صفحة 72 من 75 الأولىالأولى ... 22626869707172737475 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1,066 إلى 1,080 من 1124

الموضوع: إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

  1. #1066
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    سورة الشمس

    وقوله: { وَالنَّهارِ إذَا جَلاَّها } يقول: والنهار إذا جَلاَّها، قال: إذا أضاء.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَالنَّهارِ إذَا جَلاَّها } قال: إذا غشيها النهار.

    وكان بعض أهل العربية يتأوّل ذلك بمعنى: والنهار إذا جَلاَّ الظلمة، ويجعل الهاء والألف من جلاَّها كناية عن الظلمة، ويقول: إنما جاز الكناية عنها، ولم يجر لها ذكر قبل، لأن معناها معروف، كما يعرف معنى قول القائل: أصبحت باردة، وأمست باردة، وهبَّت شمالاً، فكنى عن مؤنثات لم يجر لها ذكر، إذ كان معروفاً معناهن.

    والصواب عندنا في ذلك: ما قاله أهل العلم الذين حكينا قولهم، لأنهم أعلم بذلك، وإن كان للذي قاله من ذكرنا قوله من أهل العربية وجه.
    ...

    وقوله: { فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها } يقول تعالى ذكره: فدمَّر عليهم ربهم بذنبهم ذلك، وكفَّرهم به، وتكذيبهم رسوله صالحاً، وعَقْرهم ناقته { فَسَوَّاها } يقول: فَسوّى الدمدمة عليهم جميعهم، فلم يُفْلِت منهم أحد، كما:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها } ذُكر لنا أن أحيمرَ ثمود أبى أن يعقِرَها، حتى بايعه صغيرُهم وكبيرُهم، وذَكَرُهم وأنثاهم، فلما اشترك القومُ في عَقْرها دمدم الله عليهم بذنبهم فسوّاها...

    وقوله: { وَلا يَخافُ عقْباها } اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: لا يخاف تبعة دَمْدمته عليهم. ذكر من قال ذلك:

    حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { وَلا يَخافُ عُقْباها } قال: لا يخاف اللّهُ من أحد تَبِعَةً.

    حدثني إبراهيم بن المستمرّ، قال: ثنا عثمان بن عمرو، قال: ثنا عمر بن مرثد، عن الحسن، في قوله: وَلا يَخاف عُقْباها قال: ذاك ربنا تبارك وتعالى، لا يخاف تبعةً مما صنع بهم.

    حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن عمرو بن منبه، هكذا هو في كتابي، سمعت الحسن قرأ: { وَلا يَخافُ عُقْباها } قال: ذلك الربّ صنع ذلك بهم، ولم يخف تبعةً.

    حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: { وَلا يَخاف عُقْباها } قال: لا يخاف تبعتهم.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَلا يَخافُ عُقْباها } يقول: لا يخاف أن يُتْبَعَ بشيء مما صَنعَ بهم.

    حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { وَلا يَخافُ عُقْباها } قال محمد بن عمرو في حديثه، قال: الله { لا يَخافُ عُقْباها }. وقال الحارث في حديثه: الله لا يخاف عقباها.

    حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا رزين بن إبراهيم، عن أبي سليمان، قال: سمعت بكر بن عبد الله المُزَنيّ يقول في قوله: { وَلا يَخافُ عُقْباها } قال: لا يخاف الله التبعةَ.

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولم يخف الذي عقرها عقباها: أي عُقبى فَعْلَتِهِ التي فعل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا أبو رَوْق، قال: ثنا الضحاك { وَلا يَخافُ عُقْباها } قال: لم يَخَفِ الذي عقرها عقباها.

  2. #1067
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    سورة الليل

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله { وَصَدَّقَ بالْحُسْنَى } قال: صدّق المؤمن بموعود الله الحسن.

    وأشبه هذه الأقوال بما دلّ عليه ظاهر التنزيل، وأولاها بالصواب عندي: قول من قال: عُنِي به التصديق بالخَلَف من الله على نفقته.

    وإنما قلت: ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك، لأن الله ذكر قبله مُنفقاً أنفق طالباً بنفقته الخَلَف منها، فكان أولى المعاني به أن يكون الذي عقيبه الخبر عن تصديقه بوعد الله إياه بالخَلَف إذ كانت نفقته على الوجه الذي يرضاه، مع أن الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي قلنا في ذلك ورد. ذكر الخبر الوارد بذلك:

    حدثني الحسن بن سلمة بن أبي كبشة، قال: ثنا عبد الملك بن عمرو، قال: ثنا عَبّاد بن راشد، عن قتادة قال: ثني خُلَيد العَصْرِيّ، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

    ما مِنْ يَوْمٍ غَرَبَتْ فِيهِ شَمْسُهُ، إلاَّ وبِجَنْبَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ، يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللّهِ كُلُّهُمْ إلاَّ الثَّقَلَينِ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، وأعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً " فأنْزَلَ اللّهُ فِي ذلك القرآن { فأمَّا مَنْ أعْطَى واتَّقَى وَصَدَّقَ بالْحُسْنَى.. }. إلى قوله { لِلْعُسرَى...

    وقوله: { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } يقول تعالى ذكره: فسنهيئه في الدنيا للخَلَّة العُسرى، وهو من قولهم: قد يسرت غنم فلان: إذا ولدت وتهيأت للولادة، وكما قال الشاعر:
    هُمَا سَيِّدَانا يَزْعُمانِ وإنَّمَا يَسُودَانِنا أنْ يَسَّرَتْ غَنَماهُمَا
    وقيل: { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } ولا تيسر في العُسرى للذي تقدّم في أوّل الكلام من قوله: { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } وإذا جمع بين كلامين أحدهما ذكر الخير والآخر ذكر الشرّ، جاز ذلك بالتيسير فيهما جميعاً والعُسرى التي أخبر الله جلّ ثناؤه أنه ييسره لها: العمل بما يكرهه ولا يرضاه. وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر الخبر بذلك:

    حدثني واصل بن عبد الأعلى وأبو كُرَيب، قالا: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن السُّلميّ، عن عليّ، قال: كُنَّا جلوساً عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنكَتَ الأرض، ثم رفع رأسه فقال: " ما مِنْكمْ مِنْ أحَدٍ إلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ " قلنا: يا رسول الله أفلا نتَّكل؟ قال: " لا، اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ " ، ثم قرأ: { فأمَّا مَنْ أعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى }...

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا مات. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد { وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذَا تَرَدَّى } قال: إذا مات.

    حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { إذا تَرَدَّى } قال: إذا مات.

    حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا الأشجعيّ، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال: إذا مات.

    وأَولَى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: إذا تردّى في جهنم، لأن ذلك هو المعروف من التردّي فأما إذا أُريد معنى الموت، فإنه يقال: رَدِيَ فلان، وقلما يقال: تردَّى

    ...

    وعلى هذا التأويل الذي ذكرناه عن هؤلاء، ينبغي أن يكون قوله: { إلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى } نصباً على الاستثناء من معنى قوله: { وَما لاِءَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى } لأن معنى الكلام: وما يؤتي الذي يؤتي من ماله ملتسما من أحد ثوابه، إلا ابتغاء وجه ربه. وجائز أن يكون نصبه على مخالفة ما بعد إلا ما قبلها، كما قال النابغة:
    ............ وَما بالرَّبْعِ مِنْ أحَدِ
    إلاَّ أَوَارِيَّ لأَيْا ما أُبَيِّنُها............
    وقوله: { وَلَسَوْفَ يَرْضَى } يقول: ولسوف يرضى هذا المؤتي ماله في حقوق الله عزّ وجلّ، يتزكى بما يثيبه الله في الآخرة عوضا مما أتى في الدنيا في سبيله، إذا لقي ربه تبارك وتعالى.

  3. #1068
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    سورة الضحى

    حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَاللَّيْلِ إذَا سَجَى } قال: إذا سكن، قال: ذلك سَجْوه، كما يكون سكون البحر سجوه.

    وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي في ذلك قول من قال معناه: والليل إذا سكن بأهله، وثبت بظلامه، كما يقال: بحر ساج: إذا كان ساكناً ومنه قول أعشى بني ثعلبة.
    فَمَا ذَنْبُنا إنْ جاش بَحْرُ ابنِ عَمِّكُمْ وَبَحْرُكَ ساجٍ ما يُوَارِي الدَّعامِصَا..

    سورة الشرح

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: { فَإذَا فَرَغْتَ } قال: إذا فرغت من أمر الدنيا، وقمت إلى الصلاة، فاجعل رغبتك ونيتك له.

    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: إن الله تعالى ذكره، أمر نبيه أن يجعل فراغه من كلّ ما كان به مشتغلاً، من أمر دنياه وآخرته، مما أدّى له الشغل به، وأمره بالشغل به إلى النصب في عبادته، والاشتغال فيما قرّبه إليه، ومسألته حاجاته، ولم يخصُصْ بذلك حالاً من أحوال فراغه دون حال، فسواء كلّ أحوال فراغه، من صلاة كان فراغه، أو جهاد، أو أمر دنيا كان به مشتغلاً، لعموم الشرط في ذلك، من غير خصوص حال فراغ، دون حال أخرى.

  4. #1069
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    سورة التين

    وقال آخرون: التين: مسجد نوح، والزيتون: مسجد بيت المقدس. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ } يعني مجسد نوح الذي بني على الجُودِيّ، والزيتون: بيت المقدس قال: ويقال: التين والزيتون وطور سينين: ثلاثة مساجد بالشام.

    والصواب من القول في ذلك عندنا: قول من قال: التين: هو التين الذي يُؤكل، والزيتون: هو الزيتون الذي يُعصر منه الزيت، لأن ذلك هو المعروف عند العرب، ولا يُعرف جبل يسمى تيناً، ولا جبل يقال له زيتون، إلاَّ أن يقول قائل: أقسم ربنا جلّ ثناؤه بالتين والزيتون. والمراد من الكلام: القسمَ بمنابت التين، ومنابت الزيتون، فيكون ذلك مذهباً، وإن لم يكن على صحة ذلك أنه كذلك، دلالة في ظاهر التنزيل، ولا من قول من لا يجوِّز خلافه، لأن دمشق بها منابت التين، وبيت المقدس منابت الزيتون....

    وقال آخرون: هو الجبل، وقالوا: سينين: مبارك حسن. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { وَطُورِ }: الجبل { وسِينِينَ } قال: المبارك.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَطُورِ سِينِينَ } قال: جبل مبارك بالشام.

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { وَطُورِ سِينِينَ } قال: جبل بالشام، مُبارك حسن.

    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: طور سينين: جبل معروف، لأن الطور هو الجبل ذو النبات، فإضافته إلى سينين تعريف له، ولو كان نعتاً للطور، كما قال من قال معناه حسن أو مبارك، لكان الطور منوّناً، وذلك أن الشيء لا يُضاف إلى نعته، لغير علة تدعو إلى ذلك.....

    وقال آخرون: قيل ذلك لأنه ليس شيء من الحيوان إلاَّ وهو منكبّ على وجهه غير الإنسان. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس { لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ } قال: خلق كلّ شيء منكباً على وجهه، إلاَّ الإنسان.

    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن معنى ذلك: لقد خلقنا الإنسان في أحسن صورة وأعدلها لأن قوله: { أحْسَنِ تَقْوِيمٍ } إنما هو نعت لمحذوف، وهو في تقويم أحسن تقويم، فكأنه قيل: لقد خلقناه في تقويم أحسن تقويم.....

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم رددناه إلى النار في أقبح صورة. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن أبي جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } قال: في شر صورة في صورة خنزير.

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } قال: النار.

    حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: إلى النار.

    حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: في النار.

    قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: إلى النار.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } قال: قال الحسن: جهنم مأواه.

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال الحسن، في قوله: { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } قال: في النار.

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } قال: إلى النار.

    وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصحة، وأشبهها بتأويل الآية، قول من قال: معناه: ثم رددناه إلى أرذل العمر، إلى عمر الخَرْفَى، الذين ذهبت عقولهم من الهَرَم والكِبر، فهو في أسفل من سفل: في إدبار العمر وذهاب العقل.

    وإنما قلنا: هذا القول أولى بالصواب في ذلك: لأن الله تعالى ذكره، أخبر عن خلقه ابن آدم، وتصريفه في الأحوال، احتجاجاً بذلك على مُنكري قُدرته على البعث بعد الموت. ألا ترى أنه يقول:
    { فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدِّينِ }
    يعني: بعد هذه الحُجَج

    ومحال أن يحتجّ على قوم كانوا مُنكرين معنى من المعاني، بما كانوا له مُنكرين. وإنما الحجة على كلّ قوم بما لا يقدرون على دفعه، مما يعاينونه ويحسُّونه، أو يقرّون به، وإن لم يكونوا له مُحِسّين.

    وإذْ كان ذلك كذلك، وكان القوم للنار التي كان الله يتوعدهم بها في الآخرة مُنكرين، وكانوا لأهل الهَرَم والخَرَف من بعد الشباب والجَلَد شاهدين، عُلِم أنه إنما احتجّ عليهم بما كانوا له مُعاينين، من تصريفه خلقه، ونقله إياهم من حال التقويم الحسن والشباب والجلد، إلى الهَرَم والضعف وفناء العمر، وحدوث الخَرَف....

    وقوله: { إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ } اختلف أهل التأويل في معنى هذا الاستثناء، فقال بعضهم: هو استثناء صحيح من قوله { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } قالوا: وإنما جاز استثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهم جمع، من الهاء في قوله { ثُمَّ رَدَدْناهُ } وهي كناية الإنسان، والإنسان في لفظ واحد، لأن الإنسان وإن كان في لفظ واحد، فإنه في معنى الجمع، لأنه بمعنى الجنس، كما قيل:
    { وَالْعَصْرِ إنَّ الإنْسانَ لَفِي خُسْرٍ }
    قالوا: وكذلك جاز أن يقال: { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } فيضاف أفعل إلى جماعة، وقالوا: ولو كان مقصوداً به قصدُ واحد بعينه، لم يجز ذلك، كما لا يُقال: هذا أفضل قائمين، ولكن يقال: هذا أفضل قائم ذكر من قال ذلك:

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن سعيد بن سابق، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، قال: كان يقال: من قرأ القرآن لم يُردّ إلى أرذل العمر، ثم قرأ: { لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ فِي أحْسَن تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ } قال: لا يكونُ حتى لا يعلَم من بعد علم شيئاً

    . فعلى هذا التأويل قوله: { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } لخاصّ من الناس، غير داخل فيهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لأنه مستثنى منهم.

    وقال آخرون: بل الذين آمنوا وعملوا الصالحات قد يدخلون في الذين رُدّوا إلى أَسْفَل سافلين، لأن أرذْل العُمر قد يردّ إليه المؤمن والكافر. قالوا: وإنما استثنى قوله: { إلاَّ الَّذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ } من معنى مضمر في قوله: { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } قالوا: ومعناه: ثم رددناه أسفل سافلين، فذهبت عقولهم وخَرِفوا، وانقطعت أعمالهم، فلم تثبت لهم بعد ذلك حسنة. { إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحاتِ } فإن الذي كانوا يعملونه من الخير، في حال صحة عقولهم، وسلامة أبدانهم، جارٍ لهم بعد هَرَمهم وخَرَفهم.

    وقد يُحتمل أن يكون قوله: { إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحاتِ } استثناء منقطعاً، لأنه يحسن أن يقال: ثم رددناه أسفل سافلين، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لهم أجر غير ممنون، بعد أن يردّ أسفل سافلين. ذكر من قال معنى هذا القول:

    حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس { إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أجْرٌ غَيرُ مَمْنُونِ } قال: فأيُّما رجل كان يعمل عملاً صالحاً وهو قويّ شاب، فعجز عنه، جرى له أجر ذلك العمل حتى يموت....

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم رددناه أسفل سافلين في جهنم، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فلهم أجر غير ممنون، فعلى هذا التأويل: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات مستثَنون من الهاء في قوله: { ثُمَّ رَدَدْناهُ } ، وجاز استثناؤهم منها إذ كانت كناية للإنسان، وهو بمعنى الجمع، كما قال:

    { إنَّ الإنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إلاَّ الَّذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ }
    ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا }: إلا من آمن.

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: قال الحسن، في قوله: { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ }: في النار { إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ } قال الحسن: هي كقوله:
    { وَالْعَصْر إنَّ الإنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ }


    وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصحة، قول من قال: معناه: ثم رددناه إلى أرذل العمر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات في حال صحتهم وشبابهم، فلهم أجر غير ممنون بعد هَرَمهم، كهيئة ما كان لهم من ذلك على أعمالهم، في حال ما كانوا يعملون وهم أقوياء على العمل.

    وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة لما وصفنا من الدلالة على صحة القول بأن تأويل قوله: { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَل سافِلِينَ } إلى أرذل العمر.

    واختلفوا في تأويل قوله: { غَيرُ مَمْنُونٍ } فقال بعضهم: معناه: لهم أجر غير منقوص. ذكر من قال ذلك:

    حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: { فَلَهُمْ أجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ } يقول: غير منقوص.

    وقال آخرون: بل معناه: غير محسوب. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد { فَلَهُمْ أجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ }: غير محسوب.

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

    حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { فَلَهُمْ أجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ } قال: غير محسوب.

    قال: ثنا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم { فَلَهُمْ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } قال: غير محسوب.

    قال: ثنا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم { فَلَهُمْ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } قال: غير محسوب.

    وقد قيل: إن معنى ذلك: فلهم أجر غير مقطوع.

    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: فلهم أجر غير منقوص، كما كان له أيام صحته وشبابه، وهو عندي من قولهم: جبل مَنِين: إذا كان ضعيفاً ومنه قول الشاعر:
    أعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوها ثَمَانِيَةٌ ما فِي عَطائِهِمُ مَنٌّ وَلا سَرَفُ
    يعني: أنه ليس فيه نقص، ولا خطأ.

  5. #1070
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    سورة العلق

    وقوله: { كَلاَّ } يقول تعالى ذكره: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان أن يُنْعِمَ عليه ربُّه بتسويته خَلقه، وتعليمه ما لم يكن يعلم، وإنعامه بما لا كُفؤَ له، ثم يكفر بربه الذي فعل به ذلك، ويطغى عليه، أن رآه استغنى.

    وقوله: { إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغَى أنْ رآهُ اسْتَغْنَى } يقول: إن الإنسان ليتجاوز حدّه، ويستكبر على ربه، فيكفر به، لأنْ رأى نفسه استغنت. وقيل: أن رآه استغنى لحاجة «رأى» إلى اسم وخبر، وكذلك تفعل العرب في كل فعل اقتضى الاسمَ والفعلَ، إذا أوقعه المخبر عن نفسه على نفسه، مكنياً عنها فيقول: متى تراك خارجاً؟ ومتى تحسبك سائراً؟ فإذا كان الفعل لا يقتضي إلا منصوباً واحداً، جعلوا موضع المكنى نفسه، فقالوا: قتلت نفسك، ولم يقولوا: قتلتك ولا قتلته....

    يقول تعالى ذكره: { أرأَيْتَ إنْ كانَ } محمد { عَلى الهُدَى } يعني: على استقامة وسَدَاد في صلاته لربه { أوْ أمَرَ بالتَّقْوَى } أو أمر محمد هذا الذي يَنْهى عن الصلاة، باتقاء الله، وخوف عقابه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { أرأَيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدَى أوْ أمَرَ بالتَّقْوَى } قال محمد: كان على الهدى، وأمر بالتقوى....

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن قتادة، في قوله: { سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ } قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " لَوْ فَعَلَ أبُو جَهْلٍ لأَخَذَتْهُ الزَّبانِيَةُ المَلائِكَةُ عِياناً "

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ } قال: الملائكة.

    حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: الزبانية، قال: الملائكة.

    وقوله: { كَلاَّ } يقول تعالى ذكره: ليس الأمر كما يقول أبو جهل، إذ ينهى محمداً عن عبادة ربه، والصلاة له { لا تُطِعْهُ } يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تُطع أبا جهل فيما أمرك به من ترك الصلاة لربك { وَاسْجُدْ لِرَبِّكَ وَاقْتَرِبْ } منه، بالتحبب إليه بطاعته، فإن أبا جهل لن يقدر على ضرّك، ونحن نمنعك منه.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ } ذُكر لنا أنها نزلت في أبي جهل، قال: لئن رأيتُ محمداً يصلي لأطأنّ عنقه، فأنزل الله: { كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ } قال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه الذي قال أبو جهل، قال: " لو فعل لاختطفته الزبانية ".

  6. #1071
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    سورة القدر

    وقوله: { تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بإذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أمْرٍ } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: تنزل الملائكة وجبريل معهم، وهو الروح، في ليلة القدر { بإذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أمْرٍ } يعني بإذن ربهم، من كلّ أمر قضاه الله في تلك السنة، من رزق وأجل وغير ذلك. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { مِنْ كُلِّ أمْرٍ } قال: يُقْضى فيها ما يكون في السنة إلى مثلها.

    فعلى هذا القول منتهى الخبر، وموضع الوقف من كلّ أمر.

    وقال آخرون: { تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بإذْنِ رَبِّهِمْ } لا يلْقَون مؤمناً ولا مؤمنة إلا سلَّموا عليه. ذكر من قال ذلك:

    حُدِّثت عن يحيى بن زياد الفرّاء، قال: ثني أبو بكر بن عياش، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: «مِنْ كُلِّ امْرِىءٍ سَلامٌ» وهذه القراءة من قرأ بها وجَّه معنى مِن كلّ امرىء: من كلّ مَلَك كَانَ معناه عنده: تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كلّ مَلَك يُسلِّم على المؤمنين والمؤمنات ولا أرى القراءة بها جائزة، لإجماع الحجة من القرّاء على خلافها، وأنها خلاف لما في مصاحف المسلمين، وذلك أنه ليس في مصحف من مصاحف المسلمين في قوله «أمر» ياء، وإذا قُرئت: «مِنْ كُلِّ امْرىءٍ» لحقتها همزة، تصير في الخطّ ياء.

    والصواب من القول في ذلك: القول الأوّل الذي ذكرناه قبل، على ما تأوَّله قتادة....

    واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } فقرأت ذلك عامة قرّاء الأمصار، سوى يحيى بن وثاب والأعمش والكسائيّ { مَطْلَعِ الْفَجْرِ } بفتح اللام، بمعنى: حتى طلوع الفجر تقول العرب: طلعت الشمس طلوعاً ومَطْلَعاً. وقرأ ذلك يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي: «حَتَّى مَطْلِعِ الْفَجْرِ» بكسر اللام، توجيهاً منهم ذلك إلى الاكتفاء بالاسم من المصدر، وهم ينوون بذلك المصدر.

    والصواب من القراءة في ذلك عندنا: فتح اللام لصحة معناه في العربية، وذلك أن المطلَع بالفتح هو الطلوع، والمطلِع بالكسر: هو الموضع الذي تَطْلُع منه، ولا معنى للموضع الذي تطلع منه في هذا الموضع.

  7. #1072
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    سورة البينة

    اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا منْ أهل الْكِتابِ وَالمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ } فقال بعضهم: معنى ذلك: لم يكن هؤلاء الكفار من أهل التوراة والإنجيل، والمشركون من عَبدة الأوثان { منفكين } يقول: منتهين، حتى يأتيهم هذا القرآن. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: { مُنْفَكِّينَ } قال: لم يكونوا ليَنتهوا حتى يتبين لهم الحقّ.

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { مُنْفَكِّينَ } قال: منتهين عما هم فيه.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { مُنْفَكِّينَ حَتَى تأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ }: أي هذا القرآن.

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: { وَالمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ } قال: لم يكونوا منتهين حتى يأتيهم ذلك المنفَكّ.

    وقال آخرون: بل معنى ذلك أن أهل الكتاب وهم المشركون، لم يكونوا تاركين صفة محمد في كتابهم، حتى بُعث، فلما بُعث تفرّقوا فيه.

    وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: معنى ذلك: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين مفترقين في أمر محمد، حتى تأتيهم البيِّنة، وهي إرسال الله إياه رسولاً إلى خلقه، رسول من الله. وقوله: { مُنْفَكِّينَ } في هذا الموضع عندي من انفكاك الشيئين أحدهما من الآخر، ولذلك صَلُح بغير خبر ولو كان بمعنى ما زال، احتاج إلى خبر يكون تماماً له، واستؤنف قوله { رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ } وهي نكرة على البيِّنة، وهي معرفة، كما قيل:
    { ذُو الْعَرْشِ المَجِيدُ فَعَّالٌ }
    فقال: حتى يأتيهم بيان أمر محمد أنه رسول الله، ببعثه الله إياه إليهم، ثم ترجم عن البيِّنة، فقال: تلك البينة { رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً } يقول: يقرأ صحفاً مطهرة من الباطل { فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ } يقول: في الصحف المطهرة كتب من الله قيمة عادلة مستقيمة، ليس فيها خطأ، لأنها من عند الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً } يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء.

    وقوله: { وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ } يقول: وما تفرّق اليهود والنصارى في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، فكذّبوا به، إلا من بعد ما جاءتهم البينة، يعني: من بعد ما جاءت هؤلاء اليهود والنصارى { البيِّنةُ } يعني: بيان أمر محمد، أنه رسول بإرسال الله إياه إلى خلقه يقول: فلما بعثه الله تفرّقوا فيه، فكذّب به بعضهم، وآمن بعضهم، وقد كانوا قبل أن يُبعث غير مفترقين فيه أنه نبيّ.
    ...

  8. #1073
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    سورة الزلزلة

    يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها } يقول: يومئذٍ تحدّث الأرض أخبارها. وتحديثها أخبارها، على القول الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود، أن تتكلم فتقول: إن الله أمرني بهذا، وأوحى إليّ به، وأذِن لي فيه.

    وأما سعيد بن جُبير، فإنه كان يقول في ذلك ما:

    حدثنا به أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل بن عبد الملك، قال: سمعت سعيد بن جُبير يقرأ في المغرب مرّة: «يَوْمَئِذٍ تُنَبِّىءُ أخْبارَها» ومرة: { تُحَدّثُ أخْبارَها }.

    فكأنّ معنى تحدّث كان عند سعيد: تُنَبىء، وتنبيئها أخبارَها: إخراجها أثقالها من بطنها إلى ظهرها. وهذا القول قول عندي صحيح المعنى، وتأويل الكلام على هذا المعنى: يومئذٍ تبّين الأرض أخبارها بالزلزلة والرَّجَّة، وإخراج الموتى من بطونها إلى ظهورها، بوحي الله إليها، وإذنه لها بذلك، وذلك معنى قوله: { بأنَّ رَبَّكَ أوْحَى لَهَا }. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن. قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: { وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَهَا بأنَّ رَبَّكَ أوْحَى لَهَا } قال: أمرها، فألقَت ما فيها وتخلَّت.

    حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبُليّ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: أنزلت: { إذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا } وأبو بكر الصدّيق قاعد، فبكى حين أُنزلت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما يُبْكِيكَ يا أبا بَكْرٍ؟ " قال: يُبكيني هذه السورة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَوْلا أنَّكُمْ تُخْطِئونَ وَتُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، لَخَلَقَ اللَّهُ أُمةً يُخْطِئُونَ وَيُذْنِبُونَ فَيْغْفِرُ لَهُمْ "

    فهذه الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تُنبىء عن أن المؤمن إنما يَرَى عقوبة سيِّئاته في الدنيا، وثواب حسناته في الآخرة، وأن الكافر يرى ثواب حسناته في الدنيا، وعقوبة سيئاته في الآخرة، وأن الكافر لا ينفعه في الآخرة ما سلف له من إحسان في الدنيا مع كُفره.

  9. #1074
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    سورة العاديات

    حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم { وَالْعادِياتِ ضَبْحاً } قال: قال ابن مسعود: هي الإبل.

    وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب: قول من قال: عني بالعاديات: الخيل، وذلك أن الإبل لا تضْبَح، وإنما تضبح الخيل، وقد أخبر الله تعالى أنها تعدو ضَبْحاً، والضَّبْح: هو ما قد ذكرنا قبل. وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، قال: قال عليّ رضي الله عنه: الضبح من الخيل: الحَمْحَمة، ومن الإبل: النفس.

    قال: ثنا سفيان، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، قال: سمعت ابن عباس يصف الضبح: أَحْ أَحْ....

    وقال آخرون: هي الإبل حين تسير تَنْسِفَ بمناسمها الحصى. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مُغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله: { فالمُورِياتِ قَدْحاً } قال: إذا تَسَفت الحصى بمناسمها، فضربَ الحصَى بعضُه بعضاً، فيخرج منه النار.

    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بالموريات التي توري النيران قدحاً فالخيل تُوري بحوافرها، والناس يورونها بالزَّند، واللسان مثلاً يوري بالمنطق، والرجال يورون بالمكر مثلاً، وكذلك الخيل تهيج الحرب بين أهلها: إذا التقت في الحرب ولم يضع الله دلالة على أن المراد من ذلك بعضٌ دون بعض فكلّ، ما أوْرت النارَ قدْحاً، فداخلة فيما أقسم به، لعموم ذلك بالظاهر....

    وقوله: { فالمُغِيرَاتِ صُبْحاً } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: فالمغيرات صبحاً على عدوّها علانية. ذكر من قال ذلك:

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، عن أبي معاوية البَجَليّ، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: سألني رجل عن المغيرات صبحاً، فقال: الخيل تغير في سبيل الله.

    حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: أخبرنا أبو رجاء، قال: سألت عكرِمة، عن قوله { فالمُغِيرَاتِ صُبْحاً } قال: أغارت على العدوّ صبحاً.

    حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { فالمُغَيرَاتِ صُبْحاً } قال: هي الخيل.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فالمُغيرَاتِ صُبْحاً } قال: هي الخيل.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فالمُغِيرَاتِ صُبْحاً } قال: أغار القومُ بعدما أصبحوا على عدوّهم.

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ثور، عن معمر، عن قتادة { فالمُغِيرَاتِ صُبْحاً } قال: أغارت حين أصبحت.

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سعيد، عن قتادة { فالمُغِيرَاتِ صُبْحاً } قال: أغار القوم حين أصبحوا.

    وقال آخرون: عُنِي بذلك الإبل حين تدفع بركبانها من «جَمْعٍ» يوم النحر إلى «مِنَى». ذكر من قال ذلك:

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مُغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله { فالمُغِيرَاتِ صُبْحاً } حين يفيضون من جَمْع.

    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن الله جلّ ثناؤه أقسم بالمُغيرات صبحاً، ولم يخصصْ من ذلك مغيرة دون مغيرة، فكلّ مغيرة صُبحاً، فداخلة فيما أقسم به وقد كان زيد بن أسلم يذكر تفسير هذه الأحرف ويأباها، ويقول: إنما هو قسم أقسم الله به....

    وقوله: { فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً } يقول تعالى ذكره: فرفعن بالوادي غُباراً والنقْع: الغبار، ويقال: إنه التراب. والهاء قوله «به» كناية اسم الموضع، وكنى عنه، ولم يجر له ذكر، لأنه معلوم أن الغبار لا يثار إلا من موضع، فاستغنى بفهم السامعين بمعناه من ذكره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً } قال: الخيل....

    حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن واصل، عن عطاء { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } قال: جمع العدوّ.

    حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } قال: جمع هؤلاء وهؤلاء.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } فوسطن جمع القوم.

    حدثنا ابن حميد قال: ثنا مهران، عن سعيد، عن قتادة { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } فوسطن بالقوم جمعَ العدوّ.

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } قال: وسطن جمع القوم.

    حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } الجمع: الكتيبة.

    وقال آخرون: بل عُنِي بذلك { فَوَسَطْنَ بِهِ } مزدلفة. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مُغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } يعني: مزدلفة...

    وتأويل الكلام: إن الإنسان لربه لكنود، وإنه لحبّ الخير لشديد، وإن الله على ذلك من أمره لشاهد. ولكن قوله: { وَإنَّهُ عَلى ذِلكَ لَشَهِيدٌ } قدّم، ومعناه التأخير، فجعل معترضاً بين قوله: { إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ } ، وبين قوله: { وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ } وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

    ذكر من قال ذلك:

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سعيد، عن قتادة { إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وإنَّهُ عَلى ذلكَ لَشَهِيدٌ } قال: هذا في مقاديم الكلام، قال: يقول: إن الله لشهيد أن الإنسان لحبّ الخير لشديد.

    وقوله: { أفَلا يَعْلَمُ إذَا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ } يقول: أفلا يعلم هذا الإنسان الذي هذه صفته، إذا أُثير ما في القبر، وأُخرج ما فيها من الموتى وبُحث.

  10. #1075
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    سورة القارعة

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ } قال: مصيره إلى النار، هي الهاوية. قال قتادة: هي كلمة عربية، كان الرجل إذا وقع في أمر شديد، قال: هوت أمه.

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الأشعث بن عبد الله الأعمى، قال: إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين، فيقولون: رَوِّحوا أخاكم، فإنه كان في غمّ الدنيا قال: ويسألونه ما فعل فلان؟ فيقول: مات، أَو مَا جاءكم؟ فيقولون: ذهبوا به إلى أمِّه الهاوية.

    حدثني إسماعيل بن سيف العجليّ، قال: ثنا عليّ بن مُسْهِر، قال: ثنا إسماعيل، عن أبي صالح، في قوله { فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ } قال: يهوُون في النار على رؤوسهم.

    حدثنا ابن سيف، قال: ثنا محمد بن سَوَّار، عن سعيد، عن قتادة { فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ } قال: يهوى في النار على رأسه.

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ } قال: الهاوية: النار هي أمُّه ومأواه التي يرجع إليها، ويأوي إليها، وقرأ: { وَمأوَاهُمُ النَّارُ }.

    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس { فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ } وهو مثلها، وإنما جعل النار أمَّه، لأنها صارت مأواه، كما تؤوي المرأة ابنها، فجعلها إذ لم يكن له مأوى غيرها، بمنزلة أمّ له.

    قوله: { وَما أدْرَاكَ ماهِيَهْ } يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما أشعرك يا محمد ما الهاوية، ثم بَيَّن ما هي، فقال: { هَيَ نَارٌ حَامِيَةٌ } ، يعني بالحامية: التي قد حميت من الوقود عليها.

  11. #1076
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    سورة التكاثر

    وقوله: { لَتَرُونَّ الجَحِيمَ } اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته قرّاء الأمصار: { لَتَرَوُنَّ الجَحيمَ } بفتح التاء من { لَتَرَوُنَّ } في الحرفين كليهما، وقرأ ذلك الكسائي بضم التاء من الأولىَ، وفتحها من الثانية.

    والصواب عندنا في ذلك الفتح فيهما كليهما، لإجماع الحجة عليه. وإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: لترونّ أيها المشركون جهنم يوم القيامة، ثم لترونها عياناً لا تغيبون عنها.

    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ } يعني: أهل الشرك...

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن مَعْمر، عن قتادة { لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } قال: إن الله تعالى ذكره سائل كلَّ ذي نعمة فيما أنعم عليه.

    وكان الحسن وقتادة يقولان: ثلاث لا يُسئل عنهنّ ابن آدم، وما خَلاهنّ فيه المسألة والحساب، إلا : كُسوة يواري بها سَوْءَته، وكسرة يشدّ بها صُلْبه، وبيت يظلُّه.

    والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن الله أخبر أنه سائل هؤلاء القوم عن النعيم، ولم يخصص في خبره أنه سائلهم عن نوع من النعيم دون نوع، بل عمّ بالخبر في ذلك عن الجميع، فهو سائلهم كما قال عن جميع النعيم، لا عن بعض دون بعض.

  12. #1077
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    سورة العصر

    اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { وَالْعَصْرِ } فقال بعضهم: هو قَسَم أقسم ربنا تعالى ذكره بالدهر، فقال: العصر: هو الدهر. ذكر من قال ذلك:

    حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: { وَالْعَصْرِ } قال: العصر: ساعة من ساعات النهار.

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن { وَالْعَصْرِ } قال: هو العشيّ.

    والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن ربنا أقسم بالعصر { وَالْعَصْرِ } اسم للدهر، وهو العشيّ والليل والنهار، ولم يخصص مما شمله هذا الاسم معنى دون معنى، فكلّ ما لزِمه هذا الاسم، فداخل فيما أقسم به جلّ ثناؤه...

  13. #1078
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    سورة الهمزة

    حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: { وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ } قال: ليست بخاصة لأحد.

    والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن الله عمّ بالقول كلّ همزة لمزة، كلّ من كان بالصفة التي وصف هذا الموصوف بها، سبيله سبيله كائناً من كان من الناس.

    وقوله: { الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ } يقول: الذي جمع مالاً وأحصى عدده، ولم ينفقه في سبيل الله، ولم يؤدّ حقّ الله فيه، ولكنه جمعه فأوعاه وحفظه.

    واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه من قرّاء أهل المدينة أبو جعفر، وعامة قرّاء الكوفة سوى عاصم: «جَمَّع» بالتشديد، وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والحجاز، سوى أبي جعفر وعامة قرّاء البصرة، ومن الكوفة عاصم، «جَمَع» بالتخفيف، وكلهم مجمعون على تشديد الدال من { عَدَّدَهُ } ، على الوجه الذي ذكرت من تأويله. وقد ذُكر عن بعض المتقدّمين بإسناد غير ثابت، أنه قرأه: «جَمَعَ مالاً وَعَدَدَهُ» بتخفيف الدال، بمعنى: جمع مالاً، وجمع عشيرته وعَدَدَه.

    هذه قراءة لا أستجيز القراءة بها، بخلافِها قراءة الأمصار، وخروجِها عما عليه الحجة مجمعة في ذلك.

    وأما قوله: { جَمَعَ مالاً } فإن التشديد والتخفيف فيهما صوابان، لأنهما قراءتان معروفتان في قَرَأَة الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب....

    وقوله: { فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ } اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة: { فِي عَمَدٍ } بفتح العين والميم. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: «فِي عُمُدٍ» بضم العين والميم. والقول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، ولغتان صحيحتان. والعرب تجمع العمود: عُمُداً وعَمَداً، بضم الحرفين وفتحهما، وكذلك تفعل في جمع إهاب، تجمعه: أُهُباً، بضم الألف والهاء، وأَهَباً بفتحهما، وكذلك القضم، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

    واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: إنها عليهم مُؤصدة بعمد ممدّدة: أي مغلقة مطبقة عليهم، وكذلك هو في قراءة عبد الله فيما بلغنا.

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن قتادة، في قراءة عبد الله: «إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ».

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنما دخلوا في عمد، ثم مدّت عليهم تلك العمد بعماد. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس { فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ } قال: أدخلهم في عمد، فمدّت عليهم بعماد، وفي أعناقهم السلاسل، فسُدّت بها الأبواب.

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد { فِي عَمَدٍ } من حديد مغلولين فيها، وتلك العمد من نار قد احترقت من النار، فهي من نار { مُمَدّدةٍ } لهم.

    وقال آخرون: هي عَمَد يعذّبون بها. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ } كنا نحدّث أنها عمد يعذّبون بها في النار، قال بشر: قال يزيد: في قراءة قتادة: { عَمَدٍ }.

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مِهْران، عن سعيد، عن قتادة { فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ } قال: عمود يعذّبون به في النار.

    وأولى الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: معناه: أنهم يعذّبون بعمد في النار، والله أعلم كيف تعذيبه إياهم بها، ولم يأتنا خبر تقوم به الحجة بصفة تعذيبهم بها، ولا وُضِعَ لنا عليها دليل، فندرك به صفة ذلك، فلا قول فيه، غير الذي قلنا يصحّ عندنا، والله أعلم.

  14. #1079
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    سورة الفيل

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { حِجَارَةٍ مِنْ سَجِّيلٍ } قال: هي من طين.

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: هي طير بِيض، خرجت من قِبَل البحر، مع كلّ طير ثلاثة أحجار: حَجران في رجليه، وحجر في منقاره، ولا يصيب شيئاً إلا هشَمه.

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث بن يعقوب أن أباه أخبره أنه بلغه أن الطير التي رمت بالحجارة، كانت تحملها بأفواهها، ثم إذا ألقتها نَفِط لها الجلد.

    وقال آخرون: معنى ذلك: ترميهم بحجارة من سماء الدنيا. ذكر من قال ذلك:

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سَجِّيلٍ } قال: السماء الدنيا، قال: والسماء الدنيا اسمها سجِّيل، وهي التي أنزل الله جلّ وعزّ على قوم لوط.

    قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، أنه بلغه أن الطير التي رمت بالحجارة، أنها طير تخرج من البحر، وأن سجيل: السماء الدنيا.

    وهذا القول الذي قاله ابن زيد لا نعرف لصحته وجها في خبر ولا عقل، ولا لغة، وأسماء لا تُدرك إلا من لغة سائرة، أو خبر من الله تعالى ذكره....

  15. #1080
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    سورة قريش

    اختلفت القراء في قراءة: { لإيلافِ قُرَيْشٍ إيلافِهِمْ } ، فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار بياء بعد همز لإيلاف وإيلافهم، سوى أبي جعفر، فإنه وافق غيره في قوله { لإيلافِ } فقرأه بياء بعد همزة، واختلف عنه في قوله { إيلافِهِمْ } فروي عنه أنه كان يقرؤه: «إلْفِهِمْ» على أنه مصدر من ألف يألف إلفاً، بغير ياء. وحَكى بعضهم عنه أنه كان يقرؤه: «إلافِهِمْ» بغير ياء مقصورة الألف.

    والصواب من القراءة في ذلك عندي: من قرأه: { لإيلافِ قُرَيْشٍ إيلافِهِمْ } بإثبات الياء فيهما بعد الهمزة، من آلفت الشيء أُولفه إيلافاً، لإجماع الحجة من القرّاء عليه. وللعرب في ذلك لغتان: آلفت، وألفت فمن قال: آلفت بمد الألف قال: فأنا أؤالف إيلافاً ومن قال: ألفت بقصر الألف قال: فأنا آلَفُ إلْفاً، وهو رجل آلِفٌّ إلْفاً. وحُكي عن عكرِمة أنه كان يقرأ ذلك: «لتألُّفِ قُرَيْشٍ إلْفَهُمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ».

    حدثني بذلك أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن أبي مكين، عن عكرِمة.

    وقد رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذلك، ما:

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مِهْران، عن سفيان، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ: «إلْفَهُمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ».

    واختلف أهل العربية في المعنى الجالب هذه اللام في قوله: { لإيلافِ قُرَيْشٍ } ، فكان بعض نحويي البصرة يقول: الجالب لها قوله: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مأْكُولٍ فهي في قول هذا القائل صلة لقوله جعلهم، فالواجب على هذا القول، أن يكون معنى الكلام: ففعلنا بأصحاب الفيل هذا الفعل، نعمة منا على أهل هذا البيت، وإحساناً منا إليهم، إلى نعمتنا عليهم في رحلة الشتاء والصيف، فتكون اللام في قوله { لإِيلافِ } بمعنى إلى، كأنه قيل: نعمة لنعمة وإلى نعمة، لأن إلى موضع اللام، واللام موضع إلى. وقد قال معنى هذا القول بعض أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ } قال: إيلافهم ذلك فلا يشقّ عليهم رحلة شتاء ولا صيف....

    وكان بعض نحويي الكوفة يقول: قد قيل هذا القول، ويقال: إنه تبارك وتعالى عجَّب نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: اعجب يا محمد لنِعَم الله على قريش، في إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. ثم قال: فلا يتشاغلوا بذلك عن الإيمان واتباعك يستدل بقوله: { فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ }.

    وكان بعض أهل التأويل يوجِّه تأويل قوله: { لإيلافِ قُرَيْشٍ } إلى أُلفة بعضهم بعضاً. ذكر من قال ذلك:

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: { لإيلافِ قُرَيْشٍ } فقرأ:
    { ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصحَابِ الْفِيلِ }
    إلى آخر السورة، قال: هذا لإيلاف قريش، صنعت هذا بهم لألفة قريش، لئلا أفرّق أُلفتهم وجماعتهم، إنما جاء صاحب الفيل ليستبيد حريمهم، فصنع الله ذلك.

    والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن هذه اللام بمعنى التعجب. وأن معنى الكلام: اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف، وتركهم عبادة ربّ هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف، فليعبدوا ربّ هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف. والعرب إذا جاءت بهذه اللام، فأدخلوها في الكلام للتعجب اكتفوا بها دليلاً على التعجب من إظهار الفعل الذي يجلبها، كما قال الشاعر:
    أغَرَّكَ أنْ قالُوا لِقُرَّةَ شاعِراً فيالأباهُ مِنْ عَرِيفٍ وَشاعِرِ
    فاكتفى باللام دليلاً على التعجب من إظهار الفعل وإنما الكلام: أغرّك أن قالوا: اعجبوا لقرّة شاعراً فكذلك قوله: { لإيلافِ }.

    وأما القول الذي قاله من حَكينا قوله، أنه من صلة قوله: { فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مأْكُولٍ } فإن ذلك لو كان كذلك، لوجب أن يكون «لإيلاف» بعض «ألم تر»، وأن لا تكون سورة منفصلة من «ألم تر» وفي إجماع جميع المسلمين على أنهما سورتان تامَّتان كلّ واحدة منهما منفصلة عن الأخرى، ما يبين عن فساد القول الذي قاله من قال ذلك. ولو كان قوله: { لإيلافِ قُرَيْشٍ } من صلة قوله:
    { فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مأكُولٍ }
    لم تكن «ألم تر» تامَّة حتى توصلَ بقوله: { لإيلافِ قُرَيْشٍ } لأن الكلام لا يتمّ إلاَّ بانقضاء الخبر الذي ذُكر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: «إلْفَهُمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ» يقول: لزومهم.
    ...

    والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنه { آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } والعدوّ مخوف منه، والجذام مخوف منه، ولم يخصُصِ الله الخبر عن أنه آمنهم من العدوّ دون الجذام، ولا من الجذام دون العدوّ، بل عمّ الخبر بذلك فالصواب أن يُعَمّ كما عمّ جلّ ثناؤه، فيقال: آمنهم من المعنيين كليهما.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •