صفحة 75 من 75 الأولىالأولى ... 25657172737475
النتائج 1,111 إلى 1,124 من 1124

الموضوع: إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

  1. #1111
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,926
    { وَإِذْ قُلْتُمْ يَظ°مُوسَىظ° لَن نَّصْبِرَ عَلَىظ° طَعَامٍ وَاحِدٍ فَظ±دْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ظ±لأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ظ±لَّذِي هُوَ أَدْنَىظ° بِظ±لَّذِي هُوَ خَيْرٌ ظ±هْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ظ±لذِّلَّةُ وَظ±لْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ظ±للَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ظ±للَّهِ وَيَقْتُلُونَ ظ±لنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ظ±لْحَقِّ ذظ°لِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ }

    فرأينا الله جل وعز قد أخبر عنهم أنه كتب لهم الأرض الـمقدسة، ولـم يخبرنا عنهم أنه ردّهم إلـى مصر بعد إخراجه إياهم منها، فـيجوز لنا أن نقرأ اهبطوا مصر، ونتأوّله أنه ردّهم إلـيها.

    قالوا: فإن احتـجّ مـحتـجّ بقول الله جل ثناؤه:
    { فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيغ¤ إِسْرَائِيلَ }
    [الشعراء: 57-59] قـيـل لهم: فإن الله جل ثناؤه إنـما أورثهم ذلك فملكهم إياها ولـم يردّهم إلـيها، وجعل مساكنهم الشأم.

    وأما الذين قالوا: إن الله إنـما عنى بقوله جل وعز: { ظ±هْبِطُواْ مِصْراً } مِصْرَ، فإن من حجتهم التـي احتـجوا بها الآية التـي قال فـيها:
    { فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيغ¤ إِسْرَائِيلَ }
    [الشعراء: 57-59] وقوله:
    { كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ }
    [الدخان: 25-28] قالوا: فأخبر الله جل ثناؤه أنه قد ورّثهم ذلك وجعلها لهم، فلـم يكونوا يرثونها ثم لا ينتفعون بها. قالوا: ولا يكونون منتفعين بها إلا بـمصير بعضهم إلـيها، وإلا فلا وجه للانتفـاع بها إن لـم يصيروا أو يصر بعضهم إلـيها. قالوا: وأخرى أنها فـي قراءة أبـيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود: «اهْبِطُوا مِصْرَ» بغير ألف، قالوا: ففـي ذلك الدلالة البـينة أنها مصر بعينها.

    والذي نقول به فـي ذلك أنه لا دلالة فـي كتاب الله علـى الصواب من هذين التأويـلـين، ولا خبر به عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقطع مـجيئه العذر، وأهل التأويـل متنازعون تأويـله.

    فأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب أن يقال: إن موسى سأل ربه أن يعطي قومه ما سألوه من نبـات الأرض علـى ما بـينه الله جل وعز فـي كتابه وهم فـي الأرض تائهون، فـاستـجاب الله لـموسى دعاءه، وأمره أن يهبط بـمن معه من قومه قراراً من الأرض التـي تنبت لهم ما سأل لهم من ذلك، إذ كان الذي سألوه لا تنبته إلا القرى والأمصار وأنه قد أعطاهم ذلك إذ صاروا إلـيه، وجائز أن يكون ذلك القرار مصر، وجائز أن يكون الشأم. فأما القراءة فإنها بـالألف والتنوين: { ظ±هْبِطُواْ مِصْراً } وهي القرائة التـي لا يجوز عندي غيرها لاجتـماع خطوط مصاحف الـمسلـمين، واتفـاق قراءة القراء علـى ذلك. ولـم يقرأ بترك التنوين فـيه وإسقاط الألف منه إلا من لا يجوز الإعتراض به علـى الـحجة فـيـما جاءت به من القراءة مستفـيضاً بـينها....

    فإن قال لنا قائل: فأين تـمام قوله: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلصَّابِئِينَ }؟ قـيـل: تـمامه جملة قوله: { مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } لأن معناه: من آمن منهم بـالله والـيوم الآخر فترك ذكر منهم لدلالة الكلام علـيه استغناء بـما ذكر عما ترك ذكره.

    فإن قال: وما معنى هذا الكلام؟ قـيـل: إن معناه: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من يؤمن بـالله والـيوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم.

    فإن قال: وكيف يؤمن الـمؤمن؟ قـيـل: لـيس الـمعنى فـي الـمؤمن الـمعنى الذي ظننته من انتقال من دين إلـى دين كانتقال الـيهودي والنصرانـي إلـى الإيـمان، وإن كان قد قـيـل إن الذين عنوا بذلك من كان من أهل الكتاب علـى إيـمانه بعيسى، وبـما جاء به، حتـى أدرك مـحمداً صلى الله عليه وسلم، فآمن به وصدّقه، فقـيـل لأولئك الذين كانوا مؤمنـين بعيسى وبـما جاء به إذ أدركوا مـحمداً صلى الله عليه وسلم: آمنوا بـمـحمد وبـما جاء به، ولكن معنى إيـمان الـمؤمن فـي هذا الـموضع ثبـاته علـى إيـمانه وتركه تبديـله.

    وأما إيـمان الـيهود والنصارى والصابئين، فـالتصديق بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وبـما جاء به، فمن يؤمن منهم بـمـحمد، وبـما جاء به والـيوم الآخر، ويعمل صالـحاً، فلـم يبدّل ولـم يغير، حتـى توفـي علـى ذلك، فله ثواب عمله وأجره عند ربه، كما وصف جل ثناؤه.


    وقال ابن عبـاس بـما:

    حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: حدثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس قوله: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلصَّابِئِينَ } إلـى قوله: { ولا هُمْ يَحْزَنُونَ }. فأنزل الله تعالـى بعد هذا: وَمَنْ يَبْتَغِ غيرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِـي الآخِرَةِ مِنَ الـخَاسِرِينَ. وهذا الـخبر يدلّ علـى أن ابن عبـاس كان يرى أن الله جل ثناؤه كان قد وعد من عمل صالـحاً من الـيهود والنصارى والصابئين علـى عمله فـي الآخرة الـجنة، ثم نسخ ذلك بقوله:
    { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ }
    [آل عمران: 85] فتأويـل الآية إذا علـى ما ذكرنا عن مـجاهد والسدي: إن الذين آمنوا من هذه الأمة، والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن من الـيهود والنصارى والصابئين بـالله والـيوم الآخر، { فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }.

    والذي قلنا من التأويـل الأول أشبه بظاهر التنزيـل، لأن الله جل ثناؤه لـم يخصص بـالأجر علـى العمل الصالـح مع الإيـمان بعض خـلقه دون بعض منهم، والـخبر بقوله: { مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } عن جميع ما ذكر فـي أول الآية.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  2. #1112
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,926
    حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ظ±لَّذِينَ ظ±عْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ظ±لسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ } قال: مسخت قلوبهم، ولـم يـمسخوا قردة، وإنـما هو مثل ضربه الله لهم كمثل الـحمار يحمل أسفـارا.

    وهذا القول الذي قاله مـجاهد قول لظاهر ما دل علـيه كتاب الله مخالف، وذلك أن الله أخبر فـي كتابه أنه جعل منهم القردة والـخنازير وعبد الطاغوت، كما أخبر عنهم أنهم قالوا لنبـيـم:
    { أَرِنَا ظ±للَّهَ جَهْرَةً }
    [النساء: 153] وأن الله تعالـى ذكره أصعقهم عند مسألتهم ذلك ربهم وأنهم عبدوا العجل، فجعل توبتهم قتل أنفسهم، وأنهم أُمروا بدخول الأرض الـمقدسة، فقالوا لنبـيهم:
    { ظ±ذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاغ¤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ }
    [المائدة: 24] فـابتلاهم بـالتـيه. فسواء قال قائل: هم لـم يـمسخهم قردة، وقد أخبر جل ذكره أنه جعل منهم قردة وخنازير، وآخر قال: لـم يكن شيء مـما أخبر الله عن بنـي إسرائيـل أنه كان منهم من الـخلاف علـى أنبـيائهم والعقوبـات والأنكال التـي أحلها الله بهم. ومن أنكر شيئاً من ذلك وأقرّ بآخر منه، سئل البرهان علـى قوله وعورض فـيـما أنكر من ذلك بـما أقرّ به، ثم يسأل الفرق من خبر مستفـيض أو أثر صحيح...

    وأولـى هذه التأويلات بتأويـل الآية ما رواه الضحاك عن ابن عبـاس وذلك لـما وصفنا من أن الهاء والألف فـي قوله: { فجَعَلْناها نَكالاً } بأن تكون من ذكر العقوبة والـمَسْخة التـي مسخها القوم أولـى منها بأن تكون من ذكر غيرها، من أجل أن الله جل ثناؤه إنـما يحذّر خـلقه بأسه وسطوته، وبذلك يخوّفهم. وفـي إبـانته عز ذكره بقوله: { نَكالاً } أنه عنى به العقوبة التـي أحلها بـالقوم ما يعلـم أنه عنى بقوله: { فجَعَلْناهَا نَكالاً لِـمَا بَـينَ يَدَيْها وَما خَـلْفَها }: فجعلنا عقوبتنا التـي أحللناها بهم عقوبة لـما بـين يديها وما خـلفها، دون غيره من الـمعانـي. وإذا كانت الهاء والألف بأن تكون من ذكر الـمسخة والعقوبة أولـى منها بأن تكون من ذكر غيرها، فكذلك العائد فـي قوله: { لِـمَا بـينَ يَدَيها وَما خَـلْفَها } من الهاء والألف أن يكون من ذكر الهاء والألف اللتـين فـي قوله: { فَجَعَلْناها } أولـى من أن يكون من غيره.

    فتأويـل الكلام إذا كان الأمر علـى ما وصفنا: فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين، فجعلنا عقوبتنا لهم عقوبة لـما بـين يديها من ذنوبهم السالفة منهم مسخنا إياهم وعقوبتنا لهم، ولـما خـلف عقوبتنا لهم من أمثال ذنوبهم، أن يعمل بها عامل، فـيـمسخوا مثل ما مسخوا، وأن يحلّ بهم مثل الذي حلّ بهم تـحذيرا من الله تعالـى ذكره عبـاده أن يأتوا من معاصيه مثل الذي أتـى الـمـمسوخون فـيعاقبوا عقوبتهم.

    وأما الذي قال فـي تأويـل ذلك: { فجَعَلْناها } يعنـي الـحيتان عقوبة لـما بـين يدي الـحيتان من ذنوب القوم وما بعدها من ذنوبهم، فإنه أبْعَدَ فـي الانتزاع وذلك أن الـحيتان لـم يجر لها ذكر فـيقال: { فجَعَلْناها } فإن ظنّ ظانّ أن ذلك جائز وإن لـم يكن جرى للـحيتان ذكر، لأن العرب قد تكنـي عن الاسم ولـم يجر له ذكر، فإن ذلك وإن كان كذلك، فغير جائز أن يترك الـمفهوم من ظاهر الكتاب والـمعقول به ظاهر فـي الـخطاب والتنزيـل إلـى بـاطن لا دلالة علـيه من ظاهر التنزيـل ولا خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم منقول ولا فـيه من الـحجة إجماع مستفـيض.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  3. #1113
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,926
    { قَالُواْ ظ±دْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ظ±لبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ظ±للَّهُ لَمُهْتَدُونَ }

    قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التـي ذكرناها عمن ذكرناها عنه من الصحابة والتابعين والـخالفـين بعدهم من قولهم: إن بنـي إسرائيـل لو كانوا أخذوا أدنى بقرة فذبحوها أجزأت عنهم ولكنهم شدّدوا فشدّد الله علـيهم، من أوضح الدلالة علـى أن القوم كانوا يرون أن حكم الله فـيـما أمر ونهى فـي كتابه وعلـى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم علـى العموم الظاهر دون الـخصوص البـاطن، إلا أن يخصّ بعض ما عمه ظاهر التنزيـل كتاب من الله أو رسول الله، وأن التنزيـل أو الرسول إن خصّ بعض ما عمه ظاهر التنزيـل بحكم خلاف ما دل علـيه الظاهر، فـالـمخصوص من ذلك خارج من حكم الآية التـي عمت ذلك الـجنس خاصة، وسائر حكم الآية علـى العموم، علـى نـحو ما قد بـيناه فـي كتابنا كتاب «الرسالة من لطيف القول فـي البـيان عن أصول الأحكام» فـي قولنا فـي العموم والـخصوص، وموافقة قولهم فـي ذلك قولنا، ومذهبهم مذهبنا، وتـخطئتهم قول القائلـين بـالـخصوص فـي الأحكام، وشهادتهم علـى فساد قول من قال: حكم الآية الـجائية مـجيء العموم علـى العموم ما لـم يختصّ منها بعض ما عمته الآية، فإن خصّ منها بعض، فحكم الآية حينئذٍ علـى الـخصوص فـيـما خصّ منها، وسائر ذلك علـى العموم. وذلك أن جميع من ذكرنا قوله آنفـاً مـمن عاب علـى بنـي إسرائيـل مسألتهم نبـيهم صلى الله عليه وسلم عن صفة البقرة التـي أمروا بذبحها وسنها وحلـيتها، رأوا أنهم كانوا فـي مسألتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى ذلك مخطئين/

    وأنهم لو كانوا استعرضوا أدنى بقرة من البقر إذ أمروا بذبحها بقوله
    { إِنَّ ظ±للَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً }
    [البقرة: 67] فذبحوها كانوا للواجب عليهم من أمر الله في ذلك مؤدّين وللحق مطيعين إذ لم يكن القوم حصروا على نوع من البقر دون نوع وسن دون سن ورأوا مع ذلك أنهم إذا سألوا موسى عن سنها فأخبرهم عنها وحصرهم منها على سن دون سن ونوع دون نوع وخص من جميع أنواع البقر نوعاً منها كانوا في مسألتهم إياه في المسئلة الثانية بعد الذي خص لهم من أنواع البقر من الخطا على مثل الذي كانوا عليه من الخطأ في مسئلتهم إياه المسئلة الأولى وكذلك رأوا أنهم في المسئلة الثالثة على مثل الذي كانوا عليه من ذلك في الاولى والثانية وأن اللازم كان لهم في الحالة الاولى استعمال ظاهر الامر وذبح أي بهيمة شاؤا مما وقع عليها اسم بقرة وكذلك رأوا أن اللازم كان لهم في الحال الثانية استعمال ظاهر الامر وذبح أي بهيمة شاؤا مما وقع عليها اسم بقرة عوان لا فارض ولا بكر ولم يروا أن حكمهم إذ خص لهم بعض البقر دون البعض في الحالة الثانية انتقل عن اللازم الذي كان لهم في الحالة الاولى من استعمال ظاهر الامر إلى الخصوص ففي اجماع جميعهم على ما روينا عنهم من ذلك مع الرواية التي رويناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموافقة لقولهم دليل واضح على صحة قولنا في العموم والخصوص وأن أحكام الله جل ثناؤه في آي كتابه فيما أمر ونهى على العموم ما لم يخص ذلك ما يجب التسليم له وأنه إذا خص منه شيء فالمخصوص منه خارج حكمه من حكم الآية العامة الظاهر وسائر حكم الآية على ظاهرها العام ويؤيد حقيقة ما قلنا في ذلك وشاهد عدل على فساد قول من خالف قولنا فيه

    وقد زعم بعض من عظمت جهالته واشتدت حيرته، أن القوم إنـما سألوا موسى ما سألوا بعد أمر الله إياهم بذبح بقرة من البقر لأنهم ظنوا أنهم أمروا بذبح بقرة بعينها خصت بذلك، كما خصت عصا موسى فـي معناها، فسألوه أن يحلـيها لهم لـيعرفوها.

    ولو كان الـجاهل تدبر قوله هذا، لسهل علـيه ما استصعب من القول وذلك أنه استعظم من القوم مسألتهم نبـيهم ما سألوه تشددا منهم فـي دينهم، ثم أضاف إلـيهم من الأمر ما هو أعظم مـما استنكره أن يكون كان منهم، فزعم أنهم كانوا يرون أنه جائز أن يفرض الله علـيهم فرضا ويتعبدهم بعبـادة، ثم لا يبـين لهم ما يفرض علـيهم ويتعبدهم به حتـى يسألوا بـيان ذلك لهم. فأضاف إلـى الله تعالـى ذكره ما لا يجوز إضافته إلـيه، ونسب القوم من الـجهل إلـى ما لا ينسب الـمـجانـين إلـيه، فزعم أنهم كانوا يسألون ربهم أن يفرض علـيهم الفرائض. فتعوذ بـالله من الـحيرة، ونسأله التوفـيق والهداية...

    اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: { قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِـالـحَقّ } فقال بعضهم: معنى ذلك: الآن بـينت لنا الـحقّ فتبـيناه، وعرفناه أنه بقرة عينت. ومـمن قال ذلك قتادة.

    حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِـالـحَقّ } أي الآن بـينت لنا.

    وقال بعضهم: ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن القوم أنهم نسبوا نبـيّ الله موسى صلوات الله علـيه إلـى أنه لـم يكن يأتـيهم بـالـحقّ فـي أمر البقرة قبل ذلك. ومـمن رُوي عنه هذا القول عبد الرحمن بن زيد.

    حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: اضطروا إلـى بقرة لا يعلـمون علـى صفتها غيرها، وهي صفراء لـيس فـيها سواد ولا بـياض، فقالوا: هذه بقرة فلان { الآنَ جِئْتَ بـالـحَقّ } وقبل ذلك والله قد جاءهم بـالـحق.

    وأولـى التأويـلـين عندنا بقوله: { قالُوا الآنَ جِئْتَ بـالـحَقّ } قول قتادة وهو أن تأويـله: الآن بـينت لنا الـحق فـي أمر البقرة، فعرفنا أنها الواجب علـينا ذبحها منها لأن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم قد أطاعوه فذبحوها بعد قـيـلهم هذا مع غلظ مؤنة ذبحها علـيهم وثقل أمرها، فقال: { فَذَبحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ } وإن كانوا قد قالوا بقولهم: الآن بـينت لنا الـحق، هراء من القول، وأتوا خطأ وجهلاً من الأمر. وذلك أن نبـي الله موسى صلى الله عليه وسلم كان مبـينا لهم فـي كل مسألة سألوها إياه، وردّ رادُّوه فـي أمر البقرة الـحق. وإنـما يقال: الآن بـينت لنا الـحق لـمن لـم يكن مبـيناً قبل ذلك، فأما من كان كل قـيـله فـيـما أبـان عن الله تعالـى ذكره حقا وبـيانا، فغير جائز أن يقال له فـي بعض ما أبـان عن الله فـي أمره ونهيه وأدّى عنه إلـى عبـاده من فرائضه التـي أوجبها علـيهم: { الآنَ جِئْتَ بِـالـحَقّ } كأنه لـم يكن جاءهم بـالـحق قبل ذلك...

    والصواب من التأويـل عندنا، أن القوم لـم يكادوا يفعلون ما أمرهم الله به من ذبح البقرة للـخـلّتـين كلتـيهما إحداهما غلاء ثمنها مع ذكر ما لنا من صغر خطرها وقلة قـيـمتها. والأخرى خوف عظيـم الفضيحة علـى أنفسهم بإظهار الله نبـيه موسى صلوات الله علـيه وأتبـاعه علـى قاتله...
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  4. #1114
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,926
    { وَإِذَا لَقُواْ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوغ¤اْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىظ° بَعْضٍ قَالُوغ¤اْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ظ±للَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }

    فإذا كان معنى الفتـح ما وصفنا، تبـين أن معنى قوله: { قالُوا أتُـحَدّثُونَهُمْ بِـمَا فَتَـح اللَّهُ عَلَـيْكُمْ لِـيُحاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ } إنـما هو أتـحدثونهم بـما حكم الله به علـيكم وقضاه فـيكم، ومن حكمه جل ثناؤه علـيهم ما أخذ به ميثاقهم من الإيـمان بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وبـما جاء به فـي التوراة، ومن قضائه فـيهم أن جعل منهم القردة والـخنازير، وغير ذلك من أحكامه وقضائه فـيهم، وكل ذلك كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللـمؤمنـين به حجة علـى الـمكذّبـين من الـيهود الـمقرّين بحكم التوراة وغير ذلك.

    فإن كان كذلك فـالذي هو أولـى عندي بتأويـل الآية قول من قال: معنى ذلك: { أتُـحَدّثُونَهُمْ بِـمَا فَتَـحَ اللَّهُ عَلَـيْكُمْ } من بعث مـحمد صلى الله عليه وسلم إلـى خـلقه لأن الله جل ثناؤه إنـما قصّ فـي أول هذه الآية الـخبر عن قولهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه: آمنا بـما جاء به مـحمد صلى الله عليه وسلم فـالذي هو أولـى بآخرها أن يكون نظير الـخبر عما ابتدىء به أولها. وإذا كان ذلك كذلك، فـالواجب أن يكون تلاومهم كان فـيـما بـينهم فـيـما كانوا أظهروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه من قولهم لهم: آمنا بـمـحمد صلى الله عليه وسلم وبـما جاء به، وكان قـيـلهم ذلك من أجل أنهم يجدون ذلك فـي كتبهم وكانوا يخبرون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فكان تلاومهم فـيـما بـينهم إذا خـلوا علـى ما كانوا يخبرونهم بـما هو حجة للـمسلـمين علـيهم عند ربهم. وذلك أنهم كانوا يخبرونهم عن وجود نعت مـحمد صلى الله عليه وسلم فـي كتبهم ويكفرون به، وكان فتـح الله الذي فتـحه للـمسلـمين علـى الـيهود وحكمه علـيهم لهم فـي كتابهم أن يؤمنوا بـمـحمد صلى الله عليه وسلم إذا بعث، فلـما بعث كفروا به مع علـمهم بنبوتّه....

    وأولـى ما روينا فـي تأويـل قوله: { إلاَّ أمانِـيَّ } بـالـحقّ وأشبهه بـالصواب، الذي قاله ابن عبـاس، الذي رواه عنه الضحاك، وقول مـجاهد: إن الأميـين الذين وصفهم الله بـما وصفهم به فـي هذه الآية وأنهم لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله الله علـى موسى شيئا، ولكنهم يتـخرّصون الكذب ويتقوّلون الأبـاطيـل كذبـاً وزوراً. والتـمنـي فـي هذا الـموضع، هو تـخـلق الكذب وتـخرّصه وافتعاله، يقال منه: تـمنـيت كذا: إذا افتعلته وتـخرّصته. ومنه الـخبر الذي رُوي عن عثمان بن عفـان رضي الله عنه: «ما تغنّـيت ولا تـمنـيت». يعنـي بقوله ما تـمنـيت: ما تـخرّصت البـاطل ولا اختلقت الكذب والإفك.

    والذي يدلّ علـى صحة ما قلنا فـي ذلك وأنه أولـى بتأويـل قوله: { إلاَّ أمانِـيَّ } من غيره من الأقوال، قول الله جل ثناؤه: { وَإنْ هُمْ إلاَّ يَظُنُّونَ } فأخبر عنهم جل ثناؤه أنهم يتـمنون ما يتـمنون من الأكاذيب ظنّاً منهم لا يقـينا. ولو كان معنى ذلك أنهم يتلونه لـم يكونوا ظانـين، وكذلك لو كان معناه: يشتهونه لأن الذي يتلوه إذا تدبره علـمه، ولا يستـحقّ الذي يتلو كتابـا قرأه وإن لـم يتدبره بتركه التدبـير أن يقال: هو ظانّ لـما يتلو إلا أن يكون شاكّا فـي نفس ما يتلوه لا يدري أحقّ هو أم بـاطل. ولـم يكن القوم الذين كانوا يتلون التوراة علـى عصر نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم من الـيهود فـيـما بلغنا شاكين فـي التوراة أنها من عند الله. وكذلك الـمتـمنـي الذي هو فـي معنى الـمتشهي غير جائز أن يقال: هو ظانّ فـي تـمنـيه، لأن التـمنـي من الـمتـمنـي إذا تـمنى ما قد وجد عينه، فغير جائز أن يقال: هو شاك فـيـما هو به عالـم لأن العلـم والشك معنـيان ينفـي كل واحد منهما صاحبه لا يجوز اجتـماعهما فـي حيز واحد، والـمتـمنـي فـي حال تـمنـيه موجود غير جائز أن يقال: هو يظنّ تـمنـيه.

    وإنـما قـيـل: { لا يَعْلَـمُونَ الكِتابَ إلاَّ أمانِـيَّ } والأمانـي من غير نوع الكتاب، كما قال ربنا جل ثناؤه:
    { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ظ±تِّبَاعَ ظ±لظَّنِّ }
    [النساء: 157] والظنّ من العلـم بـمعزل، وكما قال:
    { وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىظ° * إِلاَّ ظ±بْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ظ±لأَعْلَىظ° }
    [الليل: 19-20]. وكما قال الشاعر:
    لَـيْسَ بَـيْنِـي وَبَـينَ قَـيْسٍ عِتابُ غيرَ طَعْنِ الكُلَـى وَضَرْبِ الرّقابِ
    وكما قال نابغة بنـي ذبـيان:
    حَلَفْتُ يَـمِينا غيرَ ذِي مَثْنَوِيّةٍ وَلا عِلْـمَ إلاَّ حُسْنَ ظَنّ بِغائِبِ
    فـي نظائر لـما ذكرنا يطول بإحصائها الكتاب. ويخرج ب«إلاّ» ما بعدها من معنى ما قبلها، ومن صفته، وإن كان كل واحد منهما من غير شكل الآخر ومن غير نوعه، ويسمي ذلك بعض أهل العربـية استثناء منقطعاً لانقطاع الكلام الذي يأتـي بعد إلا عن معنى ما قبلها. وإنـما يكون ذلك كذلك فـي كل موضع حسن أن يوضع فـيه مكان «إلا» «لكن»، فـيعلـم حينئذ انقطاع معنى الثانـي عن معنى الأول، ألا ترى أنك إذا قلت: { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَـمُونَ الكِتابَ إلاَّ أمانِـيَّ } ثم أردت وضع «لكن» مكان «إلا» وحذف «إلا»، وجدت الكلام صحيحاً معناه صحته وفـيه «إلا»؟ وذلك إذا قلت: { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَـمُونَ الكِتابَ } لكن أمانـي، يعنـي لكنهم يتـمنون، وكذلك قوله:
    { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ظ±تِّبَاعَ ظ±لظَّنِّ }
    [النساء: 157] لكن اتبـاع الظنّ، بـمعنى: لكنهم يتبعون الظنّ، وكذلك جميع هذا النوع من الكلام علـى ما وصفنا....

    قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: ما وجه { فَوَيْـلٌ لِلّذِينَ يَكُتُبُونَ الكِتابَ بأيْدِيهِمْ }؟ وهل تكون الكتابة بغير الـيد حتـى احتاج الـمخاطبون بهذه الـمخاطبة إلـى أن يخبروا عن هؤلاء القوم الذين قصّ الله قصتهم أنهم كانوا يكتبون الكتاب بأيديهم؟ قـيـل له: إن الكتاب من بنـي آدم وإن كان منهم بـالـيد، فإنه قد يضاف الكتاب إلـى غير كاتبه وغير الـمتولـي رسم خطه، فـيقال: كتب فلان إلـى فلان بكذا، وإن كان الـمتولـي كتابته بـيده غير الـمضاف إلـيه الكتاب، إذا كان الكاتب كتبه بأمر الـمضاف إلـيه الكتاب. فأعلـم ربنا بقوله: { فَوَيْـلٌ لِلّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بأيْدِيهِمْ } عبـاده الـمؤمنـين أن أحبـار الـيهود تلـي كتابة الكذب والفرية علـى الله بأيديهم علـى علـم منهم وعمد للكذب علـى الله ثم تنـحله إلـى أنه من عند الله وفـي كتاب الله تكذّبـاً علـى الله وافتراء علـيه. فنفـى جل ثناؤه بقوله: { يَكْتُبُونَ الكِتابَ بأيْدِيهِمْ } أن يكون ولـي كتابة ذلك بعض جهالهم بأمر علـمائهم وأحبـارهم. وذلك نظير قول القائل: بـاعنـي فلان عينه كذا وكذا، فـاشترى فلان نفسه كذا، يراد بإدخال النفس والعين فـي ذلك نفـي اللبس عن سامعه أن يكون الـمتولـي بـيع ذلك وشراءه غير الـموصوف به بأمره، ويوجب حقـيقة الفعل للـمخبر عنه فكذلك قوله: { فَوَيْـلٌ لِلّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بأيْدِيهِمْ }.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  5. #1115
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,926
    حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قوله: { بَلـى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً } يعنـي الشرك.

    وإنـما قلنا: إن السيئة التـي ذكر الله جل ثناؤه أن من كسبها وأحاطت به خطيئته فهو من أهل النار الـمخـلدين فـيها فـي هذا الـموضع، إنـما عنى الله بها بعض السيئات دون بعض، وإن كان ظاهرها فـي التلاوة عاما، لأن الله قضى علـى أهلها بـالـخـلود فـي النار، والـخـلود فـي النار لأهل الكفر بـالله دون أهل الإيـمان به لتظاهر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أهل الإيـمان لا يخـلدون فـيها، وأن الـخـلود فـي النار لأهل الكفر بـالله دون أهل الإيـمان به فإن الله جل ثناؤه قد قرن بقوله: { بَلـى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فـاولئِكَ أصحَابُ النارِ هُم فِـيها خالِدُونَ } قولَهُ: { والّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ أُولَئِكَ أصحَابُ الـجَنّةِ هُمْ فِـيها خَالِدُونَ } فكان معلوما بذلك أن الذين لهم الـخـلود فـي النار من أهل السيئات، غير الذين لهم الـخـلود فـي الـجنة من أهل الإيـمان.

    فإن ظنّ ظانٌّ أن الذين لهم الـخـلود فـي الـجنة من الذين آمنوا هم الذين عملوا الصالـحات دون الذين عملوا السيئات، فإن فـي إخبـار الله أنه مكفر بـاجتنابنا كبـائر ما ننهى عنه سيئاتنا، ومدخـلنا الـمدخـل الكريـم، ما ينبىء عن صحة ما قلنا فـي تأويـل قوله: { بَلـى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً } بأن ذلك علـى خاص من السيئات دون عامها.

    فإن قال لنا قائل: فإن الله جل ثناؤه إنـما ضمن لنا تكفـير سيئاتنا بـاجتنابنا كبـائر ما ننهى عنه، فما الدلالة علـى أن الكبـائر غير داخـلة فـي قوله: { بَلـى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً }؟ قـيـل: لـما صحّ من أن الصغائر غير داخـلة فـيه، وأن الـمعنّى بـالآية خاص دون عام، ثبت وصحّ أن القضاء والـحكم بها غير جائز لأحد علـى أحد إلا علـى من وَقَـفَه الله علـيه بدلالة من خبر قاطع عذر من بلغه. وقد ثبت وصحّ أن الله تعالـى ذكره قد عنى بذلك أهل الشرك والكفر به، بشهادة جميع الأمة، فوجب بذلك القضاء علـى أن أهل الشرك والكفر مـمن عناه الله بـالآية. فأما أهل الكبـائر فإن الأخبـار القاطعة عذر من بلغته قد تظاهرت عندنا بأنهم غير معنـيـين بها، فمن أنكر ذلك مـمن دافع حجة الأخبـار الـمستفـيضة والأنبـاء الـمتظاهرة فـاللازم له ترك قطع الشهادة علـى أهل الكبـائر بـالـخـلود فـي النار بهذه الآية ونظائرها التـي جاءت بعمومهم فـي الوعيد، إذْ كان تأويـل القرآن غير مدرك إلا ببـيان من جَعَلَ اللَّهُ إلـيه بـيانَ القرآن، وكانت الآية تأتـي عاماً فـي صنف ظاهرها، وهي خاص فـي ذلك الصنف بـاطنها. ويُسئل مدافعوا الـخبر بأن أهل الكبـائر من أهل الاستثناء سؤالنا منكر رجم الزانـي الـمـحصن، وزوال فرض الصلاة عن الـحائض فـي حال الـحيض، فإن السؤال علـيهم نظير السؤال علـى هؤلاء سواء.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  6. #1116
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,926
    وأما من قرأ: { تُفـادُوهُمْ } فإنه أراد أنكم تفدونهم من أسرهم، ويفدى منكم الذين أسروهم ففـادوكم بهم أسراكم منهم.

    وأما من قرأ ذلك: «تَفْادُوهُمْ» فإنه أراد أنكم يا معشر الـيهود إن أتاكم الذين أخرجتـموهم منكم من ديارهم أسرى فديتـموهم فـاستنقذتـموهم. وهذه القراءة أعجب إلـيّ من الأولـى، أعنـي: «أسرى تفادوهم» لأن الذي علـى الـيهود فـي دينهم فداء أسراهم بكل حال فَدَى الآسرون أسراهم منهم أم لـم يفدوهم....

    وقال آخرون: هو الاسم الذي كان عيسى يحيـي به الـموتـى. ذكر من قال ذلك:

    حدثت عن الـمنـجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: { وأيّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ } قال: هو الاسم الذي كان يحيـي عيسى به الـموتـى.

    وأولـى التأويلات فـي ذلك بـالصواب قول من قال: الروح فـي هذا الـموضع جبريـل لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه أيد عيسى به، كما أخبر فـي قوله:
    { إِذْ قَالَ ظ±للَّهُ يظ°عِيسَى ظ±بْنَ مَرْيَمَ ظ±ذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىظ° وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ظ±لْقُدُسِ تُكَلِّمُ ظ±لنَّاسَ فِي ظ±لْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ظ±لْكِتَابَ وَظ±لْحِكْمَةَ وَظ±لتَّوْرَاةَ وَظ±لإِنْجِيلَ }
    [المائدة: 110]. فلو كان الروح الذي أيده الله به هو الإنـجيـل لكان قوله: «إذ أيدتك بروح القدس وإذ علـمتك الكتاب والـحكمة والتوراة والإنـجيـل» تكرير قول لا معنى له. وذلك أنه علـى تأويـل قول من قال: معنى:
    { إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ظ±لْقُدُسِ }
    [المائدة: 110] إنـما هو: إذْ أيدتك بـالإنـجيـل، وإذْ علـمتك الإنـجيـل وهو لا يكون به مؤيداً إلا وهو معلـمه. فذلك تكرير كلام واحد من غير زيادة معنى فـي أحدهما علـى الآخر، وذلك خُـلْفٌ من الكلام، والله تعالـى ذكره يتعالـى عن أن يخاطب عبـاده بـما لا يفـيدهم به فـائدة.

    وإذا كان ذلك كذلك فبـيّنٌ فساد قول من زعم أن الروح فـي هذا الموضع الإنـجيـل، وإن كان جميع كتب الله التـي أوحاها إلـى رسله روحاً منه لأنها تـحيا بها القلوب الـميتة، وتنتعش بها النفوس الـمولـيّة، وتهتدي بها الأحلام الضالة.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  7. #1117
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,926
    والصواب من القول فـي تأويـله وقراءته عندنا القول الأول، وهو قراءة: { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } بخفض الراء من «غير» بتأويـل أنها صفة للذين أنعمت علـيهم ونعت لهم لـما قد قدمنا من البـيان إن شئت، وإن شئت فبتأويـل تكرار «صراط» كل ذلك صواب حسن...

    قال أبو جعفر: واختلف فـي صفة الغضب من الله جل ذكره فقال بعضهم: غضب الله علـى من غضب علـيه من خـلقه إحلالُ عقوبته بـمن غضب علـيه، إما فـي دنـياه، وإما فـي آخرته، كما وصف به نفسه جل ذكره فـي كتابه فقال:
    { فَلَمَّا ءاسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ }
    [الزخرف: 55] وكما قال:
    { قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ }
    [المائدة: 60] وقال بعضهم: غضب الله علـى من غضب علـيه من عبـاده ذمّ منه لهم ولأفعالهم، وشتـم منه لهم بـالقول. وقال بعضهم: الغضب منه معنى مفهوم، كالذي يعرف من معانـي الغضب. غير أنه وإن كان كذلك من جهة الإثبـات، فمخالف معناه منه معنى ما يكون من غضب الآدميـين الذين يزعجهم ويحركهم ويشقّ علـيهم ويؤذيهم لأن الله جل ثناؤه لا تـحل ذاته الآفـات، ولكنه له صفة كما العلـم له صفة، والقدرة له صفة علـى ما يعقل من جهة الإثبـات، وإن خالفت معانـي ذلك معانـي علوم العبـاد التـي هي معارف القلوب وقواهم التـي توجد مع وجود الأفعال وتُعدم مع عدمها.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  8. #1118
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,926
    { قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ }

    قال أبو جعفر: وهذه الآية مـما احتـجّ الله بها لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم علـى الـيهود الذين كانوا بـين ظهرانـي مهاجره، وفضح بها أحبـارهم وعلـماءهم. وذلك أن الله جل ثناؤه أمر نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إلـى قضية عادلة بـينه وبـينهم فـيـما كان بـينه وبـينهم من الـخلاف، كما أمره الله أن يدعو الفريق الآخر من النصارى إذ خالفوه فـي عيسى صلوات الله علـيه وجادلوا فـيه إلـى فـاصلة بـينه وبـينهم من الـمبـاهلة. وقال لفريق الـيهود: إن كنتـم مـحقـين فتـمنوا الـموت، فإن ذلك غير ضاركم إن كنتـم مـحقـين فـيـما تدّعون من الإيـمان وقرب الـمنزلة من الله، بل إن أعطيتـم أمنـيتكم من الـموت إذا تـمنـيتـم فإنـما تصيرون إلـى الراحة من تعب الدنـيا ونصبها وكدر عيشها والفوز بجوار الله فـي جنانه، إن كان الأمر كما تزعمون أن الدار الآخرة لكم خالصة دوننا. وإن لـم تُعْطَوْها علـم الناس أنكم الـمبطلون ونـحن الـمـحقون فـي دعوانا وانكشف أمرنا وأمركم لهم. فـامتنعت الـيهود من إجابة النبـيّ صلى الله عليه وسلم إلـى ذلك لعلـمها أنها إن تـمنت الـموت هلكت فذهبت دنـياها وصارت إلـى خزي الأبد فـي آخرتها. كما امتنع فريق النصارى الذين جادلوا النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي عيسى إذ دُعوا إلـى الـمبـاهلة من الـمبـاهلة فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لَوْ أنَّ الـيَهُودَ تَـمَنّوُا الـمَوْتَ لَـمَاتُوا وَلَرَأَوْا مَقاعِدَهُمْ مِنَ النّارِ، وَلَوْ خَرَجَ الّذِينَ يُبَـاهِلُونَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَرَجَعُوا لا يَجِدُونَ أَهْلاً وَلا مالاً "
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  9. #1119
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,926
    وقوله: { مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ } وهم علـماء الـيهود الذين أعطاهم الله العلـم بـالتوراة وما فـيها.

    ويعنـي بقوله: { كِتابَ الله } التوراة، وقوله: { نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ } جعلوه وراء ظهورهم وهذا مَثَلٌ، يقال لكل رافض أمراً كان منه علـى بـال: قد جعل فلان هذا الأمر منه بظهر وجعله وراء ظهره، يعنـي به أعرض عنه وصدّ وانصرف. كما:

    حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: { وَلَـمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِن عِندِ اللَّهِ مُصَدّقٌ لِـمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابِ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ } قال: لـما جاءهم مـحمد صلى الله عليه وسلم عارضوه بـالتوراة فخاصموه بها، فـاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فذلك قوله الله: { كأنّهُمْ لاَ يَعْلَـمُونَ }.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  10. #1120
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,926
    والصواب من القول فـي تأويـل قوله: { واتّبَعُوا ما تَتْلُوا الشّياطِينُ علـى مُلْكِ سُلَـيْـمَانَ } أن ذلك توبـيخ من الله لأحبـار الـيهود الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجحدوا نبوّته وهم يعلـمون أنه لله رسول مرسل، وتأنـيب منه لهم فـي رفضهم تنزيـله، وهجرهم العمل به وهو فـي أيديهم يعلـمونه ويعرفون أنه كتاب الله، واتّبـاعهم واتّبـاع أوائلهم وأسلافهم ما تَلَتْهُ الشياطين فـي عهد سلـيـمان. وقد بـينا وجه جواز إضافة أفعال أسلافهم إلـيهم فـيـما مضى، فأغنى ذلك عن إعادته فـي هذا الـموضع.

    وإنـما اخترنا هذا التأويـل لأن الـمتبعة ما تلته الشياطين فـي عهد سلـيـمان وبعده إلـى أن بعث الله نبـيه بـالـحقّ وأمر السحر لـم يزل فـي الـيهود، ولا دلالة فـي الآية أن الله تعالـى أراد بقوله: { واتبعوا } بعضاً منهم دون بعض، إذ كان جائزاً فصيحاً فـي كلام العرب إضافة ما وصفنا من اتبـاع أسلاف الـمخبر عنهم بقوله: { واتّبَعُوا ما تَتْلُوا الشّياطِينُ } إلـى أخلافهم بعدهم. ولـم يكن بخصوص ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر منقول، ولا حجة تدلّ علـيه، فكان الواجب من القول فـي ذلك أن يقال: كل متبع ما تلته الشياطين علـى عهد سلـيـمان من الـيهود داخـل فـي معنى الآية، علـى النـحو الذي قلنا...

    وقال آخرون: معنى قوله: { ما تَتْلُوا } ما تتبعه وترويه وتعمل به. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا الـحسن بن عمرو العنقزي، قال: حدثنـي أبـي، عن أسبـاط، عن السدي، عن أبـي مالك، عن ابن عبـاس: { تَتْلُوا } قال: تتبع.

    حدثنـي نصر بن عبد الرحمن الأزدي، قال: ثنا يحيى بن إبراهيـم، عن سفـيان الثوري، عن منصور، عن أبـي رزين مثله.

    قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله عزّ وجلّ أخبر عن الذين أخبر عنهم أنهم اتبعوا ما تتلو الشياطين علـى عهد سلـيـمان بـاتبـاعهم ما تلته الشياطين. ولقول القائل: «هو يتلو كذا» فـي كلام العرب معنـيان: أحدهما الاتبـاع، كما يقال: تلوت فلانا إذا مشيت خـلفه وتبعت أثره، كما قال جل ثناؤه:
    { هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ }
    [يونس: 30] يعنـي بذلك تتّبع. والآخر: القراءة والدراسة، كما تقول: فلان يتلو القرآن، بـمعنى أنه يقرؤه ويدرسه، كما قال حسان بن ثابت:
    نَبِـيٌّ يَرَى مَا لا يَرَى النّاسُ حَوْلَهُ ويَتْلُو كِتابَ اللَّهِ فـي كُلّ مَشْهَدِ
    ولـم يخبرنا الله جل ثناؤه بأيّ معنى التلاوة كانت تلاوة الشياطين الذين تلوا ما تلوه من السحر علـى عهد سلـيـمان بخبر يقطع العذر. وقد يجوز أن تكون الشياطين تلت ذلك دراسةً وروايةً وعملاً، فتكون كانت متبعته بـالعمل، ودارسته بـالرواية فـاتبعت الـيهود منهاجها فـي ذلك وعملت به وروته.
    ..

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: حدثنـي ابن إسحاق: { وَمَا كَفَرَ سُلَـيْـمَانُ وَلَكِنَّ الشّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلَّـمُونَ النّاسَ السّحْرَ } وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيـما بلغنـي لـما ذكر سلـيـمان بن داود فـي الـمرسلـين، قال بعض أحبـار الـيهود: ألا تعجبون من مـحمد يزعم أن ابن داود كان نبـيًّا، والله ما كان إلا ساحراً فأنزل الله فـي ذلك من قولهم: { وَما كَفَرَ سُلَـيْـمَانُ وَلَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا } أي بإتبـاعهم السحر وعملهم به { وَما أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ بِبَـابِلَ هارُوتَ وَمَارُوتَ }.

    قال أبو جعفر: فإذا كان الأمر فـي ذلك علـى ما وصفنا وتأويـل قوله: { وَاتّبَعُوا ما تَتْلُوا الشّياطِينُ علـى مُلْكِ سُلَـيْـمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَـيْـمَانُ وَلَكِنَّ الشّياطِينَ كَفَرُوا } ما ذكرنا فتبـين أن فـي الكلام متروكاً ترك ذكره اكتفـاءً بـما ذكر منه، وأن معنى الكلام: { وَاتّبَعُوا ما تَتْلُوا الشّياطِينُ } من السحر { علـى مُلْكِ سُلَـيْـمَانَ } فتضيفه إلـى سلـيـمان، { وَما كَفَرَ سُلَـيْـمَانُ } فـيعمل بـالسحر { وَلَكِنَّ الشّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّـمُونَ النّاسَ السِّحْرَ }.

    وقد كان قتادة يتأوّل قوله: { وَما كَفَرَ سُلَـيْـمَانُ وَلَكِنَّ الشّياطِينَ كَفَرُوا } علـى ما قلنا....

    وقد قـيـل: إن قوله: { فَـيَتَعَلّـمُونَ } خبر عن الـيهود معطوف علـى قوله: { وَلَكِنَّ الشّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّـمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ بِبـابِلَ هارُوتَ وَمَارُوتَ فَـيَتَعَلّـمُونَ مِنْهُمَا ما يُفَرّقُونَ بِهِ بَـيْنَ الـمَرْءِ وَزَوْجِهِ } وجعلوا ذلك من الـمؤخر الذي معناه التقديـم.

    والذي قلنا أشبه بتأويـل الآية لأن إلـحاق ذلك بـالذي يـلـيه من الكلام ما كان للتأويـل وجه صحيح أَوْلـى من إلـحاقه بـما قد حيـل بـينه وبـينه من معترض الكلام. والهاء والـميـم والألف من قوله: { مِنْهُمَا } من ذكر الـملكين. ومعنى ذلك: فـيتعلـم الناس من الـملكين الذي يفرّقون به بـين الـمرء وزوجه. و«ما» التـي مع «يفرّقون» بـمعنى «الذي». وقـيـل معنى ذلك: السحر الذي يفرّقون به، وقـيـل: هو معنى غير السحر. وقد ذكرنا اختلافهم فـي ذلك فـيـما مضى قبل. وأما الـمرء فإنه بـمعنى رجل من أسماء بنـي آدم، والأنثى منه الـمرأة يوحد ويثنى، ولا تـجمع ثلاثيه علـى صورته، يقال منه: هذا امرؤ صالـح، وهذان امرآن صالـحان، ولا يقال: هؤلاء امرءو صدق، ولكن يقال: هؤلاء رجال صدق، وقوم صدق. وكذلك الـمرأة توحد وتثنى ولا تـجمع علـى صورتها، يقال: هذه امرأة وهاتان امرأتان، ولا يقال: هؤلاء امرآت، ولكن هؤلاء نسوة....

    فإن قال لنا قائل: وكيف قال جل ثناؤه: { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَـمُونَ } وقد قال قَبْلُ: { وَلَقَدْ عَلِـمُوا لَـمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِـي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ } فكيف يكونون عالـمين بأن من تعلـم السحر فلا خلاق لهم، وهم يجهلون أنهم بئس ما شروا بـالسحر أنفسهم؟ قـيـل: إن معنى ذلك علـى غير الوجه الذي توهمته من أنهم موصوفون بـالـجهل بـما هم موصوفون بـالعلـم به، ولكن ذلك من الـمؤخر الذي معناه التقديـم، وإنـما معنى الكلام: وما هم ضارّون به من أحد إلا بإذن الله، ويتعلـمون ما يضرّهم ولا ينفعهم، ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلـمون، ولقد علـموا لـمن اشتراه ما له فـي الآخرة من خلاق. فقوله: { لَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِه أنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَـمُونَ } ذمّ من الله تعالـى ذكره فعل الـمتعلـمين من الـملكين التفريق بـين الـمرء وزوجه، وخبر منه جل ثناؤه عنهم أنهم بئس ما شروا به أنفسهم برضاهم بـالسحر عِوَضاً عن دينهم الذي به نـجاة أنفسهم من الهلكة، جهلاً منهم بسوء عاقبة فعلهم وخسارة صفقة بـيعهم، إذ كان قد يتعلـم ذلك منهما من لا يعرف الله ولا يعرف حلاله وحرامه وأمره ونهيه.

    ثم عاد إلـى الفريق الذين أخبر الله عنهم أنهم نبذوا كتابه وراء ظهورهم كأنهم لا يعلـمون: { وَاتّبَعُوا مَا تَتْلُو الشّياطِينُ علـى مُلْكِ سُلَـيْـمانَ، وما أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ }. فأخبر عنهم أنهم قد علـموا أن من اشترى السحر ما له فـي الآخرة من خلاق، ووصفهم بأنهم يركبون معاصي الله علـى علـم منهم بها، ويكفرون بـالله ورسله، ويؤثرون اتبـاع الشياطين، والعمل بـما أحدثته من السحر علـى العمل بكتابه ووحيه وتنزيـله، عناداً منهم وبغياً علـى رسله، وتعديّاً منهم لـحدوده، علـى معرفة منهم بـما لـمن فعل ذلك عند الله من العقاب والعذاب، فذلك تأويـل قوله.

    وقد زعم بعض الزاعمين أن قوله: { وَلَقَدْ عَلِـمُوا لَـمَنِ اشْتَرَاهُ ما لَهُ فِـي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ } يعنـي به الشياطين، وأن قوله: { لَوْ كَانُوا يَعْلَـمُونَ } يعنـي به الناس. وذلك قول لـجميع أهل التأويـل مخالف وذلك أنهم مـجمعون علـى أن قوله: { وَلَقَدْ عَلِـمُوا لـمَنِ اشْتَرَاهُ } معنـيٌّ به الـيهود دون الشياطين. ثم هو مع ذلك خلاف ما دلّ علـيه التنزيـل، لأن الآيات قبل قوله: { وَلَقَدْ عَلِـمُوا لـمَنِ اشْتَرَاهُ } وبعد قوله: { لَوْ كَانُوا يَعْلَـمُونَ } جاءت من الله بذمّ الـيهود، وتوبـيخهم علـى ضلالهم، وذمًّا لهم علـى نبذهم وحي الله وآيات كتابه وراء ظهورهم، مع علـمهم بخطأ فعلهم. فقوله: { وَلَقَدْ عَلِـمُوا لَـمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِـي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ } أحد تلك الأخبـار عنهم.

    وقال بعضهم: إن الذين وصف الله جل ثناؤه بقوله: { وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَـمُونَ } فنفـى عنهم العلـم هم الذين وصفهم الله بقوله: { وَلَقَدْ عَلِـمُوا لـمنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِـي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ } وإنـما نفـى عنهم جل ثناؤه العلـم بقوله: { لَوْ كَانُوا يَعْلَـمُونَ } بعد وصفه إياهم بأنهم قد علـموا بقوله: { وَلَقَدْ عَلِـمُوا } من أجل أنهم لـم يعملوا بـما علـموا، وإنـما العالـم العامل بعلـمه، وأما إذا خالف عمله علـمه فهو فـي معانـي الـجهال. قال: وقد يقال للفـاعل الفعل بخلاف ما ينبغي أن يفعل وإن كان بفعله عالـماً: لو علـمت لأقصرت كما قال كعب بن زهير الـمزنـي، وهو يصف ذئبـا وغرابـاً تبعاه لـينالا من طعامه وزاده:
    إذَا حَضَرَانِـي قُلْتُ لَوْ تَعْلَـمَا نِهِ ألـم تَعْلَـمَا أنـي مِنَ الزَّادِ مُرْمِلُ
    فأخبر أنه قال لهما: لو تعلـمانه، فنفـى عنهما العلـم. ثم استـخبرهما فقال: ألـم تعلـما. قالوا: فكذلك قوله: { وَلَقَدْ عَلِـمُوا لـمنِ اشْتَرَاهُ } و: { لَوْ كَانُوا يَعْلَـمُونَ } وهذا تأويـل وإن كان له مخرج ووجهٌ فإنه خلاف الظاهر الـمفهوم بنفس الـخطاب. أعنـي بقوله: { وَلَقَدْ عَلِـمُوا } وقوله: { لَوْ كَانُوا يَعْلَـمُونَ } وإنـما هو استـخراج. وتأويـل القرآن علـى الـمفهوم الظاهر الـخطاب دون الـخفـيّ البـاطن منه، حتـى تأتـي دلالة من الوجه الذي يجب التسلـيـم له بـمعنى خلاف دلـيـله الظاهر الـمتعارف فـي أهل اللسان الذين بلسانهم نزل القرآن، أَوْلَـى.

    ملحوظة

    ذكرنا الاية فى اول رحلتنا وذكرنا هنا مالم نذكره هناك

    والصواب من القول فـي نهي الله جل ثناؤه الـمؤمنـين أن يقولوا لنبـيه: راعنا، أن يقال إنها كلـمة كرهها الله لهم أن يقولوها لنبـيه صلى الله عليه وسلم، نظير الذي ذكر عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لاَ تَقُولُوا للعِنَبِ الكَرْمَ ولَكِنْ قُولُوا الـحَبلَة " ، و " لا تَقُولُوا عبْدِي وَلَكِنْ قُولُوا فَتَايَ " وما أشبه ذلك من الكلـمتـين اللتـين تكونان مستعملتـين بـمعنى واحد فـي كلام العرب، فتأتـي الكراهة أو النهي بـاستعمال إحداهما واختـيار الأخرى علـيها فـي الـمخاطبـات.

    فإن قال لنا قائل: فإنا قد علـمنا معنى نهي النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي العنب أن يقال له كرم، وفـي العبد أن يقال له عبد، فما الـمعنى الذي فـي قوله: { راعِنا } حينئذٍ الذي من أجله كان النهي من الله جل ثناؤه للـمؤمنـين عن أن يقولوه، حتـى أمرهم أن يؤثروا قوله: { انْظُرْنا }؟ قـيـل: الذي فـيه من ذلك، نظير الذي فـي قول القائل الكرم للعنب، والعبد للـمـملوك، وذلك أن قول القائل عبد، لـجميع عبـاد الله، فكره النبـيّ صلى الله عليه وسلم أن يضاف بعض عبـاد الله، بـمعنى العبودية إلـى غير الله، وأمر أن يضاف ذلك إلـى غيره بغير الـمعنى الذي يضاف إلـى الله عزّ وجل، فـيقال: فتاي. وكذلك وجه نهيه فـي العنب أن يقال كرم خوفـا من توهم وصفه بـالكرم، وإن كانت مسكَّنة، فإن العرب قد تسكن بعض الـحركات إذا تتابعت علـى نوع واحد، فكره أن يتصف بذلك العنب. فكذلك نهى الله عزّ وجل الـمؤمنـين أن يقولوا «راعنا»، لـما كان قول القائل «راعنا» مـحتـملاً أن يكون بـمعنى احفظنا ونـحفظك وارقبنا ونرقبك، من قول العرب بعضهم لبعض: رعاك الله بـمعنى حفظك الله وكلأك. ومـحتـملاً أن يكون بـمعنى أرعنا سمعك، من قولهم: أرعيت سمعي إرعاءً، أو راعيته سمعي رعاء أو مراعاة، بـمعنى: فرّغته لسماع كلامه. كما قال الأعشى ميـمون بن قـيس:
    يَرْعَى إلـى قَوْلِ ساداتِ الرّجالِ إذَا أبْدَوْا لَهُ الـحَزْمَ أوْ مَا شَاءهُ ابْتَدعَا
    يعنـي بقوله يرعى: يصغي بسمعه إلـيه مُفْرِغَهُ لذلك.

    وكأن الله جل ثناؤه قد أمر الـمؤمنـين بتوقـير نبـيه صلى الله عليه وسلم وتعظيـمه، حتـى نهاهم جلّ ذكره فـيـما نهاهم عنه عن رفع أصواتهم فوق صوته وأن يجهروا له بـالقوْل كجهر بعضهم لبعض وخوّفهم علـى ذلك حبوط أعمالهم، فتقدّم إلـيهم بـالزجر لهم عن أن يقولوا له من القول ما فـيه جفـاء، وأمرهم أن يتـخيروا لـخطابه من الألفـاظ أحسنها، ومن الـمعانـي أرقها، فكان من ذلك قولهم: { راعِنا } لِـمَا فِـيهِ من احتـمال معنى ارعنا نرعاك، إذْ كانت الـمفـاعلة لا تكون إلا من اثنـين، كما يقول القائل: عاطنا وحادثنا وجالسنا، بـمعنى افعل بنا ونفعل بك.

    ومعنى أرعنا سمعك حتـى نفهمك وتفهم عنا. فنهى الله تعالـى ذكره أصحاب مـحمد أن يقولوا ذلك كذلك وأن يفردوا مسألته بـانتظارهم وإمهالهم لـيعقلوا عنه بتبجيـل منهم له وتعظيـم، وأن لا يسألوه ما سألوه من ذلك علـى وجه الـجفـاء والتـجهم منهم له، ولا بـالفظاظة والغلظة، تشبهاً منهم بـالـيهود فـي خطابهم نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم بقولهم له:
    { ٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَٰعِنَا }
    [النساء: 46]. يدلّ علـى صحة ما قلنا فـي ذلك قوله:
    { مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ }
    [البقرة: 105] فدلّ بذلك أن الذي عاتبهم علـيه مـما يسرّ الـيهود والـمشركين.

    فأما التأويـل الذي حكي عن مـجاهد فـي قوله: { رَاعِنا } أنه بـمعنى خلافـاً، فمـما لا يعقل فـي كلام العرب لأن «راعيت» فـي كلام العرب إنـما هو علـى أحد وجهين: أحدهما بـمعنى فـاعلت من «الرِّعْية»، وهي الرِّقْبة والكلاءة. والآخر بـمعنى إفراغ السمع، بـمعنى أرعيته سمعي. وأما «راعيت» بـمعنى «خالفت»، فلا وجه له مفهوم فـي كلام العرب، إلا أن يكون قرأ ذلك بـالتنوين ثم وجهه إلـى معنى الرعونة والـجهل والـخطأ، علـى النـحو الذي قال فـي ذلك عبد الرحمن بن زيد، فـيكون لذلك وإن كان مخالفـاً قراءة القراء معنى مفهوم حينئذٍ.

    وأما القول الآخر الذي حكي عن عطية ومن حَكَى ذلك عنه، أن قوله: { رَاعِنا } كانت كلـمة للـيهود بـمعنى السبّ والسخرية، فـاستعملها الـمؤمنون أخذاً منهم ذلك عنهم فإن ذلك غير جائز فـي صفة الـمؤمنـين أن يأخذوا من كلام أهل الشرك كلاما لا يعرفون معناه ثم يستعملونه بـينهم وفـي خطاب نبـيهم صلى الله عليه وسلم، ولكنه جائز أن يكون ذلك مـما روي عن قتادة أنها كانت كلـمة صحيحة مفهومة من كلام العرب وافقت كلـمة من كلام الـيهود بغير اللسان العربـي هي عند الـيهود سبّ، وهي عند العرب: أرْعنِـي سمعك وفرّغه لتفهم عنـي. فعلـم الله جل ثناؤه معنى الـيهود فـي قـيـلهم ذلك للنبـيّ صلى الله عليه وسلم، وأن معناها منهم خلاف معناها فـي كلام العرب، فنهى الله عزّ وجلّ الـمؤمنـين عن قـيـلها للنبـيّ صلى الله عليه وسلم لئلا يجترىء من كان معناه فـي ذلك غير معنى الـمؤمنـين فـيه أن يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم به.

    وهذا تأويـل لـم يأت الـخبر بأنه كذلك من الوجه الذي تقوم به الـحجة. وإذْ كان ذلك كذلك فـالذي هو أولـى بتأويـل الآية ما وصفنا، إذْ كان ذلك هو الظاهر الـمفهوم بـالآية دون غيره.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  11. #1121
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,926
    فإذا كان معنى «أم» ما وصفنا، فتأويـل الكلام: أتريدون أيها القوم أن تسألوا رسولكم من الأشياء نظير ما سأل قوم موسى من قبلكم، فتكفروا إن منعتـموه فـي مسألتكم ما لا يجوز فـي حكمة الله إعطاؤكموه، أو أن تهلكوا، إن كان مـما يجوز فـي حكمته عطاؤكموه فأعطاكموه ثم كفرتـم من بعد ذلك، كما هلك من كان قبلكم من الأمـم التـي سألت أنبـياءها ما لـم يكن لها مسألتها إياهم، فلـما أعطيت كفرت، فعوجلت بـالعقوبـات لكفرها بعد إعطاء الله إياها سؤلها.

    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بـالإيـمَانِ }.

    يعنـي جل ثناؤه بقوله: { وَمَنْ يَتَبَدَّلِ } ومن يستبدل الكفر ويعنـي بـالكفر: الـجحود بـالله وبآياته بـالإيـمان، يعنـي بـالتصديق بـالله وبآياته والإقرار به. وقد قـيـل عنى بـالكفر فـي هذا الـموضع الشدة وبـالإيـمان الرخاء. ولا أعرف الشدة فـي معانـي الكفر، ولا الرخاء فـي معنى الإيـمان، إلا أن يكون قائل ذلك أراد بتأويـله الكفر بـمعنى الشدّة فـي هذا الـموضع وبتأويـله الإيـمان فـي معنى الرخاء ما أعدّ الله للكفـار فـي الآخرة من الشدائد، وما أعدّ الله لأهل الإيـمان فـيها من النعيـم، فـيكون ذلك وجها وإن كان بعيدا من الـمفهوم بظاهر الـخطاب. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن أبـي العالـية: { وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِـالإيـمَانِ } يقول: يتبدّل الشدّة بـالرخاء.

    حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسن، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن أبـي جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية بـمثله.

    وفـي قوله: { وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بـالإيـمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِـيـلِ } دلـيـل واضح علـى ما قلنا من أن هذه الآيات من قوله:
    { يَظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا }
    [البقرة: 104] خطاب من الله جل ثناؤه الـمؤمنـين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعتاب منه لهم علـى أمر سلف منهم مـما سرّ به الـيهود وكرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم، فكرهه الله لهم. فعاتبهم علـى ذلك، وأعلـمهم أن الـيهود أهل غشّ لهم وحسد وبغي، وأنهم يتـمنون لهم الـمكاره ويبغونهم الغوائل، ونهاهم أن ينتصحوهم، وأخبرهم أن من ارتدّ منهم عن دينه فـاستبدل بإيـمانه كفراً فقد أخطأ قصد السبـيـل.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  12. #1122
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,926
    وأولـى التأويلات التـي ذكرتها بتأويـل الآية قول من قال: عنى الله عز وجل بقوله: { وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسمُهُ } النصارى وذلك أنهم هم الذين سعوا فـي خراب بـيت الـمقدس، وأعانوا بختنصر علـى ذلك، ومنعوا مؤمنـي بنـي إسرائيـل من الصلاة فـيه بعد منصرف بختنصر عنهم إلـى بلاده.

    والدلـيـل علـى صحة ما قلنا فـي ذلك: قـيام الـحجة بأن لا قوم فـي معنى هذه الآية إلا أحد الأقوال الثلاثة التـي ذكرناها، وأن لا مسجد عنى الله عزّ وجل بقوله: { وَسَعَى فِـي خَرَابِها } إلا أحد الـمسجدين، إما مسجد بـيت الـمقدس، وإما الـمسجد الـحرام. وإذْ كان ذلك كذلك، وكان معلوماً أن مشركي قريش لـم يسعوا قط فـي تـخريب الـمسجد الـحرام، وإن كانوا قد منعوا فـي بعض الأوقات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الصلاة فـيه صحّ وثبت أن الذين وصفهم الله عزّ وجل بـالسعي فـي خراب مساجده غير الذين وصفهم الله بعمارتها، إذْ كان مشركو قريش بنوا الـمسجد الـحرام فـي الـجاهلـية، وبعمارته كان افتـخارهم، وإن كان بعض أفعالهم فـيه كان منهم علـى غير الوجه الذي يرضاه الله منهم. وأخرى، أن الآية التـي قبل قوله: { وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسْمُهُ } مضت بـالـخبر عن الـيهود والنصارى وذَمِّ أفعالهم، والتـي بعدها نبهت بذمّ النصارى والـخبر عن افترائهم علـى ربهم، ولـم يَجْرِ لقريش ولا لـمشركي العرب ذكر، ولا للـمسجد الـحرام قبلها، فـيوجه الـخبر بقول الله عز وجل: { وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسْمُهُ } إلـيهم وإلـى الـمسجد الـحرام.

    وإذْ كان ذلك كذلك، فـالذي هو أَوْلـى بـالآية أن يوجه تأويـلها إلـيه، هو ما كان نظير قصة الآية قبلها والآية بعدها، إذ كان خبرها لـخبرهما نظيراً وشكلاً، إلاّ أن تقوم حجة يجب التسلـيـم لها بخلاف ذلك وإن اتفقت قصصها فـاشتبهت.

    فإن ظنّ ظانّ أن ما قلنا فـي ذلك لـيس كذلك، إذْ كان الـمسلـمون لـم يـلزمهم قط فرض الصلاة فـي الـمسجد الـمقدس، فمنعوا من الصلاة فـيه، فـيـلـجئون توجيه قوله: { وَمَنْ أَظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسمُهُ } إلـى أنه معنـيّ به مسجد بـيت الـمقدس فقد أخطأ فـيـما ظنّ من ذلك. وذلك أن الله جل ذكره إنـما ذكر ظلـم من منع من كان فرضه الصلاة فـي بـيت الـمقدس من مؤمنـي بنـي إسرائيـل، وإياهم قصد بـالـخبر عنهم بـالظلـم والسعي فـي خراب الـمسجد، وإن كان قد دلّ بعموم قوله: { وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسمُهُ } أن كل مانع مصلـياً فـي مسجد لله فرضاً كانت صلاته فـيه أو تطوّعاً، وكل ساع فـي إخرابه فهو من الـمعتدين الظالـمين....

    فإذ كان قوله عز وجل: { فأيْنَـمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } مـحتـملاً ما ذكرنا من الأوجه، لـم يكن لأحد أن يزعم أنها ناسخة أو منسوخة إلا بحجة يجب التسلـيـم لها لأن الناسخ لا يكون إلا بـمنسوخ، ولـم تقم حجة يجب التسلـيـم لها بأن قوله: { فأيْنَـمَا تُولُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّه } معنـيّ به: فأينـما توجهوا وجوهكم فـي صلاتكم فثم قبلتكم. ولا أنها نزلت بعد صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نـحو بـيت الـمقدس أمراً من الله عز وجل لهم بها أن يتوجهوا نـحو الكعبة، فـيجوز أن يقال: هي ناسخة الصلاة نـحو بـيت الـمقدس إذْ كان من أهل العلـم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمة التابعين، من ينكر أن تكون نزلت فـي ذلك الـمعنى. ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتٌ بأنها نزلت فـيه، وكان الاختلاف فـي أمرها موجوداً علـى ما وصفت. ولا هي إذْ لـم تكن ناسخة لـما وصفنا قامت حجتها بأنها منسوخة، إذ كانت مـحتـملة ما وصفنا بأن تكون جاءت بعموم، او معناها: فـي حال دون حال إن كان عنـي بها التوجه فـي الصلاة، وفـي كل حال إن كان عنـي بها الدعاء، وغير ذلك من الـمعانـي التـي ذكرنا.

    وقد دللنا فـي كتابنا: «كتاب البـيان عن أصول الأحكام»، علـى أن لا ناسخ من آي القرآن وأخبـار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاَّ ما نفـي حكماً ثابتاً، وألزم العبـاد فرضه غير مـحتـمل بظاهره وبـاطنة غير ذلك. فأما إذا ما احتـمل غير ذلك من أن يكون بـمعنى الاستثناء أو الـخصوص والعموم، أو الـمـجمل، أو الـمفسر، فمن الناسخ والـمنسوخ بـمعزل، بـما أغنى عن تكريره فـي هذا الـموضع. ولا منسوخ إلا الـمنفـي الذي كان قد ثبت حكمه وفرضه، ولـم يصحّ واحد من هذين الـمعنـيـين لقوله: { فأيْنَـمَا تُوَلُّوا فَثمَّ وَجْهُ اللَّهِ } بحجة يجب التسلـيـم لها، فـيقال فـيه: هو ناسخ أو منسوخ.


    واختلف فـي تأويـل قوله: { فَثَمَّ } (وجه الله) فقال بعضهم: تأويـل ذلك: فثم قبلة الله، يعنـي بذلك: وجهه الذي وجههم إلـيه. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن النضر بن عربـي، عن مـجاهد: { فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } قال: قبلة الله.

    حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي إبراهيـم، عن مـجاهد، قال: حيثما كنتـم فلكم قبلة تستقبلونها.

    وقال آخرون: معنى قول الله عز وجل { فثم وجه الله } فثم الله تبـارك وتعالـى.

    وقال آخرون: معنى قوله: { فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } فثم تدركون بـالتوجه إلـيه رضا الله الذي له الوجه الكريـم.

    وقال آخرون: عنى بـالوجه: ذا الوجه، وقال قائلوا هذه الـمقالة: وجهُ الله صفةٌ له.

    فإن قال قائل: وما هذه الآية من التـي قبلها؟ قـيـل: هي لها مواصلة، وإنـما معنى ذلك: ومن أظلـم من النصارى الذين منعوا عبـاد الله مساجده أن يذكر فـيها اسمه، وَسَعْوا فـي خرابها، ولله الـمشرق والـمغرب، فأينـما تُوجهوا وجوهَكم فـاذكروه، فإن وجهه هنالك يَسَعُكم فضله وأرضه وبلاده، ويعلـم ما تعملون، ولا يـمنعكم تـخريب من خرّب مسجد بـيت الـمقدس، ومنعهم من منعوا من ذكر الله فـيه أن تذكروا الله حيث كنتـم من أرض الله تبتغون به وجهه.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  13. #1123
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,926
    حدثنا به مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي حمزة، قال: قال ابن عبـاس: لا تقولوا: { فإنْ آمَنُوا بِـمِثْلِ ما آمَنْتُـمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا } فإنه لـيس لله مثل، ولكن قولوا: «فإن آمنوا بـالذين آمنتـم به فقد اهتدوا»، أو قال: «فإن آمنوا بـما آمنتـم به». فكأن ابن عبـاس فـي هذه الرواية إن كانت صحيحة عنه يوجه تأويـل قراءة من قرأ: { فإنْ آمَنُوا بِـمِثْلِ ما آمَنْتُـمْ بِهِ }: فإن آمنوا بـمثل الله، وبـمثل ما أنزل علـى إبراهيـم وإسماعيـل وذلك إذا صرف إلـى هذا الوجه شرك لا شكّ بـالله العظيـم، لأنه لا مثل لله تعالـى ذكره، فنؤمن أو نكفر به. ولكن تأويـل ذلك علـى غير الـمعنى الذي وجه إلـيه تأويـله، وإنـما معناه ما وصفنا، وهو: فإن صدّقوا مثل تصديقكم بـما صدقتـم به من جميع ما عددنا علـيكم من كتب الله وأنبـيائه، فقد اهتدوا. فـالتشبـيه إنـما وقع بـين التصديقـين والإقرارين اللذين هما إيـمان هؤلاء وإيـمان هؤلاء، كقول القائل: مرّ عمرو بأخيك مثل ما مررت به، يعنـي بذلك مرّ عمرو بأخيك مثل مروري به، والتـمثـيـل إنـما دخـل تـمثـيلاً بـين الـمروريـين، لا بـين عمرو وبـين الـمتكلـم فكذلك قوله: { فإنْ آمَنُوا بِـمِثْلِ ما آمَنْتُـمْ بِهِ } إنـما وقع التـمثـيـل بـين الإيـمانـين لا بـين الـمُؤْمنَ به.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  14. #1124
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,926
    حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: { وَمَنْ أَظْلَـمُ مِـمَّنْ كَتَـمَ شَهَادَةً عنْدَهُ مِنَ اللَّهِ } قال: الشهادة النبـيّ صلى الله عليه وسلم مكتوب عندهم، وهو الذي كتـموا.

    حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، نـحو حديث بشر بن معاذ عن يزيد.

    حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمَّنْ كَتَـمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ } قال:لّهم يهودُ يسألون عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم وعن صفته فـي كتاب الله عندهم، فـيكتـمون الصفة.

    وإنـما اخترنا القول الذي قلناه فـي تأويـل ذلك لأن قوله تعالـى ذكره: { وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمَّنْ كَتَـمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ الله } فـي أثر قصة من سمى الله من أنبـيائه، وأمام قصته لهم. فأولـى بـالذي هو بـين ذلك أن يكون من قصصهم دون غيره.

    فإن قال قائل: وأية شهادة عند الـيهود والنصارى من الله فـي أمر إبراهيـم وإسماعيـل وإسحاق ويعقوب والأسبـاط؟ قـيـل: الشهادة التـي عندهم من الله فـي أمرهم، ما أنزل الله إلـيهم فـي التوراة والإنـجيـل، وأمرهم فـيها بـالاستنان بسنّتهم واتبـاع ملتهم، وأنهم كانوا حنفـاء مسلـمين. وهي الشهادة التـي عندهم من الله التـي كتـموها حين دعاهم نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم إلـى الإسلام، فقالوا له: لن يدخـل الـجنة إلا من كان هوداً أو نصارى وقالوا له ولأصحابه:
    { كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىظ° تَهْتَدُواْ }
    [البقرة: 135]. فأنزل الله فـيهم هذه الآيات فـي تكذيبهم وكتـمانهم الـحقّ، وافترائهم علـى أنبـياء الله البـاطل والزور.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

صفحة 75 من 75 الأولىالأولى ... 25657172737475

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •