صفحة 69 من 75 الأولىالأولى ... 1959656667686970717273 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1,021 إلى 1,035 من 1124

الموضوع: إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

  1. #1021
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,720
    وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ }: وشددنا خلقهم، من قولهم: قد أُسِر هذا الرجل فأُحسِن أسره، بمعنى: قد خُلِقَ فأُحسِن خَلْقه.

    وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

    ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ } يقول: شددنا خلقهم.

    حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: { وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ } قال: خَلْقهم.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ }: خَلْقهم.

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

    وقال آخرون: الأَسْر: المفاصل.

    ذكر من قال ذلك:

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، سمعته، يعني خلاداً يقول: سمعت أبا سعيد، وكان قرأ القرآن على أبي هريرة قال: ما قرأت القرآن إلا على أبي هريرة، هو أقرأني، وقال في هذه الآية { وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ } قال: هي المفاصل.

    وقال آخرون: بل هو القوّة.

    ذكر من قال ذلك:

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ } قال: الأسر: القوّة.

    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب القول الذي اخترناه، وذلك أن الأسر، هو ما ذكرت عند العرب ومنه قول الأخطل:
    مِنْ كلّ مُجْتَنَبٍ شَدِيدٍ أسْرُه سَلِسِ الْقِيادِ تَخالُهُ مُخْتالاَ
    ومنه قول العامة: خذه بأسره: أي هو لك كله.

  2. #1022
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,720
    سورة المرسلات

    ذكر من قال ذلك:

    حُدثت عن داود بن الزبرقان، عن صالح بن بريدة، في قوله: { عُرْفاً } قال: يتبع بعضها بعضاً.

    والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بالمرسلات عرفاً، وقد ترسل عُرْفاً الملائكة، وترسل كذلك الرياح، ولا دلالة تدلّ على أن المعنيّ بذلك أحد الحِزْبين دون الآخر وقد عمّ جلّ ثناؤه بإقسامه بكل ما كانت صفته ما وصف، فكلّ من كان صفته كذلك، فداخل في قسمه ذلك مَلَكاً أو ريحاً أو رسولاً من بني آدم مرسلاً.

    وقوله: { فالْعاصِفاتِ عَصْفاً } يقول جلّ ذكره: فالرياح العاصفات عصفاً، يعني الشديدات الهبوب السريعات الممرّ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل...

    حدثنا أحمد بن هشام، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السديّ، عن أبي صالح { والنَّاشِرَاتِ نَشْراً } قال: الملائكة تنشُر الكتب.

    وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بالناشرات نشراً، ولم يَخْصُص شيئاً من ذلك دون شيء، فالريح تنشر السحاب، والمطر ينشر الأرض، والملائكة تنشر الكتب، ولا دلالة من وجه يجب التسليم له على أن المراد من ذلك بعض دون بعض، فذلك على كل ما كان ناشراً...

    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس { فالْفارِقاتِ فَرْقاً } قال: الملائكة.

    وقال آخرون: بل عُنِي بذلك القرآن.

    ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فالْفارِقاتِ فَرْقاً } يعني القرآن ما فرق الله فيه بين الحقّ والباطل.

    والصواب من القول في ذلك أن يقال: أقسم ربنا جلّ ثناؤه بالفارقات، وهي الفاصلات بين الحقّ والباطل، ولم يخصص بذلك منهنّ بعضاً دون بعض، فذلك قَسَم بكلّ فارقة بين الحقّ والباطل، مَلَكاً كان أو قرآناً، أو غير ذلك....

    وقوله: { فالمُلْقِياتِ ذِكْراً } يقول: فالمبلِّغات وحي الله رسله، وهي الملائكة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

    ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس { فالمُلْقِياتِ ذِكْراً } يعني: الملائكة.

  3. #1023
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,720
    وذُكر عن ابن عباس أنه قرأ ذلك: «كالْقَصَرِ» بتحريك الصاد.

    حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، قال: أخبرني حسين المعلم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس أنه قرأها: «كالقَصَرِ» بفتح القاف والصاد.

    قال: وقال هارون: أخبرني أبو عمرو أن ابن عباس قرأها: «كالْقَصَرِ» وقال: قصر النخل، يعني الأعناق.

    وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، وهو سكون الصاد، وأولى التأويلات به أنه القصر من القصور، وذلك لدلالة قوله: { كأنهُ جِمالاتٌ صُفْرٌ } على صحته، والعرب تشبه الإبل بالقصور المبنية، كما قال الأخطل في صفة ناقة:
    كأنها بُرْجُ رُوميَ يُشَيِّدُه لُزَّ بِجصّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
    وقيل: { بِشَرَرٍ كالقَصْرِ } ولم يقل كالقصور، والشررِ: جماع، كما قيل: سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ولم يقل الأدبار، لأن الدبر بمعنى الأدبار، وفعل ذلك توفيقا بين رؤوس الآيات ومقاطع الكلام، لأن العرب تفعل ذلك كذلك، وبلسانها نزل القرآن. وقيل: كالقصر، ومعنى الكلام: كعظم القصر، كما قيل: تَدوُر أعُيُنهم كالذي يُغْشَى عليه مِنَ الموتِ ولم يقل: كعيون الذي يغشى عليه، لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
    ....

    حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { كأنَّهُ جِمالاتٌ صُفْرٌ } يقول: قطع النحاس.

    وأولى الأقوال عندي بالصواب قول من قال: عُنِي بالجمالات الصفر: الإبل السود، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وأن الجِمالات جمع جِمال، نظير رِجال ورِجالات، وبُيوت وبُيوتات.

    وقد اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: «جِمالاتٍ» بكسر الجيم والتاء على أنها جمع جِمال وقد يجوز أن يكون أريد بها جمع جِمالة، والجمالة جمع جَمَل كما الحجارة جمع حَجَر، والذِّكارة جمع ذَكَر. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين: { كأنه جِمالَةٌ } بكسر الجيم على أنها جمع جمل جُمع على جمالة، كما ذكرت مِن جمع حجَر حِجارة. ورُوي عن ابن عباس أنه كان يقرأ: «جُمالاتٌ» بالتاء وضمّ الجيم كأنه جمع جُمالة من الشيء المجمل.

    حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن الحسين المعلم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس.

    والصواب من القول في ذلك، أن لقارىء ذلك اختيارَ أيّ القراءتين شاء من كسر الجيم وقراءتها بالتاء وكسر الجيم، وقراءتها بالهاء التي تصير في الوصل تاء، لأنهما القراءتان المعروفتان في قرّاء الأمصار فأما ضم الجيم فلا أستجيزه لإجماع الحجة من القرّاء على خلافه.

  4. #1024
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,720
    وقوله: { وَإذَا قِيلَ لهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ } يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء المجرمين المكذّبين بوعيد الله أهل التكذيب به: اركعوا، لا يركعون.

    واختلف أهل التأويل في الحين الذي يقال لهم فيه، فقال بعضهم: يقال ذلك في الآخرة حين يُدْعون إلى السجود فلا يستطيعون.

    ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ } يقول: يُدْعون يوم القيامة إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا.

    وقال آخرون: بل قيل ذلك لهم في الدنيا.

    ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ } عليكم بحسن الركوع، فإن الصلاة من الله بمكان. وقال قتادة عن ابن مسعود، أنه رأى رجلاً يصلي ولا يركع، وآخر يجرّ إزاره، فضحك، قالوا: ما يُضحكك؟ قال: أضحكني رجلان، أما أحدهما فلا يقبل الله صلاته، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه.

    وقيل: عُنِي بالركوع في هذا الموضع الصلاة.

    ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { وَإذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ } قال: صَلُّوا.

    وأولى الأقوال في ذلك أن يقال: إن ذلك خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء القوم المجرمين أنهم كانوا له مخالفين في أمره ونهيه، لا يأتمرون بأمره، ولا ينتهون عما نهاهم عنه

  5. #1025
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,720
    سورة النبأ

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: { وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ } قال: من السماء.

    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه أنزل من المعصِرات، وهي التي قد تحلبت بالماء من السحاب ماء.

    وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن القول في ذلك على أحد الأقوال الثلاثة التي ذكرت، والرياح لا ماء فيها، فينزل منها، وإنما ينزل بها، وكان يصحّ أن تكون الرياح، ولو كانت القراءة: «وَأنْزَلْنا بالمُعْصِرَاتِ» فلما كانت القراءة: { منَ المُعْصِرَاتِ } علم أن المعنيّ بذلك ما وصفت.

    فإن ظنّ ظانّ أن الباء قد تعقب في مثل هذا الموضع من قيل ذلك، وإن كان كذلك، فالأغلب من معنى «من» غير ذلك، والتأويل على الأغلب من معنى الكلام. فإن قال: فإن السماء قد يجوز أن تكون مراداً بها. قيل: إن ذلك وإن كان كذلك، فإن الأغلب من نزول الغيث من السحاب دون غيره....

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَجَنَّاتٍ ألْفافاً } قال: هي الملتفة، بعضها فوق بعض.

    واختلف أهل العربية في واحد الألفاف، فكان بعض نحويِّي البصرة يقول: واحدها: لَفٌّ. وقال بعض نحويِّي الكوفة: واحدها: لَفّ ولفيف قال: وإن شئت كان الألفاف جمعاً، واحده جمع أيضاً، فتقول: جنة لفَّاء، وجنات لَفّ، ثم يجمع اللَّفّ ألفافاً.

    وقال آخر منهم: لم نسمع شجرة لفة، ولكن واحدها لفاء، وجمعها لفّ، وجمع لفّ: ألفاف، فهو جمع الجمع.

    والصواب من القول في ذلك أن الألفاف جمع لَفّ أو لفيف، وذلك أن أهل التأويل مجمعون على أن معناه: ملتفة، واللَّفاء: هي الغليظة، وليس الالتفاف من الغلظ في شيء، إلاَّ أن يوجه إلى أنه غلظ الالتفاف، فيكون ذلك حينئذٍ وجهاً.

  6. #1026
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,720
    ورُوي عن خالد بن معدان في هذه الآية، أنها في أهل القِبلة. ذكر من قال ذلك:

    حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عامر بن جشب، عن خالد بن معدان في قوله: { لابِثِينَ فِيها أحْقاباً } ، وقوله: { إلا ما شاءَ رَبُّكَ } إنهما في أهل التوحيد من أهل القبلة.

    فإن قال قائل: فما أنت قائل في هذا الحديث؟ قيل: الذي قاله قتادة عن الربيع بن أنس في ذلك أصحّ.

    فإن قال: فما للكفار عند الله عذابٌ إلاَّ أحقاباً قيل: إن الربيع وقتادة قد قالا: إن هذه الأحقاب لا انقضاء لها ولا انقطاع. وقد يحتمل أن يكون معنى ذلك: لابثين فيها أحقاباً، في هذا النوع من العذاب، هو أنهم: { لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَرَاباً إلاَّ حَمِيماً وغَسَّاقاً } فإذا انقضت تلك الأحقاب، صار لهم من العذاب أنواع غير ذلك، كما قال جلّ ثناؤه في كتابه:
    { وَإنَّ للطَّاغِينَ لَشَرَّ مآبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَميمٌ وغَسَّاقٌ وآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أزْوَاجٌ }
    وهذا القول عندي أشبه بمعنى الآية. وقد رُوي عن مقاتل بن حيان في ذلك ما:

    حدثني محمد بن عبد الرحيم البرقيّ، قال: ثنا عمرو بن أبي سَلَمة، قال: سألت أبا معاذ الخراسانيّ، عن قول الله: { لابِثِينَ فِيها أحْقاباً } فأخبرنا عن مقاتل بن حيَان، قال: منسوخة، نسختها:
    { فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلاَّ عَذَاباً }
    ولا معنى لهذا القول، لأن قوله: { لابِثِينَ فِيها أحْقاباً } خبر، والأخبار لا يكون فيها نسخ، وإنما النسخ يكون في الأمر والنهي....

    والغساق عندي: هو الفعال، من قولهم: غَسَقت عين فلان: إذا سالت دموعها، وغَسَق الجرح: إذا سال صديده، ومنه قول الله:
    { وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إذَا وَقَبَ }
    يعني بالغاسق: الليل إذا لَبِس الأشياء وغطاها وإنما أريد بذلك هجومه على الأشياء، هجوم السيل السائل فإذا كان الغسَّاق هو ما وصفت من الشيء السائل، فالواجب أن يقال: الذي وعد الله هؤلاء القوم، وأخبر أنهم يذوقونه في الآخرة من الشراب، هو السائل من الزمهرير في جهنم، الجامع مع شدّة برده النتن، كما:

    حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يعمر ابن بشر، قال: ثنا ابن المبارك، قال: ثنا رشدين بن سعد، قال: ثنا عمرو بن الحرث، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: " لَوْ أن دَلْواً مِنْ غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ إلى الدُّنْيا، لأَنْتَنَ أهْلَ الدُّنْيا "

    حُدثت عن محمد بن حرب، قال: ثنا ابن لَهِيعة، عن أبي قبيل، عن أبي مالك، عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: «أتدرون أيّ شيء الغسَّاق؟ قالوا: الله أعلم، قال: «هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب، لأنتن أهل المشرق، ولو تهراق بالمشرق، لأنتن أهل المغرب».

    فإن قال قائل: فإنك قد قلت: إن الغَسَّاق: هو الزمهرير، والزمهرير: هو غاية البرد، فكيف يكون الزمهرير سائلاً؟ قيل: إن البرد الذي لا يُستطاع ولا يُطاق، يكون في صفة السائل من أجساد القوم من القيح والصديد.

  7. #1027
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,720
    وقال آخرون: قيل: ذلك أرواح بني آدم. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ } قال: يعني حين تقوم أرواح الناس مع الملائكة، فيما بين النفختين، قبل أن تردّ الأرواح إلى الأجساد.

    وقال آخرون: هو القرآن. ذكر من قال ذلك:

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، كان أبي يقول: الروح: القرآن، وقرأ
    { وكَذَلِكَ أَوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحاً مِنْ أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الْكِتابُ وَلا الإيمَانُ }


    والصواب من القول أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنَّ خَلْقه لا يملكون منه خطاباً، يوم يقوم الرُّوح، والرُّوح: خَلْق من خلقه. وجائز أن يكون بعض هذه الأشياء التي ذكرت، والله أعلم أيّ ذلك هو؟ ولا خبر بشيء من ذلك أنه المعنيّ به دون غيره، يجب التسليم له، ولا حجة تدلّ عليه، وغير ضائر الجهل به.

    حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا حفص بن عمر العَدَنيّ، قال: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرِمة في قوله: { إلاَّ مَنْ أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقالَ صَوَاباً } قال: لا إله إلا الله.

    والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن خلقه أنهم لا يتكلمون يوم يقوم الروح والملائكة صفاً، إلا من أذن له منهم في الكلام الرحمن، وقال صواباً، فالواجب أن يقال كما أخبر إذ لم يخبرنا في كتابه، ولا على لسان رسوله، أنه عَنَى بذلك نوعاً من أنواع الصواب، والظاهر محتمل جميعه.

  8. #1028
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,720
    حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا المحاربيُّ عبدُ الرحمن بن محمد، عن إسماعيل بن رافع المدَنيّ، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القُرَظِيّ، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال»: " يَقْضِي اللّهُ بَينَ خَلْقِهِ الجِنِّ والإنْسِ والبَهائِمِ، وإنَّهُ لَيَقِيدُ يَوْمَئِذٍ الجَمَّاءِ مِنَ القَرْناءِ، حتى إذَا لَمْ يَبْقَ تَبِعَةٌ عِنْدَ وَاحِدَةٍ لأُخْرَى، قالَ اللّهُ: كُونُوا تُرَاباً، فَعِنْدَ ذلكَ يَقُولُ الكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً» "

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً } وهو الهالك المُفْرِط العاجز، وما يمنعه أن يقول ذلك وقد راج عليه عَوْراتُ عمله، وقد استقبل الرحمن وهو عليه غضبان، فتمنى الموت يومئذٍ، ولم يكن في الدنيا شيء أكره عنده من الموت

  9. #1029
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,720
    سورة النازعات

    حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن السديّ { والنَّازِعاتِ غَرْقاً } قال: النفس حين تغرق في الصدر.

    والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بالنازعات غرقاً، ولم يخصُصْ نازعة دون نازعة، فكلّ نازعة غَرْقاً، فداخلة في قَسَمه، مَلَكاً كان أو موتاً، أو نجماً، أو قوساً، أو غير ذلك. والمعنى: والنازعات إغراقاً، كما يغرق النازع في القوس.
    ...

    حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن واصل بن السائب، عن عطاء { والنَّاشِطاتِ نَشْطاً } قال: الأوهاق.

    والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله جلّ ثناؤه أقسم بالناشطات نَشْطاً، وهي التي تَنْشُط من موضع إلى موضع، فتذهب إليه، ولم يخصص الله بذلك شيئاً دون شيء، بل عَمّ القَسَم بجميع الناشطات، والملائكة تَنْشُط من موضع إلى موضع، وكذلك الموت، وكذلك النجوم والأوهاق وبقر الوحش أيضاً تَنْشُط، كما قال الطِّرِمَّاح:
    وَهَلْ بِحَلِيفِ الخَيْلِ مِمَّنْ عَهِدْتُهُ بِهِ غَيْرُ أُحْدانَ النَّوَاشِطِ رُوْعُ
    يعني بالنواشط: بقر الوحش، لأنها تنشَط من بلدة إلى بلدة، كما قال رُؤْبة بن العجَّاج:
    تَشَّطَتْه كُلُّ مِغْلاةِ الّوَهَقْ
    والهموم تَنْشُط صاحبها، كما قال هِمْيان بن قُحافة:
    أمْستْ هُمُومي تَنْشِطُ المَناشِطَا الشَّأمَ بي طَوْراً وَطَوْراً وَاسِطَا
    فكلّ ناشط فداخل فيما أقسم به، إلا أن تقوم حجة يجب التسليم لها، بأن المعنيّ بالقسم من ذلك، بعض دون بعض....

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { والسَّابِحاتِ سَبْحاً } قال: هي النجوم.

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

    وقال آخرون: هي السُّفُن. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن واصل بن السائب، عن عطاء { والسَّابِحاتِ سَبْحاً } قال: السفن.

    والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله جلّ ثناؤه أقسم بالسابحات سَبْحاً من خلقه، ولم يخصص من ذلك بعضاً دون بعض، فذلك كل سابح، لما وصفنا قبلُ في «النازعات«....

    حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن واصل بن السائب، عن عطاء { فالسَّابقاتِ سَبْقاً }. قال: الخيل.

    وقال آخرون: بل هي النجوم يَسبق بعضها بعضاً في السير. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فالسَّابِقاتِ سَبْقاً } قال: هي النجوم.

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

    والقول عندنا في هذه، مثل القول في سائر الأحرف الماضية...

    وقوله: { فالمُدَبِّراتِ أمْراً } يقول: فالملائكة المدبرة ما أُمِرَت به من أمر الله، وكذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فالمُدَبِّراتِ أمْراً } قال: هي الملائكة...

    واختلف أهل العربية في موضع جواب قوله: { والنَّازِعات غَرْقاً } فقال بعضُ نحويِّي البصرة: قوله { والنَّازِعاتِ غَرْقاً }: قسم والله أعلم على
    { إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشَى }
    وإن شئت جعلتها على { يَوْم تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ } وهو كما قال الله وشاء أن يكون في كل هذا، وفي كلّ الأمور. وقال بعض نحويِّي الكُوفة: جواب القسم في النازعات: ما تُرِك، لمعرفة السامعين بالمعنى، كأنه لو ظهر كان لَتُبْعَثُنّ ولتحاسبنّ قال: ويدل على ذلك
    { أئِذَا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً }
    ألا ترى أنه كالجواب لقوله:
    { لَتُبْعَثُنَّ }
    إذ قال:
    { أئِذَا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً }
    وقال آخر منهم نحو هذا، غير أنه قال: لا يجوز حذف اللام في جواب اليمين، لأنها إذا حذفت لم يُعرف موضعها، وذلك أنها تلي كلّ كلام.

    والصواب من القول في ذلك عندنا: أن جواب القسم في هذا الموضع، مما استغني عنه بدلالة الكلام، فتُرك ذكره.

  10. #1030
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,720
    وقوله: { أئِذَا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً } اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والحجاز والبصرة { نَخِرَةً } بمعنى: بالية. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: «ناخِرَةً» بألف، بمعنى: أنها مجوّفة، تنخَر الرياح في جوفها إذا مرّت بها. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين يقول: الناخرة والنَّخِرة: سواء في المعنى، بمنزلة الطامع والطمع، والباخل والبَخِل وأفصح اللغتين عندنا وأشهرهما عندنا: { نَخِرَةً } ، بغير ألف، بمعنى: بالية، غير أن رؤوس الآي قبلها وبعدها جاءت بالألف، فأعْجَبُ إليّ لذلك أن تُلْحَق ناخرة بها، ليتفق هو وسائر رؤوس الآيات، لولا ذلك كان أعجب القراءتين إليّ حذف الألف منها...

  11. #1031
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,720
    حدثني سعيد بن عبد الله بن عبد الحَكَم، قال: ثنا حفص بن عُمَرَ العَدَنِيّ، عن الحكيم بن أبان، عن عكرِمة، قول موسى لفرعون: { هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَّكَّى } هل لك إلى أن تقول لا إله إلا الله.

    واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { تَزَكَّى } فقرأته عامة قرّاء المدينة: «تزَّكَّى» بتشديد الزاي، وقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة: { إلى أنْ تَزَكَّى } بتخفيف الزاي. وكان أبو عمرو يقول، فيما ذُكر عنه: «تَزَّكَّى» بتشديد الزاي، بمعنى: تتصدّق بالزكاة، فتقول: تتزكى، ثم تدغم وموسى لم يدع فرعون إلى أن يتصدّق وهو كافر، إنما دعاه إلى الإسلام، فقال: تزكى: أي تكون زاكياً مؤمناً، والتخفيف في الزاي هو أفصح القراءتين في العربية.

  12. #1032
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,720
    حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { نَكالَ الآخِرَةِ والأولى } أما الأولى فحين قال فرعون:
    { ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيرِي }
    ، وأما الآخرة فحين قال:
    { أنا رَبُّكُمُ الأعْلَى }
    ، فأخذه الله بكلمتيه كلتيهما، فأغرقه في اليم.

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { فأخَذَهُ اللّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى } قال: اختلفوا فيها، فمنهم من قال: نكال الآخرة من كلمتيه، والأولى قوله:
    { ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرِي }
    ، وقوله:
    { أنا رَبُّكُمُ الأعْلَى }


    وقال آخرون: عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة، عجَّل الله له الغرق، مع ما أعدّ له من العذاب في الآخرة.

  13. #1033
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,720
    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس { والأرْضَ بَعْدَ ذلكَ دَحاها أخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها والجِبالَ أرْساها } يعني: أن الله خلق السموات والأرض، فلما فرغ من السموات قبل أن يخلق أقوات الأرض فيها، بعد خلق السماء، وأرسى الجبال، يعني بذلك دَحْوها الأقوات، ولم تكن تصلح أقوات الأرض ونباتها إلاَّ بالليل والنهار، فذلك قوله: { والأرْضَ بَعْدَ ذلكَ دَحاها } ألم تسمع أنه قال: { أخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرعَاها }.

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن حفص، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال: وضع البيت على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دُحيت الأرض من تحت البيت.

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، ومنه دُحِيت الأرض.

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: والأرض مع ذلك دحاها، وقالوا والأرض خُلِقت ودحيت قبل السماء، وذلك أن الله قال:
    { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ }
    قالوا: فأخبر الله أنه سَوَّى السموات بعد أن خلق ما في الأرض جميعاً، قالوا فإذا كان ذلك كذلك، فلا وجه لقوله: { والأرْضَ بَعْدَ ذلكَ دَحاها } إلاَّ ما ذكرنا، من أنه مع ذلك دحاها، قالوا: وذلك كقول الله عزّ وجلّ:
    { عُتُلِّ بَعْدَ ذَلكَ زنِيمٌ }
    بمعنى: مع ذلك زنيم، وكما يقال للرجل: أنت أحمق، وأنت بعد هذا لئيم الحسب، بمعنى: مع هذا، وكما قال جلّ ثناؤه:
    { وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ }
    أي من قبل الذكر، واستشهد بقول الهُذَليّ:
    حَمِدْتُ إلَهِي بَعْدَ عُرْوَةَ إذْ نَجَا خِراشٌ وبَعْضُ الشَّرّ أهْوَنُ مِنْ بَعْضِ
    وزعموا أن خراشاً نجا قبل عُرْوة.

    حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن خَصِيف، عن مجاهد { والأرْضَ بَعْدَ ذلكَ دَحاها } قال: مع ذلك دحاها.

    حدثني ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، أنه قال: «والأرْضَ عِنْدَ ذلكَ دَحاها«.

    حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا عليّ بن معبد، قال: ثنا محمد بن سلمة، عن خصيف، عن مجاهد { والأرْضَ بَعْدَ ذلكَ دَحاها } قال: مع ذلك دحاها.

    حدثني محمد بن خلف العَسْقلانيّ، قال: ثنا روّاد بن الجرّاح، عن أبي حمزة، عن السديّ، في قوله: { والأرْضَ بَعْدَ ذلكَ دَحاها } قال: مع ذلك دحاها.

    والقول الذي ذكرناه عن ابن عباس من أن الله تعالى خلق الأرض، وقدّر فيها أقواتها، ولم يَدْحُها، ثم استوى إلى السماء فسوّاهنّ سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك، فأخرج منها ماءها ومرعاها، وأرسى جبالها، أشبه بما دلّ عليه ظاهر التنزيل، لأنه جلّ ثناؤه قال: { والأرْضَ بَعْدَ ذلكَ دَحاها } ، والمعروف من معنى «بَعْد» أنه خلاف معنى «قَبْل»، وليس في دحو الله الأرض بعد تسويته السموات السبع، وإغطاشه ليلها، وإخراجه ضحاها، ما يوجب أن تكون الأرض خُلقت بعد خلق السموات لأن الدحو إنما هو البسط في كلام العرب، والمدّ يقال منه: دحا يدحو دَحْواً، ودَحَيْتُ أَدْحِي دَحْياً لغتان ومنه قول أُمَّية بن أبي الصلت:


    دَارٌ دَحاها ثُمَّ أعْمَرَنا بِها وأقامَ بالأخْرَى التي هيَ أمْجَدُ
    وقول أوس بن حجر في نعت غيث:
    يَنْفِي الحصَى عن جديد الأرْضِ مُبْتَرِكٌ كأنَّه فاحِصٌ أو لاعبٌ داحِي
    وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { والأرْضَ بَعْدَ ذلكَ دَحاها }: أي بسطها.

  14. #1034
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,720
    سورة عبس

    وقوله: { وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى } يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما يدريك يا محمد، لعلّ هذا الأعمى الذي عَبَست في وجهه يَزَّكَّى: يقول: يتطهَّر من ذنوبه. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { لَعَلَّهُ يَزَّكَّى }: يُسْلِم.

    وقوله: { أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذّكْرَى } يقول: أو يتذكَّر فتنفعَه الذكرى: يعني يعتبر فينفعه الاعتبار والاتعاظ، والقراءة على رفع: «فتَنْفَعُهُ» عطفاً به على قوله: { يَذَّكَّرُ } ، وقد رُوي عن عاصم النصبُ فيه والرفعُ، والنصب على أن تجعله جواباً بالفاء للعلّ، كما قال الشاعر:
    عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أوْ دُولاتِها يُدِلْنَنَا اللَّمَّةَ مِنْ لَمَّاتِها
    فَتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِنْ زَفْراتِها وتُنْقَعَ الغُلَّةُ مِنْ غُلاَّتِها
    «وتنقع» يُروى بالرفع والنصب.

  15. #1035
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,720
    والهاء في قوله «إنَّها» للسورة، وفي قوله «ذَكَرَهُ» للتنزيل والوحي { في صحف } يقول إنها تذكرة { فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ } يعني في اللوح المحفوظ، وهو المرفوع المطهَّر عند الله.

    وقوله: { بِأيْدِي سَفَرةٍ } يقول: الصحف المكرّمة بأيدي سَفَرة، جمع سافر.

    واختلف أهل التأويل فيهم ما هم؟ فقال بعضهم: هم كَتَبة. ذكر من قال ذلك:

    حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: { بِأيْدِي سَفَرَةٍ } يقول: كَتَبة.

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { بِأيْدِي سَفَرةٍ } قال: الكَتَبة.

    وقال آخرون: هم القُرّاء. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوَعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأيْدِي سَفَرةٍ } قال: هم القرّاء.

    وقال آخرون: هم الملائكة. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس { بِأيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ } يعني الملائكة.

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { بِأيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ } قال: السَّفَرة: الذين يُحْصون الأعمال.

    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: هم الملائكة الذين يَسْفِرون بين الله ورسله بالوحي. وسفير القوم: الذي يسعى بينهم بالصلح، يقال: سَفَرت بين القوم: إذا أصلحت بينهم ومنه قول الشاعر:
    وَما أدَعُ السِّفارَةَ بَينَ قَوْمي وَما أمْشِي بِغِشَ إنْ مَشَيْتُ
    وإذا وُجِّه التأويل إلى ما قلنا، احتمل الوجه الذي قاله القائلون هم الكَتَبة، والذي قاله القائلون هم القُرّاء، لأن الملائكة هي التي تقرأ الكتب، وتَسْفِر بين الله وبين رسله.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •