صفحة 52 من 75 الأولىالأولى ... 24248495051525354555662 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 766 إلى 780 من 1124

الموضوع: إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

  1. #766
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    يقول تعالـى ذكره: وحيـل بـين هؤلاء الـمشركين حين فزعوا، فلا فوت، وأخذوا من مكان قريب، فقالوا آمنا به { وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ } حينئذ من الإيـمان بـما كانوا به فـي الدنـيا قبل ذلك يكفرون ولا سبـيـل لهم إلـيه.

    وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي إسماعيـل بن حفص الأبلـي، قال: ثنا الـمعتـمر، عن أبـي الأشهب، عن الـحسن، فـي قوله: { وَحيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ } قال: حيـل بـينهم وبـين الإيـمان بـالله.

    حدثنا ابن بِشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن عبد الصمد، قال: سمعت الـحسن، وسئل عن هذه الآية { وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ } قال: حيـل بـينهم وبـين الإيـمان.

    حدثنـي ابن أبـي زياد، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا أبو الأشهب، عن الـحسن { وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ } قال: حيـل بـينهم وبـين الإيـمان.

    حدثنا أحمد بن عبد الصمد الأنصاري، قال: ثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد { وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ } قال: من الرجوع إلـى الدنـيا لـيتوبوا.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ } كان القوم يشتهون طاعة الله أن يكونوا عملوا بها فـي الدنـيا حين عاينوا ما عاينوا.

    حدثنا الـحسن بن واضح، قال: ثنا الـحسن بن حبـيب، قال: ثنا أبو الأشهب، عن الـحسن، فـي قوله: { وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ } قال: حيـل بـينهم وبـين الإيـمان.

    وقال آخرون: معنى ذلك: وحيـل بـينهم وبـين ما يشتهون من مال وولد وزهرة الدنـيا. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى قال: ثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: { وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ } قال: من مال أو ولد أو زهرة.

    حدثنـي يونس، قال: قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ } قال: فـي الدنـيا التـي كانوا فـيها والـحياة.

    وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـي ذلك، لأن القوم إنـما تَـمَنَّوا حين عاينوا من عذاب الله ما عاينوا، ما أخبر الله عنهم أنهم تَـمَنَّوه، وقالوا آمنا به، فقال الله: وأنى لهم تَناوُش ذلك من مكان بعيد، وقد كفروا من قبل ذلك فـي الدنـيا. فإذا كان ذلك كذلك، فلأن يكون قوله: { وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ } خبراً عن أنه لا سبـيـل لهم إلـى ما تـمنوه أولـى من أن يكون خبراً عن غيره.

  2. #767
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    سورة فاطر

    واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَـيْهِمْ حَسَراتٍ } فقرأته قرّاء الأمصار سوى أبـي جعفر الـمدنـي { فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ } بفتـح التاء من { تَذهَبْ } ، ونفسك برفعها. وقرأ ذلك أبو جعفر: «فَلا تُذْهِبْ» بضم التاء من { تَذْهَبْ } ، ونفسَك بنصبها، بـمعنى: لا تذهب أنت يا مـحمد نفسك.

    والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا ما علـيه قرّاء الأمصار، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه.

  3. #768
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { مَنْ كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعاً } يقول: فلـيتعزّز بطاعة الله.

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: من كان يريد علـم العزّة لـمن هي، فإنه لله جميعاً كلها: أي كلّ وجه من العزّة فللّه.

    والذي هو أولـى الأقوال بـالصواب عندي قول من قال: من كان يريد العزّة، فبـالله فلـيتعزّز، فللّه العزّة جميعاً، دون كلّ ما دونه من الآلهة والأوثان.

    وإنـما قلت: ذلك أولـى بـالصواب، لأن الآيات التـي قبل هذه الآية، جرت بتقريع الله الـمشركين علـى عبـادتهم الأوثان، وتوبـيخه إياهم، ووعيده لهم علـيها، فأولـى بهذه أيضاً أن تكون من جنس الـحث علـى فراق ذلك، فكانت قصتها شبـيهة بقصتها، وكانت فـي سياقها...

    وقوله: { إلَـيْه يَصْعَدُ الكَلِـمُ الطَّيِّب } يقول تعالـى ذكره: إلـى الله يصعد ذكر العبد إياه وثناؤه علـيه { والعَمَلُ الصَّالِـحُ يَرْفَعُهُ } يقول: ويرفع ذكر العبد ربه إلـيه عمله الصالـح، وهو العمل بطاعته، وأداء فرائضه، والانتهاء إلـى ما أمر به. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل

  4. #769
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلاَّ فِـي كِتابٍ } قال: ألا ترى الناس: الإنسانُ يعيش مئة سنة، وآخرُ يـموت حين يولد؟ فهذا هذا.

    فـالهاء التـي فـي قوله { وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ } علـى هذا التأويـل وإن كانت فـي الظاهر أنها كناية عن اسم الـمْعَمَّر الأوّل، فهي كناية اسم آخر غيره، وإنـما حسُن ذلك لأن صاحبها لو أظهر لظهر بلفظ الأوّل، وذلك كقولهم: عندي ثوب ونصفه، والـمعنى: ونصف الآخر

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما يُعمَّر من معمَّر ولا ينقص من عمره بفناء ما فنـي من أيام حياته، فذلك هو نقصان عمره. والهاء علـى هذا التأويـل للـمُعَمَّر الأوّل، لأن معنى الكلام: ما يطوّل عمر أحد، ولا يذهب من عمره شيء، فـيُنْقَص إلاَّ وهو فـي كتاب عبد الله مكتوب قد أحصاه وعلـمه. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن أبـي مالك فـي هذه الآية: { وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلاَّ فِـي كِتابٍ } قال: ما يقضي كم أيامه التـي عددت له إلاَّ فـي كتاب.

    وأولـى التأويـلـين فـي ذلك عندي الصواب، التأويـل الأوّل وذلك أن ذلك هو أظهر معنـيـيه، وأشبههما بظاهر التنزيـل.

  5. #770
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    والقول فـي ذلك عندي، أن الـحَرور يكون بـاللـيـل والنهار، غير أنه فـي هذا الـموضع بأن يكون كما قال أبو عبـيدة: أشبه مع الشمس، لأن الظلّ إنـما يكون فـي يوم شمس، فذلك يدلّ علـى أنه أريد بـالـحَرور: الذي يوجد فـي حال وجود الظلّ.

  6. #771
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب تأويـل من قال: عنى بقوله: { ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا } الكتب التـي أُنزلت من قبل الفرقان.

    فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يكون ذلك معناه، وأمة مـحمد صلى الله عليه وسلم لا يتلون غير كتابهم، ولا يعملون إلاَّ بـما فـيه من الأحكام والشرائع؟ قـيـل: إن معنى ذلك علـى غير الذي ذهبت إلـيه، وإنـما معناه: ثم أورثنا الإيـمان بـالكتاب الذين اصطفـينا، فمنهم مؤمنون بكلّ كتاب أنزله الله من السماء قبل كتابهم وعاملون به، لأن كل كتاب أنزل من السماء قبل الفرقان، فإنه يأمر بـالعمل بـالفرقان عند نزوله، وبـاتبـاع من جاء به، وذلك عمل من أقرّ بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وبـما جاء به، وعمل بـما دعاه إلـيه بـما فـي القرآن، وبـما فـي غيره من الكتب التـي أنزلت قبله.

    وإنـما قـيـل: عنى بقوله { ثُمَّ أوْرَثْنا الكتابَ } الكتب التـي ذكرنا لأن الله جلّ ثناؤه قال لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم
    { وَالَّذِي أوْحَيْنَا إلَـيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الـحَقُّ مُصَدِّقاً لِـمَا بَـيْنَ يَدَيْهِ }
    ثم أتبع ذلك قوله { ثُمَّ أَوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا } فكان معلوماً، إذ كان معنى الـميراث إنـما هو انتقال معنى من قوم إلـى آخرين، ولـم تكن أمة علـى عهد نبـينا صلى الله عليه وسلم انتقل إلـيهم كتاب من قوم كانوا قبلهم غير أمته، أن ذلك معناه.

    وإذ كان ذلك كذلك، فبـيِّنٌ أن الـمصطفـين من عبـاده هم مؤمنو أمته وأما الظالـم لنفسه، فإنه لأن يكون من أهل الذنوب والـمعاصي التـي هي دون النفـاق والشرك عندي أشبه بـمعنى الآية من أن يكون الـمنافق أو الكافر، وذلك أن الله تعالـى ذكره أتبع هذه الآية قوله:
    { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُـلُونَها }
    فعمَّ بدخول الـجنة جميع الأصناف الثلاثة.

    فإن قال قائل: فإن قوله
    { يَدْخُـلُونَها }
    إنـما عنى به الـمقتصد والسابق قـيـل له: وما برهانك علـى أن ذلك كذلك من خبر أو عقل؟ فإن قال: قـيام الـحجة أن الظالـم من هذه الأمة سيدخـل النار، ولو لـم يدخـل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد وجب أن لا يكون لأهل الإيـمان وعيد قـيـل: إنه لـيس فـي الآية خبر أنهم لا يدخـلون النار، وإنـما فـيها إخبـار من الله تعالـى ذكره أنهم يدخـلون جنات عَدْن، وجائز أن يدخـلها الظالـم لنفسه بعد عقوبة الله إياه علـى ذنوبه التـي أصابها فـي الدنـيا، وظلـمه نفسه فـيها بـالنار، أو بـما شاء من عقابه، ثم يُدخـله الـجنة، فـيكون مـمن عمه خبر الله جلّ ثناؤه بقوله
    { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخَـلُونَها }


    وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنـحو الذي قلنا فـي ذلك أخبـارٌ، وإن كان فـي أسانـيدها نظر، مع دلـيـل الكتاب علـى صحته علـى النـحو الذي بـيَّنت. ذكر الرواية الواردة بذلك:

    حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: ثنا سفـيان عن الأعمش، قال: ذكر أبو ثابت أنه دخـل الـمسجد، فجلس إلـى جنب أبـي الدرداء، فقال: اللهمّ آنس وحشتـي، وارحم غُرْبتـي، ويسِّر لـي جلـيساً صالـحاً، فقال أبو الدرداء: لئن كنت صادقاً لأنا أسعد به منك سأحدّثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لـم أحدّث به منذ سمعته ذَكَرَ هذه الآية: { ثُمَّ أَوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا فَمِنْهُمْ ظالِـمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بـالـخَيْرَاتِ } فأما السابق بـالـخيرات، فـيدخـلها بغير حساب، وأما الـمقتصد فـيحاسب حسابـاً يسيراً، وأما الظالـم لنفسه فـيصيبه فـي ذلك الـمكان من الغمّ والـحزن، فذلك قوله:
    { الـحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنَّا الـحَزَنَ }


    حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة عن الولـيد بن الـمغيرة، أنه سمع رجلاً من ثقـيف حدّث عن رجل من كنانة، عن أبـي سعيد الـخدريّ، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال فـي هذه الآية: { ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا فَمِنْهُمْ ظالِـمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بـالـخَيْرَاتِ بإذْنِ الله } قال: " هؤلاء كلهم بـمنزلة واحدة، وكلهم فـي الـجنة " ...

    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أخبر عن هؤلاء القوم الذين أكرمهم بـما أكرمهم به أنهم قالوا حين دخـلوا الـجنة { الـحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنَّا الـحَزَنَ } وخوف دخول النار من الـحزن، والـجَزَع من الـموت من الـحزن، والـجزع من الـحاجة إلـى الـمطعم من الـحزن، ولـم يخصص الله إذ أخبر عنهم أنهم حمدوه علـى إذهابه الـحزن عنهم نوعاً دون نوع، بل أخبر عنهم أنهم عموا جميع أنوع الـحزن بقولهم ذلك، وكذلك ذلك، لأن من دخـل الـجنة فلا حزن علـيه بعد ذلك، فحمدهم علـى إذهابه عنهم جميع معانـي الـحزن.

  7. #772
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    حدثنا مـحمد بن سوار، قال: ثنا أسد بن حميد، عن سعيد بن طريف، عن الأصبغ بن نبـاتة، عن علـيّ رضي الله عنه، فـي قوله: { أوَ لَـمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِـيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ } قال: العمر الذي عمركم الله به ستون سنة.

    وأشبه القولـين بتأويـل الآية إذ كان الـخبر الذي ذكرناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبراً فـي إسناده بعض من يَجِب التثبت فـي نقله، قول من قال ذلك أربعون سنة، لأن فـي الأربعين يتناهى عقل الإنسان وفهمه، وما قبل ذلك وما بعده منتقَص عن كماله فـي حال الأربعين.

  8. #773
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    سورة يس

    واختلف أهل العربـية فـي معنى «ما» التـي فـي قوله: { ما أُنْذرَ آبـاؤُهُمْ } إذا وُجِّه معنى الكلام إلـى أن آبـاءهم قد كانوا أنذروا، ولـم يُرد بها الـجحد، فقال بعض نـحويِّـي البصرة: معنى ذلك: إذا أريد به غير الـجحد لتنذرهم الذي أُنذر آبـاؤهم { فَهُمْ غافِلُونَ }. وقال: فدخول الفـاء فـي هذا الـمعنى لا يجوز، والله أعلـم. قال: وهو علـى الـجحد أحسن، فـيكون معنى الكلام: إنك لـمن الـمرسلـين إلـى قوم لـم ينذر آبـاؤهم، لأنهم كانوا فـي الفترة.

    وقال بعض نـحويّـي الكوفة: إذا لـم يرد بـما الـجحد، فإن معنى الكلام: لتنذرهم بـما أنذر آبـاؤهم، فتلقـى البـاء، فتكون «ما» فـي موضع نصب { فَهُمْ غافِلُونَ } يقول: فهم غافلون عما الله فـاعل: بأعدائه الـمشركين به، من إحلال نقمته، وسطوته بهم.

  9. #774
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    يقول تعالـى ذكره: إنا جعلنا أيـمان هؤلاء الكفـار مغلولة إلـى أعناقِهم بـالأغلال، فلا تُبْسط بشيء من الـخيرات وهي فـي قراءة عبد الله فـيـما ذُكر: «إنَّا جَعَلْنا فِـي أيـمَانِهِمْ أغْلالاً فَهِيَ إلـى الأَذْقانِ». وقوله: { إلـى الأَذْقانِ } يعنـي: فأَيـمانهم مـجموعة بـالأغلال فـي أعناقهم، فكُنِّـي عن الأيـمان، ولـم يجر لها ذكر لـمعرفة السامعين بـمعنى الكلام، وأن الأغلال إذا كانت فـي الأعناق لـم تكن إلاَّ وأيدي الـمغلولـين مـجموعة بها إلـيها فـاستغنى بذكر كون الأغلال فـي الأعناق من ذكر الأيـمان، كما قال الشاعر:
    وَما أَدْرِي إذَا يَـمَّـمْتُ وَجْهاً أُرِيدُ الـخَيْرَ أيُّهُما يَـلِـينِـي
    أألْـخَيْرُ الَّذِي أنا أبْتَغِيهِ أمِ الشَّرُّ الَّذِي لا يَأْتَلِـينِـي
    فكنى عن الشرّ، وإنـما ذكر الـخير وحده لعلـم سامع ذلك بـمعنـيّ قائله، إذ كان الشرّ مع الـخير يُذكر. والأذقان: جمع ذَقَن، والذَّقَن: مـجمع اللَّـحْيَـين.

  10. #775
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    { فَعَزَّزْنا } قرأت القرّاء سِوى عاصم، فإنه قرأه بـالتـخفـيف، والقراءة عندنا بـالتشديد، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه، وأن معناه، إذا شُدّد: فقوّينا، وإذا خُفف: فغلبنا، ولـيس لغلبنا فـي هذا الـموضع كثـير معنى.

  11. #776
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    وقوله: { أئِنْ ذُكِّرْتُـمْ } اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار { أئِنْ ذُكِّرْتُـمْ } بكسر الألف من «إنْ» وفتـح ألف الاستفهام: بـمعنى إن ذكرناكم فمعكم طائركم، ثم أدخـل علـى «إن» التـي هي حرف جزاء ألفَ استفهام فـي قول بعض نـحويّـي البصرة، وفـي قول بعض الكوفـيـين منويّ به التكرير، كأنه قـيـل: قالوا طائركم معكم إن ذُكِّرتـم فمعكم طائركم، فحذف الـجواب اكتفـاء بدلالة الكلام علـيه. وإنـما أنكر قائل هذا القول القول الأوّل، لأن ألف الاستفهام قد حالت بـين الـجزاء وبـين الشرط، فلا تكون شرطاً لـما قبل حرف الاستفهام. وذُكر عن أبـي رَزِين أنه قرأ ذلك: { أئِنْ ذُكِّرْتُـمْ } بـمعنى: ألأِن ذُكِّرتُـم طائركم معكم؟. وذُكر عن بعض قارئيه أنه قرأه: «قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أيْنَ ذُكِرْتُـمْ» بـمعنى: حيث ذُكِرتـم بتـخفـيف الكاف من ذُكِرْتـم.

    والقراءة التـي لا نـجيز القراءة بغيرها القراءة التـي علـيها قرّاء الأمصار، وهي دخول ألف الاستفهام علـى حرف الـجزاء، وتشديد الكاف علـى الـمعنى الذي ذكرناه عن قارئيه كذلك، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { أئِنْ ذُكِّرْتُـمْ }: أي إن ذكَّرناكم اللّهَ تطيرتـم بنا؟ { بَلْ أنْتُـمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ }

  12. #777
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    واختلف أهل التأويـل فـي معنى الـجند الذي أخبر الله أنه لـم ينزل إلـى قوم هذا الـمؤمن بعد قتلهموه فقال بعضهم: عُنِـي بذلك أنه لـم ينزل الله بعد ذلك إلـيهم رسالة، ولا بعث إلـيهم نبـياً. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: { مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ } قال: رسالة.

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكَّام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بَزَّة عن مـجاهد، مثله.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَما أنْزَلْنا عَلـى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِـينَ } قال: فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله { إنْ كانَتْ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فإذَا هُمْ خامدُونَ }.

    وقال آخرون: بل عُنـي بذلك أن الله تعالـى ذكره لـم يبعث لهم جنوداً يقاتلهم بها، ولكنه أهلكهم بصيحة واحدة. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي ابن إسحاق، عن بعض أصحابه، أن عبد الله بن مسعود، قال: غضب الله له، يعنـي لهذا الـمؤمن، لاستضعافهم إياه غضبةً لـم تبق من القوم شيئاً، فعجَّل لهم النقمة بـما استـحلوا منه، وقال: { وَما أنْزَلْنا عَلـى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السمَّاءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِـينَ } يقول: ما كاثرناهم بـالـجموع: أي الأمر أيسر علـينا من ذلك { إنْ كانَتْ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فإذَا هُمْ خامِدُونَ } فأهلك الله ذلك الـملك وأهل أنطاكية، فبـادوا عن وجه الأرض، فلـم تبق منهم بـاقـية.

    وهذا القول الثانـي أولـى القولـين بتأويـل الآية، وذلك أن الرسالة لا يقال لها جند إلا أن يكون أراد مـجاهد بذلك الرُّسُل، فـيكون وجهاً، وإن كان أيضاً من الـمفهوم بظاهر الآية بعيداً، وذلك أن الرسُل من بنـي آدم لا ينزلون من السماء والـخبر فـي ظاهر هذه الآية عن أنه لـم ينزل من السماء بعد مَهْلِك هذا الـمؤمن علـى قومه جنداً وذلك بـالـملائكة أشبه منه ببنـي آدم.

  13. #778
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    و«ما» التـي فـي قوله: { وَما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ } فـي موضع خفض عطفـاً علـى الثمر، بـمعنى: ومن الذي عملت وهي فـي قراءة عبد الله فـيـما ذُكر: «وَمـمَّا عَمِلَتْهُ» بـالهاء علـى هذا الـمعنى فـالهاء فـي قراءتنا مضمرة، لأن العرب تضمرها أحياناً، وتظهرها فـي صلات: من، وما، والذي. ولو قـيـل: «ما» بـمعنى الـمصدر كان مذهبـاً، فـيكون معنى الكلام: ومن عمل أيديهم. ولو قـيـل: إنها بـمعنى الـجحد ولا موضع لها كان أيضاً مذهبـاً، فـيكون معنى الكلام: لـيأكلوا من ثمره ولـم تعمله أيديهم

  14. #779
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    يقول تعالـى ذكره: ودلـيـل لهم أيضاً علـى قدرة الله علـى فعل كل ما شاء { اللَّـيْـلُ نَسْلَـخُ مِنْهُ النَّهارَ } يقول: ننزع عنه النهار. ومعنى «منه» فـي هذا الـموضع: عنه، كأنه قـيـل: نسلَـخ عنه النهار، فنأتـي بـالظلـمة ونذهب بـالنهار. ومنه قوله:
    { وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَـيْناهُ فـانْسَلَـخَ مِنْها }
    أي خرج منها وتركها، فكذلك انسلاخ اللـيـل من النهار. وقوله: { فإذَا هُمْ مُظْلِـمُونَ } يقول: فإذا هم قد صاروا فـي ظلـمة بـمـجيء اللـيـل. وقال قتادة فـي ذلك ما:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وآيَةٌ لَهُمُ اللَّـيْـلُ نَسْلَـخُ مِنْهُ النَّهارَ فإذَا هُمْ مُظْلِـمُونَ } قال: يولـج اللـيـل فـي النهار، ويولـج النهار فـي اللـيـل.

    وهذا الذي قاله قتادة فـي ذلك عندي، من معنى سلـخ النهار من اللـيـل، بعيد وذلك أن إيلاج اللـيـل فـي النهار، إنـما هو زيادة ما نقص من ساعات هذا فـي ساعات الآخر، ولـيس السلْـخ من ذلك فـي شيء، لأن النهار يسلـخ من اللـيـل كله، وكذلك اللـيـل من النهار كله، ولـيس يولـج كلّ اللـيـل فـي كلّ النهار، ولا كلّ النهار فـي كلّ اللـيـل.

  15. #780
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: { وَخَـلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ } قال: من الأنعام.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الـحسن: هي الإبل.

    وأشبه القولـين بتأويـل ذلك قول مَن قال: عُنِـي بذلك السفن، وذلك لدلالة قوله: { وَإنْ نَشأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ } علـى أن ذلك كذلك، وذلك أن الغرق معلوم أن لا يكون إلا فـي الـماء، ولا غرق فـي البرّ.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •