صفحة 51 من 75 الأولىالأولى ... 4147484950515253545561 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 751 إلى 765 من 1124

الموضوع: إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

  1. #751
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أخبر أنه أورث الـمؤمنـين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض بنـي قريظة وديارهم وأموالهم، وأرضاً لـم يطئوها يومئذٍ ولـم تكن مكة ولا خَيبر، ولا أرض فـارس والروم ولا الـيـمن، مـما كان وطئوه يومئذٍ، ثم وطئوا ذلك بعد، وأورثهموه الله، وذلك كله داخـل فـي قوله { وأرْضاً لَـمْ تَطَئُوها } لأنه تعالـى ذكره لـم يخصص من ذلك بعضاً دون بعض. { وكانَ اللّهُ علـى كُلّ شَيْءٍ قَدِيراً } يقول تعالـى ذكره: وكان الله علـى أن أورث الـمؤمنـين ذلك، وعلـى نصره إياهم، وغير ذلك من الأمور قدرة، لا يتعذّر علـيه شيء أراده، ولا يـمتنع علـيه فعل شيء حاول فعله.

  2. #752
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار: { يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ } بـالألف، غير أبـي عمرو، فإنه قرأ ذلك: «يُضَعَّفْ» بتشديد العين تأوّلاً منه فـي قراءته ذلك أن يضعَّف، بـمعنى: تضعيف الشيء مرّة واحدة، وذلك أن يجعل الشيء شيئين، فكأن معنى الكلام عنده: أن يجعل عذاب من يأتـي من نساء النبـيّ صلى الله عليه وسلم بفـاحشة مبـينة فـي الدنـيا والآخرة، مثلـي عذاب سائر النساء غيرهنّ، ويقول: إنَّ { يُضَاعَفْ } بـمعنى أنْ يجْعَل إلـى الشيء مثلاه، حتـى يكون ثلاثة أمثاله فكأن معنى من قرأ { يُضَاعَفْ } عنده كان أن عذابها ثلاثة أمثال عذاب غيرها من النساء من غير أزواج النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فلذلك اختار «يضعَّف» علـى يضاعف. وأنكر الآخرون الذين قرءوا ذلك يضاعف ما كان يقول فـي ذلك، ويقولون: لا نعلـم بـين: ويُضاعَفْ ويُضَعَّفْ فرقاً.

    والصواب من القراءة فـي ذلك ما علـيه قرّاء الأمصار، وذلك { يُضَاعَفْ }. وأما التأويـل الذي ذهب إلـيه أبو عمرو، فتأويـل لا نعلـم أحداً من أهل العلـم ادّعاه غيره، وغير أبـي عُبـيدة معمر بن الـمثنى، ولا يجوز خلاف ما جاءت به الـحجة مـجمعة علـيه بتأويـل لا برهان له من الوجه الذي يجب التسلـيـم له.

  3. #753
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { وَقَرْنَ فِـي بُـيُوتِكُنَّ } فقرأته عامة قرّاء الـمدينة وبعض الكوفـيـين: { وَقَرْنَ } بفتـح القاف، بـمعنى: واقررن فـي بـيوتكنّ، وكأن من قرأ ذلك كذلك حذف الراء الأولـى من اقررن، وهي مفتوحة، ثم نقلها إلـى القاف، كما قـيـل:
    { فَظَلْتُـمْ تَفَكَّهُونَ }
    وهو يريد فظللتـم، فأسقطت اللام الأولـى وهي مكسورة، ثم نُقلت كسرتها إلـى الظاء. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة والبصرة: «وَقِرْنَ» بكسر القاف، بـمعنى: كنّ أهل وقار وسكينة { فِـي بُـيُوتِكُنَّ }.

    وهذه القراءة وهي الكسر فـي القاف أَولـى عندنا بـالصواب، لأن ذلك إن كان من الوقار علـى ما اخترنا، فلا شكّ أن القراءة بكسر القاف، لأنه يقال: وقر فلان فـي منزله فهو يقر وقوراً، فتكسر القاف فـي تفعل فإذا أمر منه قـيـل: قرّ، كما يقال من وزن: يزن زن، ومن وَعد: يعِد عِد.

    وإن كان من القرار، فإن الوجه أن يقال: اقررن، لأن من قال من العرب: ظلت أفعل كذا، وأحست بكذا، فأسقط عين الفعل، وحوّل حركتها إلـى فـائه فـي فعل وفعلنا وفعلتـم، لـم يفعل ذلك فـي الأمر والنهِي، فلا يقول: ظلّ قائماً، ولا تظلّ قائماً، فلـيس الذي اعتلّ به من اعتلّ لصحة القراءة بفتـح القاف فـي ذلك يقول العرب فـي ظللت وأحسست ظلت، وأحست بعلة توجب صحته لـما وصفت من العلة. وقد حكى بعضهم عن بعض الأعراب سماعاً منه: ينـحطن من الـجبل، وهو يريد: ينـحططن. فإن يكن ذلك صحيحاً، فهو أقرب إلـى أن يكون حجة لأهل هذه القراءة من الـحجة الأخرى....

    وأَولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب أن يقال: إن الله تعالـى ذكره نهى نساء النبـيّ أن يتبرّجن تبرّج الـجاهلـية الأولـى، وجائز أن يكون ذلك ما بـين آدم وعيسى، فـيكون معنى ذلك: ولا تبرّجن تبرّج الـجاهلـية الأولـى التـي قبل الإسلام.

    فإن قال قائل: أَوَ فـي الإسلام جاهلـية حتـى يقال: عنى بقوله { الـجاهِلِـيَّةِ الأولـى } التـي قبل الإسلام؟ قـيـل: فـيه أخلاقٌ من أخلاق الـجاهلـية. كما:

    حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وَلا تَبرَّجْنَ تَبرُّجَ الـجاهِلِـيَّةِ الأُولـى } قال: يقول: التـي كانت قبل الإسلام، قال: وفـي الإسلام جاهلـية؟ قال: قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم لأبـي الدرداء، وقال لرجل وهو ينازعه: يا ابْن فلانة، لأُمّ كان يعيره بها فـي الـجاهلـية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبـا الدَّرْدَاءِ إنَّ فِـيكَ جاهِلِـيَّةً " ، قال: أجاهلـية كفر أو إسلام؟ قال: " بل جاهِلِـيَّةُ كُفْرٍ " ، قال: فتـمنـيت أن لو كنت ابتدأت إسلامي يومئذ. قال: وقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم: " ثَلاثٌ مِنْ عَمَلِ أهْلِ الـجاهِلِـيَّةِ لا يَدَعُهُنَّ النَّاسُ: الطَّعْنُ بـالأنْساب، والإسْتِـمْطارُ بـالكَوَاكِبِ، والنِّـياحَةُ " ...

  4. #754
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب أن يقال: إن الله تعالـى ذكره جعل لنبـيه أن يرجي من النساء اللواتـي أحلهنّ له من يشاء، ويُؤوي إلـيه منهنّ من يشاء، وذلك أنه لـم يحصر معنى الإرجاء والإيواء علـى الـمنكوحات اللواتـي كنّ فـي حبـاله، عندما نزلت هذه الآية دون غيرهنّ مـمن يستـحدث إيواؤها أو إرجاؤها منهنّ. وإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: تؤخر من تشاء مـمن وهبت نفسها لك، وأحللت لك نكاحها، فلا تقبلها ولا تنكحها، أو مـمن هنّ فـي حبـالك، فلا تقربها، وتضمّ إلـيك من تشاء مـمن وهبت نفسها لك، أو أردت من النساء التـي أحللت لك نكاحهنّ، فتقبلها أو تنكحها، ومـمن هي فـي حبـالك فتـجامعها إذا شئت، وتتركها إذا شئت بغير قَسْم....

    وأولـى التأويـلـين بـالصواب فـي ذلك، تأويـل من قال: معنى ذلك: ومن ابتغيت إصابته من نسائك { مـمَّنْ عَزَلْتَ } عن ذلك منهنّ { فَلا جُناحَ عَلَـيْكَ } لدلالة قوله: { ذَلكَ أدْنَى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ } علـى صحة ذلك، لأنه لا معنى لأن تقرّ أعينهنّ إذا هو صلى الله عليه وسلم استبدل بـالـميتة أو الـمطلقة منهنّ، إلا أن يعنـي بذلك: ذلك أدنى أن تقرّ أعين الـمنكوحة منهنّ، وذلك مـما يدلّ علـيه ظاهر التنزيـل بعيد.

    وقوله: { ذَلكَ أدْنَى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ } يقول: هذا الذي جعلت لك يا مـحمد من إذنـي لك أن ترجي من تشاء من النساء اللواتـي جعلت لك إرجاءهنّ، وتؤوي من تشاء منهنّ، ووضعي عنك الـحرج فـي ابتغائك إصابة من ابتغيت إصابته من نسائك، وعزلك عن ذلك من عزلت منهنّ، أقرب لنسائك أن تقرّ أعينهنّ به ولا يَحْزَنّ ويرضين بـما آتـيتهنّ كلهنّ من تفضيـل من فضلت من قسم، أو نفقة وإيثار من آثرت منهم بذلك علـى غيره من نسائك، إذا هنّ علـمن أنه من رضاي منك بذلك، وإذنـي لك به، وإطلاق منـي لا من قِبَلك. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { ذَلكَ أدْنَى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِـمَا آتَـيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ } إذا علـمن أن هذا جاء من الله لرخصة، كان أطيب لأنفسهنّ، وأقلّ لـحزنهنّ....

    والصواب من القراءة فـي قوله: { بِـمَا آتَـيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ } الرفع غير جائز غيره عندنا، وذلك أن كلهنّ لـيس بنعت للهاء فـي قوله { آتَـيْتَهُنَّ } ، وإنـما معنى الكلام: ويرضين كلهنّ، فإنـما هو توكيد لـما فـي يرضين من ذكر النساء وإذا جعل توكيداً للهاء التـي فـي آتـيتهنّ لـم يكن له معنى، والقراءة بنصبه غير جائزة لذلك، ولإجماع الـحجة من القرّاء علـى تـخطئة قارئه كذلك.

  5. #755
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    وأولـى الأقوال عندي بـالصحة قول من قال: معنى ذلك: لا يحلّ لك النساء من بعد بعد اللواتـي أحللتهن لك بقولـي:
    { إنَّا أحْلَلْنا لَكَ أزْوَاجَكَ اللاَّتـي آتَـيْتَ أُجُورَهُنَّ }
    ... إلـى قوله:
    { وَامْرأةً مُؤْمنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَها للنَّبـيّ }


    وإنـما قلت ذلك أولـى بتأويـل الآية، لأن قوله: { لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ } عَقـيب قوله:
    { إنَّا أحْلَلْنا لَكَ أزْوَاجَكَ }
    وغير جائز أن يقول: قد أحللت لك هؤلاء، ولا يحللن لك إلا بنسخ أحدهما صاحبه، وعلـى أن يكون وقت فرض إحدى الآيتـين، فَعَلَ الأخرى منهما. فإذ كان ذلك كذلك ولا برهان ولا دلالة علـى نسخ حكم إحدى الآيتـين حكم الأخرى، ولا تقدّم تنزيـل إحداهما قبل صاحبتها، وكان غير مستـحيـل مخرجهما علـى الصحة، لـم يجز أن يقال: إحداهما ناسخة الأخرى. وإذا كان ذلك كذلك، ولـم يكن لقول من قال: معنى ذلك: لا يحلّ من بعد الـمسلـمات يهودية ولا نصرانـية ولا كافرة، معنى مفهوم، إذ كان قوله { مِنْ بَعْدُ } إنـما معناه: من بعد الـمسميات الـمتقدم ذكرهنّ فـي الآية قبل هذه الآية، ولـم يكن فـي الآية الـمتقدم فـيها ذكر الـمسميات بـالتـحلـيـل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر إبـاحة الـمسلـمات كلهنّ، بل كان فـيها ذكر أزواجه وملك يـمينه الذي يفـيء الله علـيه، وبنات عمه وبنات عماته، وبنات خاله وبنات خالاته، اللاتـي هاجرن معه، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبـيّ، فتكون الكوافر مخصوصات بـالتـحريـم، صحّ ما قلنا فـي ذلك، دون قول من خالف قولنا فـيه....

    واختلفت القراء فـي قراءة قوله { لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ } فقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والكوفة { يحِلُّ } بـالـياء، بـمعنى: لا يحلّ لك شيء من النساء بعد. وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل البصرة: «لا تَـحِلُّ لَكَ النِّساءُ» بـالتاء، توجيهاً منه إلـى أنه فعل للنساء، والنساء جمع للكثـير منهن.

    وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك قراءة من قرأه بـالـياء للعلة التـي ذكرت لهم، ولإجماع الـحجة من القرّاء علـى القراءة بها، وشذوذ من خالفهم فـي ذلك....

    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: معنى ذلك: ولا أن تطلق أزواجك فتستبدل بهنّ غيرهنّ أزواجاً.

    وأنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب، لـما قد بـيننا قبل من أن قول الذي قال معنى قوله: { لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ } لا يحلّ لك الـيهودية أو النصرانـية والكافرة، قول لا وجه له.

    فإذ كان ذلك كذلك فكذلك قوله: { وَلا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ } كافرة لا معنى له، إذ كان من الـمسلـمات من قد حرم علـيه بقوله { لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ } الذي دللنا علـيه قبل. وأما الذي قاله ابن زيد فـي ذلك أيضاً، فقول لا معنى له، لأنه لو كان بـمعنى الـمبـادلة، لكانت القراءة والتنزيـل: ولا أن تبـادل بهنّ من أزواج، أو: ولا أن تُبدّل بهنّ بضمّ التاء ولكن القراءة الـمـجمع علـيها. ولا أن تبدّل بهنّ، بفتـح التاء، بـمعنى: ولا أن تستبدل بهنّ، مع أنّ الذي ذكر ابن زيد من فعل الـجاهلـية غير معروف فـي أمة نعلـمه من الأمـم: أن يُبـادل الرجل آخر بـامرأته الـحرّة، فـيقال: كان ذلك من فعلهم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فعل مثله.

    فإن قال قائل: أفلـم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوّج امرأة علـى نسائه اللواتـي كنّ عنده، فـيكون موجهاً تأويـل قوله: { وَلا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أزْوَاجٍ } إلـى ما تأوّلت، أو قال: وأين ذكر أزواجه اللواتـي كنّ عنده فـي هذا الـموضع، فتكون الهاء من قوله: { وَلا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ } من ذكرهن وتوهم أن الهاء فـي ذلك عائدة علـى النساء، فـي قوله: { لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ }؟ قـيـل: قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوّج من شاء من النساء اللواتـي كان الله أحلهنّ له علـى نسائه اللاتـي كن عنده يوم نزلت هذه الآية، وإنـما نُهي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية أن يفـارق من كان عنده بطلاق أراد به استبدال غيرها بها، لإعجاب حسن الـمستبدلة له بها إياه إذ كان الله قد جعلهنّ أمَّهات الـمؤمنـين وخيرهن بـين الـحياة الدنـيا والدار الآخرة، والرضا بـالله ورسوله، فـاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فحرمن علـى غيره بذلك، ومنع من فراقهنّ بطلاق فأما نكاح غيرهنّ فلـم يـمنع منه، بل أحلّ الله له ذلك علـى ما بـين فـي كتابه. وقد رُوي عن عائشة أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم لـم يقبض حتـى أحلّ الله له نساء أهل الأرض.

    حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، عن عائشة قالت: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتـى أحلّ له النساء تعنـي أهل الأرض....

    فإن قال قائل: فإن كان الأمر علـى ما وصفت من أن الله حرّم علـى نبـيه بهذه الآية طلاق نسائه اللواتـي خيرهنّ فـاخترنه، فما وجه الـخبر الذي رُوي عنه أنه طلق حفصة ثم راجعها، وأنه أراد طلاق سودة حتـى صالـحته علـى ترك طلاقه إياها، ووهبت يومها لعائشة؟ قـيـل: كان ذلك قبل نزول هذه الآية.

    والدلـيـل علـى صحة ما قلنا، من أن ذلك كان قبل تـحريـم الله علـى نبـيه طلاقهن، الرواية الواردة أن عمر دخـل علـى حفصة معاقبَها حين اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، كان من قـيـله لها: قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طلقك، فكلـمته فراجعك، فوالله لئن طلَّقك، أو لو كان طلَّقك لا كلَّـمته فـيك وذلك لا شك قبل نزول آية التـخيـير، لأن آية التـخيـير إنـما نزلت حين انقضى وقت يـمين رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى اعتزالهنّ.

    وأما أمر الدلالة علـى أن أمر سَوْدة كان قبل نزول هذه الآية، أن الله إنـما أمر نبـيه بتـخيـير نسائه بـين فراقه والـمُقام معه علـى الرضا بأن لا قَسْم لهن، وأنه يُرْجِي من يشاء منهنّ، ويُؤْوي منهنّ من يشاء، ويُؤْثر من شاء منهنّ علـى من شاء، ولذلك قال له تعالـى ذكره:
    { وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِـمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَـيْكَ ذلكَ أدْنَى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِـمَا آتَـيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ }
    ، ومن الـمـحال أن يكون الصلـح بـينها وبـين رسول الله صلى الله عليه وسلم جرى علـى تركها يومها لعائشة فـي حالِ لا يومَ لها منه....

    ...

    فتأويـل الكلام: لا يحلّ لك يا مـحمد النساء من بعد اللواتـي أحللتهنّ لك فـي الآية قبلُ، ولا أن تُطَلق نساءك اللواتـي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فتبدّل بهنّ من أزواج ولو أعجبك حسن من أردت أن تبدّل به منهنّ، إلا ما ملكت يـمينك. وأن فـي قوله { أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ } رفع، لأن معناها: لا يحلّ لك النساء من بعد، ولا الاستبدال بأزواجك، وإلا فـي قوله: { إلاَّ ما مَلَكَتْ يَـمِينُكَ } استثناء من النساء. ومعنى ذلك: لا يحلّ لك النساء من بعد اللواتـي أحللتهنّ لك، إلا ما ملكت يـمينك من الإماء، فإن لك أن تَـمْلك من أيّ أجناس الناس شئت من الإماء.

  6. #756
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    يقول تعالـى ذكره لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الذين أمنوا بـالله ورسوله، لا تدخـلوا بـيوت نبـيّ الله إلا أن تُدْعَوا إلـى طعام تطعمونه { غَيرَ ناظِرِينَ إناهُ } يعنـي: غير منتظرين إدراكه وبلوغه وهو مصدر من قولهم: قد أنى هذا الشيء يَأنِـي إنىً وأنْـياً وإنَاءً قال الـحُطَيئة:
    وآنَـيْتُ العَشاءَ إلـى سُهَيْـلٍ أوِ الشِّعْرَى فَطالَ بـيَ الأَناءُ
    وفـيه لغة أخرى، يقال: قد إن لك: أي تبـين لك إيناً، ونال لك، وأنال لك ومنه قول رُؤبة بن العَجاج:
    هاجَتْ وَمِثْلِـي نَوْلُه أنْ يَرْبَعا حَمامَةٌ ناخَتْ حَماماً سُجَّعا
    وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: إلـى طَعامٍ { غيرَ ناظِرِينَ إناهُ } قال: مُتَـحَيِّنـين نُضْجَه....

  7. #757
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    وقال آخرون: وضع عنهنّ الـجناح فـيهنّ فـي ترك الاحتـجاب.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة، فـي قوله { لا جُناحَ عَلَـيْهنَّ }... إلـى { شَهِيداً }: فرخص لهؤلاء أن لا يحتـجبن منهم.

    وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: ذلك وضع الـجناح عنهنّ فـي هؤلاء الـمسلـمين أن لا يحتـجبن منهم، وذلك أن هذه الآية عقـيب آية الـحجاب، وبعد قول الله:
    { وَإذَا سألْتُـمُوهُنَّ مَتاعاً فـاسأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجابٍ }
    فلا يكون قوله: { لا جُناحَ عَلَـيْهِنَّ فِـي آبـائهِنَّ } استثناء من جملة الذين أمروا بسؤالهنّ الـمتاع من وراء الـحجاب إذا سألوهنّ ذلك أولـى وأشبه من أن يكون خبر مبتدإ عن غير ذلك الـمعنى.

    فتأويـل الكلام إذن: لا إثم علـى نساء النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وأمَّهات الـمؤمنـين فـي إذنهنّ لآبـائهنّ، وترك الـحجاب منهنّ، ولا لأبنائهنّ ولا لإخوانهنّ، ولا لأبناء إخوانهنّ. وعُنـي بإخوانهنّ وأبناء إخوانهنّ إخوتهنّ وأبناء إخوتهنّ. وخرج معهم جمع ذلك مخرج جمع فتـى إذا جمع فتـيان، فكذلك جمع أخ إذا جمع إخوان. وأما إذا جمع إخوة، فذلك نظير جمع فتـى إذا جمع فتـية، ولا أبناء إخوانهنّ، ولـم يذكر فـي ذلك العمّ علـى ما قال الشعبـي حذراً من أن يصفهنّ لأبنائه.

    حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا حجاج بن الـمنهال، قال: ثنا حماد، عن داود، عن الشعبـي وعكرِمة فـي قوله: { لا جُناحَ عَلَـيْهِنَّ فِـي آبـائهِنَّ وَلا أبْنائهِنَّ وَلا إخْوَانِهِنَّ وَلا أبْناءِ إخْوَانِهِنَّ وَلا أبْناءِ أخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسائهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أيـمَانُهُنَّ } قلت: ما شأن العم والـخال لـم يذكرا؟ قال: لأنهما ينعتانها لأبنائهما، وكرهاً أن تضع خمارها عند خالها وعمها....

  8. #758
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    واختلفوا فـي قراءة قوله: { لَعْناً كَبِـيراً } فقرأت ذلك عامة قرّاء الأمصار بـالثاء: «كَثِـيراً» من الكثرة، سوى عاصم، فإنه قرأه { لَعْناً كَبِـيراً } من الكبر. والقراءة فـي ذلك عندنا بـالثاء لإجماع الـحجة من القراء علـيها.

  9. #759
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    وقال آخرون: بل كان أذاهم إياه ادّعاءهم علـيه قتل هارون أخيه. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي علـيّ بن مسلـم الطوسي، قال: ثنا عبـاد، قال: ثنا سفـيان بن حبـيب، عن الـحكم، عن سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس، عن علـيّ بن أبـي طالب، رضي الله عنه، فـي قول الله: { لاَ تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى }... الآية، قال: صعد موسى وهارون الـجبل، فمات هارون، فقالت بنو إسرائيـل: أنت قتلته، وكان أشدّ حبـاً لنا منك، وألـين لنا منك، فآذوه بذلك، فأمر الله الـملائكة فحملته حتـى مرّوا به علـى بنـي إسرائيـل، وتكلَّـمت الـملائكة بـموته، حتـى عرف بنو إسرائيـل أنه قد مات، فبرأه الله من ذلك فـانطلقوا به فدفنوه، فلـم يطلع علـى قبره أحد من خـلق الله إلا الرخم، فجعله الله أصمّ أبكم.

    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن بنـي إسرائيـل آذوا نبـيّ الله ببعض ما كان يكره أن يؤذي به، فبرأه الله مـما آذوه به. وجائز أن يكون ذلك كان قـيـلهم إنه أبرص، وجائز أن يكون كان ادّعاءهم علـيه قتل أخيه هارون. وجائز أن يكون كلّ ذلك، لأنه قد ذكر كلّ ذلك أنهم قد آذوه به، ولا قول فـي ذلك أولـى بـالـحقّ مـما قال الله إنهم آذوا موسى، فبرأه الله مـما قالوا.

  10. #760
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب ما قاله الذين قالوا: إنه عُنِـي بـالأمانة فـي هذا الـموضع: جميع معانـي الأمانات فـي الدين، وأمانات الناس، وذلك أن الله لـم يخصّ بقوله: { عَرَضنا الأمانَةَ } بعضَ معانـي الأمانات لـما وصفنا.

  11. #761
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    سورة سبأ

    وقال آخرون: كانت صفة ذلك أن الـماء الذي كانوا يعمُرُون به جَناتهم سال إلـى موضع غير الـموضع الذي كانوا ينتفعون به، فبذلك خربت جناتهم. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: بعث الله علـيهم، يعنـي علـى العرم، دابة من الأرض، فثَقَبت فـيه ثَقبـاً، فسال ذلك الـماء إلـى موضع غير الـموضع الذي كانوا ينتفعون به، وأبدلهم الله مكان جنتـيهم جنتـين ذواتـي أُكُلٍ خَمْط، وذلك حين عَصَوا، وبَطِروا الـمعيشة.

    والقول الأوّل أشبه بـما دلّ علـيه ظاهر التنزيـل، وذلك أن الله تعالـى ذكره أخبر أنه أرسل علـيهم سيـل العرم، ولا يكون إرسال ذلك علـيهم إلا بإسالته علـيهم، أو علـى جناتهم وأرضهم، لا بصرفه عنهم...

  12. #762
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا: { رَبَّنا بـاعِدْ } و«بَعِّدْ» لأنهما القراءتان الـمعروفتان فـي قرأة الأمصار وما عداهما فغير معروف فـيهم علـى أن التأويـل من أهل التأويـل أيضاً يحقِّق قراءة من قرأه علـى وجه الدعاء والـمسألة، وذلك أيضاً مـما يزيد القراءة الأخرى بُعداً من الصواب.

    فإذا كان هو الصواب من القراءة، فتأويـل الكلام: فقالوا: يا ربنا بـاعِدْ بـين أسفـارنا، فـاجعل بـيننا وبـين الشأم فَلَوات ومَفـاوِز، لنركب فـيها الرواحل، ونتزوّد معنا فـيها الأزواد وهذا من الدلالة علـى بطر القوم نعمة الله علـيهم وإحسانه إلـيهم، وجهلهم بـمقدار العافـية ولقد عجل لهم ربهم الإجابة، كما عجل للقائلـين: { إنْ كانَ هَذَا هُوَ الـحَقَّ مِنْ عَنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَـيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذَابٍ ألِـيـمٍ } أعطاهم ما رغبوا إلـيه فـيه وطلبوا من الـمسألة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي أبو خُصَين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عَبْثَر، قال: ثنا حُصَين، عن أبـي مالك فـي هذه الآية: { فَقالُوا رَبَّنا بـاعِدْ بـينَ أسْفـارِنا } قال: كانت لهم قُرًى متصلة بـالـيـمن، كان بعضها ينظر إلـى بعض، فبطروا ذلك، وقالوا: ربنا بـاعدْ بـين أسفـارنا، قال: فأرسل الله علـيهم سَيْـل العَرِم، وجعل طعامهم أَثْلاً وخَمْطاً وشيئاً من سدر قلـيـل.

  13. #763
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، القول الذي ذكره الشَّعْبـيّ، عن ابن مسعود لصحة الـخبر الذي ذكرناه عن ابن عبـاس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتأيـيده. وإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: لا تنفع الشفـاعة عنده، إلا لـمن أذن له أن يشفَع عنده، فإذا أذن الله لـمن أذن له أن يشفع فزع لسماعه إذنه، حتـى إذا فُزِّع عن قلوبهم، فجُلِّـيَ عنها، وكشَف الفزع عنهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالت الـملائكة: الـحقّ، { وهو العلـيّ } علـى كل شيء { الكبـير } الذي لا شيء دونه. والعرب تستعمل فُزِّع فـي معنـيـين، فتقول للشجاع الذي به تنزل الأمور التـي يفزَع منها: وهو مُفَزَّع وتقول للـجبـان الذي يَفْزَع من كلّ شيء: إنه لـمُفَزَّع، وكذلك تقول للرجل الذي يقضي له الناس فـي الأمور بـالغلبة علـى من نازله فـيها: هو مُغَلِّب وإذا أريد به هذا الـمعنى كان غالبـاً وتقول للرجل أيضاً الذي هو مغلوب أبداً: مُغَلَّب.

    وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار أجمعون: { فُزِّعَ } بـالزاي والعين علـى التأويـل الذي ذكرناه عن ابن مسعود ومن قال بقوله فـي ذلك. ورُوي عن الـحسن أنه قرأ ذلك: «حتـى إذَا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ» بـالراء والغين علـى التأويـل الذي ذكرناه عن ابن زيد. وقد يحتـمل توجيه معنى قراءة الـحسن ذلك كذلك، إلـى «حتـى إذَا فُزِغَ عَنْ قُلُوبِهِمْ» فصارت فـارغة من الفزع الذي كان حلّ بها. ذُكر عن مـجاهد أنه قرأ ذلك: «فُزِعَ» بـمعنى: كَشَف الله الفزع عنها.

    والصواب من القراءة فـي ذلك القراءة بـالزاي والعين لإجماع الـحجة من القراء وأهل التأويـل علـيها، ولصحة الـخبر الذي ذكرناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتأيـيدها، والدلالة علـى صحتها.

  14. #764
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    وقال آخرون: بل عنى بذلك الـمشركون إذا فزعوا عند خروجهم من قبورهم. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن، قوله: { وَلَوْ تَرَى إذْ فَزِعوا } قال: فزعوا يوم القـيامة حين خرجوا من قبورهم. وقال قتادة: { وَلَوْ تَرَى إذْ فَزِعُوا فَلاَ فَوْتَ وأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ } حين عاينوا عذاب الله.

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن ابن معقل { وَلَوْ تَرَى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ } قال: أفزعهم يوم القـيامة فلـم يفوتوا.

    والذي هو أولـى بـالصواب فـي تأويـل ذلك، وأشبه بـما دلَّ علـيه ظاهر التنزيـل قول من قال: وعيد الله الـمشركين الذين كذّبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه لأن الآيات قبل هذه الآية جاءت بـالإخبـار عنهم وعن أسبـابهم، وبوعيد الله إياهم مغبته، وهذه الآية فـي سياق تلك الآيات، فلأن يكون ذلك خبراً عن حالهم أشبه منه بأن يكون خبراً لـما لـم يجر له ذكر. وإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: ولو ترى يا مـحمد هؤلاء الـمشركين من قومك، فتعاينهم حين فزعوا من معاينتهم عذاب الله { فَلا فَوْتَ } يقول فلا سبـيـل حينئذٍ أن يفوتوا بأنفسهم، أو يعجزونا هربـاً، وينـجوا من عذابنا، كما:

    حدثنا علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: { وَلَوْ تَرَى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ } يقول: فلا نـجاة.

  15. #765
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان فـي قرّاء الأمصار، متقاربتا الـمعنى، وذلك أن معنى ذلك: وقالوا آمنا بـالله، فـي حين لا ينفعهم قـيـل ذلك، فقال الله { وأنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ } أي وأين لهم التوبة والرجعة: أي قد بعدت عنهم، فصاروا منها كموضع بعيد أن يتناولوها وإنـما وصفت ذلك الـموضع بـالبعيد، لأنهم قالوا ذلك فـي القـيامة، فقال الله: أنـي لهم بـالتوبة الـمقبولة، والتوبة الـمقبولة إنـما كانت فـي الدنـيا، وقد ذهبت الدنـيا فصارت بعيداً من الآخرة، فبأية القراءتـين اللتـين ذكرت قرأ القارىء فمصيب الصواب فـي ذلك.

    وقد يجوز أن يكون الذين قرؤوا ذلك بـالهمز همزوا، وهم يريدون معنى من لـم يهمز، ولكنهم همزوه لانضمام الواو فقلبوها، كما قـيـل:
    { وَإذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ }
    فجعلت الواو من وُقتت، إذا كانت مضمومة همزوه.

    وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، قال: قلت لابن عبـاس: أرأيت قول الله: { وأنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ } قال: يسألون الردّ، ولـيس بحين ردّ.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •