صفحة 65 من 75 الأولىالأولى ... 1555616263646566676869 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 961 إلى 975 من 1124

الموضوع: إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

  1. #961
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    وقال آخرون: بل عُنِي بها من مشركي مكة من لم يقاتل المؤمنين، ولم يخرجوهم من ديارهم قال: ونسخ الله ذلك بعدُ بالأمر بقتالهم. ذكر من قال ذلك:

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسألته عن قول الله عزّ وجلّ: { لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ }... الآية، فقال: هذا قد نسخ، نَسَخه، القتال، أمروا أن يرجعوا إليهم بالسيوف، ويجاهدوهم بها، يضربونهم، وضرب الله لهم أجل أربعة أشهر، إما المذابحة، وإما الإسلام.

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله { لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ }... الآية، قال: نسختها
    { اقْتُلُوا المُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ }
    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، من جميع أصناف الملل والأديان أن تبرُّوهم وتصلوهم، وتقسطوا إليهم، إن الله عزّ وجلّ عمّ بقوله { الَّذِينَ لَمْ يُقاتلُوكُمْ فِي الدّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكمْ مِنْ دِيارِكُمْ } جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصُصْ به بعضاً دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ، لأن برّ المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولانسب غير محرّم ولا منهى عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكُراع أو سلاح.

    قد بين صحة ما قلنا في ذلك، الخبر الذي ذكرناه عن ابن الزبير في قصة أسماء وأمها.

  2. #962
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    وقوله: { وَاسْئَلُوا ما أنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أنْفَقُوا } يقول تعالى ذكره لأزواج اللواتي لحقن من المؤمنين من دار الإسلام بالمشركين إلى مكة من كفار قريش: واسئلوا أيها المؤمنون الذين ذهبت أزواجهم فلحقن بالمشركين ما أنفقتم على أزواجكم اللواتي لحقن بهم من الصداق من تزوّجهن منهم، وليسئلكم المشركون منهم الذين لحق بكم أزواجهم مؤمنات إذا تزوّجن فيكم من تزوّجها منكم ما أنفقوا عليهنّ من الصداق.

    ...

    وقوله: { فَعاقَبْتُمْ } اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار { فَعاقَبْتُمْ } بالألف على مثال فاعلتم، بمعنى: أصبتم منهم عقبى. وقرأه حميد الأعرج فيما ذُكر عنه: «فَعَقَّبْتُمْ» على مثال فعَّلتم مشددة القاف، وهما في اختلاف الألفاظ بهما نظير قوله:
    { وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاسِ }
    وتُصَاعِرْ مع تقارب معانيهما.

    قال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندي بالصواب في ذلك قراءة من قرأ { فَعاقَبْتُمْ } بالألف لإجماع الحجة من القرّاء عليه.
    ...

    حدثنا أحمد، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: { فَعاقَبْتُمْ } قال: غنمتم.

    حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: سألنا الزهريّ، عن هذه الآية وقول الله فيها: { وَإنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أزْوَاجِكُمْ إلى الكُفَّارِ }. الآية، قال: يقول: إن فات أحداً منكم أهله إلى الكفار، ولم تأتكم امرأة تأخذون لها مثل الذي يأخذون منكم، فعوّضوه من فيء إن أصبتموه.

    وقال آخرون في ذلك ما:

    حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { وَإنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أزْوَاجِكُمْ إلى الكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ } قال: خرجت امرأة من أهل الإسلام إلى المشركين، ولم يخرج غيرها. قال: فأتت امرأة من المشركين، فقال القوم: هذه عُقْبتكم قد أتتكم، فقال الله { وَإنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أزْوَاجِكُمْ إلى الكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ }: أمسكتم الذي جاءكم منهم من أجل الذي لكم عندهم { فآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْوَاجُهُمْ مِثْلَ ما أنْفَقُوا } ثم أخبرهم الله أنه لا جناح عليهم إذا فعلوا الذي فعلوا أن ينكحوهنّ إذا استبرىء رحمها، قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذهبت امرأته إلى الكفار، فقال لهذه التي أتت من عند المشركين: هذا زوج التي ذهبت أزوجكه؟ فقالت: يا رسول الله، عذر الله زوجة هذا أن تفرّ منه، لا والله مالي به حاجة، فدعا البختري رجلاً جسيماً، قال: هذا؟ قالت: نعم، وهي ممن جاء من مكة.

    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: أمر الله عزّ وجلّ في هذه الآية المؤمنين أن يعطوا من فرّت زوجته من المؤمنين إلى أهل الكفر إذا هم كانت لهم على أهل الكفر عُقْبى، إما بغنيمة يصيبونها منهم، أو بلحاق نساء بعضهم بهم، مثل الذي أنفقوا على الفارّة منهم إليهم، ولم يخصص إيتاءهم ذلك من مال دون مال، فعليهم أن يعطوهم ذلك من كلّ الأموال التي ذكرناها.

  3. #963
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن منصور، في قوله: { يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ }... الآية، قال: قد يئسوا أن يكون لهم ثواب الآخرة، كما يئس من في القبور من الكفار من الخير، حين عاينوا العذاب والهوان.

    وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: قد يئس هؤلاء الذين غضب الله عليهم من اليهود من ثواب الله لهم في الآخرة، وكرامته لكفرهم وتكذيبهم رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم على علم منهم بأنه لله نبيّ، كما يئس الكفار منهم الذين مضوا قبلهم فهلكوا، فصاروا أصحاب القبور، وهم على مثل الذي هؤلاء عليه من تكذيبهم عيسى صلوات الله عليه وغيره من الرسل، من ثواب الله وكرامته إياهم.

    وإنما قلنا: ذلك أولى القولين بتأويل الآية، لأن الأموات قد يئسوا من رجوعهم إلى الدنيا، أو أن يُبعثوا قبل قيام الساعة المؤمنون والكفار، فلا وجه لأن يخصّ بذلك الخبر عن الكفار، وقد شركهم في الإياس من ذلك المؤمنون.

  4. #964
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    سورة الصف

    وقال آخرون: بل هذا توبيخ من الله لقوم من المنافقين، كانوا يَعِدُونَ المؤمنين النصر وهم كاذبون. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: { كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ } يقول للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: لو خرجتم خرجنا معكم، وكنا في نصركم، وفى، وفى، فأخبرهم أنه { كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ }.

    وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عنى بها الذين قالوا: لو عرفنا أحبّ الأعمال إلى الله لعملنا به، ثم قصروا في العمل بعدما عرفوا.

    وإنما قلنا: هذا القول أولى بها، لأن الله جلّ ثناؤه خاطب بها المؤمنين، فقال: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا } ولو كانت نزلت في المنافقين لم يسموْا، ولم يوصفوا بالإيمان، ولو كانوا وصفوا أنفسهم بفعل ما لم يكونوا فعلوه، كانوا قد تعمدوا قيل الكذب، ولم يكن ذلك صفة القوم، ولكنهم عندي أمَّلوا بقولهم: لو علمنا أحبّ الأعمال إلى الله عملناه أنهم لو علموا بذلك عملوه فلما علموا ضعفت قوى قوم منهم، عن القيام بما أملوا القيام به قبل العلم، وقوي آخرون فقاموا به، وكان لهم الفضل والشرف....

    والصواب من القول في ذلك عندي أن قوله { مَقْتاً } منصوب على التفسير، كقول القائل: كبر قولاً هذا القول.

  5. #965
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    وقوله: { لِيُظْهِرَهُ على الدّينِ كُلِّه } يقول: ليظهر دينه الحقّ الذي أرسل به رسوله على كلّ دين سواه، وذلك عند نزول عيسى ابن مريم، وحين تصير الملة واحدة، فلا يكون دين غير الإسلام، كما:

    حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي المقدام ثابت بن هرمز، عن أبي هريرة { لِيَظْهِرَهُ على الدّينِ كُلِّه } قال: خروج عيسى ابن مريم.

    وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في معنى قوله { لَيُظْهِرَهُ على الدّين كُلِّه } والصواب عندنا من القول في ذلك بعلله فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقد:

    حدثني عبد الحميد بن جعفر، قال: ثنا الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " لا يَذْهَبُ اللَّيْلُ والنَّهارُ حتى تُعْبَدَ اللاَّتُ والعُزَّى " فقالت عائشة: والله يا رسول الله إن كنت لأظنّ حين أنزل الله { هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بالهُدَى وَدِينِ الحَقّ لِيُظْهِرَهُ على الدّينِ كُلِّه }... الآية، أن ذلك سيكون تاماً، فقال: " إنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذلكَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحاً طَيِّبَةً، فَيَتَوَفَّى مَنْ كانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مَنْ خَيْرٍ، فَيَبْقَى مَنْ لا خَيْرَ فِيهِ، فَيَرْجِعُونَ إلى دِينِ آبائِهمْ ".

  6. #966
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    اختلف أهل العربية فيما نعتت به قوله { وأُخْرَى } فقال بعض نحوييّ البصرة: معنى ذلك: وتجارة أخرى، فعلى هذا القول يجب أن يكون أخرى في موضع خفض عطفاً به على قوله:
    { هَلْ أدُلُّكُمْ على تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ ألِيمِ }
    وقد يحتمل أن يكون رفعاً على الابتداء. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: هي في موضع رفع. أي ولكم أخرى في العاجل مع ثواب الآخرة، ثم قال: { نصر من الله } مفسراً للأخرى.

    والصواب من القول في ذلك عندي القول الثاني، وهو أنه معنّي به: ولكم أخرى تحبونها، لأن قوله { نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ } مبين عن أن قوله { وأُخرى } في موضع رفع، ولو كان جاء ذلك خفضاً حسن أن يجعل قوله { وأُخْرَى } عطفاً على قوله { تِجَارَةٍ } ، فيكون تأويل الكلام حينئذ لو قرىء ذلك خفضاً، وعلى خلة أخرى تحبونها، فمعنى الكلام إذا كان الأمر كما وصفت: هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله، يغفر لكم ذنوبكم، ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار، ولكم خلة أخرى سوى ذلك في الدنيا تحبونها: نصر من الله لكم على أعدائكم، وفتح قريب يعجله لكم...

    وقوله: { فأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا على عَدُوّهِمْ } يقول: فقوّينا الذين آمنوا من الطائفتين من بني إسرائيل على عدوّهم، الذي كفروا منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم لتصديقه إياهم، أن عيسى عبد الله ورسوله، وتكذيبه من قال هو إله، ومن قال: هو ابن الله تعالى ذكره، فأصبحوا ظاهرين، فأصبحت الطائفة المؤمنون ظاهرين على عدوّهم الكافرين منهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن عبد الله الهلالي، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { فأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا على عَدُوّهِمْ } قال: قوّينا.

    حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك، عن إبراهيم { فآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ } قال: لما بعث الله محمداً، ونزل تصديق من آمن بعيسى، أصبحت حجة من آمن به ظاهرة.

    قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك، عن إبراهيم، في قوله { فأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا على عَدُوّهِمْ فأصْبَحُوا ظاهِرِينَ } قال: أيدوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فصدّقهم، وأخبر بحجتهم.

    حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: { فأصْبَحُوا ظاهِرِينَ } قال: أصبحت حجة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم كلمة الله وروحه.

    حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { فأصْبَحُوا ظاهِرِينَ } من آمن مع عيسى صلى الله عليه وسلم.

  7. #967
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    سورة الجمعة

    وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي قول من قال: عُنِيَ بذلك كلّ لاحق لحق بالذين كانوا صحبوا النبيّ صلى الله عليه وسلم في إسلامهم من أيّ الأجناس لأن الله عزّ وجلّ عمّ بقوله: { وآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ } كلَّ لاحق بهم من آخرين، ولم يخصص منهم نوعاً دون نوع، فكلّ لاحق بهم فهو من الآخرين الذي لم يكونوا في عداد الأوّلين الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو عليهم آيات الله وقوله: { لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ } يقول: لم يجيئوا بعد وسيجيئون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ } يقول: لم يأتوا بعد.

    وقوله: { وَهُوَ العَزِيزُ الْحكِيم } يقول: والله العزيز في انتقامه ممن كفر به منهم، الحكيم في تدبيره خلقه.

  8. #968
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآمُلى، قال: ثنا جرير، عن حصين، عن سالم، عن جابر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً يوم الجمعة، فجاءت عير من الشام، فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً، قال: فنزلت هذه الآية في الجمعة { وَإذَا رَأَوْا تِجارَةَ أوْ لَهْواً انْفَضُّوا إلَيْها وَتَركُوكَ قائماً }.

    وأما اللهو، فإنه اختُلف من أيّ أجناس اللهو كان، فقال بعضهم: كان كَبَراً ومزامير. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا يحيى بن صالح، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، قال: كان الجواري إذا نكحوا كانوا يمرّون بالكبر والمزامير ويتركون النبيّ صلى الله عليه وسلم قائماً على المنبر، وينفضون إليها، فأنزل الله { وَإذَا رَأَوْا تِجارَةَ أوْ لَهْواً انْفَضُّوا إلَيْها }.

    وقال آخرون: كان طبلاً. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: اللهو: الطبل.

    حدثني الحارث، قال: ثنا الأشيب، قال: ثنا ورقاء، قال: ذكر عبد الله بن أبي نجيح، عن إبراهيم بن أبي بكير، عن مجاهد أن اللهو: هو الطبل.

    والذي هو أولى بالصواب في ذلك الخبر الذي رويناه عن جابر، لأنه قد أدرك أمر القوم ومشاهدهم.

  9. #969
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    سورة المنافقون

    يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى رسول الله يستغفر لكم لوّوا رؤوسهم، يقول: حرّكوها وهزّوها استهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم وباستغفاره وبتشديدها الواو من «لوّوا» قرأت القرّاء على وجه الخبر عنهم أنهم كرّروا هز رؤوسهم وتحريكها، وأكثروا، إلاّ نافعاً فإنه قرأ ذلك بتخفيف الواو: «لوَوْا» على وجه أنهم فعلوا ذلك مرّة واحدة.

    والصواب من القول في ذلك قراءة من شدّد الواو لإجماع الحجة من القرّاء عليه...

    واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { وأكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ } فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الأمصار غير ابن محيصن وأبي عمرو: وأكن، جزماً عطفاً بها على تأويل قوله { فأصَّدَّقَ } لو لم تكن فيه الفاء، وذلك أن قوله: فأصَّدَّقَ } لو لم تكن فيه الفاء كان جزماً. وقرأ ذلك ابن محيصن وأبو عمرو: «وأكُونَ» بإثبات الواو ونصب «وأكونَ» عطفاً به على قوله { فأصَّدَّق } فنصب قوله «وأكُونَ» إذ كان قوله { فأصَّدَّقَ } نصباً.

    والصواب من القول في ذلك: أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

  10. #970
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    سورة التغابن

    وقد تقدم بياننا عن معنى الناسخ والمنسوخ بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع وليس في قوله: { فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ } دلالة واضحة على أنه لقوله: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ناسخ، إذ كان محتملاً قوله: اتقوا الله حقّ تقاته فيما استطعتم، ولم يكن بأنه له ناسخ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا كان ذلك كذلك، فالواجب استعمالهما جميعاً على ما يحتملان من وجوه الصحة.

  11. #971
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    سورة الطلاق

    وقال آخرون: الفاحشة المبينة التي ذكر الله عزّ وجلّ في هذا الموضع خروجها من بيتها. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: { وَلا يَخْرُجْنَ إلا أنْ يَأتِينَ بفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } قال: خروجها من بيتها فاحشة. قال بعضهم: خروجها إذا أتت بفاحشة أن تخرج فيُقام عليها الحدّ.

    حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا سعيد بن الحكم ابن أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب قال: ثني محمد بن عجلان، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، في قوله: { لا تُخْرِجُوهُن مِنْ بُيُوتهِنِّ وَلا يَخْرُجْنَ إلا أنْ يَأْتِينَ بفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } قال: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة.

    والصواب من القول في ذلك عندي قول من قال: عنى بالفاحشة في هذا الموضع: المعصية، وذلك أن الفاحشة هي كلّ أمر قبيح تعدّى فيه حدّه، فالزنى من ذلك، والسرقة والبذاء على الأحماء، وخروجها متحوّلة عن منزلها الذي يلزمها أن تعتدّ فيه منه، فأيّ ذلك فعلت وهي في عدتها، فلزوجها إخراجها من بيتها ذلك، لإتيانها بالفاحشة التي ركبتها....

  12. #972
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قول من قال: عُنِي بذلك: إن ارتبتم فلم تدروا ما الحكم فيهنّ، وذلك أن معنى ذلك لو كان كما قاله من قال: إن ارتبتم بدمائهنّ فلم تدروا أدم حيض، أو استحاضة؟ لقيل: إن ارتبتنّ لأنهنّ إذا أشكل الدم عليهنّ فهنّ المرتابات بدماء أنفسهنّ لا غيرهنّ، وفي قوله: { إن ارْتَبْتُمْ } وخطابه الرجال بذلك دون النساء الدليل الواضح على صحة ما قلنا من أن معناه: إن ارتبتم أيها الرجال بالحكم فيهنّ وأخرى وهو أنه جلّ ثناؤه قال: { وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ المَحيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إنِ ارْتَبْتُمْ } واليائسة من المحيض هي التي لا ترجو محيضاً للكبر، ومحال أن يقال: واللائي يئسن، ثم يقال: ارتبتم بيأسهنّ، لأن اليأس: هو انقطاع الرجاء والمرتاب بيأسها مرجوّ لها، وغير جائز ارتفاع الرجاء ووجوده في وقت واحد، فإذا كان الصواب من القول في ذلك ما قلنا، فبين أن تأويل الآية: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم بالحكم فيهنّ، وفي عِددهنّ، فلم تدروا ما هنّ، فإن حكم عددهنّ إذا طلقن، وهنّ ممن دخل بهنّ أزواجهنّ، فعدتهنّ ثلاثة أشهر { وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ } يقول: وكذلك عدد اللائي لم يحضن من الجواري لصغر إذا طلقهنّ أزواجهنّ بعد الدخول. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا محمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ في قوله: { وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ المَحيضِ مِنْ نِسائِكُمْ } يقول: التي قد ارتفع حيضها، فعدتها ثلاثة أشهر { واللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ } قال: الجواري.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ المَحيضِ مِنْ نِسائِكُمْ } وهنّ اللواتي قعدن من المحيض فلا يحضن، واللائي لم يحضن هنّ الأبكار التي لم يحضن، فعدتهنّ ثلاثة أشهر....

    وقال آخرون: ذلك خاصّ في المطلقات، وأما المتوفي عنها فإن عدتها آخر الأجلين، وذلك قول مرويّ عن عليّ وابن عباس رضي الله عنهما.

    وقد ذكرنا الرواية بذلك عنهما فيما مضى قبل.

    والصواب من القول في ذلك أنه عامّ في المطلقات والمتوفي عنهنّ، لأن الله جلّ وعزّ، عمّ بقوله بذلك فقال: { وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } ولم يخصص بذلك الخبر عن مطلقة دون متوفي عنها، بل عمّ الخبر به عن جميع أولات الأحمال. إن ظنّ ظانّ أن قوله { وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } في سياق الخبر عن أحكام المطلقات دون المتوفي عنهنّ، فهو بالخبر عن حكم المطلقة أولى بالخبر عنهنّ، وعن المتوفي عنهنّ، فإن الأمر بخلاف ما ظنّ، وذلك أن ذلك وإن كان في سياق الخبر عن أحكام المطلقات، فإنه منقطع عن الخبر عن أحكام المطلقات، بل هو خبر مبتدأ عن أحكام عدد جميع أولات الأحمال المطلقات منهنّ وغير المطلقات، ولا دلالة على أنه مراد به بعض الحوامل دون بعض من خبر ولا عقل، فهو على عمومه لما بيَّنا.

  13. #973
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    والصواب من القول في ذلك عندنا أن لا نفقة للمبتوتة إلا أن تكون حاملاً، لأن الله جلّ ثناؤه جعل النفقة بقوله { وَإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ } للحوامل دون غيرهنّ من البائنات من أزواجهن ولو كان البوائن من الحوامل وغير الحوامل في الواجب لهنّ من النفقة على أزواجهنّ سواء، لم يكن لخصوص أولات الأحمال بالذكر في هذا الموضع وجه مفهوم، إذ هنّ وغيرهنّ في ذلك سواء، وفي خصوصهن بالذكر دون غيرهنّ أدلّ الدليل على أن لا نفقة لبائن إلا أن تكون حاملاً...

    وبالذي قلنا في ذلك صحّ الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعيّ، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، قال: ثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثتني فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس أن أبا عمرو المخزوميّ، طلقها ثلاثاً فأمر لها بنفقة فاستقلتها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه نحو اليمن، فانطلق خالد بن الوليد في نفر من بني مخزوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند ميمونة، فقال: يا رسول الله إن أبا عمرو طلق فاطمة ثلاثاً، فهل لها من نفقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَيْسَ لَهَا نَفَقَةٌ " فأرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن " انتقلي إلى بيت أمّ شريك " وأرسل إليها " أن لا تسبقيني بنفسك " ثم أرسل إليها " أنّ أمّ شريك يأتيها المهاجرون الأوّلون، فانتقلي إلى ابن أمّ مكتوم، فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك " فزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم أُسامة بن زيد....

    وقوله: { قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً } اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بالذكر والرسول في هذا الموضع، فقال بعضهم: الذكر هو القرآن، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: { قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً } قال: الذكر: القرآن، والرسول: محمد صلى الله عليه وسلم.

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله عزّ وجلّ: { قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ ذِكْراً } قال: القرآن روح من الله، وقرأ:
    { وكَذَلكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحاً مِنْ أمْرِنا }
    إلى آخر الآية، وقرأ: { قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً } قال: القرآن، وقرأ:
    { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالذّكْرِ لمَّا جاءَهُمْ }
    قال: بالقرآن، وقرأ: { إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذّكْرَ } قال: القرآن، قال: وهو الذكر، وهو الروح.

    وقال آخرون: الذكر: هو الرسول.

    والصواب من القول في ذلك أن الرسول ترجمة عن الذكر، وذلك نصب لأنه مردود عليه على البيان عنه والترجمة.

    فتأويل الكلام إذن: قد أنزل الله إليكم يا أولي الألباب ذِكراً من الله لكم يذكركم به، وينبهكم على حظكم من الإيمان بالله، والعمل بطاعته، رسولاً يتلو عليكم آيات الله التي أنزلها عليه { مُبَيِّنات } يقول: مبينات لمن سمعها وتدبرها أنها من عند الله.

  14. #974
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    سورة التحريم

    وقال آخرون: كان ذلك شراباً يشربه، كان يعجبه ذلك. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن عبد الله بن شدّاد بن الهاد، قال: نزلت هذه الآية في شراب { يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أزْوَجكَ }.

    حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو قَطن البغدادي عمرو بن الهيثم، قال: ثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن عبد الله بن شدّاد مثله.

    قال: ثنا أبو قطن، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، عن ابن أبي مليكة، قال: نزلت في شراب.

    والصواب من القول في ذلك أن يقال: كان الذي حرّمه النبيّ صلى الله عليه وسلم على نفسه شيئاً كان الله قد أحله له، وجائز أن يكون ذلك كان جاريته، وجائز أن يكون كان شراباً من الأشربة، وجائز أن يكون كان غير ذلك، غير أنه أيّ ذلك كان، فإنه كان تحريم شيء كان له حلالاً، فعاتبه الله على تحريمه على نفسه ما كان له قد أحله، وبين له تحلَّة يمينه كان حلف بها مع تحريمه ما حرّم على نفسه.

    فإن قائل قائل: وما برهانك على أنه صلى الله عليه وسلم كان حلف مع تحريمه ما حرم، فقد علمت قول من قال: لم يكن من النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذلك غير التحريم، وأن التحريم هو اليمين؟ قيل: البرهان على ذلك واضح، وهو أنه لا يعقل في لغة عربية ولا عجمية أن قول القائل لجاريته، أو لطعام أو شراب، هذا عليّ حرام يمين، فإذا كان ذلك غير معقول، فمعلوم أن اليمين غير قول القائل للشيء الحلال له: هو عليّ حرام. وإذا كان ذلك كذلك صحّ ما قلنا، وفسد ما خالفه، وبعد، فجائز أن يكون تحريم النبيّ صلى الله عليه وسلم ما حرّم على نفسه من الحلال الذي كان الله تعالى ذكره، أحله له بيمين، فيكون قوله { لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ } معنا: لم تحلف على الشيء الذي قد أحله الله أن لا تقربه، فتحرّمه على نفسك باليمين.

    وإنما قلنا: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم حرّم ذلك، وحلف مع تحريمه، كما:

    حدثني الحسن بن قزعة، قال: ثنا مسلمة بن علقمة، عن داود ابن أبي هند، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن عائشة قالت: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرم، فأُمِرَ في الإيلاء بكفارة، وقيل له في التحريم { لِمَ تُحَرّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ }.

  15. #975
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,320
    يقول تعالى ذكره: { وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ } محمد صلى الله عليه وسلم { إلى بَعْض أزْوَاجِهِ } ، وهو في قول ابن عباس وقتادة وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن بن زيد والشعبي والضحاك بن مزاحم: حَفْصَةُ. وقد ذكرنا الرواية في ذلك قبل.

    وقوله: { حَديثاً } والحديث الذي أسرّ إليها في قول هؤلاء هو قوله لمن أسرّ إليه ذلك من أزواجه تحريمُ فتاته، أو ما حرّم على نفسه مما كان الله جلّ ثناؤه قد أحله له، وحلفه على ذلك وقوله: " لا تَذْكُرِي ذَلِكَ لأَحَدٍ ".

    وقوله: { فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ } يقول تعالى ذكره: فلما أخبرت بالحديث الذي أسرّ إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبتها { وأظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ } يقول: وأظهر الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم على أنها قد أنبأت بذلك صاحبتها.

    وقوله: { عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْض } اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار غير الكسائي: { عَرَّفَ } بتشديد الراء، بمعنى: عرّف النبيّ صلى الله عليه وسلم حفصة بعض ذلك الحديث وأخبرها به، وكان الكسائي يذكر عن الحسن البصريّ وأبي عبد الرحمن السلمي وقتادة، أنهم قرأوا ذلك: «عَرَفَ» بتخفيف الراء، بمعنى: عرف لحفصة بعض ذلك الفعل الذي فعلته من إفشائها سرّه، وقد استكتمها إياه: أي غضب من ذلك عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجازاها عليه من قول القائل لمن أساء إليه: لأعرفنّ لك يا فلان ما فعلت، بمعنى: لإجازينك عليه قالوا: وجازاها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من فعلها بأن طلقها.

    وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه { عَرَّفَ بَعْضَهُ } بتشديد الراء، بمعنى: عرّف النبيّ صلى الله عليه وسلم حفصة، يعني ما أظهره الله عليه من حديثها صاحبتها لإجماع الحجة من القرّاء عليه.

    وقوله: { وأعْرَضَ عَنْ بَعْض } يقول: وترك أن يخبرها ببعض. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْوَاجِهِ حَدِيثاً } قوله لها: لا تذكريه { فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ } وكان كريماً صلى الله عليه وسلم.....

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •