صفحة 53 من 75 الأولىالأولى ... 34349505152535455565763 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 781 إلى 795 من 1124

الموضوع: إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

  1. #781
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    وقد اختلف أهل التأويـل فـي الذي يقول حينئذٍ: هذا ما وعد الرحمن، فقال بعضهم: يقول ذلك أهل الإيـمان بـالله. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { هَذَا ما وَعَدَ الرَّحمَنُ } مـما سرّ الـمؤمنون يقولون هذا حين البعث.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، فـي قوله: { هَذَا ما وَعَدَ الرَّحمَنُ وَصَدَقَ الـمُرْسَلُونَ } قال: قال أهل الهدى: هذا ما وعد الرحمن وصدق الـمرسلون.

    وقال آخرون: بل كلا القولـين، أعنـي { يا وَيْـلَنا مَنْ بَعثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هَذَا ما وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَق الـمُرْسَلُونَ } من قول الكفـار. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { يا وَيْـلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنا } ثم قال بعضهم لبعض: { هَذَا ما وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الـمُرْسَلُونَ } كانوا أخبرونا أنا نبعث بعد الـموت، ونُـحاسب ونُـجازَى.

    والقول الأوّل أشبه بظاهر التنزيـل، وهو أن يكون من كلام الـمؤمنـين، لأن الكفـار فـي قـيـلهم: { مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا } دلـيـل علـى أنهم كانوا بـمن بعثهم من مَرْقَدهم جُهَّالاً، ولذلك من جهلهم استثبتوا، ومـحال أن يكونوا استثبتوا ذلك إلاَّ من غيرهم، مـمن خالفت صفته صفتهم فـي ذلك.

  2. #782
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال كما قال الله جل ثناؤه { إنَّ أصحَابَ الـجَنَّةِ } وهم أهلها { فِـي شُغُلٍ فـاكِهُونَ } بنعم تأتـيهم فـي شغل، وذلك الشغل الذي هم فـيه نعمة، وافتضاض أبكار، ولهو ولذّة، وشغل عما يَـلْقـى أهل النار...

    وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { فـي شُغُلٍ } ، فقرأت ذلك عامة قرّاء الـمدينة وبعض البصريـين علـى اختلاف عنه: «فِـي شُغْلٍ» بضم الشين وتسكين الغين. وقد رُوي عن أبـي عمرو الضمّ فـي الشين والتسكين فـي الغين، والفتـح فـي الشين والغين جميعاً فـي شغل. وقرأ ذلك بعض أهل الـمدينة والبصرة وعامة قرّاء أهل الكوفة { فِـي شُغُلٍ } بضم الشين والغين.

    والصواب فـي ذلك عندي قراءته بضم الشين والغين، أو بضم الشين وسكون الغين، بأيّ ذلك قرأه القارىء فهو مصيب، لأن ذلك هو القراءة الـمعروفة فـي قرّاء الأمصار مع تقارب معنـيـيهما. وأما قراءته بفتـح الشين والغين، فغير جائزة عندي، لإجماع الـحجة من القرّاء علـى خلافها.

    واختلفوا أيضاً فـي قراءة قوله: { فـاكِهُونَ } فقرأت ذلك عامة قرّاء الأمصار { فـاكِهُونَ } بـالألف. وذُكر عن أبـي جعفر القارىء أنه كان يقرؤه: «فَكِهُونَ» بغير ألف.

    والصواب من القراءة فـي ذلك عندي قراءة من قرأه بـالألف، لأن ذلك هو القراءة الـمعروفة.

    واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معناه: فَرِحون. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: { فِـي شُغُلٍ فـاكِهُونَ } يقول: فرحون.

    وقال آخرون: معناه: عجبون. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: { فـاكِهُونَ } قال: عجبون.

    حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد { فَكِهُونَ } قال: عَجِبون.

    واختلف أهل العلـم بكلام العرب فـي ذلك، فقال بعض البصريـين: منهم الفكه الذي يتفكَّه. وقال: تقول العرب للرجل الذي يتفكَّه بـالطعام أو بـالفـاكهة، أو بأعراض الناس: إن فلاناً لفكِه بأعراض الناس، قال: ومن قرأها { فـاكِهُونَ } جعله كثـير الفواكه صاحب فـاكهة، واستشهد لقوله ذلك ببـيت الـحُطَيئة:
    وَدَعَوْتَنِـي وَزَعَمْتَ أنَّكَ لابنٌ بـالصَّيْفِ تامِرْ
    أي عنده لبن كثـير، وتـمرٌ كثـير، وكذلك عاسل، ولاحم، وشاحم. وقال بعض الكوفـيـين: ذلك بـمنزلة حاذرون وحذرون، وهذا القول الثانـي أشبه بـالكلـمة.

  3. #783
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    والذي هو أولـى بـالصواب علـى ما جاء به الـخبر عن مـحمد بن كعب القُرَظيّ، أن يكون { سَلامٌ } خبراً لقوله: { وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ } فـيكون معنى ذلك: ولهم فـيها ما يدّعون، وذلك هو سلام من الله علـيهم، بـمعنى: تسلـيـم من الله، ويكون سلام ترجمة ما يدّعون، ويكون القول خارجاً من قوله: سلام. وإنـما قلت ذلك أولـى بـالصواب لـما:

    حَدَّثنا به إبراهيـم بن سعيد الـجوهريّ، قال: ثنا أبو عبد الرحمن الـمقري عن حرملة، عن سلـيـمان بن حميد، قال: سمعت مـحمد بن كعب، يحدّث عمر بن عبد العزيز، قال: إذا فرغ الله من أهل الـجنة وأهل النار، أقبل يـمشي فـي ظُلَل من الغمام والـملائكة، فـيقـف علـى أوّل أهل درجة، فـيسلـم علـيهم، فـيردّون علـيه السلام، وهو فـي القرآن: { سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبّ رَحِيـمٍ } فـيقول: سَلُوا، فـيقولون: ما نسألك وعزّتك وجلالك، لو أنك قسمت بـيننا أرزاق الثَّقَلـين لأطعمناهم وسقـيناهم وكسوناهم، فـيقول: سَلُوا، فـيقولون: نسألك رضاك، فـيقول: رضائي أحلَّكم دار كرامتـي، فـيفعل ذلك بأهل كلّ درجة حتـى ينتهي، قال: ولو أن امرأة من الـحُور العِين طلعت لأطفأ ضوء سِوارَيْها الشمس والقمر، فكيف بـالـمُسَوَّرة.

  4. #784
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: { وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلـى أعْيُنِهِمْ } يقول: أضللتهم وأعميتهم عن الهدى.

    وقال آخرون: معنى ذلك: ولو نشاء لتركناهم عمياً. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن أبـي رجاء، عن الـحسن، فـي قوله: { وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلـى أعْيُنِهِمْ فـاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنَّى يُبْصِرُونَ } قال: لو يشاء لطمس علـى أعينهم فتركهم عمياً يتردّدون.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا علـى أعْيُنِهِمْ فـاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فأنَّى يُبْصِرُونَ } يقول: لو شئنا لتركناهم عمياً يترددون.

    وهذا القول الذي ذكرناه عن الـحسن وقتادة أشبه بتأويـل الكلام، لأن الله إنـما تهدّد به قوماً كفـاراً، فلا وجه لأن يقال: وهم كفـار، لو نشاء لأضللناهم وقد أضلهم، ولكنه قال: لو نشاء لعاقبناهم علـى كفرهم، فطمسنا علـى أعينهم فصيرَّناهم عمياً لا يبصرون طريقاً، ولا يهتدون له والطَّمْس علـى العين: هو أن لا يكون بـين جفنـي العين غرٌّ، وذلك هو الشقّ الذي بـين الـجفنـين، كما تطمس الريح الأثر، يقال: أعمى مطموس وطميس.

  5. #785
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: { مُـحْضَرُونَ } وأين حضورهم إياهم، فقال بعضهم: عُنـي بذلك: وهم لهم جند مـحضرون عند الـحساب. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: { وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُـحْضَرُونَ } قال: عند الـحساب.

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهم لهم جند مـحضَرون فـي الدنـيا يغضبون لهم. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ } الآلهة { وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُـحْضَرُونَ } والـمشركون يغضَبون للآلهة فـي الدنـيا، وهي لا تسوق إلـيهم خيراً، ولا تدفع عنهم سوءاً، إنـما هي أصنام.

    وهذا الذي قاله قتادة أولـى القولـين عندنا بـالصواب فـي تأويـل ذلك، لأن الـمشركين عند الـحساب تتبرأ منهم الأصنام، وما كانوا يعبدونه، فكيف يكونون لها جنداً حينئذٍ، ولكنهم فـي الدنـيا لهم جند يغضبون لهم، ويقاتلون دونهم.

  6. #786
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    سورة الصافات

    وقال آخرون: بل ذلك آي القرآن التـي زجر الله بها عما زَجر بها عنه فـي القرآن. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { فـالزَّاجِرَاتِ زَجْراً } قال: ما زَجَر الله عنه فـي القرآن.

    والذي هو أولـى بتأويـل الآية عندنا ما قال مـجاهد، ومن قال هم الـملائكة، لأن الله تعالـى ذكره، ابتدأ القسم بنوع من الـملائكة، وهم الصافون بإجماع من أهل التأويـل، فلأن يكون الذي بعد قسماً بسائر أصنافهم أشبه.

    وقوله: { فـالتَّالِـياتِ ذِكْراً } يقول: فـالقارئات كتابـاً.

    واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيِّ بذلك، فقال بعضهم: هم الـملائكة. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد { فـالتَّالِـياتِ ذِكْراً } قال: الـملائكة.

    حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ { فـالتَّالِـياتِ ذِكْراً } قال: هم الـملائكة.

    وقال آخرون: هو ما يُتلـى فـي القرآن من أخبـار الأمـم قبلنا. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فـالتَّالـيات ذِكْراً } قال: ما يُتلـى علـيكم فـي القرآن من أخبـار الناس والأمـم قبلكم.

  7. #787
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    وقوله: { لا يَسَّمَّعُونَ إلـى الـمَلإِ الأعْلَـى } اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { لا يَسَّمَّعُونَ } ، فقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والبصرة، وبعض الكوفـيـين: «لا يَسْمَعُونَ» بتـخفـيف السين من يسمعون، بـمعنى أنهم يتسمَّعون ولا يسمعون. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين بعد { لا يسَّمَّعون } بـمعنى: لا يتسمعون، ثم أدغموا التاء فـي السين فشدّدوها.

    وأولـى القراءتـين فـي ذلك عندي بـالصواب قراءة من قرأه بـالتـخفـيف، لأن الأخبـار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، أن الشياطين قد تتسمع الوحي، ولكنها تُرمَى بـالشهب لئلا تسمع...



    إنَّ الـمَلائِكَةَ تَنْزِلُ فِـي العَنان وَهُوَ السَّحابُ فَتَذْكُرُ ما قُضِيَ فِـي السَّماءِ، فَتَسْتَرِقُ الشَّياطِينُ السَّمْعَ، فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إلـى الكُهَّانِ، فَـيَكْذِبُونَ مَعَها مِئَةَ كِذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أنْفُسهِمْ ". فهذه الأخبـار تُنبىء عن أن الشياطين تسمع، ولكنها تُرْمى بـالشهب لئلا تسمع. فإن ظنّ ظانّ أنه لـما كان فـي الكلام «إلـى»، كان التسمع أولـى بـالكلام من السمع، فإن الأمر فـي ذلك بخلاف ما ظنّ، وذلك أن العرب تقول: سمعت فلاناً يقول كذا، وسمعت إلـى فلان يقول كذا، وسمعت من فلان.

    وتأويـل الكلام: إنا زينا السماء الدنـيا بزينة الكواكب. وحفظاً من كلّ شيطان مارد أن لا يسَّمَّع إلـى الـملإ الأعلـى،...

    وأولـى التأويـلـين فـي ذلك بـالصواب تأويـل من قال: معناه: دائم خالص، وذلك أن الله قال
    { وَلَهُ الدّين وَاصِبـاً }
    فمعلوم أنه لـم يصفه بـالإيلام والإيجاع، وإنـما وصفه بـالثبـات والـخـلوص ومنه قول أبـي الأسود الدؤلـي:
    لا أشْتَرِي الـحَمْدَ القَلِـيـلَ بَقاؤُهُ يَوْماً بِذَمّ الدَّهْر أجمَعَ وَاصِبـا
    أي دائماً....

  8. #788
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    قوله: { بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ } اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة: «بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ» بضم التاء من عجبت، بـمعنى: بل عظم عندي وكبر اتـخاذهم لـي شريكاً، وتكذيبهم تنزيـلـي وهم يسخرون. وقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة { بَلْ عَجِبْتَ } بفتـح التاء بـمعنى: بل عجبت أنت يا مـحمد ويسخرون من هذا القرآن.

    والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان فـي قرّاء الأمصار، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

  9. #789
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تعالـى ذكره قد نفـى عن شراب الـجنة أن يكون فـيه غَوْل، فـالذي هو أولـى بصفته أن يقال فـيه كما قال جلّ ثناؤه { لا فِـيها غَوْلٌ } فـيعمّ بنفـي كلّ معانـي الغَوْل عنه، وأعمّ ذلك أن يقال: لا أذى فـيها ولا مكروه علـى شاربـيها فـي جسم ولا عقل، ولا غير ذلك.

    واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ } فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة { يُنْزَفُونَ } بفتـح الزاي، بـمعنى: ولا هم عن شربها تُنْزَف عقولهم. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: «وَلا هُمْ عَنْها يُنْزِفُونَ» بكسر الزاي، بـمعنى: ولا هم عن شربها يَنْفَد شرابهم.

    والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا الـمعنى غير مختلفتـيه، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب وذلك أن أهل الـجنة لا ينفد شرابهم، ولا يُسكرهم شربهم إياه، فـيُذهِب عقولَهم.

  10. #790
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    وقال آخرون: بل عنى بـالبـيض فـي هذا الـموضع: اللؤلؤ، وبه شبهن فـي بـياضه وصفـائه. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: { كأنَّهُنَّ بَـيضٌ مَكْنُونٌ } يقول: اللؤلؤ الـمكنون.

    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب عندي قول من قال: شبهن فـي بـياضهن، وأنهنّ لـم يـمسَّهنّ قبل أزواجهنّ إنس ولا جانّ ببـياض البـيض الذي هو داخـل القشر، وذلك هو الـجلدة الـمُلْبَسة الـمُـحّ قبل أن تـمسه يد أو شيء غيرها، وذلك لا شكّ هو الـمكنون فأما القشرة العلـيا فإن الطائر يـمسها، والأيدي تبـاشرها، والعُشُّ يـلقاها. والعرب تقول لكلّ مصون مكنون ما كان ذلك الشيء لؤلؤاً كان أو بـيضاً أو متاعاً، كما قال أبو دَهْبَل:
    وَهْيَ زَهْرَاءُ مِثْلُ لُؤْلُؤَةِ الغَوَّا صِ مِيزَتْ مِنْ جَوْهَرٍ مَكْنُونِ
    وتقول لكلّ شيء أضمرته الصدور: أكنته، فهو مُكنٌّ. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثنا مـحمد بن الفرج الصِّدَفـي الدِّمياطيّ، عن عمرو بن هاشم عن ابن أبـي كريـمة، عن هشام، عن الـحسن، عن أمه، عن أمّ سلـمة قلتُ: يا رسول الله أخبرنـي عن قوله { كأنَّهُنَّ بَـيْضٌ مَكْنُون } قال: " رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الـجِلْدَةِ التـي رأيْتَها فِـي داخِـلِ البَـيْضَة التـي تَلِـي القِشْرَ وَهِيَ الغِرْقـيءُ

  11. #791
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    وهذا التأويـل الذي تأوّله فرات بن ثعلبة يقوّي قراءة من قرأ «إنَّكَ لـمِنَ الـمُصّدِّقِـينَ» بتشديد الصاد بـمعنى: لـمن الـمتصدقـين، لأنه يذكر أن الله تعالـى ذكره إنـما أعطاه ما أعطاه علـى الصدقة لا علـى التصديق، وقراءة قرّاء الأمصار علـى خلاف ذلك، بل قراءتها بتـخفـيف الصاد وتشديد الدال، بـمعنى: إنكار قرينه علـيه التصديق أنه يبعث بعد الـموت، كأنه قال: أتصدّق بأنك تبعث بعد مـماتك، وتُـجْزَى بعملك، وتـحاسَب؟ يدل علـى ذلك قول الله: { أئِذَا مِتْنا وكُنَّا تُرَابـاً وَعِظاماً أئِنَّا لَـمَدِينونَ } وهي القراءة الصحيحة عندنا التـي لا يجوز خِلافُها لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها.

  12. #792
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الـمسيب بن رافع، عن أبـي هريرة، قال: " ما كذب إبراهيـم غير ثلاث كذبـات، قوله: إنـي سَقِـيـمٌ، وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِـيرُهُمْ هَذَا، وإنـما قاله موعظة، وقوله حين سأله الـملك، فقال أختـي لسارّة، وكانت امرأته ". حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن أيوب، عن مـحمد، قال: " إن إبراهيـم ما كذب إلا ثلاث كذبـات، ثنتان فـي الله، وواحدة فـي ذات نفسه فأما الثنتان فقوله: إنـي سَقِـيـمٌ، وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِـيرُهُمْ هَذَا وقصته فـي سارة، وذكر قصتها وقصة الـملك ". وقال آخرون: إن قوله { إنّـي سَقِـيـمٌ } كلـمة فـيها مِعْراض، ومعناها أن كلّ من كان فـي عقبة الـموت فهو سقـيـم، وإن لـم يكن به حين قالها سقم ظاهر، والـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف هذا القول، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الـحقّ دون غيره.

  13. #793
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا قراءة من قرأه بفتـح الـياء وتشديد الفـاء، لأن ذلك هو الصحيح الـمعروف من كلام العرب، والذي علـيه قراءة الفصحاء من القرّاء.

    وقد اختلف أهل التأويـل فـي معناه، فقال بعضهم: معناه: فأقبل قوم إبراهيـم إلـى إبراهيـم يَجْرُون. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: { فأقْبَلُوا إلَـيْهِ يَزِفُّونَ }: فأقبلوا إلـيه يجرون.

    وقال آخرون: أقبلوا إلـيه يَـمْشُون. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: { فأقْبَلُوا إلَـيْهِ يَزِفُّونَ } قال: يَـمْشُون.

    وقال آخرون: معناه: فأقبلوا يستعجلون. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، عن أبـيه { فَأَقْبَلُوا إلَـيْهِ يَزِفُّونَ } قال: يستعجلون، قال: يَزِفّ: يستعجل....

    وفـي قوله: { وَما تَعْمَلُونَ } وجهان: أحدهما: أن يكون قوله: «ما» بـمعنى الـمصدر، فـيكون معنى الكلام حينئذٍ: والله خـلقكم وعملكم. والآخر أن يكون بـمعنى «الذي»، فـيكون معنى الكلام عند ذلك: والله خـلقكم والذي تعملونه: أي والذي تعملون منه الأنصام، وهو الـخشب والنـحاس والأشياء التـي كانوا ينـحِتون منها أصنامهم. وهذا الـمعنى الثانـي قصد إن شاء الله قتادةُ بقوله الذي:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { وَاللّهُ خَـلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ }: بأيْدِيكُمْ.

  14. #794
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    وقوله: { وَقالَ إنّـي ذَاهِبٌ إلـى رَبّـي سَيَهْدِينِ } يقول: وقال إبراهيـم لـما أفْلَـجَه الله علـى قومه ونـجاه من كيدهم: { إنّـي ذاهِبٌ إلـى رَبّـي } يقول: إنـي مهاجِرٌ من بلدة قومي إلـى الله: أي إلـى الأرض الـمقدَّسة، ومفـارقهم، فمعتزلهم لعبـادة الله. وكان قتادة يقول فـي ذلك ما:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { وَقالَ إنّـي ذاهِبٌ إلـى رَبِّـي سَيَهْدِينِ }: ذاهب بعمله وقلبه ونـيته.

    وقال آخرون فـي ذلك: إنـما قال إبراهيـم { إنّـي ذاهِبٌ إلـى رَبّـي } حنـي أرادوا أن يُـلْقُوه فـي النار. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أبـي إسحاق، قال: سمعت سلـيـمان بن صُرَدَ يقول: لـما أرادوا أن يُـلْقوا إبراهيـم فـي النار { قالَ إنّـي ذاهِبٌ إلـى رَبّـي سَيَهْدِينِ } فجمع الـحطب، فجاءت عجوز علـى ظهرها حطب، فقـيـل لها: أين تريدين؟ قالت: أريد أذهب إلـى هذا الرجل الذي يُـلْقَـى فـي النار فلـما أُلقـي فـيها، قال: حَسْبِـيَ الله علـيه توكلت، أو قال: حسبـي الله ونعم الوكيـل، قال: فقال الله:
    { يا نارُ كُونِـي بَرْداً وَسَلاماً علـى إبْرَاهِيـمَ }
    قال: فقال ابن لُوط، أو ابن أخي لوط: إن النار لـم تـحرقه من أجلـي، وكان بـينهما قرابة، فأرسل الله علـيه عُنُقـاً من النار فأحرقته.

    وإنـما اخترت القول الذي قلت فـي ذلك، لأن الله تبـارك وتعالـى ذكر خبره وخبر قومه فـي موضع آخر، فأخبر أنه لـما نـجاه مـما حاول قومه من إحراقه
    { قال إنّـي مُهاجِرٌ إلـى رَبّـي }
    ففسر أهل التأويـل ذلك أن معناه: إنـي مهاجر إلـى أرض الشام، فكذلك قوله: { إنّـي ذَاهِبٌ إلـى رَبّـي } لأنه كقوله:
    { إنّـي مُهاجِرٌ إلـى رَبّـي }
    وقوله: { سَيَهْدِينِ } يقول: سيثبتنـي علـى الهدى الذي أبصرته، ويعيننـي علـيه.

  15. #795
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    قوله: { فـانْظُرْ ماذَا تَرَى }: اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { ماذَا تَرَى } ، فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة، وبعض قرّاء أهل الكوفة: { فـانْظُرْ ماذَا تَرَى }؟ بفتـح التاء، بـمعنى: أيّ شيء تأمر، أو فـانظر ما الذي تأمر، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: { ماذَا تُرَى } بضم التاء، بـمعنى: ماذا تُشير، وماذا تُرَى من صبرك أو جزعك من الذبح؟.

    والذي هو أولـى القراءتـين فـي ذلك عندي بـالصواب قراءة من قرأه: { ماذَا تَرَى } بفتـح التاء، بـمعنى: ماذا ترى من الرأي.

    فإن قال قائل: أَوَ كان إبراهيـم يؤامر ابنه فـي الـمضي لأمر الله، والانتهاء إلـى طاعته؟ قـيـل: لـم يكن ذلك منه مشاورة لابنه فـي طاعة الله، ولكنه كان منه لـيعلـم ما عند ابنه من العَزْم: هل هو من الصبر علـى أمر الله علـى مثل الذي هو علـيه، فـيسرّ بذلك أم لا، وهو فـي الأحوال كلها ماض لأمر الله.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •