والنشر بفتح النون وسكون الشين في كلام العرب من الرياح الطيبة اللينة الهبوب التي تنشىء السحاب، وكذلك كلّ ريح طيبة عندهم فهي نشر ومنه قول امرىء القيس:
كأنَّ المُدَامَ وَصَوْبَ الغَمامِ ورِيحَ الخُزَامَى وَنَشْرَ القُطُرْ
وبهذه القراءة قرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين خلا عاصم بن أبي النجود، فإنه كان يقرؤه: { بُشْراً } على اختلاف عنه فيه، فروى ذلك بعضهم عنه: { بُشْراً } بالباء وضمها وسكون الشين، وبعضهم بالباء وضمها وضمّ الشين، وكان يتأوّل في قراءته ذلك كذلك قوله: وَمِنْ آياتِه أن يُرْسِلَ الرّياحَ مُبَشِّراتٍ: تبشر بالمطر، وأنه جمع بشير بُشُراً، كما يجمع النذير نُذُراً. وأما قرّاء المدينة وعامة المكيين والبصريين، فإنهم قرأوا ذلك: «وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرّيَاحَ نُشْراً» بضم النون والشين، بمعنى جمع نشور جمع نشرا، كما يجمع الصبور صُبُرا، والشكور شُكُرا. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: معناها إذا قرئت كذلك أنها الريح التي تهبّ من كلّ ناحية وتجيء من كلّ وجه. وكان بعضهم يقول: إذا قرئت بضمّ النون فينبغي أن تسكن شينها، لأن ذلك لغة بمعنى النشر بالفتح وقال: العرب تضمّ النون من النشر أحياناً، وتفتح أحياناً بمعنى واحد. قال: فاختلاف القرّاء في ذلك على قدر اختلافها في لغتها فيه. وكان يقول: هو نظير الخَسف والخُسف بفتح الخاء وضمها.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن قراءة من قرأ ذلك «نَشْراً» وَ «نُشُراً» بفتح النون وسكون الشين وبضمّ النون والشين قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصار، فلا أحبّ القراءة بها، وإن كان لها معنى صحيح ووجه مفهوم في المعنى والإِعراب لما ذكرنا من العلة وأما قوله بين يدي رحمته فإنه يقول قدام رحمته وأمامها والعرب كذلك تقول لكل شيء حدث قدام شيء وأمامه جاء بين يديه لأن ذلك من كلامهم جرى في إخبارهم عن بني آدم وكثر استعماله فيهم حتى قالوا ذلك في غير ابن آدم وما لايد له والرحمة التي ذكرها جلّ ثناؤه في هذا الموضع المطر.

فمعنى الكلام إذن: والله الذي يرسل الرياح ليناً هبوبها، طيباً نسيمها، أمام غيثه الذي يسوقه بها إلى خلقه، فينشىء بها سحاباً ثقالاً، حتى إذا أقلّتها، والإقلال بها: حملها، كما يقال: استقلّ البعير بحمله وأقلّه: إذا حمله فقام به. ساقه الله لإحياء بلد ميت قد تعفت مزارعه ودرست مشاربه وأجدب أهله، فأنزل به المطر وأخرج به من كلّ الثمرات....