الحقائق الخفية في محن الصوفية في عصر الدولة العباسية

مقدمة هامة:
هناك حقبتين بالإسلام لم يكن فيها خلافة مهدية محمدية، وأعني الإمامة العلمية الموروثة بالاستحقاق والأهلية، وهي الخلافة والمرجعية المطلقة بالعلم الديني، وإنما كانت خلافة بدلية حيث خلف الخليفة الرباني المهدي الوارث لمقام النبوة والعلم الشريف الإمام الصادق جعفر بن محمد الباقر رضي الله عنه، نجليه بالتبعية دون مقام الخلافة المهدية المحمدية، الإمامين الجليلين الكاظم والرضا وهما نجلي الإمام الصادق من آل بيت النبوة رضي الله عنهم أجمعين، والسبب في هذه الحالة التجاوزية، هو الحفاظ على فترة تحولية هامة جداً في المنهجية الدينية أحدثها بالتجديد الإمام الصادق، فرسخ نجليه أسسها، وكانت سبب في حفظ الاستمرارية بالدين إلى زمننا هذا، فقد أرسى الإمام الصادق، مهدي الفقهاء رضي الله عنه، دعامة العمل بالمذاهب الفقهية، وعلم الأسانيد الحديثية، وقام بتوفيق من الله بإطلاق أسس العملية الإصلاحية السلوكية، للترف المنهجي الفكري المبتدع الدخيل، والترف المادي الوليد في الأمة الإسلامية، وهذا التيار الإصلاحي الإيماني التربوي، أوكله مهدي الفقهاء إلى نخبة من المتقين الزهاد من أهل الوعظ والإرشاد، شهد بعدالتهم وأمانتهم العلمية والمسلكية، أكثر علماء عصرهم، وكان لهم تأثير كبير في كبح جماح الزندقة الدينية، وعرفوا فيما بعد بالزهاد الصوفية، وما زال هؤلاء الزهاد أو الأولياء مقربين محبوبين من قبل العامة والخاصة، حتى انقسوا إلى فسطاسين بالخيرية، فسطاس بقي قريب من الناس، وهو فسطاس العارفين الربانين، والذي تمثل بمدرسة تاج العارفين الإمام أبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى، والتي كانت دعواها سلوكية علمية وفقهية شرعية وعقدية، وفسطاس الأولياء الصالحين، وتمثل بمدرسة المحتسب أمير القلوب الزاهد الحسين النوري رحمه الله تعالى، وكانت دعواها سلوكية عملية، عنوانها الزهد في كل شيء عدا الحق تعالى، إلا أنها كانت منغلقة نوعاً ما بمنهاجيتها، مقارنة مع مدرسة العارفين العلمية العملية الفقهية، وهذا الانغلاق المنهجي جعلها في دائرة الشك من قبل أئمة علم كبار وأعلام معاصرين لها، فبعضهم اتهموا روادها من باب الظن بالجهل الفقهي والأصولي، وذلك بالمقارنة مع مسلك بعض الزنادقة الحلولية، وشك البعض الأخر من العلماء بدخول هذه المدرسة بدائرة الزندقة بسبب انغلاقها المفاجئ، وذلك لتفاقم ظهور الزندقة الصوفية حينئذ، والتي كانت كوفية المنشأ، وسبب هذه العزلة الصوفية النسبية في مدرسة الأولياء، هو أنهم كانوا على منهج سلوكي قويم تغيرت أركانه نسبياً في هذه الفترة الزمنية، مع ظهور ثورة التجديد المنهجية الدينية، فخافوا أن تحارب عندهم هذه المنهجية القائمة على تزكية النفس، والسعي لنيل مقام الإحسان، وهو ما كان عليه النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، وأصحابه السلفية من السلوك بالإيمان والتقوى: فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ: ( (( تَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً ))، قَالُوا: وَمَا تِلْكَ الْفِرْقَةُ؟ قَالَ: (( مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي )) )؛ (1) ..
ومن ناحية أخرى نجدهم حرصوا على البعد عن مظاهر الرياء والسمعة وهو الشرك الخفي، عملاً بالأثر المحمدي: ( مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ )؛ (2)؛ وبقيت هذه الحالة من الخفاء النسبي مستقرة، حتى وفاة سلطان العارفين وإمام الأولياء أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى، عام 264 ه، حيث بدأت مرحلة المحنة الصوفية الأولى ..
--------------------------

(1) رواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 26/ر:2641]، بإسناد حسن، بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2641]؛ وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:5343]؛ وصححه أحمد شاكر في "عمدة التفسير" [ج1/ص: 353]؛ ورواه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج3/ص: 284]، وقال في حكمه: أسانيده جياد؛ وأرده الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" [ج8/ص: 97]، وقال بحكمه: محفوظ، ورواه البغوي في "شرح السنة" [ج1/ص: 185]، وفي "أحكام القرآن" [ج3/ص: 342]، وقال بحكمه: ثابت ..
(2) رواه أبو داود في "سننه" [ر:3664]، بإسناد صحيح، بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:3664]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج8/ص: 819/ر:8438]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق شاكر في "المسند" [ج16/ص: 193]؛ وصححه النووي في "المجموع" [ج1/ص: 23]؛ وفي "رياض الصالحين" [ر:447]؛ وصححه الذهبي في "الكبائر" [ج1/ص: 284]؛ والهيتمي في "الزواجر" [ج1/ص: 41]؛ وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:6159]؛ وفي "صحيح ابن ماجه" [ر:206]؛ وحكمه: [صحيح] ..
======================