صفحة 6 من 75 الأولىالأولى ... 23456789101656 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 76 إلى 90 من 1124

الموضوع: إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

  1. #76
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,890
    وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية ما قاله قتادة من أن الله تعالـى ذكره عنى بقوله: { وَلا تَنْكِحُوا الـمُشْركاتِ حَّتـى يُؤْمِنَّ } من لـم يكن من أهل الكتاب من الـمشركات، وأن الآية عام ظاهرها خاص بـاطنها لـم ينسخ منها شيء، وأن نساء أهل الكتاب غير داخلات فـيها. وذلك أن الله تعالـى ذكره أحل بقوله:
    { وَظ±لْمُحْصَنَاتُ مِنَ ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ ظ±لْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ }
    [المائدة: 5] للـمؤمنـين من نكاح مـحصناتهن، مثل الذي أبـاح لهم من نساء الـمؤمنات...

  2. #77
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,890
    ونظائر ذلك من الأخبـار التـي يطول بـاستـيعاب ذكر جميعها الكتاب قالوا: فما فعل النبـيّ صلى الله عليه وسلم من ذلك فجائز، وهو مبـاشرة الـحائض ما دون الإزار وفوقه، وذلك دون الركبة وفوق السرّة، وما عدا ذلك من جسد الـحائض فواجب اعتزاله لعموم الآية.

    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: إن للرجل من امرأته الـحائض ما فوق الـمؤتزر ودونه لـما ذكرنا من العلة لهم.

    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَلا تَقْرَبُوهُنّ حتَّـى يَطْهُرْنَ }.....

    اختلف القراء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: { حتـى يَطْهُرْنَ } بضم الهاء وتـخفـيفها، وقرأه آخرون بتشديد الهاء وفتـحها. وأما الذين قرءوه بتـخفـيف الهاء وضمها فإنهم وجهوا معناه إلـى: ولا تقربوا النساء فـي حال حيضهن حتـى ينقطع عنهن دم الـحيض ويطهرن. وقال بهذا التأويـل جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن مهدي ومؤمل، قالا: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: { وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَّتـى يَطْهُرْنَ } قال: انقطاع الدم.

    حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفـيان أو عثمان بن الأسود: { وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَّتـى يَطْهُرْنَ } حتـى ينقطع عنهن الدم.

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبـيد الله العتكي، عن عكرمة فـي قوله: { وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَّتـى يَطْهُرْنَ } قال: حتـى ينقطع الدم.

    وأما الذين قرءوا ذلك بتشديد الهاء وفتـحها، فإنهم عنوا به: حتـى يغتسلن بـالـماء وشدّدوا الطاء لأنهم قالوا: معنى الكلـمة: حتـى يتطهرن أدغمت التاء فـي الطاء لتقارب مخرجيهما.

    وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك قراءة من قرأ: «حَّتـى يَطَّهَّرْنَ» بتشديدها وفتـحها، بـمعنى: حتـى يغتسلن، لإجماع الـجميع علـى أن حراماً علـى الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع دم حيضها حتـى تطهر.

    ...

    وأولـى التأويـلـين بتأويـل الآية قول من قال: معنى قوله: { فإذَا تَطَهّرْنَ } فإذا اغتسلن لإجماع الـجميع علـى أنها لا تصير بـالوضوء بـالـماء طاهراً الطهر الذي يحلّ لها به الصلاة، وأن القول لا يخـلو فـي ذلك من أحد أمرين: إما أن يكون معناه: فإذا تطهرن من النـجاسة فأتوهن.

    وإن كان ذلك معناه، فقد ينبغي أن يكون متـى انقطع عنها الدم فجائز لزوجها جماعها إذا لـم تكن هنالك نـجاسة ظاهرة، هذا إن كان قوله: { فإذَا تَطَهّرْنَ } جائزاً استعماله فـي التطهر من النـجاسة، ولا أعلـمه جائزاً إلا علـى استكراه الكلام أو يكون معناه: فإذا تطهرن للصلاة فـي إجماع الـجميع من الـحجة علـى أنه غير جائز لزوجها غشيانها بـانقطاع دم حيضها، إذا لـم يكن هنالك نـجاسة دون التطهر بـالـماء إذا كانت واجدته أدلّ الدلـيـل علـى أن معناه: فإذا تطهرن الطهر الذي يجزيهن به الصلاة. وفـي إجماع الـجميع من الأمة علـى أن الصلاة لا تـحلّ لها إلا بـالاغتسال أوضح الدلالة علـى صحة ما قلنا من أن غشيانها حرام إلا بعد الاغتسال، وأن معنى قوله: { فإذَا تَطَهّرْنَ } فإذا اغتسلن فصرن طواهر الطهر الذي يجزيهن به الصلاة..

    وأولـى الأقوال بـالصواب فـي تأويـل ذلك عندي قول من قال: معنى ذلك: فأتوهن من قُبْل طهرهن وذلك أن كل أمر بـمعنى فنهي عن خلافه وضده، وكذلك النهي عن الشيء أمر بضده وخلافه. فلو كان معنى قوله: { فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ فأتوهنّ } من قبل مخرج الدم الذي نهيتكم أن تأتوهن من قبله فـي حال حيضهن، لوجب أن يكون قوله: { وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتـى يَطْهُرْنَ } تأويـله: ولا تقربوهنّ فـي مخرج الدم دون ما عدا ذلك من أماكن جسدها، فـيكون مطلقاً فـي حال حيضها إتـيانهن فـي أدبـارهنّ. وفـي إجماع الـجميع علـى أن الله تعالـى ذكره لـم يطلق فـي حال الـحيض من إتـيانهنّ فـي أدبـارهن شيئاً حرّمه فـي حال الطهر ولا حرم من ذلك فـي حال الطهر شيئاً أحله فـي حال الـحيض، ما يعلـم به فساد هذا القول.

    وبعد: فلو كان معنى ذلك علـى ما تأوّله قائلو هذه الـمقالة لوجب أن يكون الكلام: فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله، حتـى يكون معنى الكلام حينئذ علـى التأويـل الذي تأوّله، ويكون ذلك أمرا بإتـيانهن فـي فروجهن، لأن الكلام الـمعروف إذا أريد ذلك أن يقال: أتـى فلان زوجته من قبل فرجها، ولا يقال: أتاها من فرجها إلا أن يكون أتاها من قبل فرجها فـي مكان غير الفرج.

    فإن قال لنا قائل: فإن ذلك وإن كان كذلك، فلـيس معنى الكلام: فأتوهن فـي فروجهن، وإنـما معناه، فأتوهن من قبل قبلهن فـي فروجهن، كما يقال: أتـيت هذا الأمر من مأتاه. قـيـل له: إن كان ذلك كذلك، فلا شك أن مأتـى الأمر ووجهه غيره، وأن ذلك مطلبه. فإن كان ذلك علـى ما زعمتـم، فقد يجب أن يكون معنى قوله: { فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ } غير الذي زعمتـم أنه معناه بقولكم: ائتوهن من قبل مخرج الدم ومن حيث أمرتـم بـاعتزالهن، ولكن الواجب أن يكون تأويـله علـى ذلك: فأتوهنّ من قبل وجوههنّ فـي أقبـالهن، كما كان قول القائل ائت الأمر من مأتاه إنـما معناه: اطلبه من مطلبه، ومطلب الأمر غير الأمر الـمطلوب، فكذلك يجب أن مأتـى الفرج الذي أمر الله فـي قولهم بإتـيانه غير الفرج. وإذا كان كذلك وكان معنى الكلام عندهم: فأتوهن من قبل وجوههنّ فـي فروجهنّ، وجب أن يكون علـى قولهم مـحرّما إتـيانهنّ فـي فروجهن من قبل أدبـارهن، وذلك إن قالوه خرج من قاله من قـيـل أهل الإسلام، وخالف نصّ كتاب الله تعالـى ذكره وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك أن الله يقول: { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُـمْ } وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي إتـيانهن فـي فروجهن من قبل أدبـارهن.

    فقد تبـين إذا إذ كان الأمر علـى ما وصفنا فساد تأويـل من قال ذلك: فأتوهنّ فـي فروجهنّ حيث نهيتكم عن إتـيانهن فـي حال حيضهن، وصحة القول الذي قلناه، وهو أن معناه: فأتوهن فـي فروجهن من الوجه الذي أذن الله لكم بإتـيانهن، وذلك حال طهرهن وتطهرهن دون حال حيضهن.

    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: إن الله يحبّ التوّابـين من الذنوب، ويحبّ الـمتطهرين بـالـماء للصلاة لأن ذلك هو الأغلب من ظاهر معانـيه. وذلك أن الله تعالـى ذكره ذكر أمر الـمـحيض، فنهاهم عن أمور كانوا يفعلونها فـي جاهلـيتهم، من تركهم مساكنة الـحائض ومؤاكلتها ومشاربتها، وأشياء غير ذلك مـما كان تعالـى ذكره يكرهها من عبـاده. فلـما استفتـى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك أوحى الله تعالـى إلـيه فـي ذلك، فبـين لهم ما يكرهه مـما يرضاه ويحبه، وأخبرهم أنه يحبّ من خـلقه من أناب إلـى رضاه ومـحبته، تائبـا مـما يكرهه. وكان مـما بـين لهم من ذلك أنه قد حرم علـيهم إتـيان نسائهم وإن طهرن من حيضهن حتـى يغتسلن، ثم قال: { وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَّتـى يَطْهُرْنَ فَإذَا تَطَهّرْنَ فأْتُوهُنّ } فإن الله يحبّ الـمتطهرين، يعنـي بذلك الـمتطهرين من الـجنابة والأحداث للصلاة، والـمتطهرات بـالـماء من الـحيض والنفـاس والـجنابة والأحداث من النساء. وإنـما قال: ويحبّ الـمتطهرين، ولـم يقل الـمتطهرات، وإنـما جرى قبل ذلك ذكر التطهر للنساء لأن ذلك بذكر الـمتطهرين يجمع الرجال والنساء، ولو ذكر ذلك بذكر الـمتطهرات لـم يكن للرجال فـي ذلك حظ، وكان للنساء خاصة، فذكر الله تعالـى ذكره بـالذكر العام جميع عبـاده الـمكلفـين، إذ كان قد تعبد جميعهم بـالتطهر بـالـماء، وإن اختلفت الأسبـاب التـي توجب التطهر علـيهم بـالـماء فـي بعض الـمعانـي واتفقت فـي بعض.

  3. #78
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,890
    والصواب من القول فـي ذلك عندنا قول من قال: معنى قوله { أنَّى شِئْتُـمْ } من أيّ وجه شئتـم، وذلك أنّ أنّى فـي كلام العرب كلـمة تدل إذا ابتدىء بها فـي الكلام علـى الـمسألة عن الوجوه والـمذاهب، فكأن القائل إذا قال لرجل: أنى لك هذا الـمال؟ يريد من أيّ الوجوه لك، ولذلك يجيب الـمـجيب فـيه بأن يقول: من كذا وكذا، كما قال تعالـى ذكره مخبراً عن زكريا فـي مسألته مريـم:
    { أَنَّىظ° لَكِ هَـظ°ذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ظ±للَّهِ }
    [آل عمران: 37] وهي مقاربة أين وكيف فـي الـمعنى، ولذلك تداخـلت معانـيها، فأشكلت «أنى» علـى سامعها ومتأوّلها حتـى تأوّلها بعضهم بـمعنى أين، وبعضهم بـمعنى كيف، وآخرون بـمعنى متـى، وهي مخالفة جميع ذلك فـي معناها وهن لها مخالفـات. وذلك أن «أين» إنـما هي حرف استفهام عن الأماكن والـمـحال، وإنـما يستدلّ علـى افتراق معانـي هذه الـحروف بـافتراق الأجوبة عنها. ألا ترى أن سائلاً لو سأل آخر فقال: أين مالك؟ لقال بـمكان كذا، ولو قال له: أين أخوك؟ لكان الـجواب أن يقول: ببلدة كذا، أو بـموضع كذا، فـيجيبه بـالـخبر عن مـحل ما سأله عن مـحله، فـيعلـم أن أين مسألة عن الـمـحل. ولو قال قائل لآخر: كيف أنت؟ لقال: صالـح أو بخير أو فـي عافـية، وأخبره عن حاله التـي هوفـيها، فـيعلـم حينئذٍ أن كيف مسألة عن حال الـمسؤول عن حاله. ولو قال له: أنى يحيـي الله هذا الـميت؟ لكان الـجواب أن يقال: من وجه كذا ووجه كذا، فـيصف قولاً نظير ما وصف الله تعالـى ذكره للذي قال:
    { أَنَّىظ° يُحْيِـي هَـظ°ذِهِ ظ±للَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا }
    [البقرة: 259] فعلاً حين بعثه من بعد مـماته. وقد فرّقت الشعراء بـين ذلك فـي أشعارها، فقال الكميت بن زيد:
    تَذَكَّرَ مِنْ أنَّى ومِنْ أينَ شُرْبُهُ
    يُوءَامِرُ نَفْسَيْهِ كذي الهجمةِ الأبِلْ
    وقال أيضاً:
    أنّى ومِنْ أيْنَ نابَكَ الطَّرَبُ مِنْ حَيْثُ لا صَبْوَةٌ وَلا رِيَبُ
    فـيجاء ب «أنَّى» للـمسألة عن الوجه وب«أين» للـمسألة عن الـمكان، فكأنه قال: من أي وجه ومن أي موضع راجعك الطرب.

    والذي يدل علـى فساد قول من تأول قول الله تعالـى ذكره: { فَأتُوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُـمْ } كيف شئتـم، أو تأوله بـمعنى حيث شئتـم، أو بـمعنى متـى شئتـم، أو بـمعنى أين شئتـم أن قائلاً لو قال لآخر: أنى تأتـي أهلك؟ لكان الـجواب أن يقول: من قبلها أو من دبرها، كما أخبر الله تعالـى ذكره عن مريـم إذ سئلت:
    { أَنَّىظ° لَكِ هَـظ°ذَا }
    [آل عمران: 37] أنها قالت: " هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ " وإذ كان ذلك هو الـجواب، فمعلوم أن معنى قول الله تعالـى ذكره: { فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُـمْ } إنـما هو: فأتوا حرثكم من حيث شئتـم من وجوه الـمأتـي، وأن ما عدا ذلك من التأويلات فلـيس للآية بتأويـل. وإذ كان ذلك هو الصحيح، فبـين خطأ قول من زعم أن قوله: { فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُـمْ } دلـيـل علـى إبـاحة إتـيان النساء فـي الأدبـار، لأن الدبر لا يحترث فـيه، وإنـما قال تعالـى ذكره: { حَرْث لَكُمْ } فأتوا الـحرث من أي وجوهه شئتـم، وأيّ مـحترث فـي الدبر فـيقال ائته من وجهه. وتبـين بـما بـينا صحة معنى ما روي عن جابر وابن عبـاس من أن هذه الآية نزلت فـيـما كانت الـيهود تقوله للـمسلـمين إذا أتـى الرجل الـمرأة من دبرها فـي قبلها جاء الولد أحول...

    وقال آخرون: بل معنى ذلك { وَقَدّمُوا لأنْفُسِكُمْ } ذكْرَ الله عند الـجماع وإتـيان الـحرث قبل إتـيانه ذكر من قال ذلك:

    حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي مـحمد بن كثـير، عن عبد الله بن واقد، عن عطاء، قال: أراه عن ابن عبـاس: { وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ } قال: التسمية عند الـجماع يقول بسم الله.

    والذي هو أولـى بتأويـل الآية، ما روينا عن السدي، وهو أن قوله: { وَقَدّمُوا لأنْفُسِكُمْ } أمر من الله تعالـى ذكره عبـاده بتقديـم الـخير، والصالـح من الأعمال لـيوم معادهم إلـى ربهم، عدة منهم ذلك لأنفسهم عند لقائه فـي موقـف الـحساب، فإنه قال تعالـى ذكره:
    { وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ظ±للَّهِ }
    [البقرة: 110] وإنـما قلنا ذلك أولـى بتأويـل الآية، لأن الله تعالـى ذكره عقب قوله: { وَقَدّمُوا لأنْفُسِكُمْ } بـالأمر بـاتقائه فـي ركوب معاصيه، فكان الذي هو أولـى بأن يكون الذي قبل التهديد علـى الـمعصية عاماً الأمر بـالطاعة عاماً.

    فإن قال لنا قائل: وما وجه الأمر بـالطاعة بقوله: { وَقَدّمُوا لأنْفُسِكُمْ } من قوله: { نِساوكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُـمْ }؟ قـيـل: إن ذلك لـم يقصد به ما توهمته، وإنـما عنى به وقدّموا لأنفسكم من الـخيرات التـي ندبناكم إلـيها بقولنا:

    { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَظ±لأَقْرَبِينَ }
    [البقرة: 215] وما بعده من سائر ما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجيبوا عنه مـما ذكره الله تعالـى ذكره فـي هذه الآيات، ثم قال تعالـى ذكره: قد بـينا لكم ما فـيه رشدكم وهدايتكم إلـى ما يرضي ربكم عنكم، فقدموا لأنفسكم الـخير الذي أمركم به، واتـخذوا عنده به عهداً لتـجدوه لديه إذا لقـيتـموه فـي معادكم، واتقوه فـي معاصيه أن تقربوها وفـي حدوده أن تضيعوها، واعلـموا أنكم لا مـحالة ملاقوه فـي معادكم، فمـجازٍ الـمـحسن منكم بإحسانه والـمسيء بإساءته

  4. #79
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,890
    وأولـى التأويـلـين بـالآية تأويـل من قال: معنى ذلك لا تـجعلوا الـحلف بـالله حجة لكم فـي ترك فعل الـخير فـيـما بـينكم وبـين الله وبـين الناس. وذلك أن العرضة فـي كلام العرب: القوّة والشدة، يقال منه: هذا الأمر عرضة له، يعنـي بذلك: قوّة لك علـى أسبـابك، ويقال: فلانة عرضة للنكاح: أي قوّة، ومنه قول كعب بن زهير فـي صفة نوق:
    مِنْ كُلّ نَضَّاحَةِ الذِّفْرى إذَا عَرقتْ عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَـجْهُولُ
    يعنـي ب«عرضتها»: قوتها وشدتها.

    فمعنى قوله تعالـى ذكره: { وَلا تَـجْعَلُوا اللّهَ عُرْضَةً لأيـمَانِكُمْ } إذا: لا تـجعلوا الله قوة لأيـمانكم فـي أن لا تبرّوا، ولا تتقوا، ولا تصلـحوا بـين الناس، ولكن إذا حلف أحدكم فرأى الذي هو خير مـما حلف علـيه من ترك البرّ والإصلاح بـين الناس فلـيحنث فـي يـمينه، ولـيبرّ، ولـيتق الله، ولـيصلـح بـين الناس، ولـيكفر عن يـمينه.

    وترك ذكر «لا» من الكلام لدلالة الكلام علـيها واكتفـاء بـما ذكر عما ترك، كما قال امرؤ القـيس:
    فَقُلْتُ يَـمِينُ اللّهِ أبْرَحُ قاعِداً ولَوْ قَطّعُوا رأسي لَدَيْكِ وأوْصَالـي
    بـمعنى: فقلت: يـمين الله لا أبرح. فحذف «لا» اكتفـاء بدلالة الكلام علـيها.

  5. #80
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,890
    قال أبو جعفر: وإنـما اختلف الـمختلفون فـي تأويـل الفـيء علـى قدر اختلافهم فـي معنى الـيـمين التـي تكون إيلاء، فمن كان من قوله: إن الرجل لا يكون مؤلـياً من امرأته الإيلاء الذي ذكره الله فـي كتابه إلا بـالـحلف علـيها أن لا يجامعها جعل الفـيء الرجوع إلـى فعل ما حلف علـيه أن لا يفعله من جماعها، وذلك الـجماع فـي الفرج إذا قدر علـى ذلك وأمكنه، وإذا لـم يقدر علـيه ولـم يـمكنه، إحداث النـية أن يفعله إذا قدر علـيه وأمكنه وإبداء ما نوى من ذلك بلسانه لـيعلـمه الـمسلـمون فـي قول من قال ذلك.

    وأما قول من رأى أن الفـيء هو الـجماع دون غيره، فإنه لـم يجعل العائق له عذراً، ولـم يجعل له مخرجاً من يـمينه غير الرجوع إلـى ما حلف علـى تركه وهو الـجماع.

    وأما من كان من قوله: إنه قد يكون مؤلـياً منها بـالـحلف علـى ترك كلامها، أو علـى أن يسوأها أو يغيظها، أو ما أشبه ذلك من الأيـمان، فإن الفـيء عنده الرجوع إلـى ترك ما حلف علـيه أن يفعله مـما فـيه مساءتها بـالعزم علـى الرجوع عنه أبدى ذلك بلسانه فـي كل حال عزم فـيها علـى الفـيء.

    وأولـى الأقوال بـالصحة فـي ذلك عندنا قول من قال: الفـيء: هو الـجماع لأن الرجل لا يكون مؤلـياً عندنا من امرأته إلا بـالـحلف علـى ترك جماعها الـمدة التـي ذكرنا للعلل التـي وصفنا قبل. وإذا كان ذلك هو الإيلاء فـالفـيء الذي يبطل حكم الإيلاء عنه لا شك أنه غير جائز أن يكون إلا ما كان الذي آلـى علـيه خلافـاً لأنه لـما جعل حكمه إن لـم يفـىء إلـى ما آلـى علـى تركه الـحكم الذي بـينه الله لهم فـي كتابه كان الفـيء إلـى ذلك معلوما أنه فعل ما آلـى علـى تركه إن أطاقه، وذلك هو الـجماع، غير أنه إذا حيـل بـينه وبـين الفـيء الذي هو الـجماع بعذر، فغير كائن تاركاً جماعها علـى الـحقـيقة، لأن الـمرء إنـما يكون تاركاً ماله إلـى فعله وتركه سبـيـل، فأما من لـم يكن له إلـى فعل أمر سبـيـل، فغير كائن تاركه...

    قال أبو جعفر: وأشبه هذه الأقوال بـما دل علـيه ظاهر كتاب الله تعالـى ذكره، قول عمر بن الـخطاب وعثمان وعلـيّ رضي الله عنهم ومن قال بقولهم فـي الطلاق: أن قوله: { فإنْ فـاءُوا فإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيـمٌ وَإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِـيـمٌ } إنـما معناه: فإن فـاءوا بعد وقـف الإمام إياهم من بعد انقضاء الأشهر الأربعة، فرجعوا إلـى أداء حق الله علـيهم لنسائهم اللاتـي آلوا منهن، فإن الله لهم غفور رحيـم، وإن عزموا الطلاق فطلقوهن، فإن الله سميع لطلاقهم إذا طلقوا، علـيـم بـما أتوا إلـيهن.

    وإنـما قلنا ذلك أشبه بتأويـل الآية، لأن الله تعالـى ذكره ذكر حين قال: { وَإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِـيـمٌ } ، ومعلوم أن انقضاء الأشهر الأربعة غير مسموع، وإنـما هو معلوم، فلو كان عزم الطلاق انقضاء الأشهر الأربعة لـم تكن الآية مختومة بذكر الله الـخبر عن الله تعالـى ذكره أنه { سَمِيعٌ عَلِـيـمٌ } كما أنه لـم يختـم الآية التـي ذكر فـيها الفـيء إلـى طاعته فـي مراجعة الـمؤلـي زوجته التـي آلـى منها وأداء حقها إلـيها بذكر الـخبر عن أنه شديد العقاب، إذ لـم يكن موضع وعيد علـى معصية، ولكنه ختـم ذلك بذكر الـخبر عن وصفه نفسه تعالـى ذكره بأنه غفور رحيـم، إذ كان موضع وعد الـمنـيب علـى إنابته إلـى طاعته، فكذلك ختـم الآية التـي فـيها ذكر القول، والكلام بصفة نفسه بأنه للكلام سميع وبـالفعل علـيـم، فقال تعالـى ذكره: وإن عزم الـمؤلون علـى نسائهم علـى طلاق من آلوا منه من نسائهم، فإن الله سميع لطلاقهم إياهن إن طلقوهن، علـيـم بـما أتوا إلـيهن مـما يحلّ لهم، ويحرم علـيهم. وقد استقصينا البـيان عن الدلالة علـى صحة هذا القول فـي كتابنا «كتاب اللطيف من البـيان عن أحكام شرائع الدين» فكرهنا إعادته فـي هذا الـموضع.

  6. #81
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,890
    والذي هو أولـى بتأويـل الآية عندي: وللـمطلقات واحدة أو ثنتـين بعد الإفضاء إلـيهنّ علـى بعولتهن أن لا يراجعوهنّ ضراراً فـي أقرائهن الثلاثة إذا أرادوا رجعتهن فيهن إلا أن يريدوا إصلاح أمرهن وأمرهم فلا يراجعوهن ضرارا، كما علـيهنّ لهم إذا أرادوا رجعتهنّ فـيهنّ أن لا يكتـمن ما خـلق الله فـي أرحامهن من الولد ودم الـحيض ضراراً منهنّ لهم لتيقنهن بأنفسهنّ، ذلك أن الله تعالـى ذكره نهى الـمطلقات عن كتـمان أزواجهن فـي أقرائهنّ ما خـلق الله فـي أرحامهنّ إن كنّ يؤمنّ بـالله والـيوم الآخر، وجعل أزواجهنّ أحقّ بردّهنّ فـي ذلك إن أرادوا إصلاحاً، فحرّم الله علـى كل واحد منهما مضارّة صاحبه، وعرّف كل واحد منهما ما له وما علـيه من ذلك، ثم عقب ذلك بقوله: { ولَهُنَّ مِثْلَ الَّذِي عَلَـيْهِنَّ بـالـمَعْرُوفِ } فبـين أن الذي علـى كل واحد منهما لصاحبه من ترك مضارته مثل الذي له علـى صاحبه من ذلك.

    فهذا التأويـل هو أشبه بدلالة ظاهر التنزيـل من غيره، وقد يحتـمل أن يكون كل ما علـى كل واحد منها لصاحبه داخلاً فـي ذلك، وإن كانت الآية نزلت فـيـما وصفنا، لأن الله تعالـى ذكره قد جعل لكل واحد منهما علـى الآخر حقا، فلكل واحد منهما علـى الآخر من أداء حقه إلـيه مثل الذي علـيه له، فـيدخـل حينئذ فـي الآية ما قاله الضحاك وابن عبـاس وغير ذلك........

    وأولى هذه الأقوال بتأويـل الآية ما قاله ابن عباس، وهو أن الدرجة التـي ذكر الله تعالى ذكره فـي هذا الـموضع الصفح من الرجل لامرأته عن بعض الواجب عليها، وإغضاؤه لها عنه، وأداء كل الواجب لها عليه، وذلك أن الله تعالـى ذكره قال: { وَللرّجالِ عَلَـيْهِنَّ دَرَجَةٌ } عقيب قوله: { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَـيْهُنَّ بالمَعْرُوف } فأخبر تعالـى ذكره أن على الرجل من ترك ضرارها فـي مراجعته إياها فـي أقرائها الثلاثة وفـي غير ذلك من أمورها وحقوقها، مثل الذي له علـيها من ترك ضراره فـي كتـمانها إياه ما خـلق الله فـي أرحامهن وغير ذلك من حقوقه. ثم ندب الرجال إلـى الأخذ علـيهنّ بـالفضل إذا تركن أداء بعض ما أوجب الله لهم علـيهنّ، فقال تعالـى ذكره: { وَللرّجالِ عَلَـيْهِنَّ دَرَجَةٌ } بتفضلهم علـيهن، وصفحهم لهنّ عن بعض الواجب لهم علـيهنّ، وهذا هو الـمعنى الذي قصده ابن عبـاس بقوله: ما أحبّ أن أستنظف جميع حقـي علـيها لأن الله تعالـى ذكره يقول: { وَللرّجالِ عَلَـيْهِنَّ دَرَجَةٌ }. ومعنى الدرجة: الرتبة والـمنزلة، وهذا القول من الله تعالـى ذكره، وإن كان ظاهره ظاهر الـخبر، فمعناه معنى ندب الرجال إلـى الأخذ علـى النساء بـالفضل لـيكون لهم علـيهنّ فضل درجة.

  7. #82
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,890
    حدثنا يحيى بن أبـي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك فـي قوله: { الطَّلاقُ مَرَّتانِ فإمْساكٌ بِـمَعْرُوفٍ أوْ تسْرِيحٌ بإحْسانٍ } قال: يعنـي تطلـيقتـين بـينهما مراجعة، فأمر أن يـمسك أو يسرِّح بإحسان. قال: فإن هو طلقها ثالثة فلا تـحل له حتـى تنكح زوجاً غيره.

    وكأن قائلـي هذا القول الذي ذكرناه عن السدي والضحاك ذهبوا إلـى أن معنى الكلام: الطلاق مرّتان، فإمساك فـي كل واحدة منهما لهنّ بـمعروف، أو تسريح لهنّ بإحسان. وهذا مذهب مـما يحتـمله ظاهر التنزيـل لولا الـخبر الذي ذكرته عن النبـي صلى الله عليه وسلم، الذي رواه إسماعيـل بن سميع، عن أبـي رزين فإن اتبـاع الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولـى بنا من غيره. فإذ كان ذلك هو الواجب، فبـين أن تأويـل الآية: الطلاق الذي لأزواج النساء علـى نسائهم فـيه الرجعة مرتان، ثم الأمر بعد ذلك إذا راجعوهن فـي الثانـية، إما إمساك بـمعروف، وإما تسريح منهم لهن بإحسان بـالتطلـيقة الثالثة حتـى تبـين منهم، فتبطل ما كان لهن علـيهن من الرجعة ويصرن أملك لأنفسهن منهم...

    قال أبو جعفر: والذي قاله مـجاهد فـي ذلك عندنا أولـى بـالصواب للذي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي الـخبر الذي رويناه عنه أنه قال: أو سئل فقـيـل: هذا قول الله تعالـى ذكره:
    { ظ±لطَّلَظ°قُ مَرَّتَانِ }
    [البقرة: 229] فأين الثالثة؟ قال: «فإمْساكٌ بِـمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بإحْسانٍ». فأخبر صلى الله عليه وسلم، أن الثالثة إنـما هي قوله:
    { أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَظ°نٍ }
    [البقرة: 229]. فإذ كان التسريح بـالإحسان هو الثالثة، فمعلوم أن قوله: { فإنْ طَلَّقَها فَلا تَـحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حّتـى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ } من الدلالة علـى التطلـيقة الثالثة بـمعزل، وأنه إنـما هو بـيان عن الذي يحلّ للـمسرح بـالإحسان إن سرّح زوجته بعد التطلـيقتـين، والذي يحرم علـيه منها، والـحال التـي يجوز له نكاحها فـيها، وإعلام عبـاده أن بعد التسريح علـى ما وصفت لا رجعة للرجل علـى امرأته....

  8. #83
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,890
    والصواب من القول فـي هذه الآية أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أنزلها دلالة علـى تـحريـمه علـى أولـياء النساء مضارة من كانوا له أولـياء من النساء بعضلهنّ عمن أردن نكاحه من أزواج كانوا لهنّ، فبنّ منهنّ بـما تبـين به الـمرأة من زوجها من طلاق أو فسخ نكاح. وقد يجوز أن تكون نزلت فـي أمر معقل بن يسار وأمر أخته أو فـي أمر جابر بن عبد الله وأمر ابنة عمه، وأي ذلك كان فـالآية دالة علـى ما ذكرت.

    ويعنـي بقوله تعالـى: { فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } لا تضيقوا علـيهن بـمنعكم إياهنّ أيها الأولـياء من مراجعة أزواجهن بنكاح جديد تبتغون بذلك مضارتهن، يقال منه: عضل فلان فلانة عن الأزواج يعضلها عضلاً.

  9. #84
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,890
    وأولـى الأقوال بـالصواب فـي قوله: { وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَّ أوْلادَهُنَّ حَوْلَـيْنَ كامِلَـيْنِ لِـمَنْ أرَادَ أنْ يُتِـمّ الرِّضَاعَةَ } القول الذي رواه علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، ووافقه علـى القول به عطاء والثوري، والقول الذي رُوي عن عبد الله بن مسعود وابن عبـاس وابن عمر، وهو أنه دلالة علـى الغاية التـي ينتهي إلـيها فـي رضاع الـمولود إذا اختلف والده، وأن لا رضاع بعد الـحولـين يحرّم شيئاً، وأنه معنـي به كل مولود لستة أشهر كان وِلادُه، أو لسبعة أو لتسعة.

    فأما قولنا: إنه دلالة علـى الغاية التـي ينتهي إلـيها فـي الرضاع عند اختلاف الوالدين فـيه فلأن الله تعالـى ذكره لـما حدّ فـي ذلك حداً، كان غير جائز أن يكون ما وراء حدّه موافقاً فـي الـحكم ما دونه، لأن ذلك لو كان كذلك، لـم يكن للـحدّ معنى معقول. وإذا كان ذلك كذلك، فلا شك أن الذي هو دون الـحولـين من الأجل لـما كان وقت رضاع، كان ما وراءه غير وقت له، وأنه وقت لترك الرضاع، وأن تـمام الرضاع لـما كان تـمام الـحولـين، وكان التمامُّ من الأشياء لا معنى إلـى الزيادة فـيه، كان لا معنى للزيادة فـي الرضاع علـى الـحولـين، وأن ما دون الـحولـين من الرضاع لـما كان مـحرّماً، كان ما وراءه غير مـحرّم

    وإنـما قلنا هو دلالة علـى أنه معنـي به كل مولود لأيّ وقت كان ولاده، لستة أشهر، أوسبعة، أو تسعة، لأن الله تعالـى ذكره عم بقوله: { وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَّ أوْلادَهُنَّ حَوْلَـيْنَ كامِلَـيْنِ } ولـم يخصص به بعض الـمولودين دون بعض. وقد دللنا علـى فساد القول بـالـخصوص بغير بـيان الله تعالـى ذكره ذلك فـي كتابه، أو علـى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي كتابنا «كتاب البـيان عن أصول الأحكام» بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

    ....


    اختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأ عامة قراء أهل الحجاز والكوفة والشام: { لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِها } بفتح الراء بتأويل لا تضارَر على وجه النهي وموضعه إذا قرئ كذلك جزم، غير أنه حرك، إذ ترك التضعيف بأخف الحركات وهو الفتح، ولوحرك إلى كسر كان جائزاً إتباعاً لحركة لام الفعل حركة عينه، وإن شئت فلأن الجزم إذا حرّك حرّك إلى الكسر. وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز وبعض أهل البصرة: " لا تُضَارُّ وَالِدَةٌ بوَلَدِها " رفعٌ. ومن قرأه كذلك لم تحتمل قراءته معنى النهي، ولكنها تكون بالخبر عطفاً بقوله { لا تُضارّ } على قوله: { لا تكلفُ نَفسٌ إلاَّ وْسعهَا }.وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معنى من رفع لا تضار والدة بولدها هكذا في الحكم، أنه لا تضارّ والدة بولدها، أي ما ينبغي أن تضارّ، فلما حذفت " ينبغي " وصار " تضارّ " في وضعه صار على لفظه، واستشهد لذلك بقول الشاعر:
    عَلى الحَكَمِ المَأْتِيّ يَوْماً إذَا قَضَى.....قَضِيْتَهُ أنْ لا يَجُورَ وَيَقْصِدُ
    فزعم أنه رفع يقصد بمعنى ينبغي. والمحكي عن العرب سماعاً غير الذي قال وذلك أنه روي عنهم سماعاً فتصنَع ماذا، إذا أرادوا أن يقولوا:فتريد أن تصنَع ماذا، فينصبونه بنية " أن " وإذا لم ينووا " أنْ " ولم يريدوها، قالوا: فتريدُ ماذا، فيرفعون تريد، لأن لا جالب لـ: " أنْ " قبله، كما كان له جالب قبل تصنع، فلوكان معنى قوله لا تضارّ إذا قرئ رفعا بمعنى: ينبغي أن لا تضارْ، أوما ينبغي أن تضار حذف ينبغي وأن، وأقيم تضارّ مقام ينبغي لكان الواجب أن يقرأ إذا قرئ بذلك المعنى نصباً لا رفعاً، ليعلم بنصبه المتروك قبله المعنّي المراد، كما فعل بقوله فتصنع ماذا، ولكن معنى ذلك ما قلنا إذا رفع على العطف على لا تُكَلّف ليست تكلف نفس إلا وسعها، وليست تضارّ والدة بولدها، يعني بذلك أنه ليست ذلك في دين الله وحكمه وأخلاق المسلمين.

    وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ بالنصب، لأن نهي من الله تعالى ذكره كل واحد من أبوي المولود عن مضارّة صاحبه له حرام عليهما ذلك بإجماع المسلمين، فلو كان ذلك خبراً لكان حراماً عليهما ضرارهما به كذلك...

    قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال بـالصواب فـي تأويـل قوله: { وَعَلـى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } أن يكون الـمعنى بـالوارث ما قاله قبـيصة بن ذؤيب والضحاك بن مزاحم ومن ذكرنا قوله آنفـاً من أنه معنّـي بـالوارث الـمولود، وفـي قوله: { مِثْلُ ذَلِكَ } أن يكون معنـياً به مثل الذي كان علـى والده من رزق والدته وكسوتها بـالـمعروف إن كانت من أهل الـحاجة، وهي ذات زمانة وعاهة، ومن لا احتراف فـيها ولا زوج لها تستغنـي به، وإن كانت من أهل الغنى والصحة فمثل الذي كان علـى والده لها من أجر رضاعة.

    وإنـما قلنا هذا التأويـل أولـى بـالصواب مـما عداه من سائر التأويلات التـي ذكرنا، لأنه غير جائز أن يقال فـي تأويـل كتاب الله تعالـى ذكره قول إلا بحجة واضحة علـى ما قد بـينا فـي أول كتابنا هذا وإذ كان ذلك كذلك، وكان قوله: { وَعَلـى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } مـحتـملاً ظاهره: وعلـى الوارث الصبـي الـمولود مثل الذي كان علـى الـمولود له، ومـحتـملاً.وعلـى وارث الـمولود له مثل الذي كان علـيه فـي حياته من ترك ضرار الوالدة ومن نفقة الـمولود، وغير ذلك من التأويلات علـى نـحو ما قد قدمنا ذكره، وكان الـجميع من الـحجة قد أجمعوا علـى أن من ورثة الـمولود من لا شيء علـيه من نفقته وأجر رضاعه، وصحّ بذلك من الدلالة علـى أن سائر ورثته غير آبـائه وأمهاته وأجداده وجداته من قِبَل أبـيه أو أمه فـي حكمه، فـي أنهم لا يـلزمهم له نفقة ولا أجر رضاع، إذ كان مولـى النعمة من ورثته، وهو مـمن لا يـلزمه له نفقة ولا أجر رضاع فوجب بإجماعهم علـى ذلك أن حكم سائر ورثته غير من استثنـي حكمه وكان إذا بطل أن يكون معنى ذلك ما وصفنا من أنه معنّـي به ورثة الـمولود، فبطول القول الآخر وهو أنه معنّـي به ورثة الـمولود له سوى الـمولود أحرى، لأن الذي هو أقرب بـالـمولود قرابة مـمن هو أبعد منه إذا لـم يصحّ وجوب نفقته وأجر رضاعه علـيه، فـالذي هو أبعد منه قرابة أحرى أن لا يصحّ وجوب ذلك علـيه...

    وأولـى التأويـلـين بـالصواب، تأويـل من قال: فإن أراد فصالاً فـي الـحولـين عن تراض منهما وتشاور، لأن تـمام الـحولـين غاية لتـمام الرضاع وانقضائه، ولا تشاور بعد انقضائه وإنـما التشاور والتراضي قبل انقضاء نهايته...

    وأولـى الأقوال بـالصواب فـي تأويـل ذلك قول من قال تأويـله: وإن أردتـم أن تسترضعوا أولادكم إلـى تـمام رضاعهن، ولـم تتفقوا أنتـم ووالدتهم علـى فصالهم، ولـم تروا ذلك من صلاحهم، فلا جناح علـيكم أن تسترضعوهم ظؤرة إن امتنعت أمهاتهم من رضاعهم لعلة بهنّ أو لغير علة إذا سلـمتـم إلـى أمهاتهم وإلـى الـمسترضعة الآخرة حقوقهنّ التـي آتـيتـموهنّ بـالـمعروف. يعنـي بذلك الـمعنى الذي أوجبه الله لهنّ علـيكم، وهو أن يوفـيهنّ أجورهنّ علـى ما فـارقهنّ علـيه فـي حال الاسترضاع ووقت عقد الإجارة. وهذا هو الـمعنى الذي قاله ابن جريج، ووافقه علـى بعضه مـجاهد والسدي ومن قال بقولهم فـي ذلك.

    وإنـما قضينا لهذا التأويـل أنه أولـى بتأويـل الآية من غيره، لأن الله تعالـى ذكره ذكر قبل قوله: { وَإنْ أرَدْتُـمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ } أمر فصالهم، وبـين الـحكم فـي فطامهم قبل تـمام الـحولـين الكاملـين، فقال: { فإنْ أرَادَا فصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُما } فـي الـحولـين الكاملـين، فلا جناح علـيها. فـالذي هو أولـى بحكم الآية، إذ كان قد بـين فـيها وجه الفصال قبل الـحولـين أن يكون الذي يتلو ذلك حكم ترك الفصال وإتـمام الرضاع إلـى غاية نهايته، وأن يكون إذ كان قد بـين حكم الأم إذا هي اختارت الرضاع بـما يرضع به غيرها من الأجرة، أن يكون الذي يتلو ذلك من الـحكم بـيان حكمها وحكم الولد إذا هي امتنعت من رضاعه كما كان ذلك كذلك فـي غير هذا الـموضع من كتاب الله تعالـى، وذلك فـي قوله: { فإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أجُورُهَنَّ وأتْـمِرُوا بَـيْنَكُمْ بِـمَعْرُوفٍ وَإنْ تَعاسَرْتُـمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى } ، فأتبع ذكر بـيان رضا الوالدات برضاع أولادهن، ذكر بـيان امتناعهنّ من رضاعهن، فكذلك ذلك فـي قوله: { وَإنْ أرَدْتُـمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ }. وإنـما اخترنا فـي قوله: { إذَا سَلّـمْتُـمْ ما آتَـيْتُـمْ بـالـمَعْرُوفِ } ما اخترنا من التأويـل لأن الله تعالـى ذكره فرض علـى أبـي الـمولود تسلـيـم حقّ والدته إلـيها مـما آتاها من الأجرة علـى رضاعها له بعد بـينونتها منه، كما فرض علـيه ذلك لـمن استأجره لذلك مـمن لـيس من مولده بسبـيـل وأمره بإيتاء كل واحدة منهما حقها بـالـمعروف علـى رضاع ولده فلـم يكن قوله: «إذا سلـمتـم» بأن يكون معنـيا به إذا سلـمتـم إلـى أمهات أولادكم الذين يرضعون حقوقهن بأولـى منه بأن يكون معنـياً به إذا سلـمتـم ذلك إلـى الـمراضع سواهن ولا الغرائب من الـمولود بأولـى أن يكنّ معنـيات بذلك من الأمهات، إذ كان الله تعالـى ذكره قد أوجب علـى أبـي الـمولود لكل من استأجره لرضاع ولده من تسلـيـم أجرتها إلـيها مثل الذي أوجب علـيه من ذلك للأخرى، فلـم يكن لنا أن نـحيـل ظاهر تنزيـل إلـى بـاطن ولا نقل عام إلـى خاص إلا بحجة يجب التسلـيـم لها فصح بذلك ما قلنا.

  10. #85
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,890
    حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً } قال: كان أبـي يقول: لا تواعدوهنّ سرّاً، ثم تـمسكها، وقد ملكت عقدة نكاحها، فإذا حلت أظهرت ذلك وأدخـلتها.

    قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال بـالصواب فـي تأويـل ذلك، تأويـل من قال: السرّ فـي هذا الـموضع: الزنا وذلك أن العرب تسمي الـجماع وغشيان الرجل الـمرأة سرّاً، لأن ذلك مـما يكون بـين الرجال والنساء فـي خفـاء غير ظاهر مطلع علـيه، فـيسمى لـخفـائه سرّاً. من ذلك قول رؤبة بن العجاج:
    فَعَفَّ عَنْ أسْرَارِها بَعْدَ العَسَقْ وَلْـم يُضِعْها بـينَ فِرْكٍ وَعشَقْ
    يعنـي بذلك: عفّ عن غشيانها بعد طول ملازمته ذلك. ومنه قول الـحطيئة:
    وَيحْرُمُ سِرُّ جاَرتِهمْ عَلَـيْهِمْ ويأكُلُ جارُهُمْ أنفَ القِصَاع
    وكذلك يقال لكل ما أخفـاه الـمرء فـي نفسه سرّ، ويقال: هو فـي سرّ قومه، يعنـي فـي خيارهم وشرفهم. فلـما كان السرّ إنـما يوجه فـي كلامها إلـى أحد هذه الأوجه الثلاثة، وكان معلوماً أن أحدهن غير معنّـي به قوله: { وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّاً } وهو السرّ الذي هو معنى الـخيار والشرف، فلـم يبق إلا الوجهان الآخران وهو السرّ الذي بـمعنى ما أخفته نفس الـمواعدين الـمتواعدين، والسرّ الذي بـمعنى الغشيان والـجماع. فلـما لـم يبق غيرهما، وكانت الدلالة واضحة علـى أن أحدهما غير معنّـي به صحّ أن الآخر هو الـمعنـيّ به.

    فإن قال [قائل]: فما الدلالة علـى أن مواعدة القول سرّاً غير معنّـي به علـى ما قال من قال: إن معنى ذلك: أخذ الرجل ميثاق الـمرأة أن لا تنكح غيره، أو علـى ماقال من قال: قول الرجل لها: لا تسبقـينـي بنفسك؟ قـيـل: لأن السرّ إذا كان بـالـمعنى الذي تأوّله قائلو ذلك، فلن يخـلو ذلك السرّ من أن يكون هو مواعدة الرجل الـمرأة ومسألته إياها أن لا تنكح غيره، أو يكون هو النكاح الذي سألها أن تـجيبه إلـيه بعد انقضاء عدتها وبعد عقده له دون الناس غيره. فإن كان السرّ الذي نهى الله الرجل أن يواعد الـمعتدات هو أخذ العهد علـيهن أن لا ينكحن غيره، فقد بطل أن يكون السرّ معناه ما أخفـى من الأمور فـي النفوس، أو نطق به فلـم يطلع علـيه، وصارت العلانـية من الأمر سرًّاً، وذلك خلاف الـمعقول فـي لغة من نزل القرآن بلسانه، إلا أن يقول قائل هذه الـمقالة: إنـما نهى الله الرجال عن مواعدتهنّ ذلك سرًّاً بـينهم وبـينهن، لا أن نفس الكلام بذلك وإن كان قد أعلن سر.

    فـيقال له: إن قال ذلك فقد يجب أن تكون جائزة مواعدتهن النكاح والـخطبة صريحاً علانـية، إذ كان الـمنهيّ عنه من الـمواعدة إنـما هو ما كان منها سرّاً. فإن قال إن ذلك كذلك خرج من قول جميع الأمة علـى أن ذلك لـيس من قـيـل أحد مـمن تأوّل الآية أن السرّ ها هنا بـمعنى الـمعاهدة أن لا تنكح غير الـمعاهد. وإن قال: ذلك غير جائز. قـيـل له: فقد بطل أن يكون معنى ذلك: إسرار الرجل إلـى الـمرأة بـالـمواعدة، لأن معنى ذلك لو كان كذلك لـم يحرم علـيه مواعدتها مـجاهرة وعلانـية، وفـي كون ذلك علـيه مـحرّماً سرّاً وعلانـية ما أبـان أن معنى السرّ فـي هذا الـموضع غير معنى إسرار الرجل إلـى الـمرأة بـالـمعاهدة، أن لا تنكح غيره إذا انقضت عدتها أو يكون إذا بطل هذا الوجه معنى ذلك: الـخطبة والنكاح الذي وعدت الـمرأة الرجل أن لا تعدوه إلـى غيره، فذلك إذا كان، فإنـما يكون بولـيّ وشهود علانـية غير سرّ، وكيف يجوز أن يسمى سرّاً وهو علانـية لا يجوز إسراره؟ وفـي بطول هذه الأوجه أن تكون تأويلاً لقوله: { وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّاً } بـما علـيه دللنا من الأدلة وضوح صحة تأويـل ذلك أنه بـمعنى الغشيان والـجماع. وإذا كان ذلك صحيحاً، فتأويـل الآية: ولا جناح علـيكم أيها الناس فـيـما عرضتـم به للـمعتدات من وفـاة أزواجهن من خطبة النساء وذلك حاجتكم إلـيهن، فلـم تسرحوا لهن بـالنكاح والـحاجة إلـيهن إذا أكننتـم فـي أنفسكم، فأسررتـم حاجتكم إلـيهن وخطبتكم إياهن فـي أنفسكم ما دمن فـي عددهن، علـم الله أنكم ستذكرون خطبتهن وهن فـي عددهن. فأبـاح لكم التعريض بذلك لهنّ، وأسقط الـحرج عما أضمرته نفوسكم حلـماً منه، ولكن حرم علـيكم أن تواعدوهنّ جماعاً فـي عددهن، بأن يقول أحدكم لإحداهنّ فـي عدتها: قد تزوّجتك فـي نفسي، وإنـما أنتظر انقضاء عدتك، فـيسألها بذلك القول إمكانه من نفسها الـجماع والـمبـاضعة، فحرّم الله تعالـى ذكره ذلك....

  11. #86
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,890
    والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك عندي قول من قال: لكل مطلقة متعة؛ لأن الله تعالى ذكره قال: { وَلِلْمُطَلَّقَـظ°تِ مَتَـظ°عٌ بِظ±لْمَعْرُوفِ حَقّا عَلَى ظ±لْمُتَّقِينَ } فجعل الله تعالى ذكره ذلك لكل مطلقة ولم يخصص منهن بعضا دون بعض، فليس لأحد إحالة ظاهر تنزيل عام إلى باطن خاص إلا بحجة يجب التسليم لها.

    فإن قال قائل: فإن الله تعالى ذكره قد خص المطلقة قبل المسيس إذا كان مفروضا لها بقوله: { وإن طلقتموهن من قبل أت تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } إذ لم يجعل لها غير نصف الفريضة؟ قيل: إن الله تعالى ذكره إذا دل على وجوب شيء في بعض تنزيله، ففي دلالته على وجوبه في الموضع الذي دل عليه الكفاية عن تكريره، حتى يدل على بطول فرضه، وقد دل بقوله:

    { وَلِلْمُطَلَّقَـظ°تِ مَتَـظ°عٌ بِظ±لْمَعْرُوفِ }
    [البقرة: 241] على وجوب المتعة لكل مطلقة، فلا حاجة بالعباد إلى تكرير ذلك في كل آية وسورة. وليس في دلالته على أن المطلقة قبل المسيس المفروض لها الصداق نصف ما فرض لها دلالة على بطول المتعة عنه، لأنه غير مستحيل في الكلام لو قيل: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم والمتعة، فلما لم يكن ذلك محالا في الكلام كان معلوما أن نصف الفريضة إذا وجب لها لم يكن في وجوبه لها نفي عن حقها من المتعة، ولما لم يكن اجتماعهما للمطلقة محالا - وكان الله تعالى ذكره قد دل على وجوب ذلك لها، وإن كانت الدلالة على وجوب أحدهما في آية غير الآية التي فيها الدلالة على وجوب الأخرى - ثبت وصح وجوبهما لها. هذا إذا لم يكن على أن المطلقة المفروض لها الصداق إذا طلقت قبل المسيس دلالة غير قول الله تعالى ذكـره:
    { وَلِلْمُطَلَّقَـظ°تِ مَتَـظ°عٌ بِظ±لْمَعْرُوفِ }
    [البقرة: 241] فكيف وفي قول الله تعالى ذكره: { لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ظ±لنّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتّعُوهُنَّ } الدلالة الواضحة على أن المفروض لها إذا طلقت قبل المسيس لها من المتعة مثل الذي لغير المفروض لها منها؟ وذلك أن الله تعالى ذكره لما قال: { لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ظ±لنّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } كان معلوما بذلك أنه قد دل به على حكم طلاق صنفين من طلاق النساء: أحدهما المفروض له، والآخر غير المفروض له؛ وأنها المطلقة المفروض لها قبل المسيس، لأنه قال: { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم يمسوهن } ثم قال تعالى ذكره: { وَمَتّعُوهُنَّ } فأوجب المتعة للصنفين منهن جميعا: المفروض لهن، وغير المفروض لهن. فمن ادعى أن ذلك لأحد الصنفين، سئل البرهان على دعواه من أصل أو نظير، ثم عكس عليه القول في ذلك فلن يقول في شيء منه قولا إلا ألزم في الآخر مثله.

    وأرى أن المتعة للمرأة حق واجب إذا طلقت على زوجها المطلقها على ما بينا آنفا يؤخذ بها الزوج كما يؤخذ بصداقها، لا يبرئه منها إلا أداؤه إليها، أو إلى من يقوم مقامها في قبضها منه، أو ببراءة تكون منها له. وأرى أن سبيلها سبيل صداقها وسائر ديونها قبله يحبس بها إن طلقها فيها إذا لم يكن له شيء ظاهر يباع عليه إذا امتنع من إعطائها ذلك.

  12. #87
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,890
    وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: المعني بقوله: { الذي بيده عقدة النكاح } الزوج، وذلك لإجماع الجميع على أن ولى جارية بكر أو ثيب، صبية صغيرة كانت أو مدركة كبيره، لو أبرأ زوجها من مهرها قبل طلاقه إياها، أو وهبه له، أو عفا له عنه، أن إبراءه ذلك، وعفوه له عنه باطل، وإن صداقها عليه ثابت ثبوته قبل إبرائه إياه منه، فكان سبيل ما إبراءه من ذلك بعد طلاقه إياها سبيل ما أبرأه منه قبل طلاقه إياها.

  13. #88
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,890
    والصواب من القول في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ذكرناها قبل في تأويله، وهو أنها العصر. والذي حث الله تعالى ذكره عليه من ذلك، نظير الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحث عليه.

    كما: حدثني به أحمد بن محمد بن حبيب الطوسي، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني يزيد بن أبي حبيب، عن جبر بن نعيم الحضرمي، عن عبد الله بن هبيرة النسائي، قال: وكان ثقة، عن أبي تميم الجيشاني، عن أبي بصرة الغفاري، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، فلما انصرف، قال: " إن هذه الصلاة فرضت على من كان قبلكم فتوانوا فيها وتركوها، فمن صلاها منكم أضعف أجره ضعفين، ولا صلاة بعدها حتى يرى الشاهد النجم "

    ....

    قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله: { وقوموا لله قانتين } قول من قال: تأويله مطيعين، وذلك أن أصل القنوت: الطاعة، وقد تكون الطاعة لله في الصلاة بالسكوت عما نهى الله من الكلام فيها، ولذلك وجه من وجه تأويل القنوت في هذا الموضع إلى السكوت في الصلاة أحد المعاني التي فرضها الله على عباده فيها. إلا عن قراءة قرآن، أو ذكر له بما هو أهله. ومما يدل على أنهم قالوا ذلك كما وصفنا، قول النخعي ومجاهد، الذي:

    حدثنا به أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ومجاهد قالا: كانوا يتكلمون في الصلاة، يأمر أحدهم أخاه بالحاجة فنزلت { وقوموا لله قانتين } قال: فقطعوا الكلام، والقنوت: السكوت، والقنوت: الطاعة.

    فجعل إبراهيم ومجاهد القنوت سكوتا في طاعة الله على ما قلنا في ذلك من التأويل، وقد تكون الطاعة لله فيها بالخشوع وخفض الجناح، وإطالة القيام، وبالدعاء، لأن كلا غير خارج من أحد معنيين، من أن يكون مما أمر به المصلي، أو مما ندب إليه، والعبد بكل ذلك لله مطيع، وهو لربه فيه قانت، والقنوت: أصله الطاعة لله، ثم يستعمل في كل ما أطاع الله به العبد.

    فتأويل الآية إذا: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وقوموا لله فيها مطيعين بترك بعضكم فيها كلام بعض، وغير ذلك من معاني الكلام، سوى قراءة القرآن فيها، أو ذكر الله بالذي هو أهله أو دعائه فيها، غير عاصين لله فيها بتضييع حدودها، والتفريط في الواجب لله عليكم فيها، وفي غيرها من فرائض الله.

  14. #89
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,890
    قال أبو جعفر: الخوف الذي للمصلي أن يصلي من أجله المكتوبة ماشيا راجلا وراكبا جائلا: الخوف على المهمة عند السلة والمسايفة في قتال من أمر بقتاله من عدو للمسلمين، أو محارب، أو طلب سبع، أو جمل صائل أو سيل سائل، فخاف الغرق فيه، وكل ما الأغلب من شأنه هلاك المرء منه إن صلى صلاة الأمن. فإنه إذا كان ذلك كذلك، فله أن يصلي صلاة شدة الخوف حيث كان وجهه يومئ إيماء لعموم كتاب الله: { فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا } ولم يخص الخوف على ذلك على نوع من الأنواع، بعد أن يكون الخوف صفته ما ذكرت.

    وإنما قلنا: إن الخوف الذي يجوز للمصلي أن يصلي كذلك هو الذي الأغلب منه الهلاك بإقامة الصلاة بحدودها، وذلك حال شدة الخوف؛ لأن: محمد بن حميد وسفيان بن وكيع حدثاني، قالا: ثنا جرير، عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف: " يقوم الأمير وطائفة من الناس معه، فيسجدون سجدة واحدة، ثم تكون طائفة منهم بينهم وبين العدو، ثم ينصرف الذين سجدوا سجدة مع أميرهم، ثم يكونون مكان الذين لم يصلوا، ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون مع أميرهم سجدة واحدة، ثم ينصرف أميرهم وقد قضى صلاته، ويصلي بعد صلاته كل واحد من الطائفتين سجدة لنفسه، وإن كان خوف أشد من ذلك فرجالا أو ركبانا "

    حدثني سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثني أبي، قال: ثنا ابن جريح، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إذا اختلطوا - يعني في القتال - فإنما هو الذكر، وأشار بالرأس. قال ابن عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " وإن كانوا أكثر من ذلك فيصلون قياما وركباناً "

    ففصل النبي بين حكم صلاة الخوف في غير حال المسايفة والمطاردة وبين حكم صلاة الخوف في حال شدة الخوف والمسايفة، على ما روينا عن ابن عمر. فكان معلوما بذلك أن قوله تعالى ذكره: { فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا } إنما عنى به الخوف الذي وصفنا صفته.

    وبنحو الذي روى ابن عمر عن النبي روي عن ابن عمر أنه كان يقول:

    حدثني يعقوب قال: ثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال في صلاة الخوف: يصلى بطائفة من القوم ركعة وطائفة تحرس، ثم ينطلق هؤلاء الذين صلى بهم ركعة حتى يقوموا مقام أصحابهم، ثم يحيي أولئك، فيصلي بهم ركعة، ثم يسلم، وتقوم كل طائفة فتصلي ركعة. قال. فإن كان خوف أشد من ذلك فرجالا أو ركبانا....

  15. #90
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,890
    ثم قال تعالى ذكره: { وَصِيَّةً لاّزْوَاجِهِم } فاختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأ بعضهم: { وَصِيَّةً لاّزْوَاجِهِم } بنصب الوصية؛ بمعنى: فليوصوا وصية لأزواجهم، أو عليهم وصية لأزواجهم.

    و قرأ آخرون: ”وصية ولأزواجهم”برفع”الوصية”.

    ثم اختلف أهل العربية في وجه رفع الوصية؟ فقال بعضهم: رفعت بمعنى: كتبت عليهم الوصية، واعتل في ذلك بأنها كذلك في قراءة عبد الله.

    فتأويل الكلام على ما قاله هذا القائل: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا كتبت عليهم وصية لأزواجهم، ثم ترك ذكر”كتبت”، ورفعت الوصية و بذلك المعنى وإن كان متروكا ذكره.

    وقال آخرون منهم: بل الوصية مرفوعة بقوله: { لاّزْوَاجِهِم } فتأول: لأزواجهم وصية.

    والقول الأول أولى بالصواب في ذلك، وهو أن تكون الوصية إذا رفعت مرفوعة بمعنى: كتبت عليكم وصية لأزواجكم، لأن العرب تضمر النكرات مرافعها قبلها إذا أضمرت، فإذا أظهرت بدأت به قبلها، فتقول: جاءني رجل اليوم، وإذا قالوا: رجل جاءني اليوم، لم يكادوا أن يقولوه إلا والرجل حاضر يشيرون إليه بهذا، أو غائب قد علم المخبر عنه خبره، أو بحذف”هذا”وإضماره، إن حذفوه لمعرفة السامع بمعنى المتكلم، كما قال الله تعالى ذكره:
    { سورة أنزلناها }
    [النور: 1] و
    { بَرَاءةٌ مّنَ ظ±للَّهِ وَرَسُولِهِ }
    [التوبة: 1] وَصِيَّةً لاّزْوَاجِهِم.

    وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا قراءة من قرأه رفعا لدلالة ظاهر القرآن على أن مقام المتوفى عنها زوجها في بيت زوجها المتوفى حولا كاملا، كان حقا لها قبل نزول قوله:
    { وَظ±لَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً }
    [البقرة: 234] وقبل نزول آية الميراث. ولتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي دل عليه الظاهر من ذلك، أوصى لهن أزواجهن بذلك قبل وفاتهن أو لم يوصوا لهن به

    فإن قال قائل: وما الدلالة على ذلك؟ قيل: لما قال الله تعالى ذكره. { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم } وكان الموصي لا شك إنما يوصي في حياته بما يؤمر بإنفاذه بعد وفاته، وكان محالا أن يوصي بعد وفاته، كان تعالى ذكره إنما جعل لامرأة الميت سكنى الحول بعد وفاته؛ علما بأنه حق لها وجب في ماله بغير وصية منه لها، إذ كان الميت مستحيلا أن يكون منه وصية بعد وفاته....

    وأولى هذه الأقوال عندي في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره كان جعل لأزواج من مات من الرجال بعد موتهم سكنى حول في منزله، ونفقتها في مال زوجها الميت إلى انقضاء السنة. ووجب على ورثة الميت أن لا يخرجوهن قبل تمام الحول من المسكن الذي يسكنه، وإن هن تركن حقهن من ذلك وخرجن لم تكن ورثة الميت خروجهن في حرج. ثم إن الله تعالى ذكره نسخ النفقة بآية الميراث، وأبطل مما كان جعل لهن من سكنى حول سبعة أشهر وعشرين ليلة، وردهن إلى أربعة أشهر وعشر على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا حجاج، قال: أخبرنا حيوة بن شريح، عن ابن عجلان، عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، وأخبره عن عمته زينب ابنة كعب بن عجرة، عن فريعة أخت أبي سعيد الخدري: أن زوجها خرج في طلب عبد له، فلحقه بمكان قريب، فقاتله وأعانه عليه أعبد معه، فقتلوه. فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجها خرج في طلب عبد له، فلقيه علوج فقتلوه، وإني في مكان ليس فيه أحد غيري، وإن أجمع لأمري أن أنتقل إلى أهلي. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بل امكثي مكانك حتى يبلغ الكتاب أجله " وأما قوله: { مَّتَاعًا } فإن معناه: جعل ذلك لهن متاعا، أي الوصية التي كتبها الله لهن. وإنما نصب”المتاع”، لأن في قوله: { وَصِيَّةً لاّزْوَاجِهِم } معنى متعهن الله، فقيل متاعا مصدرا من معناه، لا من لفظه.

    وقوله: { غَيْرَ إِخْرَاجٍ } فإن معناه أن الله تعالى ذكره جعل ما جعل لهن من الوصية متاعا منه لهن إلى الحول لا إخراجا من مسكن زوجها، يعني لا إخراج فيه منه حتى ينقضي الحول، فنصب”غير”على النعت للمتاع كقول القائل: هذا قيام غير قعود، بمعنى: هذا قيام لا قعود معه، أو لا قعود فيه.

صفحة 6 من 75 الأولىالأولى ... 23456789101656 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •