في "صحيحة" [ج4/ص: 2197/ر:2865]؛ وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج2/ص: 425/ر:654]؛ وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:2637]، وحكمه: [صحيح] ..
    (54) رواه مسلم في "صحيح" [ج4/ص: 1994/ر:2577]؛ ورواه البخاري في "الأدب المفرد" [ج1/ص: 247/ر:490]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الأدب" [ر:377]، وحكمه: [صحيح] ..

    ===================

  10. #10
    فقال النوري بل أتابع عله يكون لك بها منفعة، فأما قولك: لأي شيء خلقي؟، فأقول: ما أراد الله بخلقي إلا إكرامي، وإظهار عزته بإعتزازي به، لقوله تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ..... وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } [الإسراء : 70]؛ وجعل الله سبحانه أكرمنا من هو أتقانا، لقوله تعالى: { .... إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [الحجرات : 13] إن كنت عبداً مؤمن كما يحب ويرتضي، لقوله: { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ } [المنافقون : 8]، ومكرمته لي بصفائي له وأنا عبد فقير، واصطفائه لي وداً ومكرمة منه وهو رب قدير، وعزتي بإقامة قَدْرِي بقدره، والعصمة بقدره، بفناء قدري وبقاء قدره، وهذا غاية التكريم، فالله أكرمنا بأن جعل آنية ربوبيته في أرضه قلوب عباده الصالحين؛ بلغني أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( إِنَّ لِلَّهِ آنِيَةً مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، وَآنِيَةُ رَبِّكُمْ قُلُوبُ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، وَأَحَبُّهَا إِلَيْهِ أَلْيَنُهَا وَأَرَقُّهَا )؛ (55) ..
    وأما قولك: أين أنت من الله وأين الله منك؟، ففيه أقول: هو مني حيث أنا منه، وأنا منه حيث شاء لي أن أكون، عملاً بقوله تعالى: { َهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [الحديد : 4] ..
    فقال القاضي: اخبرني كيف هو معك ومعنا؟، في قوله: { َهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ }؛ قال: هو معنا كيف ما كنا معه، فإن كنا معه بالأقدار على قدرنا بالإقرار، كان معا بالقرار على قدره، لقوله تعالى: { مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً } [النساء : 147]، وان كنا معه بالطاعة كان معنا بالعون والاطاعة بتلبية الدعاء، لقوله تعالى: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } [غافر : 60]، وكان معنا بالهدى لما فيه الشفاعة ورحمة لقلوب المؤمنين وشفاء، وإن كنا معه بالمعرفة والاستقامة، كان معنا بالأمان والإحسان، وإن كنا معه بالغفلة كان معنا بمشيئة الأقدار لما فيه خير وصالح العبد المختار، وان كنا معه بالمعصية كان معنا بالمهلة والإحسان حتى الإذعان، وإلا كان ما كان فيما هو كيف كائن في صالح الإنسان، وان كنا معه بالتوبة كان معنا بالقبول والمغفرة والعفو، وان كنا بالترك كان معنا بالعقاب حتى نرى الصواب، أو شدد علينا العذاب حتى يكون لنا فيه المآب، لقوله تعالى: { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [السجدة : 21] ..
    قال القاضي: قد صدقت، ولكن أخبرني يا شيخ، أين هو مني؟، فقال أخبرني أين أنت منه؟ أعلمك أين هو منك، فأنت كنت تدعي أنك قاضي القضاة وقاضي القضاة هو الحق سبحانه الذي يقضي ولا يقضى عليه، فمن نازع الله في عظمته وكبريائه قسمة الله من رحمته، ومن ابتغى العزة بغير الله أزله الله بزلة غيره، لقوله تعالى: { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً [81] كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } [مريم : 82]، فإن الله تعالى يقول في حديثه القدسي: ( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَدْخَلْتُهُ النَّارَ )؛ (56) ..
    فكن مع الله حيث يرضا الله، يكن الله معك حيث تحب وترضا، وذلك هو الفوز العظيم، لقوله تعالى: { قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [المائدة : 119]، فتأثر القاضي إِسْمَاعِيلُ بقوله وعاد وبَكَى بُكَاءً طَوِيلاً، [قبل إتمام أحداث الحادثة نريد أن ننوه، بأنه قد يقول قائل، إن القول الذي سبق بكاء القاضي الطويل، ليس فيه من الشدة ما يبعث البكاء؟!، وعندها نقول: لقد كان القاضي من أهل الورع والتقوى، والميل للأخرة، وهو حال أكثر أهل هذه الحقبة الخيرية، وكان لهؤلاء صفاء مع الله نفتقر له في أيامنا هذه، لذلك حرك وعظ المحتسب أمير القلوب النوري وجدان القاضي الإيماني، وجرى عليه قوله تعالى: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } [قـ : 37]، ولا يكون ذلك إلا لمن كان إيمانه كامن] ..
    ثم تابع القاضي، وقال: بقي في نفسي شيء فهل تجيبني عليه؟؛ فقال الإمام النوري أفعل؛ فقال عندما سألتك بأسئلتي الأخيرة، فإنك لم تجبني عليها إلا بعد أطرقت رأسك برهة من وقت انشغلت بها عن الإجابة، وكان يسعك أن تجيب دون هذا الإطراق والمشغلة، فلما فعلت ذلك؟؛ فتبسم الإمام النوري، ثم قال: نحن أهل عمل لا أهل علم، نعمل بما علمنا، ولا نعلم ما لا نعمل، فأعز الأشياء بزماننا: "عَالِمُ يَعْمَلُ بِعِلّمِهِ، وَعَاّرِفُ يَنْطُقُ عَنْ حَقِيقَتهٍ"؛ (57)؛ أيها القاضي لم أسارع بالإجابة، لأنك سألتني بأسئلة لا أستحضر لها جواباً، فَسَأّلْتُ قَلْبِيِ، فَأخْبَرَنِيِ عَنْ رَبْيِ، فأجَبْتُ ..
    فتعجب القاضي من قول ابن البغوي هذا، وقال: أهو وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!، فأجاب النوري لا، ليس بالوحي، إنما أباح الله العلم لعامة من أراد العلم، وخص بمعرفته من اصطفى من أولياءه وعارفيه المخلصين من أهل الفهم، وصافى بمكاشفة الحق الأتقياء من أصفياءه من أهل الحِكَمْ والحِلْمِ؛ وهم أهل الذكر، لقوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } [الأنبياء : 7]، فلا يعرف وحي الأنبياء، إلا أهل الذكر الأصفياء الربانين الملهمين، فقد سمعت أن رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ، قَالَ: (‏ ‏لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ،‏ ‏رِجَالٌ يُكَلَّمُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْ أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ ‏ ‏فَعُمَرُ )؛(58)؛ ونحن إن شاء الله على أثر الفاروق منهم، فمن عرف الله حقاً، وجند نفسه لنصرة الحق، فَقُهَ الحق المنزل على نبي الحق صلى الله عليه وسلم؛ أيها القاضي نحن نستلهم العلم مما أوحاه الله لرسوله الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، من القرآن المكرم، فلما طهرت قلوبنا بالحق، وصفت لله تعالى الحق، فُتِحَتْ أقفال ومغاليق قلوبنا، فلما تدبرنا آيات كتاب الله انكشفت لنا معاني آياته وأوجه مقاصده، "فَمَنْ صَدَقَ مَعَ اللهِ بالسُلُوّكِ، وَاِسْتَقَاّمَ عَلّىَ أّحْسَنِ الأحْوَالِ، فَهِمَ عَنْ الله كُلَ شِيِء، وَفَهِمَ كُلَ شَيِء" ..
    أيها القاضي: "إِنَ أَرْبَاّبَ القُلُوّبِ، وَمَنْ كَاّنَ قَلْبُهُ حَاّضِرَاً بَيِنَ يَدِيِ الله، وَيَكُوّنُ دَاّئِمَ الذِكْرِ لله، فَيِرَىّ الأَشْيَاءَ كُلْهَا بِالله، وَلله، وَمِنَ الله وَإِلَىّ الله"، (59)، ولا يكون ذلك الحال، إلا لعبد مجموع على الله، لا تنصرف منه جارحة، إلى من سواه، فعند ذلك تتجلى في قلبه حقائق الفهم عن الله، ودقائق العلم بلا إله إلا الله، في جميع ما يسمع وجميع ما يرى، من الأشياء، ومصداق ذلك قوله تعالى: { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } [الإسراء : 36]
    هنا نظر القاضي في الإمام النوري طويلاً، ثم قام من مجلسه معه فقبل رأس الإمام النوري، وبعدها أن استأذن منه، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى الْخَلِيفَةِ، فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، إِنْ كَانَ هَؤُلاءِ الْقَوْمُ زَنَادِقَةً، فَلَيْسَ عَلَى الأَرْضِ مُوَحِّدٌ؛ فَأَمَرَ الخليفة بِتَخْلِيَتِهِمْ ..
    وهذه المحنة وردت في العديد من كتب العلماء (60)، ورواها مختزلة، نقاد وحفاظ أمثال القاضي البيهقي والإمام الذهبي، وأبو نعيم الأصفهاني ..
    وقيل أن غلام الخليل لما خلص من مأزقه المهلك وتحولت محنة شيخه إلى منحة إلهية، وانشهر عاد إليه تائباً، فقبله النوري، وعلمه أصول فهم الحديث ومعرفته، فكتب كتابه الشهير "شرح السنة"، الذي قال غلام الخليل في مطلعه: ( اعلموا أن الإسلام هو السنة، وأن السنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر، ﻓﻤﻦ اﻟﺴﻨﺔ ﻟﺰﻭﻡ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ، ﻓﻤﻦ ﺭﻏﺐ ﻋﻦ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻭﻓﺎﺭﻗﻬﺎ، ﻓﻘﺪ ﺧﻠﻊ ﺭﺑﻘﺔ اﻹﺳﻼﻡ ﻣﻦ ﻋﻨﻘﻪ، وﻛﺎﻥ ﺿﺎﻻ ﻣﻀﻼ، فقد قال ﻋﻤﺮ ﺑﻦ اﻟﺨﻄﺎﺏ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ: (( أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لا عُذْرَ لأَحَدٍ بَعْدَ السُّنَّةِ فِي ضَلالَةٍ رَكِبَهَا حَسِبَهَا هُدًى، وَلا فِي هُدًى تَرَكَهُ حَسِبَهُ ضَلالَةً، فَقَدْ بُيِّنَتِ الأُمُورُ، وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ، وَانْقَطَعَ الْعُذْرُ ))؛(61) )، (62)؛ ولكن الإمام النوري كره الشهرة بعد المحنة، وعودة مريده المشهور إليه فيزيد من شهرته شهرة، فترك بغداد إلى الرقة حيث لا صيت ولا شهرة له حتى نسيه الناس، ومات الخليفة المعتمد، فعاد إلى بغداد، ليبدأ من جديد، وكأن شيء لم يكن ..
    وأصبح الإمام النوري رَجُلًا قَلِيلَ الْفُضُولِ لَا يَسْأَلُ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ، وَلَا يُفَتِّشُ عَمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَكَانَ إذَا رَأَى مُنْكَرًا غَيَّرَهُ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ تَلَفُهُ، لِذَاّ عُرِفَ بِالمُحْتَسِبْ ..
    إلا أن حادثة جديدة حصلت مع الإمام النوري غيرت كل شيء، إلى الشهرة من جديد، فَقد نَزَلَ النوري ذَاتَ يَوْمٍ إلَى مَشْرَعَةٍ تُعْرَفُ بِمَشْرَعَةِ الْفَحَّامِينَ يَتَطَهَّرُ لِلصَّلَاةِ إذْ رَأَى زَوْرَقًا فِيهِ ثَلَاثُونَ دَنًّا مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا بِالْقَارِ لُطْفٌ، فَقَرَأَهُ، وَأَنْكَرَهُ [ أي وجد في نفسه منه]؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ فِي التِّجَارَاتِ، وَلَا فِي الْبُيُوعِ شَيْئًا يُعَبِّرُ عَنْهُ لُطْفٌ، فَقَالَ لِلْمَلَّاحِ: أَيُّ شَيْءٍ هَذِهِ الدِّنَانُ قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ عَلَيْك امْضِ لِشُغْلِك، فَلَمَّا سَمِعَ النُّورِيُّ مِنْ الْمَلَّاحِ هَذَا الْقَوْلَ ازْدَادَ تَعَطُّشًا إلَى مَعْرِفَتِهِ، فَقَالَ: لَهُ أُحِبُّ أَنْ تُخْبِرَنِي أَيَّ شَيْءٍ فِي هَذِهِ الدِّنَانِ، فَقَالَ الْمَلَّاحُ: أَنْتَ وَاَللَّهِ صُوفِيٌّ فُضُولِيٌّ، هَذَا خَمْرٌ لِلْمُعْتَضِدِ [يقصد الخليفة العباسي المعتضد بالله] يُرِيدُ أَنْ يُتَمِّمَ بِهِ مَجْلِسَهُ [هنا كذب الملاح ليصرف النوري، وهي في الحقيقة دنان مهربة لمكان لهو ومجون، ساعد على وصوله بعض أعوان وحاشية الخليفة الفاسدين مقابل المال]، فَقَالَ النُّورِيُّ: هَذَا خَمْرٌ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ أُرِيدُ أَنْ تُعْطِينِي الْمُدْرَى، فَاغْتَاظَ الْمَلَّاحُ عَلَيْهِ، وَقَالَ لِغُلَامِهِ أَعْطِهِ الْمُدْرَى حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَصْنَعُ فَلَمَّا صَارَتْ الْمُدْرَى فِي يَدِهِ صَعِدَ إلَى الزَّوْرَقِ فَلَمْ يَزَلْ يُكَسِّرُهَا دَنًّا دَنًّا حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهَا إلَّا دَنًّا، وَاحِدًا، [فعل المحتسب النوري ذلك وهو يعلم أنها ليست للمعتضد، إنما نسبت له من حاشيته، ليسهل أمر وصولها صاحبها بغطاء من سلطة أعوان الخليفة الفاسدين]؛ وهنا بعد أن كسرت الدنان، جاء من غطا على هذا الجرم وهو صَاحِبُ الْجِسْرِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُوسَى بْنُ أَفْلَحَ فَقَبَضَ عَلَى النُّورِيِّ، وَأَشْخَصَهُ إلَى حَضْرَةِ الْمُعْتَضِدِ، [وكانت التهمة أنه تدخل في شأن ليس من سلطته، إنما من سلطة محتسب الخليف المعتضد]، وَكَانَ الْمُعْتَضِدُ سَيْفُهُ قَبْلَ كَلَامِهِ، وَلَمْ يَشُكَّ النَّاسُ أَنَّهُ سَيَقْتُلُهُ، ويذهب معه سره، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فَدَخَلْت عَلَيْهِ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ حَدِيدٍ، وَبِيَدِهِ عَمُودٌ يُقَلِّبُهُ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْت: مُحْتَسِبٌ قَالَ مَنْ وَلَّاك الْحِسْبَةَ؟، قُلْت الَّذِي وَلَّاك الْإِمَامَةَ، وَلَّانِي الْحِسْبَةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ فَأَطْرَقَ إلَى الْأَرْضِ سَاعَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إلَيَّ، وَقَالَ، وَمَا الَّذِي حَمَلَك عَلَى مَا صَنَعْت؟ ..
    وكان يعني الخليفة أي من خولك لهذا الفعل وله أهله عندنا، أي لماذا لم تكل هذا الأمر المنكر لمن اختص به ..
    فَقُلْت شَفَقَةً مِنِّي عَلَيْك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، [وهي كناية عن إشارة مبطنة بوجود فساد في الحاشية]، إذْ بَسَطْت يَدِي إلَى صَرْفِ مَكْرُوهٍ عَنْك فَقَصُرَتْ عَنْهُ ..
    قَالَ: فَأَطْرَقَ الْمُعْتَضِدِ مُفَكِّرًا مِنْ كَلَامِي ثُمَّ رَفَعَ رَأْسِهِ، وَقَالَ: كَيْفَ تَخَلَّصَ هَذَا الدَّنُّ الْوَاحِدُ مِنْ جُمْلَةِ الدِّنَانِ؟، فَقُلْت فِي تَخَلُّصُهُ عِلَّةٌ أُخْبِرُ بِهَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنْ أَذِنَ لِي فَقَالَ: أَخْبِرْنِي، فَقُلْت يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي أَقْدَمْت عَلَى الدِّنَانِ بِمُطَالَبَةِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِذَلِكَ، وَعَمَّ قَلْبِي شَاهِدُ الْإِجْلَالِ لِلْحَقِّ وَخَوْفِ الْمُطَالَبَةِ، فَغَابَتْ هَيْبَةُ الْخَلْقِ عَنِّي فَأَقْدَمْت عَلَيْهِ بِالْحَالِ الْأَوَّلِ إلَى أَنْ صِرْت إلَى هَذَا الدَّنِّ، فَجَزِعَتْ نَفْسِي كَثِيرًا عَلَى أَنِّي قَدْ أَقْدَمْت عَلَى مِثْلِك فَمُنِعَتْ وَلَوْ أَقْدَمْت بِالْحَالِ الْأَوَّلِ، وَكَانَتْ مِلْءُ الدُّنْيَا دِنَانًا لَكَسَّرْتهَا، وَلَمْ أُبَالِ، فَقَالَ الْمُعْتَضِدُ اذْهَبْ فَقَدْ أَطْلَقْنَا يَدَك غَيِّرْ مَا أَحْبَبْت أَنْ تُغَيِّرَهُ مِنْ الْمُنْكَرِ، قَالَ: أَبُو الْحَسَنِ فَقُلْت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَبْغَضُ التَّغْيِيرَ؛ لِأَنِّي كُنْت أُغَيِّرُ عَنْ اللَّهِ، وَأَنَا الْآنَ أُغَيِّرُ شُرْطِيًّا، فَقَالَ الْمُعْتَضِدُ: فمَا حَاجَتُك، قُلْت يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَأْمُرُ بِإِخْرَاجِي سَالِمًا [أي مؤمن عليه من كيد أعوانه الفاسدين] فَأَمَرَ لَهُ بِذَلِكَ، وَخَرَجَ إلَى الْبَصْرَةِ فَكَانَ أَكْثَرَ أَيَّامِهِ بِهَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ حَاجَةٍ يَسْأَلُهَا الْمُعْتَضِدُ فَأَقَامَ بِالْبَصْرَةِ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ الْمُعْتَضِدُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَغْدَادَ؛ نقول خروجه إلى البصرة لم يكن خوفاً من شخص الخليفة المعتضد، إنما هروباً من الشهرة وتولي سلطة دنيوية، والخوف من كيد أعوان المعتضد أصحاب السلطة الفاسدين، بالبطش بأصحابه الصوفية وأعوانه (63) ..
    ------------------------
    (55) رواه الطبراني في "مسند الشاميين" [ج2/ص: 19/ر:840]؛ وأورده المناوي في "فيض القدير" [ج2/ص: 629/ر:5766]؛ والأمير الصنعاني في "التنوير" [ج4/ص: 63/ر:2359]؛ والعجلوني في "كشف الخفاء" [ج2/ص: 196/ر:2256]؛ والعراقي في "تخريج الإحياء" [ج4/ص: 1541ر:2368]، وقال: رواه الطبراني، وإسناده جيد؛ وورد في "الإحياء" للغزالي [ج3/ص: 15]؛ وفي "روح المعاني" للألوسي [ج8/ص: 522] وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:2163]؛ وقال في "الصحيحة" [ر:1691]: إسناده قوي ..
    (56) رواه مسلم في "صحيحة" [ج4/ث: 2023/ر:2620]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج6/ص: 189/ر:4091]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4090]؛ ووراه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 493/ر:4175]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3384]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 490/ر:7335]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج2/ص: 248]؛ ورواه بلفظ آخر: الشيخان: مسلم في "صحيحة" [ج16/ص: 389/ر:6623]؛ والبخاري في "الأدب المفرد" [ج1/ص: 157/ر:563]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الأدب" [ر:429]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (57) ورد في "الطبقات الكبرى" للشعراني [ج1/ص: 127]؛ وفي "الكواكب الدرية" للمناوي [ج1/ص: 567]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 19]؛ وفي "الاستقامة" لابن تيمية [ج1/ص: 99] ..
    (58) رواه البخاري في "صحيحة" [ج3/ص: 1349/ر:3282]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (59) ورد في "اللمع" للطوسي [ج1/ص: 495] ..
    (60) ورد في "الإبانة الكبرى" لابن بطة [ج1/ص: 162]، وفي "السنة" للمروزي [ج1/ص: 95]؛ وفي "الفقيه والمتفقه" للخطيب [ج1/ص: 386]؛ وفي "بيان المحجة" للتيمي [ج2/ص: 444] ..
    (61) ورد في "شرح السنة" للباهلي [ص: 36] ..
    (62) انظر: في "إيقاظ الهمم" لابن عجيبة [ج1/ص: 490]؛ وفي "سراج الملوك" للطروشي [ج1/ص: 74]؛ وفي "تاريخ بغداد" للخطيب [ج5/ص: 341]؛ وفي "ذيل تاريخ بغداد" لابن النجار [ج5/ص: 136و137]؛ وفي "التذكرة الحمدونية" لابن حمدون [ج1/ص: 58]؛ وفي "تدريب المدارك" لعياض [ج1/ص: 308]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 97]؛ وفي "حلية الأولياء" لأبو نعيم [ج10/ص: 250] ؛ وفي "الموافقات" للشاطبي [ج3/ص: 93]؛ في "سير الأعلام" للذهبي [ج14/ص: 71]؛ وفي "روح البيان" لحقي البروسوي [ج8/ص: 67] ؛ وفي "شعب الإيمان" للبيهقي [ج5/ص: 144] ؛ وفي "الكواكب الدرية" للمناوي [ج1/ص: 523]؛ وفي "الحدائق الوردي" للخاني [ج1/ص: 175] ..
    (63) انظر: في "مفاتيح الغيب" لإمام لفخر الرازي [ج10/ص: 457]؛ وفي "معالم القربة" لابن الأخوة [ج1/ص: 19]؛ وفي "البداية والنهاية" لابن كثير [ج11/ص: 89]؛ وفي "سير الأعلام" للذهبي [ج11/ص: 76]؛ وفي "تاريخ دمشق" لابن عساكر [ج71/ص: 211]؛ وفي "تاريخ الإسلام" للذهبي [ج5/ص: 243] ..
    ======================================

  11. #11
    المحنة الصوفية الثانية:
    كانت المحنة الأولى للصوفية بمثابة منحة إلهية، برأت ساحة التصوف مما نسب إليه من أباطيل وزندقة، ونقت سمعته وزكتها، وانتشر الأمر بدءاً من عاصمة الخلافة العباسية، لباقي أمصار وأقطار أرض الخلافة العباسية، وهو ما أدى إلى استقطاب بغداد لكثير من الصوفية ..
    وأصبحت مدرسة الإمام النوري محط أنظار الصوفية خاصة الجدد، حيث قدم من البصرة في عام المحنة شاب لم يتجاوز العشرين من عمره، هذا الرجل هو حلاج الأسرار وهو أبو المغيث الحسين بن منصور البيضاوي، أو الحلاج البيضاوي، الثائر الصوفي العاشق، الذي أصبح فيما بعد يفر منه المفسدون والمنافقون كما يفرون من الأسد، فقد كان مبتغى هذا الفتى اليافع في بداية أمره أن يكون مريداً صادقاً عند إمام بالحق صادق، فقصد أمير القلوب النوري، الذي وجد فيه بما سمعه عنه المرشد النموذجي لطريق الحق الذي كان يسعى إليه ذلك التقي الثائر، إلا أن ما كان يرجوه لم يكن ليتحقق لحكمة أرادها الجامع سبحانه، فقد فر النوري بدينه من بغداد بعيداً عن أضواء الشهرة والنفوذ حيث قطن كما ذكرنا من قبل في الرقة حتى موت الخليفة المعتمد، لم يستطع هذا المريد الشاب أن يعود إلى البصرة فقد هجر شيخه الصوفي عمرو المكي من غير رجعة، بعد خلاف اشتد واحتد، ظن الحلاج أنه سوف يجد بديل مثالي لمدرسة النوري في مدرسة الإمام الجنيد، إلا أنه لم يجد فيها مقصده السلوكي المطلوب فمدرسة الجنيد روادها كثر، كما أنه غلبت على مدرسة الجنيد المنهجية العلمية الذي تشبعت رغبة الحلاج منها منذ نعومة أظفاره عند شيخ العارفين ابن يونس سهل التستري في منشأه تستر في الأهواز، وشبة به رغبة عارمة راغبة على مراقي التزكية النفسية استزادت رغبة الحلاج لها بشدة، من كثرة انشغاله بالذكر وخلواته بسيد القلب سبحانه، وكذلك سعيه إلى التطور بمراتب السلوك الإيمانية، فما لبس أن اعتزل الحلاج شيخه الجنيد، قاصداً الحج في مكة بعد أن يأس من إيجاد مرشد يوليه عنايته الخاصة بالتزكية والاخلاص، ويحقق طموحة باستحواذ الحكمة الإلهية ومحبة وتعشق معاني الربوبية، ويشفي غليله في طلب الحق، فقصد الحلاج الحج ودخل الغزلة في فناء الحرم المكي بجوار الكعبة وهو صامت لا يكلم أحد، ولا يناجي إلا الحق العلي، ويكتفي بطعام وشراب لا يكاد يذكر بعد صيام طويل!، حتى يصفو من كل ما يحجبه عن الحق، ويجعل قلبه خالص للحق تعالى، فيستقيم على طريق الحق، وقد وظف بشكل عملي كل من تعلمه بالسنتين من شيخ العارفين سهل بن عبد الله التستري [ابن يونس التستري] في تستر، وفي أربعة سنوات عند أستاذه الزاهد الصوفي المحدث عمرو بن عثمان المكي، في تزكية نفسه والترقي في مراقي الإيمان ومراتب التقوى والورع، فحقق ما ارتضاه له الحق تعالى من صفاء النفس وطهارتها، وتفجر في قلبه معاني معرفة الحق تعالى، إلا أن الحلاج كونه لم يكن له في هذه المرحلة الخطيرة من التطور السلوكي شيخ مرشد، فإنه افتقر للحكمة الربانية، ووقع في وهم الرشاد المبكر، ولم يكن يعلم أن بحر ألوهية وربوبية الحق، مغرق إلا للأنبياء، أي ظن أنه دخل في مرحلة الزبيب وهو ما زال حصرم لم يدرك حتى مرحلة العنب في السلوك الإحساني الحقيقي، ووهمه أنه ظن أنه أدرك الأهلية على الإرشاد السلوكي والإصلاح التربوي والمنهجي، إلا أنه رغم ذلك أصبح داعية للحق مصلح ومرشد صالح، يبتغي رضا الحبيب الأعظم، عملاً بقوله تعالى: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [فصلت : 33]، بل ورأى أنه يمكن أن يكون إماماً مجدداً وقد يكون محق بهذا الظن الحسن، خاصة بعد أن نجح خلال موسم الحج الجديد الذي تلا عام الخلوة أو العزلة أن يجتذب ويستميل أفئدة عشرات الصوفية من مريدي الحق الصغار، منهم والكبار أمثال الجرير والخلدي والواسطي، ورآه بعض المتقدمين عَلماً من العلماء الربانين (64)، ومنهم من رآه في التوحيد من ورثة الأنبياء للحق والدين من الأوصياء والصديقين وكلاء الأنبياء والمرسلين (65)، وهذه الجذبة والأهلية وقعت في قلب مريديه، نتيجة لما وهبه الحق تعالى من لدنه بالحق من الذكاء المُفْرِطِ المتوقد بالحق، وقوة منطقه الموافق لحق المنزل، وصدق محبته للحق تعالى الثائرة في قلبه والتي كانت تحلج قلوب سامعيه من شدة صدقه بحب الله وإقباله التام عليه، وحسن سمته وغزارة علمه وملكات أخرى وهبه إيها الله جمة، سحرت أفئدة مستمعيه ومريديه، والحقيقة أن حلاج الأسرار ربما كان ملهماً بالعلم، ولكن لم يكن حكيماً بالإرشاد، لفرط تعشقه للحق، ويبدو أن قد وقع بهذا الخطأ لثورة حبه الجامحة، وما أجمل هكذا خطأ أن يبدر من محب صادق، فإنَ الهوى ما تولى يُصْمٍ أو يَصِمِ، وهو ما جعله متهوراً تهوراً شديد لنصرة الحق ونشره دون أن يراعي النتائج أو يعي لما قد تكون به نهايته، ولكن الحلاج كان فاروقي السلوك لا يخشى بالحق لومة لائم، لأنه عملاً وصدقاً كان لا يخشى بالحق إلا الحق تعالى، ولم يفعل ذلك إلا لأنه عرف معنى السعادة وراحة القلب بالقرب والمعرفة والمحبة، فأحب بإثاره الإيماني الصادق أن يعمم ذلك المذاق، الذي لو عرف لذته الملوك وأبناء الملوك لنازعوه عليه بحد السيف، وربما كان ذلك لقوة فتوته بالحق، وقلة كياسته في لبابه، أو أنه تعمد الظهور والخروج عن العزلة ليوصل رسالته بأي ثمن كان لما رأى بذلك من إرضاء لحبيبه المطلق، فهو من أصدق من قال هو هائم بمحبة الله في "ديوانه" [ص: 31]: "والله ما طلعت شمسٌ ولا غَرُبَت، إلا وحبّـك مقـرون بأنفاسـي، ولا خلوتُ إلى قوم أحدّثهــم، إلا وأنت حديثي بين جلاســي، ولا ذكرتك محزوناً ولا فَرِحا، إلا وأنت بقلبي بين وسواســـي، ولا هممت بشرب الماء من عطش، إلا رَأَيْتُ خيالاً منك في الكـــأس، ولو قدرتُ على الإتيان جئتـُكم، سعياً على الوجه أو مشياً على الرأس، ويا فتى الحيّ إن غّنيت لي طربا، فغّنـني وأسفا من قلبك القاســـي، ما لي وللناس كم يلحونني سفها، ديني لنفسي ودين الناس للنـــاس"، وقد تجاوز عدد مريدي هذا المحب الإلهي العاشق أربعمائة مريد، من مريدي الحق الصوفية، وربما وقع الحلاج بهمته العلية وسعيه المسرع الدؤوب بخطأ منهجي رغم بغيته بالحق لهدف نبيل جداً، ولكن يكاد أن يكون مستحيل التحقيق، وهو إعادة العالم الإسلامي في زمنه على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصحبه الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، من زهد وتقوى وعلو بالإيمان، فهذا الإمام الحسن البصري يصف مجموعة من علية الصحابة صحبهم من أهل بدر، وصف لم يدركه أكبر أكابر متشددي التصوف، حيث يقول: ( وَاللَّهِ لَقَدْ أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ بَدْرِيًّا، أَكْثَرُ لِبَاسِهِمُ الصُّوفُ، لَوْ رَأَيْتُمُوهُمْ لَقُلْتُمْ مَجَانِينَ، وَلَوْ رَأَوْا خِيَارَكُمْ لَقَالُوا: مَا يُؤْمِنُ هَؤُلاءِ بِيَوْمِ الْحِسَابِ، وَلَوْ رَأَوْا شِرَارَكُمْ لَقَالُوا: مَا لِهَؤُلاءِ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ خَلاقٍ؛ وَكَاّنَ أَحَدُهُمْ يُعْرَضُ لَهُ الْمَاّلُ الْحَلَاّلُ فَلَاّ يَأْخُذُهُ وَيَقُوّلْ: أَخَاّفُ أَنْ يُفْسِدَ عَلِيَ قَلْبِيَ )؛ (66) ..
    وسبب شبه الاستحالة هذا هو غرابة هذا المنهج الأصيل، في تلك الحقبة، لوجود تعدد بمداخلات دينية مكتسبة دفينة، وتزايد الثقافات وتعدد الأعراف الدخيلة من غير العرب على وجه الخصوص، مع توسع أمة الإسلام، وفساد أكثر أعوان السلطة، والمتنفذين، والمترفين،
    ولأن التصوف الحق الرشيد هو ما كان عليه رسول الله وصحبه الكرام عليهم أفضل الصلاة والسلام، من السلوك الإيماني العلي وشدة الورع الزكي، وتمام الإخلاص، والصدق بالزهد والتقوى، ولأن هذا المنهج حتى يتجدد بشكل الأمثل يحتاج إلى نبي حاكم!، إلا أنه أضحى من ينحله الحلاج من الحق الحقيق غريب بين الناس، فقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: ( (( طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ))، فَقِيلَ: مَنْ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟؛ قَالَ: (( نَاسٌ صَالِحُونَ، فِي نَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ )، وبالفظ الإحياء: (( مَنْ يَبْغُضُهُمْ أَكْثَرُ مِمَنْ يُحِبْهُم )) )؛ (67) ..
    وفي رواية أصح: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: ( (( إِنَّ الإِسْلامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: (( الَّذِينَ يُحْيُونَ سُنَّتِي، وَيُعَلِّمُونَهَا عِبَادَ اللَّهِ ))؛ وفي رواية أخرى: (( الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ )) )؛ (68) ..
    ذهب الحلاج مع جماعته الصوفية، إلى بغداد وعرض ثورته الإصلاحية على إمام طائفة الصوفية الفقيه الجنيد البغدادي، ليكون له نصير على الحق، ورغم أن الجنيد تفرس معاني العشق الصادق المتلهب في قلب الحلاج، إلا أن الجنيد عارضه ووصفه بالمدعي للإصلاح (69)، ونصحه بأن يترك هذا الأمر، لقد عرف أن هذا اللهيب الموقد في قلب الحلاج سوف يحرق كل شيء، وأسر لأحد أصحابه بأنه يرى أسياف الحلاج تقطر دماً، أي أنه علم أنه لن يترك هذا الأمر حتى يهلكه، كان الإمام الجنيد يعلم أن الحلاج على حق وبالحق قائم، ولكن عارضه لأنه بحكمته الربانية وتجربته الإنسانية، وحسن اتباعه لمرشده الوارث المهدي، يعلم أن هذا المسعى النبيل، لن يكون له نجاح يرتجى لا عند طلاب الحق وهم أقلة، وأكثرهم التفوا حول الإمام الجنيد، بل وسوف يكون له معارضين أشداء بالباطل قد يذهبوا بريح الطائفة الصوفية، إذا ما مضى الحلاج بدعوته ..
    فهذا المسلك الفريد اقتضى من الحلاج مخالفة ما كان عليه الجنيد وطائفة الصوفية من خصوصية منهجية وانطواء مسلكي عن المجتمع نوعاً ما، ونتيجة لهذه الثورة المنهجية الجديدة وجد الحلاج الشاب الثائر العاشق باجتهاده أن لبس الصوف منسوخ، ولم يعد يرتجى منه الهدف المعنوي، وأكد ذلك مرشده الروحي الغائب أمير القلوب النوري الذي قال: "كَانَتِ الْمَرَاقِعُ غِطَاءً عَلَى الدُّرِّ، فَصَارَتْ مَزَابِلَ عَلَى جِيَفٍ"؛ (70)؛ ولأن حقيقة الزهادة تكون بالقلب وأن الصحابة في الآونة الأخيرة من فترتهم، تركوا لبس الصوف، وقد دعا الحلاج إلى لبس اللباس الجميل والنظيف، فدعا إلى خلع الرقعة الصوفية، ولبس لباس الأمة الإسلامية، لا المشهور منها ولا المهجور؛ عملاً بالأثر المحمدي القائل: ( أَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ، وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ، حَتَّى تَكُونُوا كَالشَّامَةِ فِي النَّاسِ )؛ (72) ..
    وكان لا يرى حسن التنظف والتزين من الكبر، قياساً على الأثر النبوي، الذي رواه فقيه العراق الأكبر الصدوق ابن مسعود رضي الله عنه، والقائل: ( (( لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ )). قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ: (( إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ )) )؛ (73) ..
    وكان الحلاج يرى أن ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأصحابه، هو مذهب واحد قائم على القرآن والسنة، وهو الجوهر، ومن خلال هذا التوجه الصحيح، فإنه لا داعي لوجود المذاهب الاجتهادية الفقهية، وهو الخطأ الثاني الذي وقع به الحلاج، لأنه فاته بهمته بالحق العلية أن اللامذهبية ممكن أن تصح منهج شرعي للعلماء الربانين والفقهاء المجتهدين الذي يعرفون صحيح المنقول من الحديث، المهجور منه والثابت والناسخ منه والمنسوخ، وفاته على ما يبدو بعلو وسعة فهمه، أن المذهب الفقهي، وجد لتسهيل مقتضيات وأحكام الشريعة، وفق المتغيرات البيئة الاجتماعية، ومتغيرات المكان والزمان لعموم المسلمين، إلا إن كان مراده رحمه الله تعالى، أن يصبح المجتمع المسلم كله إما علماء أو أولياء!، وهو مطلب عظيم لكنه محال التحقيق! ..
    يتبع ..
    -----------------------
    (64) يقول ابن خفيف [محمد بن خفيف الشيرازي]: ( الحسين بن منصور، عالم رباني )؛ ورد في "طبقات الصوفية" للسلمي [ج1/ص: 307]، وفي "تاريخ بغداد" للخطيب [ج8/ص: 689]؛ وفي "البداية والنهاية" لابن كثير [ج14/ص: 819] ..
    (65) يقول إبراهيم بن محمد النصراباذي: ( إن كان بعد النبيين والصديقين موحد فهو الحلاج )؛ ورد في "البداية والنهاية" لابن كثير [ج14/ص: 820]؛ وفي "تاريخ بغداد" للبغدادي [ج8/ص: 699] ..
    (66) رواه ابن وضاح في "البدع" [ج1/ص: 170/ر:158]؛ وورد في "الفتاوى الحديثية" للهيتمي [ج1/ص: 765]؛ وفي "حلية الأولياء" لأبو نعيم [ج2/ص: 134]؛ وفي "مرقاة المفاتيح" للقاري [ج13/ص: 59]؛ وفي "تهذيب الكمال" للمزي [ج6/ص: 112]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 240]؛ وفي "لئالي الأخيار" لليويسركاني [ج1/ص: 38]؛ وفي "نهاية الأرب" للنويري [ج2/ص: 127]؛ وفي "الإحياء" للغزالي [ج4/ص:241] ..
    (67) رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 445/ر:7032]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج12/ص: 29]؛ وصححه الألباني في "الصحيحة" [ر:1619]، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:5288]، ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:3921]؛ وورد في "الإحياء" للإمام الغزالي [ج1/ص: 38]؛ وأخرجه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج1/ص: 145/ر:118]، بإسناد صحيح؛ وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
    (68) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ر:338]؛ ومسلم في "صحيحة" [ج1/ص: 130/ر:232] حتى لفظ ( فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ )؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 18/ر:2629]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ؛ ووافقه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2629]، وقال: صحيح؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج5/ص: 125/ر:3987]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3237]؛ ووافقه الأرناؤوط في "تحقيق ابن ماجه"[ر:3984]؛ ورواه الإمام أحمد في مسنده [ج4/ص: 73/ر:16736]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج5/ص: 296]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:1951]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:1580]، وحكمه: [متفق عليه] ..
    ..
    (69) انظر: في "تاريخ بغداد" للخطيب [ج8/ص: 690] ..
    (70) ورد في "مسالك الأبصار" للعدوي [ج8/ص: 59]؛ وفي "حلية الأولياء" للأصفهاني [ج4/ص: 371]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 19] ..
    (71) رواه أبو داود في "سننه" [ج5/ص: 57/ر:4089]، وسكت عنه لصلاحه؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج4/ص: 185/ر:17770]، ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 183/ر:7477]،وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، ووافقه الذهبي في "التلخيص" [ر:7371]، وقال: صحيح؛ وحسنه ابن مفلح في "الآداب الشرعية" [ج3/ص: 522]؛ وابن حجر في " الأمالي المطلقة" [ج1/ص: 35]؛ وحكمه: [حسن] ..
    (72) رواه مسلم في "صحيحة" [ج2/ص: 274/ر:261]، ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 457/ر:4091]، دون الطرف الآخر وبزيادة لفظ ( ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان )، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4091]، ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 317/ر:1999]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:1998]، ورواه ابن ماجه في "سننه" بزيادة أبي داود [ج1/ص: 54/ر:59]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبن ماجه" [ر:50]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 659/ر:3779]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج6/ص: 150]، وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج1/ص: 460/ر:224]، وصححه الحاكم في "المستدرك" على شرط مسلم [ج1/ص: 78/ر:69]، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:7674]، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..

    =================================

  12. #12
    هناك الكثير من العلماء والباحثين ممن أنصف الحلاج، ومنهم من أجحف بحقه، ومنهم من افترى عليه، إلا أن الحلاج كان حجة على أهل زمانه، كان صادقاً وجدانياً وثائراً عظيماً ربما لو نبغ في غير شبابه لكان الخليفة المطلق في زمانه، إلا أنه كان يسعى لتمام الحق مسرعاً أي كان كعُمَرِ الفاروق رضي الله عنه قبل أن ينال مقام الخلافة، كان يستعجل الحق، وهو من ينطبق على الحلاج دون المقارنة بعملاق الإسلام إذا لا يقارن تابعاً لتابعي تابعي أحد التابعين، لصحابي من الكبار المبشرين، وفق ناموس القرآن في قوله تعالى: { وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ [20] اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ } [يس : 21]، فكما في الآية الحلاج رجل يسعى للحق بعد أن عرف جانباً من حقيقته، فسعى بخطى سريعة يدعو إليه، ثم يأتي ملخص دعوة الحلاج للتوحيد الحق بقوله تعالى: { وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [22] أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً [مراكز سلطة ونفوذ ومال] إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ [23] إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } [يس : 24]؛ أي تصريح أن الحلاج إذا ما ذهب مذهب قومه بالاستعانة بغير الله أياً كانت صفة الغير، فقد وقع بالشرك، وكان الحلاج يختزل كل ما سبق بلباب قوله المشهور: "حَسْبُ الوَاّجِدِ إفْرَادُ الوَاّحِدِ لَهُ"؛ (73)؛ وهذا ما صرح به الحلاج، كما في كتاب الله دون تورية: { إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ } [يس : 25]؛ حيث انتهى الأمر بقتله ودخوله الجنة كما في قوله تعالى: { قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ [26] بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ } [يس : 27]، فقومه كانوا لا يعلمون ما آل له الحلاج من نعيم مطلق بلقاء الحق تعالى، لأنهم كانوا محزنون عليه، وكان أعدائه شامتون بما انتهى إليه ..
    بدأ الحلاج مسيرته الدعوية والاصلاحية ليس بعاصمة الخلافة، بعد أن صده الإمام الجنيد، وتفهم الحلاج من أستاذه ذلك وتراءى له سبب تخوف الجنيد أمين الصوفية على جماعة الصوفية، مع خيبة أمله بدعوة سهلة وسريعة الجدوى، ولأن الإمام الجنيد كان إمام الطائفة الصوفية، وقائدهم فإن أذعن لدعوة الحلاج أذعن له جميع الصوفية، لم تكن دعوة الحلاج حتى بدولة الخلافة توقيراً لشيخه الجنيد، وأعني بلاد الرافدين العراق، ولا حتى في الحجاز، وكما أسلفنا لم يكن الجنيد ينكر على الحلاج مسلكه وكان يعلم صدقه، لأنه كان يقول بقول شبيه الحلاج بالمسلك وشيخ الجنيد أو قرينه، وأعني أمير القلوب النوري، الذي قال الإمام الجنيد عنه: "مُنْذُ مَاّتَ النُوّرِيٍ، لَمْ يُخْبِرُ عَنْ حَقِيقَةِ الصِدْقِ أّحَدْ"؛ (74)؛ ولكن الجنيد كان ينكر على الحلاج جراءته الزائد بالحق على المفسدين من أصحاب بغداد وعموم العامة الضالين، وهو ركن ضعيف أمام سلطة المفسدين ومكرهم، أي أن الجنيد كان يخاف على الحلاج وباقي المريدين من سطوة المفسدين الفاسدين، بأن يخلق لهم ذريعة ليتجرؤوا على الصوفية من جديد، بعد محنة الإمام النوري ..
    لذلك ترك الحلاج بغداد، وكانت دعوته في بلدته تستر بالأهواز موطنه، ومن ثم في بلاد فارس وتركستان وخراسان وبعض دول أواسط أسيا، ورغم قوة حجته، وصدق عبارته، وسرعة بديهته، وفرادة نبرة بيانه، ووضوح منهجه الصادق، ومع ذلك لم يستطع أن يزيد من مريديه في اتباع منهجه عدداً يؤثرً، إنما شكل شريحة واسعة من محبيه وأنصاره في أمصار أسيا، لذلك نجد الحلاج أعاد التفكير بعد حين باستقطاب الصوفية في العراق من جديد، والذين كانوا يتجاوزن أكثر من اثنا عشرة ألف صوفي، وبهذا الاستقطاب يسهل عليه استقطاب المريدين الجدد من المجتمع الإسلامي، انطلاقاً من عاصمة الخلافة، ويحقق مراده بإعادة ما كان عليه خير السلف الأوائل، وحتى يحقق الحلاج هذا المبتغى كان عليه وفق تقديره، أن يدفع بالحق الإمام الجنيد لنصرة الحق بأي شكل، فقد أيقن الحلاج بهمته العلية، وتقواه الزكية، أن لإسلام إما أن يكون بما كان عليه السلف، أو لن يكون أبداً!، لذلك نجده عندما عاد إلى بغداد قصد في يوم جمعة مسجد بغداد وأبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى، يتكلم على المنبر، والجنيد هو الجنيد مكانةً وعلمًا، فيهتف الحلَّاج بالإمام الجنيد على مسمعٍ من الحضور: ( يا أبا القاسم، إن الله لا يرضى من العالم بالعلم، حتى يجده في العلم، فإن كنت في العلم فالزم مكانك، وإلا فانزل )، فهز هذا القول الثقيل بالحق على قلب مشبع بالحق، كيان ووجدان إمام طائفة الصوفية الجنيد فنزل، واعتزل لم يتكلم على الناس شهرًا؛ (75) ..
    في هذه الفترة أي فترة عزلة الجنيد، اكتسب الحلاج شهرة كبيرة ومكانة وفيرة، حتى أن صغار مريدي الجنيد سموا الحلاج برجل المطامع، وسماه كثير من البغداديين بالمصطلم أي: الشديد القاطع بالحق ..
    لكنه على عكس مرتجاه لم يستقطب من صوفية بغداد الكثير، بل كسب عداوة أكثرهم، نصرة لإمامهم الجنيد، تحول مبتغاه من توحيد الصوفية، بل خشي الحلاج أن يكون سبب في شق الصف بين الطائفة الصوفية، فأحجم عن هذا المبتغى، وأحزنه هذا أشد الحزن وخاب أمله في هذا المرتجى، فالحلاج لم يقصد أن يحرج الجنيد أو يهز مكانته البتة، إنما يدفعه لنصرة الحق، حتى لا يسود الباطل، وأصبح الحلاج يتمنى الموت آلماً لعجزه عنى دحض الباطل بالحق، أو حتى عجزه عن كبح جموح نفسه الثائرة بالحق، حتى بدأ يطلب من ثقاته المريدين للحق ومن ثم من عموم الناس أن يقتلوه! ..
    وما فعله الحلاج في مسجد بغداد مع الجنيد كان كما أسلفنا كان تذكير للجنيد بالحق، فيروى أن الإمام الجنيد كان في مجلس له بين مريديه؛ فمر به المحتسب النوري صاحب المحنة الأولى فسلم، فقال له الجنيد: "وعليك السلام يا أمير القلوب، تكلم؟"، فقال النوري: ( يا أبا القاسم، غششتهم [أي نافقت لأصحاب السلطة] فأجلسوك على المنابر، ونصحتهم فرموني في المزابل؟! ) فقال الجنيد:" ما رأيت قلبي أحزن منه في ذلك الوقت". ثم خرج علينا في الجمعة الأخرى فقال: "إذا رأيتم الصوفي يتكلم على الناس، فاعلموا أنه فارغ" (76) ..
    ومن هذه الرواية نعرف أن الحلاج حرك وجدان الجنيد حول هذه المسألة من جديد، أي ذكره بما فيه نفعه: { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } [الذاريات : 55]، لكن الجنيد لم يكن يهتم لنفسه ولم يكن ليخشى بالحق لومة لائم البتة، إنما خاف على أصحابه ومريديه، أن يهانوا أو ينكل بهم أو يهلكوا فتذهب ريح الإسلام لأصيل وهم حماله، كما حصل بعد ذلك مع أكثر أصحاب ومريدي الحلاج، ومن ثم حصل مع الحلاج نفسه ..
    والحقيقة أن شخصية الحلاج كانت شخصية محيرة من ناحية التقيم الصحيح، لما كان عليه من سلوك ونوايا، لكن الراجح عند أهل الحق أنه مستقر من الناحية العلمية الدينية، ومن الناحية المسلكية القلبية، وأنه وإن كان جامح وثائر إلا أنه كان على الحق كل الحق، والقول أنه من زنادقة التصوف، أمر لا صحة فيه، ومنكر، إنما المغلب أن يكون من الصوفية السلفية، إلا من بعض جذبات المحبة القدسية التي تعتري كبار أهل التقوى الأولياء، وكذلك التكلم بأحوال الجذبة الإلهية، بغلبة مشاعر الفؤاد العشقية على مدارك القلب العقلية، والناتجة عن استفاضة أذواق الحق في قلب المؤمن من فرط المحبة الربانية، حين الولوج إلى مقام الإحسان أو العبودية حيث تظهر المحبة الإلهية، لقوله تعالى: { فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [آل عمران : 148]، فهذا كما في الآية هو حسن ثواب الأخرة في الدنيا، وحقيقة الأمر بأن القول بأنه كان يمارس السحر والشعوذة مختلق وملفق من الساسة الفاسدين والمفسدين، ولا أصل له على أرض الواقع، إلا بواقع الإشاعة، لأن الثابت أن للحلاج ألقاب في الأمصار مثل لقب الغوث أو المغيث بالحق، ولقب المميز والزاهد والمقيت للقلوب، وحلاج الأسرار، والمصطلم والذي يعني القائم بالحق القاطع به، وهذه الألقاب كانت تشير إلى شخصية ذات طابع مسلكي ديني، إنما كان هو حلاج للأسرار المريدين بنور التبصر والبصيرة القلبية، وحلاج للأسرار القرآنية، كما أن الإمام الباقر سمي الباقر لبقره بطن القرآن والاستفاضة بالبيان فيه، فإن الحلاج كان حلاج دقائق أسرار القرآن من معاني وبيان، وثبت له كتاب في تفسير القرآن طبع منذ وقت ليس ببعيد في وقتنا هذا، وكان الحلاج أقرب ما يكون بمسلكه من الإمام النوري، لكن أمير القلوب النوري كان أكثر حكمة وكياسة عقلية وتؤدة من الحلاج، ومن يؤتى الحكمة وكياسة العقل فقد أوتي خيراً كثيراً لذلك نراه وأعني النوري بعد انتهاء محنته غادر بغداد إلى الرقة تجنباً للشهرة من الناحية السلوكية، والإخماد بالتقادم لعداوة قد تكبر ضده وضد أصحابه، وطائفته، من قبل المقربين للخلافة العباسية، والمتنافسين على الدنيا والسلطة والنفوذ، فمن زهد بما لدى الناس أحبه الناس، بل أنه أعاد الكرة وأعني النوري كما أسلفنا في زمن الخليفة المعتضد، عندما ولي الحسبة، هرباً من المكانة الدنيوية والسلطة المفسدة، ودخول التنافسية مع أقران السلطة، فقد كان حكيم ملهماً بتجنب تفاقم العداوة رغم شدته بالحق، وهو ما كان الحلاج يفتقد له بطبيعته العمرية بالشدة بالحق على مظاهر الباطل، وكان لا يلين عن شدته حتى تتفاقم القضية، فلم يترك الحق له صاحب، وفجر عليه المنافقين والفاسقين ..
    وتصرفات الحلاج مع الجنيد لأن الحلاج كان يرى الجنيد منبر عظيم لنشر الحق فعدد مريديه يفوقون مريدي الحلاج بنحو ثلاثون ضعف، واحبط الحلاج أشد الإحباط عندما خرج الأمر على غير مرتجاه، هنا علم حلاج الأسرار أنه لم يعد له غطاء يدعم دعوته في بغداد، بعد أن عارضه أكثر جماعته الصوفية من غير مريديه، فقصد أواسط أسيا من جديد وأمصار جديدة مثل الهند والصين، وبدأ يعمل على توفير غطاء سلطوي قوي لغاية آخروية، بعد أن فقد غطاء الصوفية، عملاً بالأثر القائل: ( إنَّ اللهَ لَيَزَعُ الناس بالسُّلطانِ، مَا لا يَزَعُ بالقُرْآنِ )؛ الثابت عن الخليفة الراشدي الثاني الفاروق عمر رضي الله عنه (77)؛ وعن الراشدي الثالث عثمان الأنور رضي الله عنه (78)؛ فدعا هنا الحلاج إلى أن الخلافة الراشدية تعود إذا آلت لأبناء الإمام علي كرم الله وجهة، من آل بيت النبوة الفاطمية، لأن الأئمة العلوية أئمة علم وهدى، ومقربين محبوبين من الناس، وورثوا العدل والانصاف من جدهم الإمام الغالب علي بن أبي طالب كرم الله وجهة، آخر الخلفاء الراشدين، وورثوا علو التقوى، والحكمة الربانية المحكمة من جدهم الأكبر خاتم الأنبياء والمرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فإذا ما آلت لهم الخلافة كانت لهم بالإمامة العلمية والإمارة الحكمية ..
    إلا أن هذه الدعوة الحلاجية الجديدة استقطبت أطراف غير سنية!، لم تكن مرغوبة من قبل الحلاج، وخارجة عن منهاج أهل السنة والجماعة، وهم الباطنية الإسماعلية، والرافضة القرامطة في فارس والفاطمية في مصر، وجمع من فئة معتدلة نسبياً وهم الشيعة الإمامية، إضافة إلى ذلك فقد حدث صدام مع دعوة الحلاج، ومعارضة من قبل الشيعة الزيدية وهي أكثر فئات الشيعة قرباً من السنة، حيث وجدوا بدعوة الحلاج فتنة سياسية وتفرقة إسلامية!، أكثر منها دعوة دينية، ووجدوا بها عملية إعلان حرب على الخلافة العباسية، ووجد كثير من رؤوس الشيعة الإمامية بالحلاج شخصية تريد أن تنازعهم السيادة الشيعية، التي غلبت عندهم على الرغبة الأخروية، هنا استدرك الحلاج مخاطر دعوته هذه في بلاد فارس، التي كادت أن تودي بحياته بكيد من الشيعة، فترك الحلاج الأهواز وفارس وقصد الحج في مكة للمرة الأخيرة، حيث أكثر الخلوة في جبل أبي قبيس في مكة المكرمة، يستلهم الله تعالى، الوسيلة التي تمكنه من إعادة منهاج السلف الصالح بالإيمان والتقوى ..
    وقد حذر الإمام الجنيد قبل رحلة الحلاج الأخيرة مريده المتمرد عندما رآه قد أدخل السياسة المفسدين في قائمة دعوته لصلاح الدين، إضافة لسعيه لتعميم منهاج الأئمة الصالحين، بقوله: ( أّيٍ خَشَبَةِ تُفْسِدَهَاّ؟ )؛ (79)، وكان الجنيد يقصد خشبة النفاق عند أركان السلطة الدينية والقضائية والسياسية التي أجمعت على الكيد والنيل من الحلاج، وذلك لأن فساد المنافق فجوره؛ ولأن المنافقين وصفوا بالقرآن بالخشب المسندة أي أصحاب المشاعر الأخروية المتخشبة [الخالية من الإحساس لانغمارها برغبات الدنيا]، ثم قال له في موضع آخر: ( لَقَد فتَحتَ في الإِسلامِ ثغرةً لا يَسُـدُّها إِلاّ رَأْسُـكَ )؛ (80)، وقيل أن الحلاج دخل قبل رحلته الأخيرة في محاولة أخيرة على مسجد بغداد على الجنيد، وطالبه للمرة الأخيرة، بالتحول من التصوف السلبي المنغلق، إلى التصوف الإيجابي المنفتح، فخرج الإمام الجنيد عن صمته، وقال للحلاج؛ بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعَاً، وَهَوىً مُـتَّـبَـعَاً، وَدُنْـيَا مُؤْثَـرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ عَنكَ أَمْرَ الْعَامَّـةٍ، فإنَّ مِن ورائكُم أيَّامًا، الصَّبِرُ فيهنَّ مثلُ القابِضِ على الجمرِ، للعامِلِ فيهنَّ مثلُ أجرِ خمسينَ رجلًا يعمَلونَ كعملِكُم )؛ (81)، ثم قال أما سمعت قول الله عز وجل: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } [الجاثية : 23] ..
    يا أبا المغيث إني أرى سيفك يقطر دماً، فإن لم تغمده، ستقتل ..
    فقال الحلاج: نعم، وسيمضي على قتلي!، رجلان عظيمان، لكلٍّ منهما عقيدته ومنهجه، ولكنهما اختلفا، ولو اتفقا لتغير وجه التاريخ ..
    ثم قال: سأموت وأنا أسعى إلى خلافةٌ ربانيةٌ تشعر بمسئوليتها أمام لله، مما يجعل الله، يرضى عن قيام المسلمين بفروض دينهم، من صيامٍ وصلاةٍ، وحجٍّ وزكاةٍ ..
    لم يكن تاج العارفين الإمام الجنيد أقل شجاعة من الحلاج، وإنما أكثر حكمه، حيث خلص جماعته من الطائفة الصوفية من براثن فتنة خلق التي آثارها المعتزلة في زمن الخليفة المتوكل، ولم يرد أن يدخل وجماعته في محنة أخرى مع الحلاج حتى ولو كان الحلاج على حق!، فلم يحتمل ذنب هلاك طائفته وانحلال عقدها أو حتى تفرقتهم ..

    يتبع ..

    -----------------------------
    (73) ورد في "الأنساب" للسمعاني [ج2/ص: 294]؛ وفي "طبقات المفسرين" للداوودي [ج1/ص: 163]؛ وفي "تاريخ بغداد" للخطيب [ج8/ص: 699] ..
    (74) ورد في "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج/ص: 19]؛ وفي "متصوفة بغداد" لعزيز [ج1/ص: 139] ..
    (75) ورد في "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 66] ..
    (76) انظر في: "تاج العارفين" للبغدادي [ج1/ص: 286]؛ وفي "مذهب الصوفية" للكلاباذي [ج1/: 173] ..
    (77) ورد في "تاريخ بغداد" للخطيب [ج4/ص: 107] ..
    (78) ) ورد في "التمهيد" لابن عبد البر [ج1/ص: 117]؛ وفي "تاريخ المدينة" لابن شبه [ج3/ص: 988] ..
    (79) ورد في "طبقات الصوفية" للسلمي [ج1/ص: 307]؛ وفي "سير الأعلام" للذهبي [ج14/ص: 317]؛ وفي "تاريخ الإسلام" للذهبي [ج23/ص: 46] ..
    (80) ورد في "متصوفة بغداد" لعزيز [ج1/ص؛: 189]؛ وفي "تاريخ بغداد" للخطيب [ج8/ص: 121] ..
    (81) رواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 526/ر:4341]، وسكت عنه لصلاحه؛ والترمذي في "سننه" [ج5/ص: 240/ر:3058]، وحسنه؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 423/ر:4014]؛ وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج2/ص: 108/ر:385]؛ والحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 358/ر:7912]؛ وصححه أحمد شاكر في "عمدة التفسير" [ج1/ص: 748]، وصححه الطحاوي في "شرح الآثار" [ج3/ص: 212]؛ وحسنه العسقلاني في "تخريج المشكاة" [ج4/ص: 486]؛ والمنذري في "الرغيب" [ج/ص: 132]؛ وخلاصة حكمه: [صحيح] ..

    ==================

  13. #13
    بداية محنة الحلاج ومحنة الصوفية الثانية:
    استطاع الحلاج بعد عودته الأخيرة إلى بغداد عام 296 ه، أني يكسب تأييد الجماهير وعدد كبير من أصحاب النفوذ والسلطة والقضاء، ضد حاشية الفساد وأعوان السلطة الفاسدة، واستطاع أن يستقطب الحنابلة بدعوته إلى عودة منهاج السلف الصالح، وترك المذهبية إلى جوهر الأصول الدينية، وعودة الخلافة الراشدية ..
    وهذا العام كان الفصل الأخير والعام الأخير من عُمْرِ الإمام الجنيد، حيث زهد واعتزل الناس، ولم يتعرض هذه المرة للحلاج أو يعترض طريقه لا من قريب ولا من بعيد، رغم اختلافه الشديد مع مريده المتمرد الحلاج الثائر، فالجنيد كان يرى ضرورة السمع والطاعة لولي الأمر أياً كان وكيف ما كان، وكان لا يقبل أن تنزع يداً من الجماعة تحت أي عنوان، ويرى أن الخروج عن أمر الإمام الحاكم من الفسق في الدين (81) ..
    عملا بقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ......... } [النساء : 59] ..
    وهو بذلك مصيب، لأنه عمل كذلك بالأثر المحمدي القائل: ( (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ ))، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: (( تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) )؛ (82) ..
    ولأنه هناك قاعدة عند أهل التصوف، مضمونها أن من يعرف لا يتكلم، ومن يتكلم لا يعرف الحق على حقيقته، لذلك نجد الرفاعي الكبير، كان يقول بالحلاج: "ولو كان على الحق، لما قال أنا الحق"؛ (73)؛ أي أنه كان قاصر على تمكنه بالحق، فغاب مذهولاً بالحق، فقال أنا الحق؛ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض كلامه في فتاويه: ( وَجَاءَ إلَيْنَا شَخْصٌ كَانَ يَقُولُ؛ إنَّهُ خَاتَمُ الْأَوْلِيَاءِ [ابن عربي الحاتمي] فَزَعَمَ أَنَّ الْحَلَّاجَ لَمَّا قَالَ: أَنَا الْحَقُّ، كَانَ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُتَكَلِّمُ عَلَى لِسَانِهِ، كَمَا يَتَكَلَّمُ الْجِنِّيُّ عَلَى لِسَانِ الْمَصْرُوعِ وَأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا سَمِعُوا كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنْ هَذَا الْبَابِ )؛ (74)، أي قالها مجذوب مسلوب لا يعلم ما يقول، ولا يعي وهذا يكون أحيانا بحالة الفرح الشديد والغضب الشديد، حيث يخرج المرء عن طوره ووعيه ..
    والحق أن الحلاج لم يقل أنا الحق بمفرد القول هكذا، لتبرر بما سبق، إنما بسابقة سياق ولاحقة، أخرجته عن هذه التهمة، كما سوف يظهر بالفصل الأول من محنته بمحكمته الأولى ..
    عدل الحلاج عن فكرة إعادة الخلافة للعلوية، لما وجد فيها من تبعات سلبية، وفتن طائفية جد خطيرة، فكانت خطوة الحلاج الجديدة والبديلة الأولى هي محاولة إزاحة حاشية الفساد للخليفة المقتدر، بأن ينازع على الخلافة عباسي آخر!، لأن المقتدر كان طفلاً، محكوماً من أعوانه وليس له بالحقيقة من الأمر شيء، فحرك الحلاج الحنابلة من قبل كبار أتباعه من رؤوس الحنابلة لدعم ابن المعتز العباسي لوصوله للخلافة العباسية، ونجح ابن المعتز بالوصول للخلافة، ولكنه فشل بالاستمرار أكثر من يوم، لأنه لم يصل إلى أموال الخلافة، التي كانت محتكرة عند يهود بلاط الخلافة والشيعة، الذين خبؤها عنه، فأعاد ابن الفرات الشيعي الوزير المطلق للمقتدر الخلافة بواسطة شرطة الخلافة ..
    وأمر أن يقبض على الحلاج بتهمة التآمر على الخلافة والخيانة وكان الحلاج قد اختفى حينها بالأهواز حتى ينتهي الأمر، وفق رغبة أعوانه المقربين والموثوقين، لكن رجال رجل الاستخبارات الوزير الأمني حامد بن العباس الخراساني، استطاعوا من خلال أحد عيونهم في واسط أن يعرفوا مكان الحلاج ويقبضوا عليه، إلا أن شعبية الحلاج العريضة وأنصاره الكثر من أصحاب السلطة العباسيين وأصحاب النفوذ من غيرهم، وقفوا مع الحلاج وكان من أنصاره ومحبيه شغب أم المقتدر الخليفة العباسي والحاكمة الفعلية بالخلافة بعد وزراء الشيعة واليهود!، حيث تمكنوا مجتمعين من انتزاع العفو عن الحلاج من المقتدر، الذي اكتفى بوضعه في دار حاجبه نصر القشوري تحت الإقامة الجبيرة، في دار الخلافة، استغل الحلاج الذي لا يعرف اليأس، هذا النفوذ الجديد في قصر الخليفة وقواه، لتقوية دعوته الإصلاحية وحفظ استمرارها، ووجد في غطاء السلطة حل أمثل بعد فشل سلطة الحنابلة وضعف ثورتهم، وأصبحت له مكانة رفيعة عند أم المقتدر وابنها المقتدر، بما شهدوا على يديه من خير، وشفاء للمقتدر من داء كاد يهلكه، لولا دواء الحلاج ودعاءه للخليفة بالشفاء!، فأمر الخليفة وأمه الحلاج من الإقامة الجبرية على أن لا يبرح بغداد، هنا استقطب الحلاج جمع من وزراء الدولة لعباسية، وجمع من علماء بغداد بعد أن فشل مع اقرانه الصوفية بداية الأمر، إلى أن انضم إليه أبو بكر الشبلي رحمه الله تعالى، شيخ الصوفية الجديد بعد وفاة الجنيد، وبدأ جولته الإصلاحية الأخيرة ضد أصحاب السلطة والنفوذ والعلماء المتملقين للمكانة الدينية والسلطة الدنيوية، لأنه بصلاح هؤلاء صلاح الأمة، وستطاع من خلال أنصاره في وزارة الخلافة والقادة والعلماء والقضاة، وجماعته الصوفية بتأثيرهم على الناس، أن يحدث إصلاحات إدارية مهمة في حكومة الخليفة، وأهمها تخفيف السرقة والاحتكار، عند أصحاب السلطة الفاسدين، وأصحاب الأموال والنفوذ المفسدين، وذلك بتحويل فائض أموال الدولة للخدمات العامة، وهذا أول خطأ حقيقي وقع به الحلاج، فلا سياسة في الدين، لرجال الأخرة، لأن رأس العداء للحلاج الوزير الخراساني حامد بن العباس، الذي تأمر الوزراء الشيعة، أقنع الخليفة فاحتكار الفائض من مخزون القمح، في مزاد للتجار، إلا أن القشوري تلميذ الحلاج، دخل المعترك السياسي مع شيخه، فأطلق يد الحنابلة بمهاجمة تلك المخازن تحت ظل نقابات العمال، وبدعم شيخ شيوخهم الحلاج، فهاجم الحنابلة مخازن المحتكرين وحررت هذا المخزون من الاحتكار السلطوي ..
    لم يستطع الحلاج أن يكبح جماح نفسه نحو الإصلاح والتجديد، ودخول المعترك السياسي لغاية دينية، ولم يستطع أعداءه رغم قوة سلطتهم وكثرة عددهم، أن يمنعوه ..
    هنا أيقن رجل الاستخبارات الوزير حامد بن العباس، أن أهم رؤوس الشر والملهم الحقيقي لثورة الحنابلة هو الحلاج، ولكن لأنه لم يجد أي مستمسك عنده عنه، لأنه كان يقوم بذلك من وراء ستار، لم يكن أمامه إلا أن يتهمه بتهمة دينية برميه بالزندقة والكفر، فتواصل مع قاضي المحكمة الشرعية الكبرى الفقيه الظاهري المذهب محمد بن داود، والذي كان يبغض الصوفية كغيره من أصحاب المذهب الظاهري، وكان بغضه للحلاج أشد، فمناه الوزير حامد، أن يجعله قاضي القضاة الخلافة، أو مفتي الخلافة، إذا نجح ضد الحلاج بإثبات تهمة الزندقة الشركية عليه، هنا رفع القاضي ابن داود دعوة إلى المحكمة العلية بمحاكمة الحلاج بتهمة ادعاء الألوهية ..
    وحتى تسهل هذه المحكمة جند حامد لابن داود شهود يعززون اتهاماته الشرعية، وعدد ضئيل من صغار تلاميذ الحلاج المغمورين المستضعفين، اعترفوا تحت طائلة التعذيب والاضطهاد والتنكيل الشديد، بأن أستاذهم وشيخهم كان يدعي الألوهية! (75)؛ حتى يسهل الاقتصاص من الحلاج وإيصاله لتهمة الزندقة الكبرى التي يحكم من يجرم بها بالقتل التعزيري لأنه يصنف من المفسدين في الأرض ..
    وعندما مَثُلَ الحلاج أمام القاضي خاطبة ابن داود، قائلاً: بلغنا أنك كنت تدعي النبوة واليوم تدعي الربوبية؟ ..
    فقال الحلاج: ( أعوذ بالله أن أدعي الربوبية، أو النبوة، وإنما أنا رجلٌ أعبد لله، وأكُثر له الصوم والصلاة وفعل الخير، ولا أعرف غير ذلك )، وجعل لا يزيد على الشهادتين والتوحيد، ويكثر أن يقول: ( سبحانك لا إله إلا أنت، عملت سوءًا وظلمت نفسي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت )؛ (76) ..
    كان الحلاج يستغفر الله على دخوله معترك السياسة الذي حرك عليه الساسة، لقد أيقن أن هذا المعترك لا يحبه الله، ولا يرتضيه لخاصته، فاستغفر الله منه ..
    فقال ابن داود: ما دام الأمر كما تدعي، فلما تقول إذا بزندقة الحلول والاتحاد والمزج مع الله، كما ثبت لي من شهادة الشهود؟! ..
    فأنكر الحلاج هذه التهمة، ثم قال تجدون في مدوناتي ما يبرؤني من هكذا اتهام، فقد قلت بإنكار عقيدة الحلول، في مدوناتي عند الوراقين: ( إِنَّ مَعْرِفَةَ اللهِ هِيَ تَوْحِيدُهُ، وتَوْحِيدُهُ تَميُّزُهُ عَنْ خَلْقِهِ، وكُلُّ مَا تَصَوَّرَ في الأَوْهَامِ فَهْوَ [يعني: الله] بِخِلاَفِهِ، كَيْفَ يَحُلُّ بِهَ، مَا مِنْهُ بَدَأهُ، أَوّ يَعْوّدُ إِلَيّهِ مَاّ هُوَّ أَنْشَأّهُ )؛ (77) ..
    وقال قلت في عقيدتي المزج والاتحاد مع الله: ( مَنْ ظنَّ أَنَّ الْأُلْوّهِيَةَ تَمْتَزِجُ بالبَشَريَّةِ، أَوّ البَشَريَّةِ تَمْتَزِجُ بِالْأُلْوّهِيَةَ، فقَدْ كَفَر؛ فَإِنَ الله تَعَاّلَىّ تَفَرَدَ بِذَاّتِهِ وَصِفَاّتِهِ، فَلَاّ يُشْبِهِهُمْ بِوَجْهِ مِنَ الْوّجُوّهِ، وَلَاّ يُشْبِهُوّنَهُ بِشِيِء مِنْ الْأَشْيَاّءِ، وَكَيّفَ يَتَصَوّرُ الْشَبْهُ بَيّنَ الْقَدِيّمُ وَالْمُحْدَثِ )؛ (78) ..
    هنا خاطب القاضي الحلاج قائلاً إذا فأخبرني ما تقول في قولك: أنا الحق؟! ..
    واتى شهاد صوفي من صغار مريديه، شهد بأنه سمعه يقول هذا ..
    فأخبر الحلاج القاضي: بأن هذا الرجل من غمار الصوفية الصغار، ولم يعي من قوله شيء، حتى يتقول علي ما لم يعلم، كما أنه نقل عنه قولاً مبتور، يغير بالبتر كل المقصد والمعنى، ثم قال الحلاج: فإن قلت أنا الحق، فلأني بالحق تعالى قائم حقاً، فالحق حق، والخلق خلق؛ ولأني صنعة من مصنوعات الحق وأثر من آثاره في الخلق، والله حق، وخلقه حق، فما أنا سوى الحق القائم بالحق بموافقة الحق، وإلا فأنا الباطل الذي يعلوه الحق ..
    فصمت ابن داود هينة متدبراً بكلمات الحلاج، ثم قال: وأين قلت: أنا الحق ..
    قال الحلاج في مجلس وعظي حيث قلت: ( إن لم تعرفوُهُ [أي: الله] فاعرفوا أثارَهُ، وأنا ذلك الأثر، فانا الحق، لأَنى ما زِلتُ أَبَداً بالحِق حَقًّا [أي: قائم بالحق] )؛ (79) ..
    ثم قال الحلاج بكل جراءة وإقدام، وقلتها في مسجد بغداد [المنصور]، في مجلس الإرشاد أما جمع كبير إن شئت شهد الكثير منهم، أني قلت: ( يا أّخْوَتِيِ، إِنْ لَمْ تَعْرِفُوا الحَقَ، فَاعْرِفُوا آثَاّرَهُ، وَأنَا مِنْ أثَارِ الحَقِ تَعَالىّ، فَأنَا اَلحقُ، لأنْيِ بِالَحقِ قَاّئِم حَقَاً، أبْدَاً مَاّ حَيِيِتُ وَصِدْقَاً، وَإنْ قُتِلّتُ أَوْ صُلِبْتُ، أَوْ قُطِعَتْ يَدَايَ وَرِجْالَيِ، مِاّ رَجَعْتُ عَنْ دَعْوايِ )؛ (80) ..
    وهنا رأى القاضي تعصباً لمذهبه، وتعنتاً لمصالحه السلطوية، أن هذا الرد لا يبرئ ساحة الحلاج، فرأه دجال مخادع، فطالب القضاة على الحكم بقتله بتهمة الزندقة، فصادقه من صادقه، وعارضه من عارضه، وكان ممن عارضه أكثرهم من الحنابلة والشافعية، ومنه قاضي له نفوذه وسلطته بالقضاء، وهو ابن سريج الشافعي، اعترض على أن مثل هذا، وقال بأن هذا الإلهام الصوفي لا يدخل بالقضاء، وأنه لا يرى أدلة ثابتة أو دامغه بالزندقة، لما ظهر له من بيان مقنع عند حلاج أثبت بطلان الاتهام، على أصله المبتور المفرد، ورأى أن الحلاج وقع في ريبة الزندقة، ولم يقع بالزندقة، وليس الحق كالظن ..
    فعلقت القضية بدعم من الوزير ابن عيسى القنائي، صديق الحلاج ونصيره وحليفه، والحقيقة الثابتة بأخبار الحلاج، وسيرته الشعبية، وعند الباحثين المتابعين لشخصيته، أن الحلاج لم يكن يدافع عن نفسه رغبة بالحياة مطلقاً، فهو كان يرغب بالموت أكثر من رغبة أعداءه بذلك!، وإنما يريد أن يخرج من الدنيا مظلوم بريء مما يزعزع مكانته عند من آمن بصلاحه واستقامته، حتى يكملوا ما بدأه وأسسه من مسيرة الصلاح والإصلاح، فقد كان عندما يتغلب الشوق للقاء حبيبه الأكبر جل وعلا، عليه، ينشد مخاطباً مريديه، فيقول: ( أقتلوني يا ثقاتي، فإنّ في قتـْلي حياتــــي، ومماتـي في حياتـي ، وحياتي في مماتـي، أنّ عنـدي محْو ذاتـي، من أجّل المكرمـات، وبقائـي في صفاتـي من قبيح السّيّئــات )؛ (81) ..
    وكان يخاطب الناس على الملأ في شوارع بغداد وأسواقها، فيقول: ( أيهــــا الـنـاس، اعلموا أن الله قد أباح لكم دمى فاقتلوني، اقتلوني تؤجروا وأسترح، اقتلوني تكتبوا عند الله مجاهدين وأكتب أنا شهيد )؛ (82) ..
    وكان يقول في الأسواق: ( يا أهل الإسلام. أغيثوني! فليس يتركني لنفسي فأتهنَّى بها!، وليس يأخذني من نفسي فأستريح منها، وهذا دلالٌ لا أطيقه )؛ (83)، ولفظ دلال من الحلاج للآلام بقائه بالدنيا لأنه يرى كل ما يأتي من الله خير ومودة، ومن خلق الله أكثر ما يأتيه شر مستطير ..
    كانت هذه التجربة والمحنة القضائية للحلاج، انذار من الحق بأن يترك معترك السياسة لأهلها، حتى لا تضله عن مبتغاه الأخروي، ولكن الحلاج لم يترك هذا الأمر!، لأنه كان سبيله الأخير رغم ريبته به وبغضه له!، وقرر أن يتم رسالته الإصلاحية التجديدية، حتى يظهرها الحق أو يهلك دونها، ويلقى الله على ذلك القصد العلي تتويجاً لصلاحه ..
    لذا نجد الوزير حامد وبإذن من الله!، لأن الحلاج وافق الله بصلاحه، وخالفه بإصلاحه الذي قد يكون فيه فساد لخلقه، لذا لما يائس حامد من اثبات التهمة للحلاج بالزندقة أو ما يؤدي لقتله، أصر على اثبات زندقة الحلاج بأي ثمن؛ فمن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، وهو مبتغى المؤمن فلا راحة لمؤمن إلا بلقاء الله، ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( (( مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ ))؛ ثم تابع مبيناً قوله، فقال: (( إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ، وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ )) )؛ (84) ..
    فلذا شكل حامد مجلس قضاة أقوى وأكبر مع جمع من الفقهاء لدعم قرار المحكمة بحكم شرعي، وأعادوا توجيه تهمة الزندقة، مدعم دعواه بجملة جديدة من الشهود، فقال الحلاج هذه المرة بالرد على إعادة الاتهام: ( أنا عبدُ لله، أؤمن به وبرسله، وأدعو إلى الحق، وأنشد الخير للمسلمين، ولا أقُرُّ الظلم، ولا أعرف هؤلاء الشهود، ولا أقول غير هذا، وأعوذ بالله من الدعوى )؛ (85) ..
    هنا تعالت صيحات مؤيدي الحلاج وجمهور الحاضرين، فمن أحبه الله أحبه الناس: ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ، نَادَى جِبْرِيلَ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ )؛ (86)، وصرخوا بأنه لا حجة ولا دليل لدى القضاة الفقهاء ضد الحلاج، ففشلت الجلسة، فلجأ الوزير حامد، بعد ذلك إلى تثبيت تهمة الحلاج، بمناظرة عالم بغداد علي بن عيسى، وأنتزع من المقتدر أمر بذلك، فحاول هذا العالم أن ينال من الحلاج بالمناظرة إلا أن إجابات الحلاج كانت قوية ومقنعة ومسددة وقاطعة بالحق، وحججه أصولية محكمة بالأصل وبيان الأصل من القرآن والسنة، مما أغضب عالم بغداد عند عجزه عن مناظرة الحلاج، وهو ما جعله يغلظ بالقول مع الحلاج، هنا ظهر شيء من غضب الحلاج، ولي الله بأرضه، الناطق بتوفيق الله، فقال: ( قف حيث انتهيت، ولا تزد عليه شيئاً وتأدب، وإلا قلبت عليك الأرض )؛ (87) ..
    فاستهاب عالم بغداد الحلاج، بعد أن عجز عنه بالعلم، وطلب أن يعفى من اتمام مناظرته، وأقر أنه لا طاقة له على مناظرته، فأذن له، إلا أن حامد سارع لإقناع الخليفة بضرورة إبقاء الحلاج سجيناً، أو حتى تحت الإقامة الجبرية إلى أن تنتهي القضية، أو على الأقل تحديد مكان إقامته، مع مرافقة أمنية، وسجن أخطر مريديه وأنصاره، حتى لا يثيروا الناس، فاستجاب الخليفة على أن يقيم الحلاج في بيت حاجبه القشوري من جديد، بدار الخلافة، حيث بقي في سجنه الذهبي ثمانية أعوام، فكانت عزلة التطهير عن أخطاءه الدعوية الإصلاحية التي لم يرتضيها له الحق، وخاصة معترك الساسة أداة الفتنة، والعودة إلى حاضنة الربوبية، وهنا وعي الحلاج رسالة ربه الصامتة، ولم يعد الحلاج مقداماً ثائراً في مسيرة الإصلاح، متهوراً وجسوراً على أهل السلطة والنفوذ، بل أضحى داعياً بالحق للحق لمن يريد الصلاح وناشد الحق، وقام بتدوين أعظم كتبه علها تكون لمن بعده استفادة، وسمح له تحت الحراسة أن يلقي دروسه بالوعظ والارشاد في مسجد المنصور، وسمح له أن يزور قبر أستاذه الذي أحبه بروحانيته دون أن يلتقي به، وهو إمام أهل السنة ابن حنبل رحمه الله تعالى ..
    يتبع ..
    ------------------------
    (82) ورد في "الكامل" لابن الأثير [ج6/ص: 168] ..
    (83) رواه مسلم في "صحيحة" [ج12/ص: 440/ر:4762]، وحكمه: [صحيح] ..
    (84) ورد في "حكم الرفاعي" للرفاعي [ج1/ص: 16]، روفي "قلائد الزبرجد" للصيادي [ج1/ص: 23] وفي "المعارف المحمدية" للصيادي [ج1/ص: 47]؛ وفي "سواد العينين" للرافعي [ج1/ص: 12] ..
    (85) ورد في "مجموع الفتاوى" لابن تيمية [ج2/ص: 476] ..
    (86) ورد في "حكمة الصوفي" للجنابي [ج1/ص: 291] ..
    (87) وفق ما ورد في "البداية والنهاية" لابن كثير [ج11/ص: 140] ..
    (88) ورد في "أخبار الحلاج" لابن الساعي [ج1/ص: 66 ]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 3] ..
    (89) ورد في "أخبار الحلاج" لابن الساعي [ج1/ص: 72]؛ وفي "شهيد التصوف" لسرور [ج1/ص: 58] ..
    (90) انظر: في "الطواسين" للحلاج [ج1/ص: 12] ..
    (91) ورد في "أخبار الحلاج" للساعي [ج1/ص: 40] ..
    (92) ورد في "ديوان الحلاج" للحلاج [ج1/ص:19/ق10]؛ وفي "اخبار الحلاج" للساعي [ج1/ص: 40]؛ وفي "متصوفة بغداد" لجاسم [ج1/ص: 175] ..
    (93) ورد في "هتك الأستار" للنابلسي [ج1/ص: 15]، وفي "الأسفار الأربعة" للشيرازي [ج1/ص: 25]؛ وفي "حياة الحيون" للدميري [ج1/ص: 245] ..
    (94) ورد في "شهيد التصوف" لسرور [ج1/ص: 30]؛ وفي "محاضرات الأدباء" للأصبهاني [ج1/ص: 230]؛ في "الكشكول" للعاملي [ج1/ص: 96]؛ وفي "القول السديد" للجميلي [ج1/ص: 35]؛ وفي "أخبار الحلاج" [ج1/ص: 38] ..
    (95) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ر:6507]؛ ومسلم في "صحيحة" [ر:2685]، وحكمه: [متفق عليه] ..
    (96) ورد في "شهيد التصوف" لسرور [ج1/ص: 87] ..
    (97) رواه البخاري في "صحيحة" [ر:3209]، وحكمه: [صحيح] ..
    (98) ورد في "تاريخ بغداد" للخطيب [ج8/ص: 134] ..

    ============================

  14. #14
    السبب الرئيسي والخفي لنهاية الحلاج:
    حلاج الأسرار الذي كان يتكلم عن سرائر الناس وجلسائه وبين عللهم ودائهم ودوائهم من غير أن ينطقوا بدقة شديدة لذلك لقب بالحلاج كما في رواية نجله أحمد (116) ورد في "الأنساب" للسمعاني [ج2/ص: 279]؛ وفي "تاريخ بغداد" للخطيب [ج8/ص: 113]؛ وكان دائم الذكر، كثير الصلاة في النوافل مع السنن والفرائض، حتى أنه صلى في خمسين عام عمره صلاة ألفين سنة، من أعمار الآخرين!، لذلك كانت تغلب عليه في أكثر الأحيان جذبة الفناء الوجدانية، حتى أنه أصبح بفنائه الغالب لا يفرق بين النعمة والبلوى، وكان يغيب بوعيه أكثر الأحيان، عن كل موجود، إلا واجد الوجود ..
    إن من يتابع مجريات حياة الحلاج، يجد أن بداية الحلاج هي السبب الحقيقي لنهايته!، وبداية الحلاج كانت هي تتلمذه في تستر على يد العارف الكبير والمحدث الزاهد الشهير ابن يونس أو سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى، شيخ العارفين بالإخلاص الصوفي، صاحب المقولة المحكمة الشهيرة: ( النَّاسُ كُلُّهُمْ مَوْتَى إِلا الْعَالِمُونَ، وَالْعَالِمُونَ كُلُّهُمْ هَلْكَى إِلا الْعَامِلُونَ، وَالْعَامِلُونَ كُلُّهُمْ يَغْتَرُّونَ إِلا الْمُخْلِصُونَ، وَالْمُخْلِصُونَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ؛ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: { لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ } [الأحزاب : 8] )؛ (117)؛ وبلفظ آخر: ( النَّاسُ كُلُّهُمْ مَوْتَى إِلَّا الْعُلَمَاءَ، وَالْعُلَمَاءُ كُلُّهُمْ سَكْرَى، إِلَّا الْعَامِلِينَ بِالْعِلْمِ، وَالْعَامِلُونَ مَغْرُورُونَ إِلَّا الْمُخْلِصِينَ، وَالْمُخْلِصُونَ عَلَى الْخَطَرِ )؛ (118) ..
    وهنا نجد الحلاج رغم نعومة أظفاره حيث كان في الثانية عشر من عمره، عندما التحق بمدرسته العلمية التربوية، تعلم منه الصدق بالقول والعمل فابن يونس التستري هو أول من عمل بعقيدة سجود القلب الوجداني، بالتعايش مع حقيقة القول: "الله معي، الله ناظري، الله شاهدي"، في سر القلب، وتعلم الحلاج خلال أربعة أعوام لزم فيها شيخ العارفين ابن يونس، تفسير القرآن وتصحيح الحديث، وطريقة معرفة معاني ومنعكسات أسماء الألوهية في الخلق، وأخذ منه أصول السلوك في الزهد والورع والإخلاص والاستقامة القلبية، وتشبع قلبه بإيمان العارفين، الذي يغلب به الخوف على المحبة، إلا أن العارف التستري، خص سلوك الحلاج بالمحبة الإلهية، فالعارف التستري، كان يقول: ( النِيِرَانُ أّرْبَعَةُ: نَاّرُ الشَهْوَةِ، وَنَاّرُ الشَقَاّوَةِ، وَنَاّرُ القَطِيعَةِ، وَنَاّرِ المحَبَةَ؛ِ فَنَاّرُ الشَهْوَةِ تَحْرُقُ الطَاّعَاّتِ، وَنَاّرُ الشَقَاّوَةِ تَحْرِقُ التَوْحِيٍدْ، وَنَاّر القَطِيعَةِ تَحْرُقُ القُلُوُبْ، وَنَاّر المحَبَةِ تَحْرِقُ النِيّرَاّنِ كُلْهَاّ )؛ (105) ..
    هذه الحكمة الإلهية لشيخ العارفين ألهبت قلب الحلاج بنار المحبة التي حرقت في قلبه كل شيء، إلا أنه لمن يجد عند العارف التستري ما يشفي شفعه بزيادة المحبة، فأرشده رحمه الله تعالى، أن يجد هذا المرام عند غيره لأن الغالب في منهاج شيخ العارفين ابن يونس أنه عارف لله يغلب في قلبه الإجلال والهيبة للحق تعالى، ويتفرد العارف الرباني أبو محمد سهل التستري، بحديث قدسي جامع لحال العارفين والأولياء، عن الحق تعالى، يَقُولُ فيه: ( (( قَالَ اللَّهُ لآدَمَ: يَا آدَمُ، إِنِّي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا، فَمَنْ رَجَا غَيْرَ فَضْلِي وَخَافَ غَيْرَ عَدْلِي لَمْ يَعْرِفْنِي، يَا آدَمُ، إِنَّ لِي صَفْوَةً وَضَنَائِنَ وَخِيرَةً مِنْ عِبَادِي أَسْكَنْتُهُمْ صُلْبَكَ بِعَيْنِي مِنْ بَيْنِ خَلْقِي أُعِزُّهُمْ بِعِزِّي وَأُقَرِّبُهُمْ مِنْ وَصْلِي، وَأَمْنَحُهُمْ كَرَامَتِي، وَأُبِيحُ لَهُمْ فَضْلِي، وَأَجْعَلُ قُلُوبَهُمْ خَزَائِنَ كُتُبِي، وَأَسْتُرُهُمْ بِرَحْمَتِي، وَأَجْعَلُهُمْ أَمَانًا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ عِبَادِي فَبِهِمْ أُمْطِرُ السَّمَاءَ، وَبِهِمْ أُنْبِتُ الأَرْضَ، وَبِهِمْ أَصْرِفُ الْبَلاءَ، هُمْ أَوْلِيَائِي وَأَحِبَّائِي دَرَجَاتُهُمْ عَالِيَةٌ، وَمَقَامَاتُهُمْ رَفِيعَةٌ، وَهِمَمُهُمْ بِي مُتَعَلِّقَةٌ صَحَّتْ عَزَائِمُهُمْ، وَدَامَتْ فِي مَلَكُوتِ غَيْبِي فِكْرَتُهُمْ فَارْتَهَنَتْ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِي فَسَقَيْتُهُمْ بِكَأْسِ الأُنْسِ صَرْفَ مَحَبَّتِي، فَطَالَ شَوْقُهُمْ إِلَى لِقَائِي وَإِنِّي إِلَيْهِمْ لأَشُدُّ شَوْقًا، يَا آدَمُ، مَنْ طَلَبَنِي مِنْ خَلْقِي وَجَدَنِي، وَمَنْ طَلَبَ غَيْرِي لَمْ يَجِدْنِي، فَطُوبَى يَا آدَمُ لَهُمْ، ثُمَّ طُوبَى لَهُمْ، ثُمَّ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ، يَا آدَمُ، هُمُ الَّذِينَ إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِمْ هَانَ عَلَيَّ غُفْرَانُ ذُنُوبِ الْمُذْنِبِينَ لِكَرَامَتِهِمْ عَلَيَّ ))، قال الراوي: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، زِدْنَا مِنْ هَذَا الضَّرْبُ رَحِمَكَ اللَّهُ فَإِنَّهَا تَرْتَاحُ الْقُلُوبُ وَتَتَحَرَّكُ، فَقَالَ: (( نَعَمْ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى دَاودَ عَلَيْهِ السَّلامُ: يَا دَاودُ، إِذَا رَأَيْتَ لِيَ طَالِبًا فَكُنْ لَهُ خَادِمًا، فَكَانَ دَاودُ، يَقُولُ فِي مَزَامِيرِهِ: وَاهًا لَهُمْ يَا لَيْتَنِي عَايَنْتُهُمْ يَا لَيْتَ خَدِّي نَعْلُ مَوْطِئهِمْ، ثُمَّ احْمَرَّتْ بَعْدُ أُدْمَتُهُ أَوِ اصْفَرَّ لَوْنُهُ، وَجَعَلَ يَقُولُ: جَعَلَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وُخُلِيفَتَهُ خَادِمًا لِمَنْ طَلَبَهُ، لَوْ عَقَلْتَ وَمَا أَظُنُّكَ تَعْقِلُ قَدْرَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَطُلابِهِ، وَلَوْ عَرَفْتَ قَدْرَهُمْ لاسْتَغْنَمْتَ قُرْبَهُمْ وَمُجَالَسَتَهُمْ، وَبِرَّهُمْ، وَخِدْمَتَهُمْ، وَتَعَاهُدَهُمْ )؛ (106) ..
    وكان يقول: ( طُوّبَىّ لمِنَ تَعَرْفَ بِالأّوُلِيَاّءِ، فَإِنَهُ إذَاّ عَرِفَهُمْ اِسْتَدْرَكَ مَاّ فَاّتَهُ مِنْ الطَاّعَاّتِ، وَإِنَ لَمَ يَسْتَدْرِكُ شَفَعَوّا عِنْدَ الله فِيِهِ، لِأّنْهُمْ أّهَلُ الفُتُوّةَ )؛ (107) ..
    ابن يونس العارف التستري كان عالماً أصولياً شهد بتوحيده الأصوليين، وحافظاً محدثاً شهد بتحقيقه المحدثين، وقارئ مفسراً شهد بتأويله الصحيح للقرآن المفسرين، وصوفياً ورعاً شهد بزهده وتقواه المتقين، وجالس الأولياء منهم والصديقين، لذلك نجد الحلاج عندما ارتحل عنه لم يرضي شغفه من بعده أحد من المعلمين، حتى تاج العارفين الإمام الجنيد رحمه الله تعالى، ولكن للإنصاف فإن الإمام الجنيد تاج العارفين، بصدق سريرته، لم يقل شأناً وصدقاً من العارف التستري، شيخ العارفين، لكن الإمام الجنيد رحمه الله تعالى، لم يولي الحلاج الاهتمام المنشود، لأنه وجده جواد ربانياً جامح يصعب ترويضه بالحق لترك أعلى الحق، وهو ما جعله ينفرد عن شيوخه في عزلة طويلة في مكة يرجو ما يرجوه من الحق سبحانه وتعالى ..
    أما لما قتل الحلاج فلأنه في الحقيقة هو من أراد ذلك!، من بعد يأسه وخيبة أمله بإيجاد المرشد الرشيد، وباستقطاب أمته الإسلامية لما رآه من خير كبير بعودتهم إلى جذور المنهجية السلفية، حيث تنبع جذور التقوى الحقيقية، ولأن أشواق المحبين أحرقت فؤاده وأشغلت حنينه للقاء الحبيب، بعد أن استوحش من غربته في الدنيا، فقد قيل أنه قال وهو يحتضر قبل أن يجز رأسه: "يا رب إني أضحيت بين الناس غريب، وإن ذكرك أضحى بينهم غريب، ولا يأوي الغريب إلا الغريب"؛ فقد كان من أسياد الحب والعشق الإلهي، ودليل ذلك تصريحه بهذه الرغبة العارمة أمام الناس، أو على الملأ، فقال: ( أيهــــا الـنـاس، اعلموا أن الله قد أباح لكم دمى فاقتلوني، اقتلوني تؤجروا وأسترح، اقتلوني تكتبوا عند الله مجاهدين وأكتب أنا شهيد )؛ (108) ..
    وقال عنه الباز الجيلاني: ( عثر الحلاج، ولم يكن له من يأخذ بيده، ولو أدركت زمانه لأخذت بيده )؛ (109) ..
    لذا تراه يقول: ( اعلموا أن الله قد أباح لكم دمي، فاقتلوني ليس للمسلمين اليوم شغل أهم من قتلي )؛ (110) ..
    وكان يعلم أنه تجاوز حدود الشرع بفتنته الدعوية!، حيث يقول: ( إن قتلي قيام بالحدود، ووقوف مع الشريعة، ومن تجاوز الحدود، أقيمت عليه الحدود )؛ (111) ..
    ومن هذه النصوص الأخيرة نعي بأن الحلاج أدرك في سريرته أنه أخطاً بمخالفة ما نصحه به شيخه الجنيد، إلا أن نفسه الجامحة بالحق لاستعادة الحق واحقاقه، في زمن الفساد، خرجت عن ارادته وكان لا بعد من كبحها بالقصاص الشرعي التعزيري، والحقيقة أن الحلاج لم يحقق شيء مما رمى إليه من الإصلاح على العكس أفسد مكانة الصوفية في المجتمع الإسلامي لعقود بعده، وأدخلهم في دائرة الصمت، والسبب أنه عادى المفسدون وأعداء الأمة المغرضين، وحارب مصالحهم الدنيوية؛ وإن وفقني الحق سوف أفرد بحث يزيل الحيرة في حالة الحلاج، ويحجم الريبة في هذه القضية الشائكة، وسوف يكون وجه جديد لموضوع قديم لي كان بعنوان: "معضلة الحلاج بين الواقع والتلفيق"، أما الطرح الجديد، إن شاءت العناية الإلهية فسوف يكون بعون الله ومشيئته بعنوان: "التصحيح والعلاج لما قيل بالحلاج"، سوف يكون إن أذن لي المولى سبحانه، كافياً شافياً وافياً، لمن له اهتمام بهذا الأمر، والحقيقة كنت قد أجحفت قليلاً في هذا البحث، في غير هذه النسخة من هذا الطرح، فتوالت علي المصائب والبلايا، حتى غيرت إلى الانصاف المطلق بحق الحلاج، فخفف الله عني ما ابتلاني به، فأيقنت في سريرتي أن الحلاج دون أدنى ريب، من أولياء الله الصالحين ..

    النهاية ..
    ----------------------------
    (116) ورد في "شعب الإيمان" للبيهقي [ج4/ص: 398/ر:6605]؛ وفي "كشف الخفاء" للعجلوني [ج2/ص: 312/ر:2796] ..
    (117) ورد في "تنبيه الغافلين" للسمرقندي [ج1/ص: 317/ر:1350]؛ ورد في "الإحياء" للغزالي [ج1/ص: 61]؛ وفي "اقتضاء العلم" للخطيب [ج1/ص: 30/ر:22] ..
    (118) ورد في "تفسير التستري" لابن يونس التستري [ج1/ص: 205] ..
    (119) ورد في "حلية الأولياء" لأبو نعيم [ج10/ص: 193/ر:15327] ..
    (120) ورد في "لواقح الأنوار" للشعراني [ج1/ص: 77] ..
    (121) ورد في "هتك الأستار" للنابلسي [ج1/ص: 15]، وفي "الأسفار الأربعة" للشيرازي [ج1/ص: 25]؛ وفي "حياة الحيوان" للدميري [ج1/ص: 245] ..
    (122) ورد في "حياة الحيوان" للدميري [ج1/ص: 245] ..
    (123) ورد في "حياة الحيوان" للدميري [ج1/ص: 245] ..
    (124) ورد في "حياة الحيوان" للدميري [ج1/ص: 245]؛ وفي "حل الرموز" للسلطان العز [ج1/ص: 76] ..

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •