صفحة 71 من 75 الأولىالأولى ... 2161676869707172737475 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1,051 إلى 1,065 من 1124

الموضوع: إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

  1. #1051
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,972
    حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد { فَلا أُقْسِمُ بالشَّفَقِ } قال: النهار.

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله.

    وقال آخرون: الشفَق: هو اسم للحمرة والبياض، وقالوا: هو من الأضداد.

    والصواب من القول في ذلك عندي: أن يقال: إن الله أقسم بالنهار مدبراً، والليل مقبلاً. وأما الشفَق الذي تحُلّ به صلاة العشاء، فإنه للحمرة عندنا، للعلة التي قد بيَّنَّاها في كتابنا كتاب الصلاة...


    وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة وبعض الكوفيين: { لَترْكَبُنَّ } بالتاء، وبضمّ الياء، على وجه الخطاب للناس كافة، أنهم يركبون أحوال الشدة حالاً بعد حال. وقد ذكر بعضهم أنه قرأ ذلك بالياء، وبضم الباء، على وجه الخبر عن الناس كافة، أنهم يفعلون ذلك.

    وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب: قراءة من قرأ بالتاء وبفتح الباء، لأن تأويل أهل التأويل من جميعهم بذلك ورد وإن كان للقراءات الأُخَر وجوه مفهومة. وإذا كان الصواب من القراءة في ذلك ما ذكرنا، فالصواب من التأويل قول من قال: «لَترْكَبَنَّ» أنت يا محمد حالاً بعد حال، وأمراً بعد أمر من الشدائد....

    والمراد بذلك، وإن كان الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم موجهاً، جميع الناس، أنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأهواله أحوالاً....
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  2. #1052
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,972
    سورة البروج

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: والسماء ذات الرمل والماء. ذكر من قال ذلك:

    حدثني الحسن بن قزعة، قال: ثنا حصين بن نمير، عن سفيان بن حسين، في قوله: { والسَّماءِ ذَاتِ البُرُوجِ } قال: ذات الرمل والماء.

    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: معنى ذلك: والسماء ذات منازل الشمس والقمر، وذلك أن البروج: جمع برج، وهي منازل تتخذ عالية عن الأرض مرتفعة، ومن ذلك قول الله:
    { وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ }
    ، وهي منازل مرتفعة عالية في السماء، وهي اثنا عشر برجاً، فمسير القمر في كلّ برج منها يومان وثلث، فذلك ثمانية وعشرون منزلاً، ثم يستسرّ ليلتين، ومسير الشمس في كلّ برج منها شهر.
    ...

    وقال آخرون: الشاهد: يوم الأضحى، والمشهود، يوم عَرَفة. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: { وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قال: الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة.

    وقال آخرون: المشهود: يوم الجمعة، ورَوَوْا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر الرواية بذلك:

    حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثني عمي عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد ابن أبي هلال، عن زيد بن أيمن، عن عبادة بن نسيّ، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أكْثِرُوا عَليَّ الصَّلاةَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فإنَّهُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ تَشْهَدُهُ المَلائِكَةُ "

    والصواب من القول في ذلك عندنا: أن يقال: إن الله أقسم بشاهد شهد، ومشهود شهد، ولم يخبرنا مع إقسامه بذلك أيّ شاهد وأيّ مشهود أراد، وكلّ الذي ذكرنا أن العلماء قالوا: هو المعنيّ مما يستحقّ أن يُقال له { شاهِدٍ وَمَشْهُودٍ }....

    واختُلف في موضع جواب القسم بقوله:
    { والسَّماءِ ذَاتِ البُرُوجِ }
    فقال بعضهم: جوابه:
    { إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }
    ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: وقع القسم هاهنا
    { إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }


    وقال بعض نحويِّي البصرة: موضع قسمها والله أعلم، على قتل أصحاب الأخدود، أضمر اللام كما قال: والشَّمْسِ وضُحاها قَدْ أفْلَحَ مَنْ زَكَّاها يريد: إن شاء الله: لقد أفلح من زكَّاها، فألقى اللام، وإن شئت قلت على التقديم، كأنه قال: قتل أصحاب الأخدود، والسماء ذات البروج.

    وقال بعض نحويي الكوفة: يقال في التفسير: إن جواب القسم في قوله: { قُتِلَ } كما كان قسم
    { والشَّمْسِ وَضُحاها }
    في قوله:
    { قَدْ أفْلَحَ }
    هذا في التفسير قالوا: ولم نجد العرب تدع القسم بغير لام يستقبل بها أو «لا» أو «إن» أو «ما»، فإن يكن ذلك كذلك، فكأنه مما ترك فيه الجواب، ثم استؤنف موضع الجواب بالخبر، كما قيل: يا أيها الإنسان، في كثير من الكلام.

    وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب: قول من قال: جواب القسم في ذلك متروك، والخبر مستأنف لأن علامة جواب القسم لا تحذفها العرب من الكلام إذا أجابته.

    وأولى التأويلين بقوله: { قُتِلَ أصحَابُ الأُخْدُودِ }: لُعِن أصحاب الأخدود الذين ألقوا المؤمنين والمؤمنات في الأخدود.

    وإنما قلت: ذلك أولى التأويلين بالصواب للذي ذكرنا عن الربيع من العلة، وهو أن الله أخبر أن لهم عذاب الحريق مع عذاب جهنم، ولو لم يكونوا أحرقوا في الدنيا لم يكن لقوله
    { ولَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ }
    معنى مفهوم، مع إخباره أن لهم عذاب جهنم، لأن عذابَ جهنم هو عذاب الحريق مع سائر أنواع عذابها في الآخرة والأخدود: الحفرة تحفر في الأرض.

    وقوله: { النَّارِ ذَاتِ الوَقُودِ } فقوله النار: ردّ على الأخدود، ولذلك خفضت، وإنما جاز ردّها عليه وهي غيره، لأنها كانت فيه، فكأنها إذ كانت فيه هو، فجرى الكلام عليه لمعرفة المخاطبين به بمعناه وكأنه قيل: قتل أصحاب النار ذَاتِ الوَقُودِ. ويعني بقوله: { ذَاتِ الوَقُودِ } ذات الحطب الجزل، وذلك إذا فتحت الواو، فأما الوقود بضم الواو، فهو الاتقاد.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  3. #1053
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,972
    يقول تعالى ذكره: النار ذات الوقود، إذ هؤلاء الكفار من أصحاب الأخدود عليها، يعني على النار، فقال عليها، والمعنى أنهم قعود على حافة الأخدود، فقيل: على النار، والمعنى: لشفير الأخدود، لمعرفة السامعين معناه: وكان قتادة يقول في ذلك ما:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { النَّارِ ذَاتِ الوَقُودِ إذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ } يعني بذلك المؤمنين.

    وهذا التأويل الذي تأوّله قتادة على مذهب من قال: قُتل أصحاب الأخدود من أهل الإيمان. وقد دللنا على أن الصواب من تأويل ذلك غير هذا القول الذي وجه تأويله قتادة قبل.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  4. #1054
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,972
    اختلف أهل التأويل في معنى قوله: { إنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } فقال بعضهم: معنى ذلك: إن الله أبدى خلقه، فهو يبتدىء، بمعنى: يحدث خلقه ابتداء، ثم يميتهم، ثم يعيدهم أحياء بعد مماتهم، كهيئتهم. قبل مماتهم. ذكر من قال ذلك:

    حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { يُبْدِىءُ ويُعِيدُ } يعني: الخلق.

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } قال: يُبدىء الخلق حين خلقه، ويعيده يوم القيامة.

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه هو يبدىء العذاب ويعيده. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس { إنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } قال: يبدىء العذاب ويعيده.

    وأوليَ التأويلين في ذلك عندي بالصواب، وأشبههما بظاهر ما دلّ عليه التنزيل، القول الذي ذكرناه عن ابن عباس، وهو أنه يُبدىء العذاب لأهل الكفر به ويعيد، كما قال جلّ ثناؤه:
    { فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ولَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ }
    في الدنيا، فأبدأ ذلك لهم في الدنيا، وهو يعيده لهم في الآخرة.

    وإنما قلت: هذا أولى التأويلين بالصواب، لأن الله أتبع ذلك قوله { إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ } فكان للبيان عن معنى شدّة بطشه الذي قد ذكره قبله، أشبه به بالبيان عما لم يجر له ذكر ومما يؤيد ما قلنا من ذلك وضوحاً وصحة، قوله: { وَهُوَ الْغَفُورُ الوَدُودُ } فبين ذلك عن أن الذي قبله من ذكر خبره عن عذابه وشدّة عقابه....
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  5. #1055
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,972
    واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { مَحْفُوظٍ } فقرأ ذلك من قرأه من أهل الحجاز، أبو جعفر القارىء، وابن كثير. ومن قرأه من قرّاء الكوفة عاصم والأعمش وحمزة والكسائي، ومن البصريين أبو عمرو { محفوظٍ } خفضاً على معنى أن اللوح هو المنعوت بالحفظ. وإذا كان ذلك كذلك كان التأويل في لوح محفوظ من الزيادة فيه، والنقصان منه، عما أثبته الله فيه. وقرأ ذلك من المكِّيين ابن مُحَيْصِن، ومن المدنيين نافع «مَحْفُوظٌ» رفعاً، ردّاً على القرآن، على أنه من نعته وصفته. وكان معنى ذلك على قراءتهما: بل هو قرآن مجيد، محفوظ من التغيير والتبديل في لوح.

    والصواب من القول في ذلك عندنا: أنهما قراءتان معروفتان في قَرَأة الأمصار، صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وإذ كان ذلك كذلك، فبأيّ القراءتين قرأ القارىء فتأويل القراءة التي يقرؤها على ما بيَّنا. وقد:

    حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد { فِي لَوْحٍ } قال: في أمّ الكتاب.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } عند الله.

    وقال آخرون: إنما قيل محفوظ، لأنه من جبهة إسرافيل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا عمرو بن عليّ، قال: سمعت قرة بن سليمان، قال: ثنا حرب بن سريج، قال: ثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، في قوله: { بَلْ هُوَ قُرآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } قال: إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله، { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مجيد فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } في جَبْهة إسرافيل.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  6. #1056
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,972
    سورة الطارق

    وقرأ ذلك من أهل المدينة نافع، ومن أهل البصرة أبو عمرو: «لَمَا» بالتخفيف، بمعنى: إن كلّ نفس لعليها حافظ. وعلى أن اللام جواب «إن» و«ما» التي بعدها صلة. وإذا كان ذلك كذلك لم يكن فيه تشديد.

    والقراءة التي لا أختار غيرها في ذلك: التخفيف، لأن ذلك هو الكلام المعروف من كلام العرب، وقد أنكر التشديد جماعة من أهل المعرفة بكلام العرب، أن يكون معروفاً من كلام العرب، غير أن الفرّاء كان يقول: لا نعرف جهة التثقيل في ذلك، ونرى أنها لغة من هُذَيل، يجعلون إلا مع إن المخففة لَمَا، ولا يجاوزون ذلك، كأنه قال: ما كلّ نفس إلاَّ عليها حافظ، فإن كان صحيحاً ما ذكر الفرّاء، من أنها لغة هُذَيل، فالقراءة بها جائزة صحيحة، وإن كان الاختيار أيضاً إذا صحّ ذلك عندنا، القراءة الأخرى، وهي التخفيف، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، ولا ينبغي أن يترك الأعرف إلى الأنكر. وقد:

    حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا أبو عبيد، قال: ثنا معاذ، عن ابن عون، قال: قرأت عند ابن سيرين: «إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَا عَلَيْها حافِظٌ» فأنكره، وقال: سبحان الله، سبحان الله.

    فتأويل الكلام: إذن: إن كلّ نفس لَعَليها حافظ من ربها، يحفظ عملها، وَيَحْصِي عليها ما تكسب من خير أو شرّ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: «إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَا عَلَيْها حافِظٌ» قال: كلّ نفس عليها حفظة من الملائكة.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: «إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَا عَلَيْها حافِظٌ»: حفظة يحفظون عملك ورزقك وأجلك إذا توفيته يا بن آدم قبضت إلى ربك....

    وقال آخرون: هي عصارة القلب. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني الليث أن معمر بن أبي حَبِيبة المَدِيني حدّثه، أنه بلغه في قول الله: { يَخْرُجُ مِنْ بَين الصُّلْب والتَّرَائِبِ } قال: هو عُصارة القلب، ومنه يكون الولد.

    والصواب من القول في ذلك عندنا: قول من قال: هو موضع القِلادة من المرأة، حيث تقع عليه من صدرها، لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، وبه جاءت أشعارهم، قال المثقِّب العبدي:
    ومِنْ ذَهَبٍ يُسَنُّ على تَرِيب كَلَوْنِ العاج ليسَ بذي غُضُونِ
    وقال آخر:
    والزَّعْفَرَانُ عَلى تَرَائِبِهَا شَرِقاً بِهِ اللَّبَّاتُ والنَّحْرُ
    وقوله: { إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ } يقول تعالى ذكره: إن هذا الذي خلقكم أيها الناس من هذا الماء الدافق، فجعلكم بشراً سويّاً، بعد أن كنتم ماء مدفوقاً، على رجعه لقادر.

    واختلف أهل التأويل في الهاء التي في قوله: { عَلى رَجْعِهِ } على ما هي عائدة، فقال بعضهم: هي عائدة على الماء. وقالوا: معنى الكلام: إن الله على ردّ النطفة في الموضع التي خرجت منه { لَقادِرٌ }. ذكر من قال ذلك:

    حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن عكرِمة، في قوله: { إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ } قال: إنه على رَدّه في صُلْبه لقادر....

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه على ردّ الإنسان ماء كما كان قبل أن يخلقه منه. ذكر من قال ذلك:

    حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { إنَّهُ عَلى رَجْعه لَقادِرٌ } إن شئتُ رددتُه كما خلقته من ماء.

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه على حبس ذلك الماء لقادر. ذكر من قال ذلك:

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ } قال: على رجع ذلك الماء لقادر، حتى لا يخرج، كما قدر على أن يخلق منه ما خلق، قادر على أن يرجعه.

    وقال آخرون: بل معنى ذلك أنه قادر على رجع الإنسان من حال الكبر إلى حال الصغر. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن مقاتل بن حَيّان، عن الضحاك قال: سمعته يقول في قوله: { إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ } يقول: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصِّبا، ومن الصبا إلى النطفة.

    وعلى هذا التأويل تكون الهاء في قوله: { عَلى رَجْعِهِ } من ذكر الإنسان.

    وقال آخرون ممن زعم أن الهاء للإنسان معنى ذلك أنه على إحيائه بعد مماته لقادر. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لقادِرٌ } إن الله تعالى ذكره على بعثه وإعادته قادر.

    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال معنى ذلك: إن الله على ردّ الإنسان المخلوق من ماء دافق من بعد مماته حياً، كهيئته قبل مماته لقادر.

    وإنما قلت هذا أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لقوله: { يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ } فكان في إتباعه قوله: { إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ } نبأ من أنباء القيامة، دلالة على أن السابق قبلها أيضاً منه، ومنه { يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ } يقول تعالى ذكره: إنه على إحيائه بعد مماته لقادر، يوم تُبلى السرائر فاليوم من صفة الرجع، لأن المعنى: إنه على رجعه يوم تبلى السرائر لقادر.

    وعُنِي بقوله: { يَوْمَ تُبْلى السَّرَائِرُ } يوم تُخْتَبرُ سرائر العباد، فيظهر منها يومئذٍ ما كان في الدنيا مستخفياً عن أعين العباد، من الفرائض التي كان الله ألزمه إياها، وكلَّفه العمل بها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حُدثت عن عبد الله بن صالح، عن يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، في قوله: { يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ } قال: ذلك الصوم والصلاة وغُسْل الجنابة، وهو السرائر ولو شاء أن يقول: قد صُمْتُ وليس بصائم، وقد صلَّيتُ ولم يصلّ، وقد اغتسلت ولم يغتسل....

    وقوله: { فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ } يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فمهِّل يا محمد الكافرين ولا تعجلْ عليهم { أمْهِلْهُمْ رُوَيْداً } يقول: أمهلهم آناً قليلاً، وأنظرهم للموعد الذي هو وقت حلول النقمة بهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً } يقول: قريباً.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  7. #1057
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,972
    سورة الاعلي

    وقال آخرون: معنى قوله: { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى }: صلّ بذكر ربك يا محمد، يعني بذلك: صلّ وأنت له ذاكر، ومنه وَجِل خائف.

    وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب: قول من قال: معناه: نزّه اسم ربك أن تدعو به الآلهة والأوثان، لما ذكرت من الأخبار، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة أنهم كانوا إذا قرأوا ذلك قالوا: سبحان ربيَ الأعلى، فبَيَّن بذلك أن معناه كان عندهم معلوماً: عظم اسم ربك، ونزّهه...

    والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الله عمّ بقوله { فَهَدَى } الخبر عن هدايته خلقه، ولم يخصص من ذلك معنى دون معنى، وقد هداهم لسبيل الخير والشرّ، وهدى الذكور لمأتى الإناث، فالخبر على عمومه، حتى يأتي خبر تقوم به الحجة، دالّ على خصوصه. واجتمعت قرّاء الأمصار على تشديد الدال من قَدَّر، غير الكسائي فإنه خفَّفها. والصواب في ذلك التشديد، لإجماع الحجة عليه....

    ثم اختلف أهل التأويل في معنى قوله { فلا تَنْسَى إلاَّ ما شاءَ اللّهُ } فقال بعضهم: هذا إخبار من الله نبيه عليه الصلاة والسلام أنه يعلمه هذا القرآن، ويحفظه عليه، ونهي منه أن يعجل بقراءته، كما قال جلّ ثناؤه:
    { لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بهِ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرآنَهُ }
    ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى } قال: كان يتذكر القرآن في نفسه مخافة أن ينسى.

    فقال قائلو هذه المقالة: معنى الاستثناء في هذا الموضع على النسيان، ومعنى الكلام: فلا تنسى، إلاَّ أن تنساه، ولا تذكُرَه، قالوا: ذلك هو ما نسخه الله من القرآن، فرفع حكمه وتلاوته. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى } كان صلى الله عليه وسلم لا ينسى شيئاً { إلاَّ ما شاءَ اللّهُ }.

    وقال آخرون: معنى النسيان في هذا الموضع: الترك وقالوا: معنى الكلام: سنقرئك يا محمد فلا تترك العمل بشيء منه، إلاَّ أن تترك العمل به، مما ننسخه.

    وكان بعض أهل العربية يقول في ذلك: لم يشأ الله أن تنسى شيئاً، وهو كقوله:
    { خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّمَوَاتُ والأرْضُ إلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ }
    ولا يشاء. قال: وأنت قائل في الكلام: لأعطينك كلّ ما سألت إلاَّ ما شئت، وإلاَّ أن أشاء أن أمنعك، والنية أن لا تمنعه، ولا تشاء شيئاً. قال: وعلى هذا مجارِي الأَيمان، يستثنى فيها، ونية الحالف: اللمام.

    والقول الذي هو أولى بالصواب عندي، قول من قال: معنى ذلك: فلا تنسى إلاَّ أن نشاء نحن أن نُنسيكه بنسخه ورفعه. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن ذلك أظهر معانيه.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  8. #1058
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,972
    حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس { وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } يقول: وحَّد الله سبحانه وتعالى.

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: وذكر الله ودعاه ورغب إليه.

    والصواب من القول في ذلك: أن يقال: وذكر الله فوحّده، ودعاه ورغب إليه، لأن كلّ ذلك من ذكر الله، ولم يخصُصِ الله تعالى من ذكره نوعاً دون نوع.

    وقوله: { فَصَلَّى } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: عُنِي به: فصّلى الصلوات الخمس. ذكر من قال ذلك:

    حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { فَصَلَّى } يقول: صَّلى الصلوات الخمس.

    وقال آخرون: عني به: صلاة العيد يوم الفطر.

    وقال آخرون: بل عُني به: وذكر اسم ربه فدعا وقالوا: الصلاة هاهنا: الدعاء.

    والصواب من القول أن يقال: عُنِي بقوله: { فَصَلَّى }: الصلوات، وذكر الله فيها بالتحميد والتمجيد والدعاء...

    واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنيْا } فقرأ ذلك عامَّة قرّاء الأمصار: { بَلْ تُؤْثِرُونَ } بالتاء، إلا أبا عمرو، فإنه قرأه بالياء، وقال: يعني الأشقياء.

    والذي لا أوثر عليه في قراءة ذلك التاء، لإجماع الحجة من القرّاء عليه. وذُكر أن ذلك في قراءة أُبيّ: { بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ } فذلك أيضاً شاهد لصحة القراءة بالتاء....

    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: إن قوله: { قَدْ أفْلَحَ مَنْ تَزَكى وَذَكَرَ اسمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنيْا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأبْقَى }: لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم خليل الرحمن، وصحف موسى بن عمران.

    وإنما قلت: ذلك أولى بالصحة من غيره، لأن هذا إشارة إلى حاضر، فلأن يكون إشارة إلى ما قرب منها، أولى من أن يكون إشارة إلى غيره. وأما الصحف: فإنها جمع صحيفة، وإنما عُنِي بها: كتب إبراهيم وموسى.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  9. #1059
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,972
    سورة الغاشية

    والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ } ولم يخبرنا أنه عنى غاشية القيامة، ولاأنه عنى غاشية النار، وكلتاهما غاشية، هذه تغشى الناس بالبلاء والأهوال والكروب، وهذه تغشى الكفار باللفْح في الوجوه، والشُّواظ والنُّحاس، فلا قول في ذلك أصحّ من أن يقال كما قال جلّ ثناؤه، ويعمّ الخبر بذلك كما عمه.
    ..

    وقوله: { إلاَّ مَنْ تَوَلَّى وكَفَرَ } يتوجَّه لوجهين: أحدهما: فذكّر قومك يا محمد، إلا من تولَّى منهم عنك، وأعرض عن آيات الله فكفر، فيكون قوله «إلا» استثناء من الذين كان التذكير عليهم، وإن لم يذكروا، كما يقال: مضى فلان، فدعا إلا من لا تُرْجَى إجابته، بمعنى: فدعا الناس إلا من لا تُرْجَى إجابته.

    والوجه الثاني: أن يجعل قوله: { إلاَّ مَنْ تَوَلَّى وكَفَرَ } منقطعاً عما قبله، فيكون معنى الكلام حينئذٍ: لست عليهم بمسيطر، إلا من تولى وكفر، يعذّبه الله، وكذلك الاستثناء المنقطع يمتحن بأن يحسن معه إن، فإذا حسنت معه كان منقطعاً، وإذا لم تحسن كان استثناء متصلاً صحيحاً، كقول القائل: سار القوم إلا زيدا، ولا يصلح دخول إن هاهنا لأنه استثناء صحيح.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  10. #1060
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,972
    سورة الفجر

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَلَيالٍ عَشْرٍ } قال: أوّل ذي الحجة وقال: هي عشر المحرّم من أوّله.

    والصواب من القول في ذلك عندنا: أنها عشر الأضحى، لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه، وأن عبد الله ابن أبي زياد القَطْوانيّ:

    حدثني قال: ثني زيد بن حباب، قال: أخبرني عياش بن عقبة، قال: ثني جُبير بن نعيم، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " والفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ، قال: عَشْرُ الأَضْحَى " ...

    وقال آخرون: بل ذلك: الصلاة المكتوبة، منها الشفع كصلاة الفجر والظهر، ومنها الوتر كصلاة المغرب. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: كان عمران بن حصين يقول: { الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ }: الصلاة.

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ } قال عمران: هي الصلاة المكتوبة فيها الشفع والوتر.

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس { وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ } قال: ذلك صلاة المغرب، الشفع: الركعتان، والوتر: الركعة الثالثة.

    وقد رفع حديث عمران بن حُصين بعضهم. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثني أبي، قال: ثني خالد بن قيس، عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن عمران بن حصين، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في الشفع والوتر، قال: " هيَ الصَّلاةُ مِنْها شَفْعٌ، وَمِنْها وَتْرٌ "

    حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا همام، عن قتادة، أنه سُئل عن الشفع والوتر، فقال: أخبرني عمران بن عِصام الضُّبَعي، عن شيخ من أهل البصرة، عن عمران بن حصين، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: " هِيَ الصَّلاةُ مِنْها شَفْعٌ، وَمِنْها وَتْرٌ "

    حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا همام بن يحيى، عن عمران بن عصام، عن شيخ من أهل البصرة، عن عمران بن حصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية { وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ } قال: " هيَ الصَّلاةِ مِنْها شَفْعٌ، وَمِنْها وَتْرٌ "

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ } إن من الصلاة شفعاً، وإن منها وتراً.

    حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا همام، عن قتادة، أنه سُئل عن الشفع والوتر، فقال: قال الحسن: هو العدد.

    ورُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم خبر يؤيد القول الذي ذكرنا عن أبي الزُّبير. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا عبد الله بن أبي زياد القَطْوَانيّ، قال: ثنا زيد بن حُباب، قال: أخبرني عَياش بن عقبة، قال: ثني جبير ابن نعيم، عن أبي الزبير، عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الشَّفْعُ: الْيَوْمانِ، والْوَتْرُ: الْيَوْمُ الْوَاحِدُ "

    والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بالشفع والوتر، ولم يخصص نوعاً من الشفع ولا من الوتر دون نوع بخبر ولا عقل، وكلّ شفع ووتر فهو مما أقسم به، مما قال أهل التأويل إنه داخل في قسمه هذا، لعموم قسمه بذلك....
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  11. #1061
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,972
    وقال آخرون { إرَمَ }: الهالك. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إرَمَ } يعني بالإرم: الهالك ألا ترى أنك تقول: أُرِمَ بنو فلان.

    حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { بِعادٍ إرَمَ } الهلاك ألا ترى أنك تقول: أُرِمَ بنو فلان: أي هَلَكُوا.

    والصواب من القول في ذلكَ: أن يُقال: إن إرم إما بلدة كانت عاد تسكنها، فلذلك ردّت على عاد للإتباع لها، ولم يُجْر من أجل ذلك، وإما اسم قبيلة فلم يُجْر أيضاً، كما لا يُجْرى أسماء القبائل، كتميم وبكر، وما أشبه ذلك إذا أرادوا به القبيلة

    وأما اسم عاد فلم يجر، إذ كان اسماً أعجمياً.

    فأما ما ذُكر عن مجاهد، أنه قال: عُنِي بذلك القديمة، فقول لا معنى له، لأن ذلك لو كان معناه لكان مخفوضاً بالتنوين، وفي ترك الإجراء الدليل على أنه ليس بنعت ولا صفة.

    وأشبه الأقوال فيه بالصواب عندي: أنها اسم قبيلة من عاد، ولذلك جاءت القراءة بترك إضافة عاد إليها، وترك إجرائها، كما يقال: ألم تر ما فعل ربك بتميم نهشل؟ فيترك إجراء نهشل، وهي قبيلة، فترك إجراؤها لذلك، وهي في موضع خفض بالردّ على تميم، ولو كانت إرم اسم بلدة أو اسم جدّ لعاد لجاءت القراءة بإضافة عاد إليها، كما يقال: هذا عمرُو زبيدٍ وحاتمُ طيء وأعشى هَمْدانَ، ولكنها اسم قبيلة منها، فيما أرى، كما قال قتادة، والله أعلم، فلذلك أجمعت القرّاء فيها على ترك الإضافة، وترك الإجراء...

    وقال آخرون: قيل ذلك لهم لشدة أبدانهم وقواهم. ذكر من قال ذلك:

    حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: { ذَاتِ الْعِمادِ } يعني: الشدّة والقوّة.

    وأشبه الأقوال في ذلك بما دلّ عليه ظاهر التنزيل: قول من قال: عُنِي بذلك أنهم كانوا أهل عمود سيارة، لأن المعروف في كلام العرب من العماد، ما عُمد به الخيام من الخشب، والسواري التي يحمل عليها البناء، ولا يعلم بناء كان لهم بالعماد بخبر صحيح، بل وجَّه أهل التأويل قوله: { ذَاتِ الْعِمادِ } إلى أنه عُنِي به طول أجسامهم، وبعضهم إلى أنه عُني به عماد خِيامهم، فأما عِماد البنيان، فلا يعلم كثير أحد من أهل التأويل وجهه إليه، وتأويل القرآن إنما يوجه إلى الأغلب الأشهر من معانيه، ما وُجد إلى ذلك سبيل، دون الأنكر....

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ }: ذكر أنهم كانوا اثني عشر ذراعاً طولاً في السماء.

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: ذات العماد التي لم يُخلق مثلها في البلاد، لم يخلق مثل الأعمدة في البلاد، وقالوا: التي لم يخلق مثلها من صفة ذات العماد، والهاء التي في مثلها إنما هي من ذكر ذات العماد. ذكر من قال ذلك:

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله، فذكر نحوه.

    وهذا قول لا وجه له، لأن العماد واحد مذكر، والتي للأنثى، ولا يوصف المذكر بالتي، ولو كان ذلك من صفة العِماد لقيل: الذي لم يخلق مثله في البلاد، وإن جعلت التي لإرم، وجعلت الهاء عائدة في قوله: { مِثْلُها } عليها وقيل: هي دِمشق أو إسكندرية، فإن بلاد عاد هي التي وصفها الله في كتابه فقال:
    { وَاذْكُرْ أخا عَادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ }
    والأحقاف: هي جمع حِقْف، وهو ما انعطف من الرمل وانحنى، وليست الإسكندرية ولا دمشق من بلاد الرمال، بل ذلك الشِّحْر من بلاد حضرموت، وما والاها..

    وقال آخرون: إنما قيل ذلك لأنه كان له بنيان يعذّب الناس عليه. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن رجل، عن سعيد بن جُبَير { وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ } قال: كان له مَنارات يعذّبهم عليها.

    وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: عُنِي بذلك: الأوتاد التي تُوتَد، من خشب كانت أو حديد، لأن ذلك هو المعروف من معاني الأوتاد، ووصف بذلك، لأنه إما أن يكون كان يعذّب الناس بها، كما قال أبو رافع وسعيد بن جُبير، وإما أن يكون كان يُلْعب له بها.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  12. #1062
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,972
    واختلفت القرّاء في قراءة قوله { فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ } فقرأت عامة قرّاء الأمصار ذلك بالتخفيف، فقَدَر: بمعنى فقتر، خلا أبي جعفر القارىء، فإنه قرأ ذلك بالتشديد: «فَقَدَّر». وذُكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول: قدّر، بمعنى يعطيه ما يكفيه، ويقول: لو فعل ذلك به ما قال ربي أهانني.

    والصواب من قراءة ذلك عندنا بالتخفيف، لإجماع الحجة من القرّاء عليه.
    ...

    وقوله: { كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ } اختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: { كَلاَّ } في هذا الموضع، وما الذي أنكر بذلك، فقال بعضهم: أنكر جلّ ثناؤه أن يكون سبب كرامته من أكرم كثرة ماله، وسبب إهانته من أهان قلة ماله. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وأمَّا إذَا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيقُولُ رَبِّي أهانني } ما أسرع ما كفر ابن آدم يقول الله جلّ ثناؤه: كلا إني لا أكرم من أكرمت بكثرة الدنيا، ولا أهين من أهنت بقلتها، ولكن إنما أُكرم من أكرمت بطاعتي، وأُهين من أهنت بمعصيتي.

    وقال آخرون: بل أنكر جلّ ثناؤه حمد الإنسان ربه على نِعمه دون فقره، وشكواه الفاقة. وقالوا: معنى الكلام: كلاّ، أي لم يكن ينبغي أن يكون هكذا، ولكن كان ينبغي أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر.

    وأولى القولين في ذلك بالصواب: القول الذي ذكرناه عن قتادة، لدلالة قوله { بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ } والآيات التي بعدها، على أنه إنما أهان من أهان بأنه لا يكرم اليتيم، ولا يَحُضّ على طعام المسكين، وسائر المعاني التي عدّد، وفي إبانته عن السبب الذي من أجله أهان من أهان، الدلالة الواضحة على سبب تكريمه من أكرم، وفي تبيينه ذلك عَقيب قوله: { فَأمَّا الإنْسانُ إذَا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ وَأمَّا إذَا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ } بيان واضح عن الذي أنكر من قوله ما وصفنا....
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  13. #1063
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,972
    وقوله: { فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أحَدٌ } أجمعت القرّاء قرّاء الأمصار في قراءة ذلك على على كسر الذال من يعذّب، والثاء من يوثِق، خلا الكسائي، فإنه قرأ ذلك بفتح الذال والثاء، اعتلالاً منه بخبر رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأه كذلك، واهي الإسناد.

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن خارجة، عن خالد الحذّاء، عن أبي قِلابة، قال: ثني من أقرأه النبيّ صلى الله عليه وسلم: «فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أحَدٌ ».

    والصواب من القول في ذلك عندنا: ما عليه قرّاء الأمصار، وذلك كسر الذال والثاء، لإجماع الحجة من القرّاء عليه. فإذَا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: فيومئذٍ لا يعذَّب بعذاب الله أحد في الدنيا، ولا يوثق كوثاقه يومئذٍ أحد في الدنيا. وكذلك تأوّله قارئو ذلك كذلك من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أحَدٌ } ولا يوثِق كوثاق الله أحد.

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن { فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أحَدٌ } قال: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً وَوَثاقاً، فقال: فيومئذٍ لا يعذّب عذابه أحد في الدنيا، ولا يُوثِقُ وثاقه أحد في الدنيا.

    وأما الذي قرأ ذلك بالفتح، فإنه وجَّه تأويله إلى: فيومئذٍ لا يعذَّب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذٍ، ولا يوثَق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذٍ. وقد تأوّل ذلك بعض من قرأ ذلك كذلك بالفتح من المتأخرين: فيومئذٍ لا يعذَّب عذاب الكافر أحَد ولا يُوثَق وَثاق الكافر أحد.

    وقال: كيف يجوز الكسر، ولا معذّب يومئذٍ سوى الله وهذا من التأويل غلط. لأن أهل التأويل تأوّلوه بخلاف ذلك. مع إجماع الحجة من القراء على قراءته بالمعنى الذي جاء به تأويل أهل التأويل، وما أحسبه دعاه إلى قراءة ذلك كذلك، إلاَّ ذهابه عن وجه صحته في التأويل.
    ..

    وقوله: { ارْجِعي إلى رَبِّكِ } اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: هذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن قيل الملائكة لنفس المؤمن عند البعث، تأمرها أن ترجع في جسد صاحبها قالوا: وعُنِي بالردّ هاهنا صاحبها. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً } قال: تردّ الأرواح المطمئنة يوم القيامة في الأجساد.

    وقال آخرون: بل يقال ذلك لها عند الموت. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح { ارْجِعي إلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً } قال: هذا عند الموت { فادْخُلِي فِي عِبادِي } قال: هذا يوم القيامة.

    وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن ابن عباس والضحاك، أن ذلك إنما يقال لهم عند ردّ الأرواح في الأجساد يوم البعث لدلالة قوله: { فادْخُلِي فِي عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي }.

    ..

    والصواب من القراءة في ذلك فادخُلي في عِبادي بمعنى: فادخلي في عبادي الصالحين. لإجماع الحجة من القراء عليه
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  14. #1064
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,972
    سورة البلد

    حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الملك، عن عطاء { وأنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الّبَلَدِ } قال: إن الله حرّم مكة، لم تحلّ لنبيّ إلا نبيكم ساعة من نهار...

    وقال آخرون: عُنِي بذلك: إبراهيم وما ولد. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن موسى الحَرَشِيّ، قال: ثنا جعفر بن سليمان، قال: سمعت أبا عمران الجَوْنِيّ يقرأ: { وَوَالِدٍ وَما وَلَدَ } قال: إبراهيم وما ولد.

    والصواب من القول في ذلك: ما قاله الذي قالوا: إن الله أقسم بكلّ والد وولده، لأن الله عمّ كلّ والد وما ولد. وغير جائز أن يخصّ ذلك إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر، أو عقل، ولا خبر بخصوص ذلك، ولا برهان يجب التسليم له بخصوصه، فهو على عمومه كما عمَّه...

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنه خُلق في السماء. ذكر من قال ذلك:

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ فِي كَبَدٍ } قال: في السماء، يسمى ذلك الكَبَد.

    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: معنى ذلك أنه خلق يُكابد الأمور ويُعالجها، فقوله: { فِي كَبَدٍ } معناه: في شدّة.

    وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب، لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب من معاني الكَبَد ومنه قول لبيد بن ربيعة:
    عَيْنِ هِلاَّ بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ قُمْنا وَقامَ الخُصُوم فِي كَبَدِ
    ...
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  15. #1065
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,972
    وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهديناه الثَّديين: سبيلي اللبن الذي يتغذّى به، وينبت عليه لحمه وجسمه. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا عيسى بن عقال، عن أبيه، عن ابن عباس { وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ } قال: هما الثديان.

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن المبارك بن مجاهد، عن جُويبر، عن الضحاك، قال: الثديان.

    وأولى القولين بالصواب في ذلك عندنا: قول من قال: عُنِي بذلك طريق الخير والشرّ، وذلك أنه لا قول في ذلك نعلمه غير القولين اللذين ذكرنا والثديان، وإن كانا سبيلي اللبن، فإن الله تعالى ذكْره إذ عدّد على العبد نِعَمه بقوله:
    { إنَّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً إنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ }
    إنما عدّد عليه هدايته إياه إلى سبيل الخير من نِعمه، فكذلك قوله: { وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْن }....

    واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء مكة وعامة قرّاء البصرة، عن ابن أبي إسحاق، ومن الكوفيين: الكسائي: «فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ أطْعَمَ». وكان أبو عمرو بن العلاء يحتجّ فيما بلغني فيه بقوله: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا كأن معناه: كان عنده، فلا فكّ رقبة، ولا أطعم، ثم كان من الذين آمنوا. وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والكوفة والشأم { فَكُّ رَقَبَةٍ } على الإضافة { أوْ إطْعامٌ } على وجه المصدر.

    والصواب من القول في ذلك: أنهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، وتأويل مفهوم، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. فقراءته إذا قرىء على وجه الفعل تأويله: فلا اقتحم العقبة، لا فكّ رقبة، ولا أطعم، ثم كان من الذين آمنوا، { وَما أدْرَاكَ ما الْعَقَبَةُ } على التعجب والتعظيم. وهذه القراءة أحسن مخرجاً في العربية، لأن الإطعام اسم، وقوله:
    { ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا }
    فعل، والعرب تُؤْثِر ردّ الأسماء على الأسماء مثلها، والأفعال على الأفعال، ولو كان مجيء التَّنزيل ثم إن كان من الذين آمنوا، كان أحسن، وأشبه بالإطعام والفكّ من ثم كان، ولذلك قلت: «فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ أطْعَمَ» أوجه في العربية من الآخر، وإن كان للآخر وجه معروف، ووجهه { أنْ } تضمر أن ثم تلقى، كما قال طرفة بن العبد:
    ألا أيُّهاذا الزَّاجري أحْضُرَ الْوَغَى وأنْ أشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أنتَ مُخْلِدي
    بمعنى: ألا أيهاذا الزاجري أن أحضر الوغى. وفي قوله: «أن» أشهد الدلالة البينة على أنها معطوفة على أن أخرى مثلها، قد تقدّمت قبلها، فذلك وجه جوازه. وإذا وُجِّه الكلام إلى هذا الوجه كان قوله: { فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ } تفسيراً لقوله: { وَما أدْرَاكَ ما الْعَقَبَةُ } كأنه قيل: وما أدراك ما العقبة؟ هي فكّ رقبة { أوْ إطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ } كما قال جلّ ثناؤه:


    { وَما أدْرَاكَ ماهِيَهْ }
    ، ثم قال:
    { نارٌ حامِيَةٌ }
    مفسراً لقوله:
    { فأُمُّهُ هاوِيَةٌ }
    ، ثم قال: وما أدراك ما الهاوية؟ هي نار حامية..

    وقال آخرون: بل هو ذو العيال الكثير الذين قد لصقوا بالتراب من الضرّ وشدّة الحاجة. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس { أوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } يقول: مسكين ذو بنين وعِيال، ليس بينك وبينه قرابة.

    حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر بن أبي المُغيرة، عن سعيد بن جُبير، في قوله: { أوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } قال: ذا عِيال.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { أوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } كنا نحدّث أن الترب هو ذو العيال الذي لا شيء له.

    حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { أوْ مسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } ذا عيال لاصقين بالأرض، من المسكنة والجهد.

    وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قول من قال: عُنِي به: أو مسكيناً قد لصق بالتراب من الفقر والحاجة، لأن ذلك هو الظاهر من معانيه. وأن قوله: { مَتْرَبَةٍ } إنما هي «مَفْعَلة» من تَرِب الرجل: إذا أصابه التراب.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •