صفحة 5 من 75 الأولىالأولى 1234567891555 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 61 إلى 75 من 1124

الموضوع: إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

  1. #61
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,540
    وأولـى التأويـلـين بـالصواب فـي قوله: { فإنْ أُحْصِرْتُـمْ } تأويـل من تأوله بـمعنى: فإن أحصركم خوف عدوّ أو مرض أو علة عن الوصول إلـى البـيت، أي صيركم خوفكم أو مرضكم تـحصرون أنفسكم، فتـحبسونها عن النفوذ لـما أوجبتـموه علـى أنفسكم من عمل الـحجّ والعمرة. فلذا قـيـل «أحصرتـم»، لـما أسقط ذكر الـخوف والـمرض. يقال منه: أحصرنـي خوفـي من فلان عن لقائك، ومرضي عن فلان، يراد به: جعلنـي أحبس نفسي عن ذلك. فأما إذا كان الـحابس الرجل والإنسان، قـيـل: حصرنـي فلان عن لقائك، بـمعنى حبسنـي عنه.

    فلو كان معنى الآية ما ظنه الـمتأوّل من قوله: { فإنْ أُحْصِرْتُـمْ } فإن حبسكم حابس من العدوّ عن الوصول إلـى البـيت، لوجب أن يكون: فإن حُصِرتـم.

    ومـما يبـين صحة ما قلناه من أن تأويـل الآية مراد بها إحصار غير العدوّ وأنه إنـما يراد بها الـخوف من العدوّ، قوله: { فإنْ أمِنْتُـمْ فمَنْ تَـمَتّعَ بـالعُمْرَةِ إلـى الـحَج } والأمن إنـما يكون بزوال الـخوف. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الإحصار الذي عنى الله فـي هذه الآية هو الـخوف الذي يكون بزواله الأمن....

    وأولـى القولـين بـالصواب قول من قال: ما استـيسر من الهدي شاة لأن الله جل ثناؤه إنـما أوجب ما استـيسر من الهدي، وذلك علـى كل ما تـيسر للـمهدي أن يهديه كائناً ما كان ذلك الذي يهدي. إلا أن يكون الله جل ثناؤه خصّ من ذلك شيئاً، فـيكون ما خصّ من ذلك خارجاً من جملة ما احتـمله ظاهر التنزيـل، ويكون سائر الأشياء غيره مـجزئاً إذا أهداه الـمهدي بعد أن يستـحقّ اسم هدي....

    وأولـى هذه الأقوال بـالصواب فـي تأويـل هذه الآية قول من قال: إن الله عزّ وجل عنى بقوله: { فإنْ أُحْصِرْتُـمْ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ وَلا تَـحْلِقُوا رُءُؤُسَكُمْ حتَّـى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَـحِلَّهُ } كل مـحصر فـي إحرام بعمرة كان إحرام الـمـحصر أو بحجّ، وجعل مـحل هديه الـموضع الذي أحصر فـيه، وجعل له الإحلال من إحرامه ببلوغ هديه مـحله. وتأول بـالـمـحل الـمنـحر أو الـمذبح، وذلك حين حلّ نـحرُه أو ذبحُه فـي حرم كان أو فـي حلّ، وألزمه قضاء ما حلّ منه من إحرامه قبل إتـمامه إذا وجد إلـيه سبـيلاً، وذلك لتواتر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صدّ عام الـحديبـية عن البـيت وهو مـحرم وأصحابه بعمرة، فنـحر هو وأصحابه بأمره الهديَ، وحلوا من إحرامهم قبل وصولهم إلـى البـيت، ثم قضوا إحرامهم الذي حلوا منه فـي العام الذي بعده. ولـم يدّع أحد من أهل العلـم بـالسير ولا غيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحداً من أصحابه أقام علـى إحرامه انتظارا للوصول إلـى البـيت والإحلال بـالطواف به وبـالسعي بـين الصفـا والـمروة، ولا يَخفَـى وصول هديه إلـى الـحرم.

    فأولـى الأفعال أن يقتدى به، فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لـم يأت بحظره خبر، ولـم تقم بـالـمنع منه حجة. فإذ كان ذلك كذلك، وكان أهل العلـم مختلفـين فـيـما اخترنا من القول فـي ذلك، فمن متأوّل معنى الآية تأويـلنا، ومن مخالف ذلك، ثم كان ثابتاً بـما قلنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النقل كان الذي نقل عنه أولـى الأمور بتأويـل الآية، إذ كانت هذه الآية لا يتدافع أهل العلـم أنها يومئذٍ نزلت وفـي حكم صدّ الـمشركين إياه عن البـيت أوحيت.

  2. #62
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,540
    والصواب من القول فـي ذلك عندنا ما ثبت به الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتظاهرت به عنه الرواية أنه أمر كعب بن عجرة بحلق رأسه من الأذى الذي كان برأسه ويفتدي إن شاء بنسك شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام فرق من طعام بـين ستة مساكين كل مسكين نصف صاع. وللـمفتدي الـخيار بـين أيّ ذلك شاء لأن الله لـم يحصره علـى واحدة منهن بعينها، فلا يجوز له أن يعدوها إلـى غيرها، بل جعل إلـيه فعل أيّ الثلاث شاء. ومن أبى ما قلنا من ذلك قـيـل له: ما قلت فـي الـمكفر عن يـمينه أمخير إذا كان موسراً فـي أن يكفر بأيّ الكفـارات الثلاث شاء؟ فإن قال: لا، خرج من قول جميع الأمة، وإن قال بلـى، سئل الفرق بـينه وبـين الـمفتدي من حلق رأسه وهو مـحرم من أذى به، ثم لن يقول فـي أحدهما شيئاً إلا ألزم فـي الآخر مثله. علـى أن ما قلنا فـي ذلك إجماع من الـحجة، ففـي ذلك مستغنى عن الاستشهاد علـى صحته بغيره.

    وأما الزاعمون أن كفـارة الـحلق قبل الـحلق، فإنه يقال لهم: أخبرونا عن الكفـارة للـمتـمتع قبل التـمتع أو بعده؟ فإن زعموا أنها قبله قـيـل لهم: وكذلك الكفـارة عن الـيـمين قبل الـيـمين. فإن زعموا أن ذلك كذلك، خرجوا من قول الأمة. وإن قالوا: ذلك غير جائز. قـيـل: وما الوجه الذي من قبله وجب أن تكون كفـارة الـحلق قبل الـحلق وهدي الـمتعة قبل التـمتع ولـم يجب أن تكون كفـارة الـيـمين قبل الـيـمين؟ وهل بـينكم وبـين من عكس علـيكم الأمر فـي ذلك فأوجب كفـارة الـيـمين قبل الـيـمين وأبطل أن تكون كفـارة الـحلق كفـارة له إلا بعد الـحلق فرق من أصل أو نظير؟ فلن يقول فـي أحدهما شيئاً إلا ألزم فـي الآخر مثله.
    ...

    والصواب من القول فـي ذلك، أن الله أوجب علـى حالق رأسه من أذى من الـمـحرمين فدية من صيام أو صدقة أو نسك، ولـم يشترط أن ذلك علـيه بـمكان دون مكان، بل أبهم ذلك وأطلقه، ففـي أي مكان نسك أو أطعم أو صام فـيجزي عن الـمفتدي وذلك لقـيام الـحجة علـى أن الله إذ حرم أمهات نسائنا فلـم يحصرهن علـى أنهن أمهات النساء الـمدخول بهن لـم يجب أن يكنّ مردودات الأحكام علـى الربـائب الـمـحصورات علـى أن الـمـحرمة منهن الـمدخول بأمها، فكذلك كل مبهمة فـي القرآن غير جائز ردّ حكمها علـى الـمفسرة قـياساً، ولكن الواجب أن يحكم لكل واحدة منهما بـما احتـمله ظاهر التنزيـل إلا أن يأتـي فـي بعض ذلك خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم بإحالة حكم ظاهره إلـى بـاطنه، فـيجب التسلـيـم حينئذ لـحكم الرسول، إذ كان هو الـمبـين عن مراد الله. وأجمعوا علـى أن الصيام مـجزىء عن الـحالق رأسه من أذى حيث صام من البلاد....

    حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: { فإذَا أمِنْتُـمْ } قال: إذا أمن من خوفه، وبرأ من مرضه.

    وهذا القول أشبه بتأويـل الآية، لأن الأمن هو خلاف الـخوف، لا خلاف الـمرض، إلا أن يكون مرضاً مخوفـاً منه الهلاك، فـيقال: فإذا أمنتـم الهلاك من خوف الـمرض وشدته، وذلك معنى بعيد.

    وإنـما قلنا: إن معناه الـخوف من العدو لأن هذه الآيات نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الـحديبـية وأصحابه من العدو خائفون، فعرفهم الله بها ما علـيهم إذا أحصرهم خوف عدوهم عن الـحج، وما الذي علـيهم إذا هم أمنوا من ذلك، فزال عنهم خوفهم....

    وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية قول من قال: عَنَى بها: فإن أحصرتـم أيها الـمؤمنون فـي حجكم فما استـيسر من الهدي، فإذا أمنتـم فمن تـمتع مـمن حلّ من إحرامه بـالـحجّ بسبب الإحصار بعمرة اعتـمرها لفوته الـحجّ فـي السنة القابلة فـي أشهر الـحجّ إلـى قضاء الـحجة التـي فـاتته حين أحصر عنها، ثم دخـل فـي عمرته فـاستـمتع بإحلاله من عمرته إلـى أن يحجّ، فعلـيه ما استـيسر من الهدي، وإن كان قد يكون متـمتعاً من أنشأ عمرة فـي أشهر الـحجّ وقضاها ثم حلّ من عمرته وأقام حلالاً حتـى يحجّ من عامه غير أن الذي هو أولـى بـالذي ذكره الله فـي قوله: { فَمَنْ تَـمَتَّعَ بـالعُمْرَةِ إلـى الـحَجّ } هو ما وصفنا من أجل أن الله جل وعز أخبر عما علـى الـمـحصر عن الـحجّ والعمرة من الأحكام فـي إحصاره، فكان مـما أخبر تعالـى ذكره أنه علـيه إذا أمن من إحصاره فتـمتع بـالعمرة إلـى الـحجّ ما استـيسر من الهدي، فإن لـم يجد فصيام ثلاثة أيام كان معلوماً بذلك أنه معنـيّ به اللازم له عند أمنه من إحصاره من العمل بسبب الإحلال الذي كان منه فـي حجه الذي أحصر فـيه دون الـمتـمتع الذي لـم يتقدم عمرته ولا حجه إحصار مرض ولا خوف....

    والصواب من القول فـي ذلك عندي أن للـمتـمتع أن يصوم الأيام الثلاثة التـي أوجب الله علـيه صومهنّ لـمتعته إذا لـم يجد ما استـيسر من الهدي من أول إحرامه بـالـحج بعد قضاء عمرته واستـمتاعه بـالإحلال إلـى حجه إلـى انقضاء آخر عمل حجه وذلك بعد انقضاء أيام منى سوى يوم النـحر، فإنه غير جائز له صومه ابتدأ صومهن قبله أو ترك صومهن فأخره حتـى انقضاء يوم عرفة.

    وإنـما قلنا: له صوم أيام التشريق، لـما ذكرنا من العلة لقائل ذلك قَبْلُ، فإن صامهنّ قبل إحرامه بـالـحج فإنه غير مـجزىء صومه ذلك من الواجب علـيه من الصوم الذي فرضه الله علـيه لـمتعته وذلك أن الله جل وعز إنـما أوجب الصوم علـى من لـم يجد هدياً مـمن استـمتع بعمرته إلـى حجه، فـالـمعتـمر قبل إحلاله من عمرته وقبل دخوله فـي حجه غير مستـحق اسم متـمتع بعمرته إلـى حجه، وإنـما يقال له قبل إحرامه معتـمر حتـى يدخـل بعد إحلاله فـي الـحج قبل شخوصه عن مكة، فإذا دخـل فـي الـحج مـحرماً به بعد قضاء عمرته فـي أشهر الـحج ومقامه بـمكة بعد قضاء عمرته حلالاً حتـى حج من عامه سمي متـمتعاً....

    وأولـى هذه الأقوال عندي قول من قال: معنى ذلك تلك عشرة كاملة علـيكم فرضنا إكمالها. وذلك أنه جل ثناؤه قال: فمن لـم يجد الهدي فعلـيه صيام ثلاثة أيام فـي الـحج وسبعة إذا رجع، ثم قال: تلك عشرة أيام علـيكم إكمال صومها لـمتعتكم بـالعمرة إلـى الـحج. فأخرج ذلك مخرج الـخبر، ومعناه الأمر بها...

    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصحة عندنا قول من قال: إن حاضري الـمسجد الـحرام من هو حوله مـمن بـينه وبـينه من الـمسافة ما لا تقصر إلـيه الصلوات لأن حاضر الشيء فـي كلام العرب هو الشاهد له بنفسه. وإذا كان ذلك كذلك، وكان لا يستـحق أن يسمى غائبـاً إلا من كان مسافراً شاخصاً عن وطنه، وكان الـمسافر لا يكون مسافراً إلا بشخوصه عن وطنه إلـى ما تقصر فـي مثله الصلاة، وكان من لـم يكن كذلك لا يستـحق اسم غائب عن وطنه ومنزله، كان كذلك من لـم يكن من الـمسجد الـحرام علـى ما تقصر إلـيه الصلاة غير مستـحقّ أن يقال: هو من غير حاضريه إذ كان الغائب عنه هو من وصفنا صفته.

    وإنـما لـم تكن الـمتعة لـمن كان من حاضري الـمسجد الـحرام من أجل أن التـمتع إنـما هو الاستـمتاع بـالإحلال من الإحرام بـالعمرة إلـى الـحجّ مرتفقاً فـي ترك العود إلـى الـمنزل والوطن بـالـمقام بـالـحرم حتـى ينشىء منه الإحرام بـالـحجّ، وكان الـمعتـمر متـى قضى عمرته فـي أشهر الـحجّ ثم انصرف إلـى وطنه، أو شخص عن الـحرم إلـى ما تقصر فـيه الصلاة، ثم حجّ من عامه ذلك، بطل أن يكون مستـمتعاً لأنه لـم يستـمتع بـالـمرفق الذي جعل للـمستـمتع من ترك العود إلـى الـميقات والرجوع إلـى الوطن بـالـمقام فـي الـحرم، وكان الـمكيّ من حاضري الـمسجد الـحرام لا يرتفق بذلك من أجل أنه متـى قضى عمرته أقام فـي وطنه بـالـحرم، فهو غير مرتفق بشيء مـما يرتفق به من لـم يكن أهله من حاضري الـمسجد الـحرام فـيكون متـمتعاً بـالإحلال من عمرته إلـى حجه.

  3. #63
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,540
    والصواب من القول فـي ذلك عندنا قول من قال: إن معنى ذلك الـحج شهران وعشر من الثالث لأن ذلك من الله خبر عن ميقات الـحجّ ولا عمل للـحج يعمل بعد انقضاء أيام منى، فمعلوم أنه لـم يعن بذلك جميع الشهر الثالث، وإذا لـم يكن معنـياً به جميعه صحّ قول من قال: وعشر ذي الـحجة.

    فإن قال قائل: فكيف قـيـل: { الـحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ } وهو شهران وبعض الثالث؟ قـيـل إن العرب لا تـمتنع خاصة فـي الأوقات من استعمال مثل ذلك، فتقول له الـيوم يومان منذ لـم أره. وإنـما تعنـي بذلك يوماً وبعض آخر، وكما قال جل ثناؤه:
    { فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ }
    [البقرة:203] وإنـما يتعجل فـي يوم ونصف. وقد يفعل الفـاعل منهم الفعل فـي الساعة، ثم يخرجه عاماً علـى السنة والشهر، فـيقول: زرته العام وأتـيته الـيوم، وهو لا يريد بذلك أن فعله أخذ من أول الوقت الذي ذكره إلـى آخره، ولكنه يعنـي أنه فعله إذ ذاك وفـي ذلك الـحين، فكذلك الـحجّ أشهر، والـمراد منه الـحجّ شهران وبعض آخر.

    فمعنى الآية إذاً: ميقات حجكم أيها الناس شهران وبعض الثالث، وهو شوّال وذو القعدة وعشر ذي الـحجة....

    والصواب من القول فـي ذلك عندي أن الله جل ثناؤه نهى من فرض الـحجّ فـي أشهر الـحجّ عن الرفث، فقال: { فَمَنْ فَرَضَ فِـيهِنَّ الـحَجَّ فَلا رَفَثَ }. والرفث فـي كلام العرب: أصله الإفحاش فـي الـمنطق علـى ما قد بـينا فـيـما مضى، ثم تستعمله فـي الكناية عن الـجماع. فإذ كان ذلك كذلك، وكان أهل العلـم مختلفـين فـي تأويـله، وفـي هذا النهي من الله عن بعض معانـي الرفث أم عن جميع معانـيه، وجب أن يكون علـى جميع معانـيه، إذ لـم يأت خبر بخصوص الرفث الذي هو بـالـمنطق عند النساء من سائر معانـي الرفث يجب التسلـيـم له، إذ كان غير جائز نقل حكم ظاهر آية إلـى تأويـل بـاطن إلا بحجة ثابتة.

    فإن قال قائل: إن حكمها من عموم ظاهرها إلـى البـاطن من تأويـلها منقول بإجماع، وذلك أن الـجميع لا خلاف بـينهم فـي أن الرفث عند غير النساء غير مـحظور علـى مـحرم، فكان معلوما بذلك أن الآية معنـيّ بها بعض الرفث دون بعض.

    وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن لا يحرِّم من معانـي الرفث علـى الـمـحرم شيء إلا ما أجمع علـى تـحريـمه علـيه، أو قامت بتـحريـمه حجة يجب التسلـيـم لها. قـيـل: إن ما خصّ من الآية فأبـيح خارج من التـحريـم، والـحظر ثابت لـجميع ما لـم تـخصصه الـحجة من معنى الرفث بـالآية، كالذي كان علـيه حكمه لو لـم يخصّ منه شيء، لأن ما خصّ من ذلك وأخرج من عمومه إنـما لزمنا إخراج حكمه من الـحظر بأمر من لا يجوز خلاف أمره، فكان حكم ما شمله معنى الآية بعد الذي خصّ منها علـى الـحكم الذي كان يـلزم العبـاد فرضه بها لو لـم يخصص منها شيء لأن العلة فـيـما لـم يخصص منها بعد الذي خصّ منها نظير العلة فـيه قبل أن يخصّ منها شيء.

  4. #64
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,540
    وأولـى الأقوال التـي ذكرنا بتأويـل الآية فـي ذلك، قول من قال: معنى قوله: { وَلا فُسُوقَ } النهي عن معصية الله فـي إصابة الصيد وفعل ما نهى الله الـمـحرم عن فعله فـي حال إحرامه وذلك أن الله جل ثناؤه قال: { فَمَنْ فَرَضَ فِـيهِنَّ الـحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ } يعنـي بذلك فلا يرفث، ولا يفسق: أي لا يفعل ما نهاه الله عن فعله فـي حال إحرامه، ولا يخرج عن طاعة الله فـي إحرامه. وقد علـمنا أن الله جل ثناؤه قد حرّم معاصيَه علـى كل أحد، مـحرماً كان أو غير مـحرم، وكذلك حرّم التنابز بـالألقاب فـي حال الإحرام وغيرها بقوله:
    { وَلاَ تَلْمِزُوغ¤اْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِظ±لأَلْقَابِ }
    [الحجرات: 11] وحرم علـى الـمسلـم سبـاب أخيه فـي كل حال فرض الـحجّ أو لـم يفرضه. فإذ كان ذلك كذلك، فلا شك أن الذي نهى الله عنه العبد من الفسوق فـي حال إحرامه وفرضه الـحجّ هو ما لـم يكن فسوقاً فـي حال إحلاله وقبل إحرامه بحجه كما أن الرفث الذي نهاه عنه فـي حال فرضه الـحجّ، هو الذي كان له مطلقاً قبل إحرامه لأنه لا معنى لأن يقال فـيـما قد حرّم الله علـى خـلقه فـي كل الأحوال: لا يفعلنّ أحدكم فـي حال الإحرام ما هو حرام علـيه فعله فـي كل حال، لأن خصوص حال الإحرام به لا وجه له وقد عمّ به جميع الأحوال من الإحلال والإحرام....

    وأولـى هذه الأقوال فـي قوله { وَلا جِدَالَ فِـي الـحَجّ } بـالصواب، قول من قال: معنى ذلك: قد بطل الـجدال فـي الحجّ ووقته، واستقام أمره ووقته على وقت واحد، ومناسك متفقة غير مختلفة، ولا تنازع فـيه ولا مراء وذلك أن الله تعالـى ذكره أخبر أن وقت الـحجّ أشهر معلومات، ثم نفـى عن وقته الاختلاف الذي كانت الـجاهلـية فـي شركها تـختلف فـيه.

    وإنـما اخترنا هذا التأويـل فـي ذلك ورأيناه أولـى بـالصواب مـما خالفه لـما قد قدمنا من البـيان آنفـا فـي تأويـل قوله: { وَلا فُسُوقَ } أنه غير جائز أن يكون الله خصّ بـالنهي عنه فـي تلك الـحال إلا ما هو مطلق مبـاح فـي الـحال التـي يخالفها، وهي حال الإحلال وذلك أن حكم ما خصّ به من ذلك حكم حال الإحرام إن كان سواء فـيه حال الإحرام وحال الإحلال، فلا وجه لـخصوصه به حالاً دون حال، وقد عمّ به جميع الأحوال. وإذ كان ذلك كذلك، وكان لا معنى لقول القائل فـي تأويـل قوله: { وَلا جِدَالَ فِـي الـحَجّ } أن تأويـله: لا تـمار صاحبك حتـى تغضبه، إلا أحد معنـيـين: إما أن يكون أراد لا تـماره ببـاطل حتـى تغضبه. فذلك ما لا وجه له، لأن الله عز وجل قد نهي عن الـمراء بـالبـاطل فـي كل حال مـحرماً كان الـمـماري أو مـحلاًّ، فلا وجه لـخصوص حال الإحرام بـالنهي عنه لاستواء حال الإحرام والإحلال فـي نهى الله عنه. أو يكون أراد: لا تـماره بـالـحق، وذلك أيضاً ما لا وجه له لأن الـمـحرم لو رأى رجلاً يروم فـاحشة كان الواجب علـيه مراءه فـي دفعه عنها، أو رآه يحاول ظلـمه والذهاب منه بحقّ له قد غصبه علـيه كان علـيه مراؤه فـيه وجداله حتـى يتـخـلصه منه. والـجدال والـمراء لا يكون بـين الناس إلا من أحد وجهين: إما من قبل ظلـم، وإما من قبل حق، فإذا كان من أحد وجهيه غير جائز فعله بحال، ومن الوجه الآخر غير جائز تركه بحال، فأيّ وجوهه التـي خصّ بـالنهي عنه حال الإحرام؟ وكذلك لا وجه لقول من تأوّل ذلك أنه بـمعنى السبـاب، لأن الله تعالـى ذكره قد نهى الـمؤمنـين بعضهم عن سبـاب بعض علـى لسان رسوله علـيه الصلاة والسلام فـي كل حال، فقال صلى الله عليه وسلم:

    " سبـاب الـمُسْلِـمِ فُسُوقٌ، وَقِتالُهُ كُفْرٌ " فإذا كان الـمسلـم عن سبّ الـمسلـم منهياً فـي كل حال من أحواله، مـحرماً كان أو غير مـحرم، فلا وجه لأن يقال: لا تسبه فـي حال الإحرام إذا أحرمت.

    وفـيـما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الـخبر الذي:

    حدثنا به مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنـي وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن سيار، عن أبـي حازم، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مِنْ حَجَّ هَذَا البَـيْتَ فَلَـمْ يَرْفُثْ وَلْـم يَفْسُقْ خَرَجَ مِثْلَ يَوْمَ وَلَدتَهْ أُمُّهُ "...

    دلالة واضحة علـى أن قوله: { وَلا جِدَالَ فِـي الـحَجّ } بـمعنى النفـي عن الـحجّ بأن يكون فـي وقته جدال ومراء دون النهي عن جدال الناس بـينهم فـيـما يعنـيهم من الأمور أو لا يعنـيهم. وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنه من حجّ فلـم يرفث ولـم يفسق استـحقّ من الله الكرامة ما وصف أنه استـحقه بحجه تاركاً للرفث والفسوق اللذين نهى الله الـحاجّ عنهما فـي حجه من غير أن يضمّ إلـيهما الـجدال.

    فلو كان الـجدال الذي ذكره الله فـي قوله: { وَلا جِدَالَ فِـي الـحَجّ } مـما نهاه الله عنه بهذه الآية، علـى نـحو الذي تأوّل ذلك من تأوله من أنه الـمراء والـخصومات أو السبـاب وما أشبه ذلك، لـما كان صلى الله عليه وسلم لـيخصّ بـاستـحقاق الكرامة التـي ذكر أنه يستـحقها الـحاج الذي وصف أمره بـاجتناب خـلتـين مـما نهاه الله عنه فـي حجه دون الثالثة التـي هي مقرونة بهما.

    ولكن لـما كان معنى الثالثة مخالفـاً معنى صاحبتـيها فـي أنها خبر علـى الـمعنى الذي وصفنا، وأن الأخريـين بـمعنى النهي الذي أخبر النبـيّ صلى الله عليه وسلم أن مـجتنبهما فـي حجه مستوجب ما وصف من إكرام الله إياه مـما أخبر أنه مكرمه به إذا كانتا بـمعنى النهي، وكان الـمنتهي عنهما لله مطيعاً بـانتهائه عنهما، وترك ذلك الثالثة إذا لـم تكن فـي معناهما، وكانت مخالفة سبـيـلها سبـيـلهما.

    فإذا كان ذلك كذلك، فـالذي هو أولـى بـالقراءة من القراءات الـمخالفة بـين إعراب الـجدال وإعراب الرفث والفسوق، لـيعلـم سامع ذلك إذا كان من أهل الفهم بـاللغات أن الذي من أجله خولف بـين إعرابـيهما اختلاف معنـيـيهما، وإن كان صوابـا قراءة جميع ذلك بـاتفـاق إعرابه علـى اختلاف معانـيه، إذ كانت العرب قد تُتبع بعض الكلام بعضاً بإعراب مع اختلاف الـمعانـي، وخاصة فـي هذا النوع من الكلام. فأعجب القراءات إلـيّ فـي ذلك إذ كان الأمر علـى ما وصفت، قراءة من قرأ «فَلا رَفَثٌ وَلا فُسُوقٌ وَلا جِدَالَ فِـي الـحَجّ» برفع الرفث والفسوق وتنوينهما، وفتـح الـجدال بغير تنوين. وذلك هو قراءة جماعة البصريـين وكثـير من أهل مكة، منهم عبد الله بن كثـير وأبو عمرو بن العلاء.

  5. #65
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,540
    وقال آخرون: الـمخاطبون بقوله: { ثُمَّ أفِـيضُوا } الـمسلـمون كلهم، والـمعنـيّ بقوله: { مِنْ حَيْثُ أفـاضَ النَّاسُ } من جمع، وبـالناس إبراهيـم خـلـيـل الرحمن علـيه السلام. ذكر من قال ذلك:

    حدثت عن القاسم بن سلام، قال: ثنا هارون بن معاوية الفزاري، عن أبـي بسطام عن الضحاك، قال: هو إبراهيـم.

    والذي نراه صوابـاً من تأويـل هذه الآية، أنه عنى بهذه الآية قريش ومن كان متـحمساً معها من سائر العرب لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـى أن ذلك تأويـله.

    وإذ كان ذلك كذلك فتأويـل الآية: فمن فرض فـيهن الـحجّ، فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فـي الـحج، ثم أفـيضوا من حيث أفـاض الناس، واستغفروا الله إن الله غفور رحيـم، وما تفعلوا من خير يعلـمه الله.

    وهذا إذ كان ما وصفنا تأويـله فهو من الـمقدّم الذي معناه التأخير، والـمؤخر الذي معناه التقديـم، علـى نـحو ما تقدم بـياننا فـي مثله، ولولا إجماع من وصفت إجماعه علـى أن ذلك تأويـله. لقلت: أولـى التأويـلـين بتأويـل الآية ما قاله الضحاك من أن الله عنى بقوله: { مِنْ حَيْثُ أفـاضَ النَّاسُ } من حيث أفـاض إبراهيـم لأن الإفـاضة من عرفـات لا شك أنها قبل الإفـاضة من جمع، وقبل وجوب الذكر عند الـمشعر الـحرام. وإذ كان ذلك لا شك كذلك وكان الله عز وجل إنـما أمر بـالإفـاضة من الـموضع الذي أفـاض منه الناس بعد انقضاء ذكر الإفـاضة من عرفـات وبعد أمره بذكره عند الـمشعر الـحرام، ثم قال بعد ذلك: { ثمَّ أفِـيضُوا مِنْ حَيْثُ أفـاضَ النَّاسُ } كان معلوماً بذلك أنه لـم يأمر بـالإفـاضة إلا من الـموضع الذي لـم يفـيضوا منه دون الـموضع الذي قد أفـاضوا منه، وكان الـموضع الذي قد أفـاضوا منه فـانقضى وقت الإفـاضة منه، لا وجه لأن يقال: أفض منه. فإذا كان لا وجه لذلك وكان غير جائز أن يأمر الله جل وعز بأمر لا معنى له، كانت بـيّنة صحة ما قاله من التأويـل فـي ذلك، وفساد ما خالفه لولا الإجماع الذي وصفناه وتظاهر الأخبـار بـالذي ذكرنا عمن حكينا قوله من أهل التأويـل.

    فإن قال لنا قائل: وكيف يجوز أن يكون ذلك معناه: والناس جماعة، وإبراهيـم صلى الله عليه وسلم واحد، والله تعالـى ذكره يقول: { ثمَّ أفِـيضُوا مِنْ حَيْثُ أفـاضَ النَّاسُ }؟ قـيـل: إن العرب تفعل ذلك كثـيراً، فتدلّ بذكر الـجماعة علـى الواحد. ومن ذلك قول الله عزّ وجل:
    { ظ±لَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ظ±لنَّاسُ إِنَّ ظ±لنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ }
    [آل عمران: 173] والذي قال ذلك واحد، وهو فـيـما تظاهرت به الرواية من أهل السير نعيـم بن مسعود الأشجعي، ومنه قول الله عز وجل:
    { يظ°أَيُّهَا ظ±لرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ظ±لطَّيِّبَاتِ وَظ±عْمَلُواْ صَالِحاً }
    [المؤمنون: 51] قـيـل: عنى بذلك النبـيّ صلى الله عليه وسلم. ونظائر ذلك فـي كلام العرب أكثر من أن تـحصى.

  6. #66
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,540
    والصواب من القول عندي فـي تأويـل ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه أمر عبـاده الـمؤمنـين بذكره بـالطاعة له فـي الـخضوع لأمره والعبـادة له بعد قضاء مناسكهم. وذلك الذكر جائز أن يكون هو التكبـير الذي أمر به جل ثناؤه بقوله:
    { وَظ±ذْكُرُواْ ظ±للَّهَ فِيغ¤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ }
    [البقرة: 203] الذي أوجبه علـى من قضى نسكه بعد قضائه نسكه، فألزمه حينئذٍ من ذكره ما لـم يكن له لازماً قبل ذلك، وحثّ علـى الـمـحافظة علـيه مـحافظة الأبناء علـى ذكر الآبـاء فـي الإكثار منه بـالاستكانة له والتضرّع إلـيه بـالرغبة منهم إلـيه فـي حوائجهم كتضرّع الولد لوالده والصبـيّ لأمه وأبـيه، أو أشدّ من ذلك إذ كان ما كان بهم وبآبـائهم من نعمة فمنه وهو ولـيه.

    وإنـما قلنا: الذكر الذي أمر الله جل ثناؤه به الـحاج بعد قضاء مناسكه بقوله: { فإذَا قَضَيْتُـمْ مَناسِكَكُمْ فـاذْكُروا اللّهَ كَذِكْركُمْ آبـاءَكُمْ أوْ أشَدَّ ذِكْراً } جائز أن يكون هو التكبـير الذي وصفنا من أجل أنه لا ذكر لله أمر العبـاد به بعد قضاء مناسكهم لـم يكن علـيهم من فرضه قبل قضائهم مناسكهم، سوى التكبـير الذي خصّ الله به أيام منى.

    فإذ كان ذلك كذلك، وكان معلوما أنه جل ثناؤه قد أوجب علـى خـلقه بعد قضائهم مناسكهم من ذكره ما لـم يكن واجبـاً علـيهم قبل ذلك، وكان لا شيء من ذكره خصّ به ذلك الوقت سوى التكبـير الذي ذكرناه، كانت بـينة صحة ما قلنا من تأويـل ذلك علـى ما وصفنا.

  7. #67
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,540
    وأولـى هذه الأقوال بـالصحة قول من قال: تأويـل ذلك: فمن تعجل فـي يومين من أيام منى الثلاثة فنفر فـي الـيوم الثانـي فلا إثم علـيه، لـحط الله ذنوبه، إن كان قد اتقـى الله فـي حجه فـاجتنب فـيه ما أمره الله بـاجتنابه وفعل فـيه ما أمره الله بفعله وأطاعه بأدائه علـى ما كلفه من حدوده. ومن تأخر إلـى الـيوم الثالث منهن فلـم ينفر إلـى النفر الثانـي حتـى نفر من غد النفر الأول، فلا إثم علـيه لتكفـير الله له ما سلف من آثامه وأجرامه، إن كان اتّقـى الله فـي حجة بأدائه بحدوده.

    وإنـما قلنا إن ذلك أولـى تأويلاته لتظاهر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " مَنْ حَجَّ هَذَا البَـيْتَ فَلَـمْ يَرْفُثْ وَلَـمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ " وأنه قال صلـى الله علـيه وسلـم: " تابِعُوا بَـيْنَ الـحَجّ وَالعُمْرَةِ، فإنَّهُما يَنْفِـيانِ الذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِـي الكِيرُ خَبَثَ الـحَديدِ وَالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ "

    وما أشبه ذلك من الأخبـار التـي يطول بذكر جميعها الكتاب، مـما ينبىء عن أن من حجّ فقضاه بحدوده علـى ما أمره الله، فهو خارج من ذنوبه، كما قال جل ثناؤه: { فَلا إثْمَ عَلَـيْهِ لِـمَنِ اتَّقـى } الله فـي حجه. فكان فـي ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوضح عن أن معنى قوله جل وعز: { فَلا إثْمَ عَلَـيْهِ } أنه خارج من ذنوبه، مـحطوطة عنه آثامه، مغفورة له أجرامه. وأنه لا معنى لقول من تأول قوله: { فَلا إثْمَ عَلَـيْهِ } فلا حرج علـيه فـي نفره فـي الـيوم الثانـي، ولا حرج علـيه فـي مقامه إلـى الـيوم الثالث لأن الـحرج إنـما يوضع عن العامل فـيـما كان علـيه ترك عمله فـيرخص له فـي عمله بوضع الـحرج عنه فـي عمله، أو فـيـما كان علـيه عمله، فـيرخص له فـي تركه بوضع الـحرج عنه فـي تركه. فأما ما علـى العامل عمله فلا وجه لوضع الـحرج عنه فـيه إن هو عمله، وفرضه عمله، لأنه مـحال أن يكون الـمؤدّى فرضاً علـيه حَرِجاً بأدائه، فـيجوز أن يقال: قد وضعنا عنك فـيه الـحرج.

    وإذ كان ذلك كذلك، وكان الـحاج لا يخـلو عند من تأول قوله: { فَلا إثْمَ عَلَـيْهِ } فلا حرج علـيه، أو فلا جناح علـيه من أن يكون فرضه النفر فـي الـيوم الثانـي من أيام التشريق، فوضع عنه الـحرج فـي الـمقام، أو أن يكون فرضه الـمقام إلـى الـيوم الثالث، فوضع عنه الـحرج فـي النفر فـي الـيوم الثانـي، فإن يكن فرضه فـي الـيوم الثانـي من أيام التشريق الـمقام إلـى الـيوم الثالث منها، فوضع عنه الـحرج فـي نفره فـي الـيوم الثانـي منها، وذلك هو التعجل الذي قـيـل: { فَمَنْ تَعَجَّلَ فـي يَوْمَينِ فَلا إثْمَ عَلَـيْهِ } فلا معنى لقوله علـى تأويـل من تأوّل ذلك: { فَلا إِثمَ عَلَـيْهِ } فلا جناح علـيه، { وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثمَ عَلَـيْهِ } لأن الـمتأخر إلـى الـيوم الثالث إنـما هو متأخر عن أداء فرض علـيه تارك قبول رخصة النفر، فلا وجه لأن يقال: لا حرج علـيك فـي مقامك علـى أداء الواجب علـيك، لـما وصفنا قبل، أو يكون فرضه فـي الـيوم الثانـي النفر، فرخص له فـي الـمقام إلـى الـيوم الثالث فلا معنى أن يقال: لا حرج علـيك فـي تعجلك النفر الذي هو فرضك وعلـيك فعله للذي قدمنا من العلة وكذلك لا معنى لقول من قال: معناه: { فَمَنْ تَعَجَّلَ فـي يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَـيْهِ } ولا حرج علـيه فـي نفره ذلك، إن اتقـى قتل الصيد إلـى انقضاء الـيوم الثالث لأن ذلك لو كان تأويلاً مسلـماً لقائله لكان فـي قوله: { وَمَنْ تأخَّرَ فلاَ إثْمَ عَلَـيْهِ } ما يبطل دعواه، لأنه لا خلاف بـين الأمة فـي أن الصيد للـحاج بعد نفره من منى فـي الـيوم الثالث حلال، فما الذي من أجله وضع عنه الـحرج فـي قوله: { وَمَنْ تأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَـيْهِ } إذا هو تأخر إلـى الـيوم الثالث ثم نفر؟هذا مع إجماع الـحجة علـى أن الـمـحرم إذا رمى وذبح وحلق وطاف بـالبـيت فقد حلّ له كل شيء، وتصريح الرواية الـمروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنـحو ذلك، التـي:

    حدثنا بها هناد بن السري الـحنظلـي، قال: ثنا عبد الرحيـم بن سلـيـمان، عن حجاج، عن أبـي بكر بن مـحمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة قالت: سألت عائشة أم الـمؤمنـين رضي الله عنها متـى يحلّ الـمـحرم؟ فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذَا رَمَيْتُـمْ وَذَبحْتُـمْ وَحَلَقْتُـمْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إلاَّ النِّساءَ " قال: وذكر الزهري عن عمرة، عن عائشة، عن النبـي صلى الله عليه وسلم، مثله.

    وأما الذي تأول ذلك أنه بـمعنى: لا إثم علـيه إلـى عام قابل فلا وجه لتـحديد ذلك بوقت، وإسقاطه الإثم عن الـحاج سنة مستقبلة، دون آثامه السالفة، لأن الله جل ثناؤه لـم يحصر ذلك علـى نفـي إثم وقت مستقبل بظاهر التنزيـل، ولا علـى لسان الرسول علـيه الصلاة والسلام، بل دلالة ظاهر التنزيـل تبـين عن أن الـمتعجل فـي الـيومين والـمتأخر لا إثم علـى كل واحد منهما فـي حاله التـي هو بها دون غيرها من الأحوال، والـخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم يصرّح بأنه بـانقضاء حجه علـى ما أمر به خارج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.

  8. #68
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,540
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَيُهْلِكَ الـحَرْثَ وَالنّسْلِ }.

    اختلف أهل التأويـل فـي وجه إهلاك هذا الـمنافق، الذي وصفه الله بـما وصفه به من صفة إهلاك الـحرث والنسل فقال بعضهم: كان ذلك منه إحراقاً لزرع قوم من الـمسلـمين وعقراً لـحمرهم.

    حدثنـي بذلك موسى بن هارون، قال: ثنـي عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط عن السدي. وقال آخرون بـما.

    حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا عثام، قال: ثنا النضر بن عربـي، عن مـجاهد: { وَإذَا تَوَلَّـى سَعَى فِـي الأرْض لِـيُفْسِدَ فِـيها ويُهْلِكَ الـحَرْثَ وَالنّسْلَ } الآية، قال: إذا تولـى سعى فـي الأرض بـالعدوان والظلـم، فـيحبس الله بذلك القطر، فـيهلك الـحرث والنسل، والله لا يحبّ الفساد. قال: ثم قرأ مـجاهد:
    { ظَهَرَ ظ±لْفَسَادُ فِي ظ±لْبَرِّ وَظ±لْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ظ±لنَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ظ±لَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }
    [الروم: 41] قال: ثم قال: أما والله ما هو بحركم هذا، ولكن كل قرية علـى ماء جار فهو بحر.

    والذي قاله مـجاهد وإن كان مذهبـاً من التأويـل تـحتـمله الآية، فإن الذي هو أشبه بظاهر التنزيـل من التأويـل ما ذكرنا عن السدي، فلذلك اخترناه. وأما الـحرث، فإنه الزرع، والنسل: العقب والولد، وإهلاكه الزرع: إحراقه. وقد يجوز أن يكون كان كما قال مـجاهد بـاحتبـاس القطر من أجل معصيته ربه وسعيه بـالإفساد فـي الأرض، وقد يحتـمل أن يكون كان بقتله القوّام به والـمتعاهدين له حتـى فسد فهلك. وكذلك جائز فـي معنى إهلاكه النسل أن يكون كان بقتله أمهاته أو آبـاءه التـي منها يكون النسل، فـيكون فـي قتله الآبـاء والأمهات انقطاع نسلهما. وجائز أن يكون كما قال مـجاهد، غير أن ذلك وإن كان تـحتـمله الآية فـالذي هو أولـى بظاهرها ما قاله السدي غير أن السدي ذكر أن الذي نزلت فـيه هذه الآية إنـما نزلت فـي قتله حمر القوم من الـمسلـمين وإحراقه زرعاً لهم. وذلك وإن كان جائزاً أن يكون كذلك، فغير فـاسد أن تكون الآية نزلت فـيه، والـمراد بها كل من سلك سبـيـله فـي قتل كل ما قتل من الـحيوان الذي لا يحلّ قتله بحال والذي يحلّ قتله فـي بعض الأحوال إذا قتله بغير حق بل ذلك كذلك عندي، لأن الله تبـارك وتعالـى لـم يخصص من ذلك شيئاً دون شيء بل عمه

  9. #69
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,540
    وأولـى التأويلات بقوله: { ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ } قول من قال: معناه: ادخـلوا فـي الإسلام كافة.

    وأما الذي هو أولـى القراءتـين بـالصواب فـي قراءة ذلك، فقراءة من قرأ بكسر السين لأن ذلك إذا قرىء كذلك وإن كان قد يحتـمل معنى الصلـح، فإن معنى الإسلام: ودوام الأمر الصالـح عند العرب، أغلب علـيه من الصلـح والـمسالـمة، وينشد بـيت أخي كندة:
    دَعَوْتُ عَشِيرَتـي للسِّلْـمِ لَـمَّا رأيْتُهُمْ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينا
    بكسر السين، بـمعنى: دعوتهم للإسلام لـما ارتدوا، وكان ذلك حين ارتدت كندة مع الأشعث بعد وفـاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كان أبو عمرو بن العلاء يقرأ سائر ما فـي القرآن من ذكر السلـم بـالفتـح سوى هذه التـي فـي سورة البقرة، فإنه كان يخصها بكسر سينها توجيها منه لـمعناها إلـى الإسلام دون ما سواها...

    وإنـما اخترنا ما اخترنا من التأويـل فـي قوله: { ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ } وصرفنا معناه إلـى الإسلام، لأن الآية مخاطب بها الـمؤمنون، فلن يعدو الـخطاب إذ كان خطابـاً للـمؤمنـين من أحد أمرين، إما أن يكون خطابـاً للـمؤمنـين بـمـحمد الـمصدّقـين به وبـما جاء به، فإن يكن ذلك كذلك، فلا معنى أن يقال لهم وهم أهل الإيـمان: ادخـلوا فـي صلـح الـمؤمنـين ومسالـمتهم، لأن الـمسالـمة والـمصالـحة إنـما يؤمر بها من كان حربـاً بترك الـحرب. فأما الـموالـي فلا يجوز أن يقال له: صالـح فلاناً، ولا حرب بـينهما ولا عداوة. أو يكون خطابـاً لأهل الإيـمان بـمن قبل مـحمد صلى الله عليه وسلم من الأنبـياء الـمصدقـين بهم، وبـما جاءوا به من عند الله الـمنكرين مـحمداً ونبوّته، فقـيـل لهم: ادخـلوا فـي السلـم يعنـي به الإسلام لا الصلـح. لأن الله عز وجل إنـما أمر عبـاده بـالإيـمان به وبنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وإلـى ذلك دعاهم دون الـمسالـمة والـمصالـحة بل نهى نبـيه صلى الله عليه وسلم فـي بعض الأحوال عن دعاء أهل الكفر إلـى الإسلام، فقال:
    { فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوغ¤اْ إِلَى ظ±لسَّلْمِ وَأَنتُمُ ظ±لأَعْلَوْنَ وَظ±للَّهُ مَعَكُمْ }
    [محمد: 35] وإنـما أبـاح له صلى الله عليه وسلم فـي بعض الأحوال إذا دعوه إلـى الصلـح ابتداء الـمصالـحة، فقال له جل ثناؤه: { وَإنْ جَنَـحُوا للسَّلْـمِ فـاجنَـحْ لَهَا } فأما دعاؤهم إلـى الصلـح ابتداء فغير موجود فـي القرآن، فـيجوز توجيه قوله: { ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ } إلـى ذلك.

    فإن قال لنا قائل: فأيّ هذين الفريقـين دعى إلـى الإسلام كافة؟ قـيـل قد اختلف فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: دعى إلـيه الـمؤمنون بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به.

    وقال آخرون: قـيـل: دعي إلـيه الـمؤمنون بـمن قبل مـحمد صلى الله عليه وسلم من الأنبـياء الـمكذبون بـمـحمد.

    فإن قال: فما وجه دعاء الـمؤمن بـمـحمد وبـما جاء به إلـى الإسلام؟ قـيـل: وجه دعائه إلـى ذلك الأمر له بـالعمل بجميع شرائعه، وإقامة جميع أحكامه وحدوده، دون تضيـيع بعضه والعمل ببعضه. وإذا كان ذلك معناه، كان قوله كافّةً من صفة السلـم، ويكون تأويـله: ادخـلوا فـي العمل بجميع معانـي السلـم، ولا تضيعوا شيئاً منه يا أهل الإيـمان بـمـحمد وما جاء به. وبنـحو هذا الـمعنى كان يقول عكرمة فـي تأويـل ذلك.

    حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قوله: { ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ كافَّةً } قال: نزلت فـي ثعلبة وعبد الله بن سلام وابن يامين وأسد وأسيد ابنـي كعب وشعبة بن عمرو وقـيس بن زيد، كلهم من يهود، قالوا: يا رسول الله يوم السبت يوم كنا نعظمه فدعنا فلنسبت فـيه، وإن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها بـاللـيـل فنزلت: { يَا أيُّها الّذينَ آمَنُوا ادْخُـلُوا فـي السِّلْـمِ كافةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطانِ }.

  10. #70
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,540
    والصواب من القراءة فـي ذلك عندي { هَلْ يَنْظُرُون إلاَّ أنْ يَأتِـيَهُمُ اللّهُ فِـي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ } لـخبر روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنَّ مِنَ الغَمامِ طاقاتٍ يَأتـي اللّه فِـيها مَـحْفوفـاً " فدل بقوله طاقات علـى أنها ظلل لا ظلال، لأن واحد الظلل ظلة، وهي الطاق. واتبـاعاً لـخط الـمصحف. وكذلك الواجب فـي كل ما اتفقت معانـيه واختلفت فـي قراءته القراء ولـم يكن علـى إحدى القراءتـين دلالة تنفصل بها من الأخرى غير اختلاف خط الـمصحف، فـالذي ينبغي أن تؤثر قراءته منها ما وافق رسم الـمصحف...

    وأما الذي هو أولـى القراءتـين فـي: { وَالـمَلائِكَةُ } فـالصواب بـالرفع عطفـاً بها علـى اسم الله تبـارك وتعالـى علـى معنى: هل ينظرون إلا أن يأتـيهم الله فـي ظلل من الغمام، وإلا أن تأتـيهم الـملائكة علـى ما رُوي عن أبـيّ بن كعب، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر فـي غير موضع من كتابه أن الـملائكة تأتـيهم، فقال جل ثناؤه:
    { وَجَآءَ رَبُّكَ وَظ±لْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً }
    [الفجر: 22] وقال: { هَلْ يَنْظُرونَ إلاَّ أنْ تأتِـيهُمُ الـمَلائِكَةُ أوْ يَأتـي رَبُّكَ أوْ يَأتـي بَعْض آياتِ رَبِّكَ }. فإن أشكل علـى امرىء قول الله جل ثناؤه:
    { وَظ±لْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً }
    [الفجر: 22] فظنّ أنه مخالف معناه معنى قوله { هَلْ يَنْظُرونَ إلاَّ أنْ يَأتِـيهُمْ اللّهُ فِـي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ وَالـمَلائِكَةُ } إذ كان قوله «والـملائكة» فـي هذه الآية بلفظ جمع، وفـي الأخرى بلفظ الواحد. فإن ذلك خطأ من الظانّ، وذلك أن الـملَك فـي قوله:
    { وَجَآءَ رَبُّكَ وَظ±لْمَلَكُ }
    [الفجر: 22] بـمعنى الـجميع، ومعنى الـملائكة، والعرب تذكر الواحد بـمعنى الـجميع، فتقول: فلان كثـير الدرهم والدينار، يراد به الدراهم والدنانـير، وهلك البعير والشاة بـمعنى جماعة الإبل والشاء، فكذلك قوله: { وَالـمَلَكُ } بـمعنى الـملائكة.

    ..

    وأولـى التأويـلـين بـالصواب فـي ذلك تأويـل من وجه قوله: { فـي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ } إلـى أنه من صلة فعل الربّ عز وجل، وأن معناه: هل ينظرون إلا أن يأتـيهم الله فـي ظلل من الغمام، وتأتـيهم الـملائكة. لما:

    حدثنا به مـحمد بن حميد، قال: ثنا إبراهيـم بن الـمختار، عن ابن جريج، عن زمعة بن صالـح عن سلـمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عبـاس أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال: " إنَّ مِن الغَمامِ طاقاتٍ يأتـي اللَّهُ فِـيها مَـحْفُوفـاً " وذلك قوله: { هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ أنْ يأتِـيَهُمُ اللَّهُ فِـي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والـمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأمْرُ }...

  11. #71
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,540
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بعَدِ ما جاءَتْهُ فَإنَّ اللّهَ شَديدُ العِقابِ }.

    يعنـي بـالنعم جل ثناؤه الإسلام وما فرض من شرائع دينه. ويعنـي بقوله: { وَمَنْ يُبَدّلْ نَعْمَةَ اللّهِ } ومن يغير ما عاهد الله فـي نعمته التـي هي الإسلام من العمل والدخول فـيه فـيكفر به، فإنه معاقبه بـما أوعد علـى الكفر به من العقوبة، والله شديد عقابه، ألـيـم عذابه.

    فتأويـل الآية إذا: يا أيها الذين آمنوا بـالتوراة فصدّقوا بها، ادخـلوا فـي الإسلام جميعاً، ودعوا الكفر، وما دعاكم إلـيه الشيطان من ضلالته، وقد جاءتكم البـينات من عندي بـمـحمد، وما أظهرت علـى يديه لكم من الـحجج والعبر، فلا تبدلوا عهدي إلـيكم فـيه وفـيـما جاءكم به من عندي فـي كتابكم بأنه نبـيـي ورسولـي، فإنه من يبدّل ذلك منكم فـيغيره فإنـي له معاقب بـالألـيـم من العقوبة.

  12. #72
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,540
    وأولـى التأويلات فـي هذه الآية بـالصواب أن يقال: إن الله عز وجل أخبر عبـاده أن الناس كانوا أمة واحدة علـى دين واحد وملة واحدة. كما:

    حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: { كانَ النَّاسُ أُمةً وَاحِدَةً } يقول: ديناً واحداً علـى دين آدم، فـاختلفوا، فبعث الله النبـيـين مبشرين ومنذرين.

    وكان الدين الذي كانوا علـيه دين الـحق. كما قال أبـيّ بن كعب وكما:

    حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي، قال: هي فـي قراءة ابن مسعود: «اختلفوا فيه» على الإسلام.

    فـاختلفوا فـي دينهم، فبعث الله عند اختلافهم فـي دينهم النبـيـين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب لـيحكم بـين الناس فـيـما اختلفوا فـيه رحمة منه جل ذكره بخـلقه واعتذاراً منه إلـيهم....

    غير أنه أيّ ذلك كان، فإن دلـيـل القرآن واضح علـى أن الذين أخبر الله عنهم أنهم كانوا أمة واحدة، إنـما كانوا أمة واحدة علـى الإيـمان ودين الـحقّ دون الكفر بـالله والشرك به. وذلك أن الله جل وعز قال فـي السورة التـي يذكر فـيها يونس:
    { وَمَا كَانَ ظ±لنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَظ±خْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }
    [يونس: 19]

    فإن قال لنا قائل: وما معنى قوله: { فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِـمَا اخْتَلَفُوا فِـيه } أهداهم للـحق أم هداهم للاختلاف؟ فإن كان هداهم للاختلاف فإنـما أضلهم، وإن كان هداهم للـحق فـكيف قـيـل: { فَهَدَى اللّهَ الَّذِين آمَنُوا لِـمَا اخْتَلَفُوا فِـيهِ }؟ قـيـل: إن ذلك علـى غير الوجه الذي ذهبت إلـيه، وإنـما معنى ذلك: فهدى الله الذين آمنوا للـحق فـيـما اختلف فـيه من كتاب الله الذين أوتوه، فكفر بتبديـله بعضهم، وثبت علـى الـحقّ والصواب فـيه بعضهم، وهم أهل التوراة الذين بدّلوها، فهدى الله للـحق مـما بدلوا وحرّفوا الذين آمنوا من أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم.

    قال أبو جعفر: فإن أشكل ما قلنا علـى ذي غفلة، فقال: وكيف يجوز أن يكون ذلك كما قلت، و«مِنْ» إنـما هي فـي كتاب الله فـي «الـحق» واللام فـي قوله: { لِـمَا اخْتَلَفُوا فِـيهِ } وأنت تـحوّل اللام فـي «الـحقّ»، و«من» فـي «الاختلاف» فـي التأويـل الذي تتأوله فتـجعله مقلوبـاً؟ قـيـل: ذلك فـي كلام العرب موجود مستفـيض، والله تبـارك وتعالـى إنـما خاطبهم بـمنطقهم، فمن ذلك قول الشاعر:
    كانَتْ فَريضَةَ ما تَقَولُ كمَا
    كانَ الزّنَاءُ فَريضَة الرَّجْمِ
    وإنـما الرجم فريضة الزنا. وكما قال الآخر:
    إنَّ سِرَاجاً لَكرِيـمٌ مَفْخَرُهْ تَـحْلَـى بِهِ العَينُ إذَا ما تَـجْهَرُهْ
    وإنـما سراج الذي يحلـى بـالعين، لا العين بسراج.

    وقد قال بعضهم: إن معنى قوله { فَهَدَى اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا لِـمَا اخْتَلَفُوا فِـيهِ مِنَ الـحَقّ } أن أهل الكتب الأول اختلفوا، فكفر بعضهم بكتاب بعض، وهي كلها من عند الله، فهدى الله أهل الإيـمان بـمـحمد للتصديق بجميعها، وذلك قول، غير أن الأول أصحّ القولـين، لأن الله إنـما أخبر بـاختلافهم فـي كتاب واحد.

  13. #73
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,540
    وفـي قوله: { حتـى يَقُولَ الرَّسُولُ } وجهان من القراءة: الرفع، والنصب. ومن رفع فإنه يقول: لـما كان يحسن فـي موضعه «فعل» أبطل عمل «حتـى» فـيها، لأن «حتـى» غير عاملة فـي «فَعَلَ»، وإنـما تعمل فـي «يفعل»، وإذا تقدمها «فعل» وكان الذي بعدها «يفعل»، وهو مـما قد فعل وفرغ منه، وكان ما قبلها من الفعل غير متطاول، فـالفصيح من كلام العرب حينئذٍ الرفع فـي «يفعل» وإبطال عمل «حتـى» عنه، وذلك نـحو قول القائل: قمت إلـى فلان حتـى أضربه، والرفع هو الكلام الصحيح فـي «أضربه»، إذا أراد: قمت إلـيه حتـى ضربته، إذا كان الضرب قد كان وفُرغ منه، وكان القـيام غير متطاول الـمدة. فأما إذا كان ما قبل «حتـى» من الفعل علـى لفظ «فعل» متطاول الـمدة، وما بعدها من الفعل علـى لفظ غير منقض، فـالصحيح من الكلام نصب «يفعل» وإعمال «حتـى»، وذلك نـحو قول القائل: ما زال فلان يطلبك حتـى يكلـمك، وجعل ينظر إلـيك حتـى يثبتك فـالصحيح من الكلام الذي لا يصحّ غيره النصب بـ«حتـى»، كما قال الشاعر:
    مَطَوْتُ بِهِمْ حتى تَكِلَّ مَطِيُّهُمْ وحتَّى الجِيَادُ ما يُقَدْنَ بأرْسانِ
    فنصب تكل والفعل الذي بعد حتـى ماض، لأن الذي قبلها من الـمطو متطاول، والصحيح من القراءة إذا كان ذلك كذلك: «وزلزلوا حتـى يقولَ الرسول»، نصب يقول، إذ كانت الزلزلة فعلاً متطاولاً، مثل الـمطو بـالإبل. وإنـما الزلزلة فـي هذا الـموضع: الـخوف من العدوّ، لا زلزلة الأرض، فلذلك كانت متطاولة وكان النصب فـي «يقول» وإن كان بـمعنى «فعل» أفصح وأصحّ من الرفع فـيه.

  14. #74
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,540
    وهذان الـخبران اللذان ذكرناهما عن مـجاهد والضحاك، ينبئان عن صحة ما قلنا فـي رفع «الصدّ» به، وأن رافعه «أكبر عند الله»، وهما يؤكدان صحة ما روينا فـي ذلك عن ابن عبـاس، ويدلان علـى خطأ من زعم أنه مرفوع علـى العطف علـى الكبـير.

    وقول من زعم أن معناه: وكبـير صدّ عن سبـيـل الله، وزعم أن قوله: «وإخراج أهله منه أكبر عند الله» خبر منقطع عما قبله مبتدأ.....
    وأما أهل العربـية فإنهم اختلفوا فـي الذي ارتفع به قوله: { وصَدٌّ عَنْ سَبِـيـلِ اللَّهِ } فقال بعض نـحويـي الكوفـيـين فـي رفعه وجهان: أحدهما: أن يكون الصدّ مردوداً علـى الكبـير، يريد: قل القتال فـيه كبـير، وصدّ عن سبـيـل الله وكفر به، وإن شئت جعلت الصدّ كبـيراً، يريد به: قل القتال فـيه كبـير، وكبـير الصدّ عن سبـيـل الله والكفر به، قال: فأخطأ، يعنـي الفراء فـي كلا تأويـلـيه، وذلك أنه إذا رفع الصدّ عطفـاً به علـى كبـير، يصير تأويـل الكلام: قل القتال فـي الشهر الـحرام كبـير، وصدّ عن سبـيـل الله، وكفر بـالله. وذلك من التأويـل خلاف ما علـيه أهل الإسلام جميعاً، لأنه لـم يدّع أحد أن الله تبـارك وتعالـى جعل القتال فـي الأشهر الـحرم كفراً بـالله، بل ذلك غير جائز أن يتوهم علـى عاقل يعقل ما يقول أن يقوله، وكيف يجوز أن يقوله ذو فطرة صحيحة، والله جل ثناؤه يقول فـي أثر ذلك: { وَإخْرَاجُ أهْلِهِ مِنْهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ }؟ فلو كان الكلام علـى ما رآه جائزاً فـي تأويـله هذا، لوجب أن يكون إخراج أهل الـمسجد الـحرام من الـمسجد الـحرام كان أعظم عند الله من الكفر به، وذلك أنه يقول فـي أثره: { وَإخْرَاجُ أهْلِهِ مِنْهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ } وفـي قـيام الـحجة بأن لا شيء أعظم عند الله من الكفر به، ما يبـين عن خطأ هذا القول. وأما إذا رفع الصد بـمعنى ما زعم أنه الوجه الآخر، وذلك رفعه بـمعنى: وكبـير صد عن سبـيـل الله، ثم قـيـل: وإخراج أهله منه أكبر عند الله، صار الـمعنى: إلـى أن إخراج أهل الـمسجد الـحرام من الـمسجد الـحرام أعظم عند الله من الكفر بـالله، والصدّ عن سبـيـله، وعن الـمسجد الـحرام، ومتأوّل ذلك كذلك داخـل من الـخطأ مثل الذي دخـل فـيه القائل القول الأول من تصيـيره بعض خلال الكفر أعظم عند الله من الكفر بعينه، وذلك مـما لا يُخيـل علـى أحد خطؤه وفساده.

    وكان بعض أهل العربـية من أهل البصرة يقول: القول الأول فـي رفع الصد، ويزعم أنه معطوف به علـى الكبـير، ويجعل قوله: { وَإخْرَاجُ أهْلِهِ } مرفوعاً علـى الابتداء، وقد بـينا فساد ذلك وخطأ تأويـله.

    ملحوظة

    رد السمين علي علل الطبري فى تفسيره

  15. #75
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,540
    والذي هو أولـى بتأويـل الآية، الإثم الكبـير الذي ذكر الله جل ثناؤه أنه فـي الـخمر والـميسر، فـالـخمر ما قاله السدي زوال عقل شارب الـخمر إذا سكر من شربه إياها حتـى يعزب عنه معرفة ربه، وذلك أعظم الآثام، وذلك معنى قول ابن عبـاس إن شاء الله. وأما فـي الـميسر فما فـيه من الشغل به عن ذكر الله، وعن الصلاة، ووقوع العداوة والبغضاء بـين الـمتـياسرين بسببه، كما وصف ذلك به ربنا جل ثناؤه بقوله:
    { إِنَّمَا يُرِيدُ ظ±لشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ظ±لْعَدَاوَةَ وَظ±لْبَغْضَآءَ فِي ظ±لْخَمْرِ وَظ±لْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ظ±للَّهِ وَعَنِ ظ±لصَّلاَةِ }
    [المائدة: 91].
    ..

    واختلف القراء فـي قراءة ذلك، فقرأه عظم أهل الـمدينة وبعض الكوفـيـين والبصريـين { قُلْ فِـيهِمَا إثْمٌ كَبِـيرٌ } بـالبـاء، بـمعنى: قل فـي شرب هذه والقمار هذا كبـير من الآثام. وقرأه آخرون من أهل الـمصرين، البصرة والكوفة: «قُلْ فِـيهِمَا إثْمٌ كَثـيرٌ» بـمعنى الكثرة من الآثام، وكأنهم رأوا أن الإثم بـمعنى الآثام، وإن كان فـي اللفظ واحداً فوصفوه بـمعناه من الكثرة.

    وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأه بـالبـاء: { قُلْ فِـيهِمَا إثْمٌ كَبِـيرٌ } لإجماع جميعهم علـى قوله: { وإثْمُهُما أكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } وقراءته بـالبـاء وفـي ذلك دلالة بـينة علـى أن الذي وصف به الإثم الأول من ذلك هو العظم والكبر، لا الكثرة فـي العدد. ولو كان الذي وصف به من ذلك الكثرة، لقـيـل وإثمهما أكثر من نفعهما...

    وقد قال عدد من أهل التأويـل: معنى ذلك: وإثمهما بعد تـحريـمهما أكبر من نفعهما قبل تـحريـمهما....

    وإنـما اخترنا ما قلنا فـي ذلك من التأويـل لتواتر الأخبـار وتظاهرها بأن هذه نزلت قبل تـحريـم الـخمر والـميسر، فكان معلوماً بذلك أن الإثم الذي ذكر الله فـي هذه الآية فأضافه إلـيهما إنـما عنى به الإثم الذي يحدث عن أسبـابهما علـى ما وصفنا، لا الإثم بعد التـحريـم.

    وقال آخرون: معنى ذلك: الصدقة الـمفروضة. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن قـيس بن سعد، أو عيسى عن قـيس، عن مـجاهد شك أبو عاصم قول الله جل وعز: { قُلِ العَفْوَ } قال: الصدقة الـمفروضة.

    وأولـى هذه الأقوال بـالصواب قول من قال: معنى العفو: الفضل من مال الرجل عن نفسه وأهله فـي مؤنتهم وما لا بدّ لهم منه. وذلك هو الفضل الذي تظاهرت به الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالإذن فـي الصدقة، وصدقة فـي وجه البرّ.

    ذكر بعض الأخبـار التـي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك:

    حدثنا علـيّ بن مسلـم، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن عجلان، عن الـمقبري، عن أبـي هريرة، قال: قال رجل: يا رسول الله عندي دينار قال: " أنْفِقْهُ علـى نَفْسِكَ؟ " قال: عندي آخر قال: " أنْفِقْهُ علـى أهْلِكَ " قال: عندي آخر قال: " أنْفِقْهُ علـى وَلَدِكَ " قال: عندي آخر قال: " فأنْتَ أبْصَرُ "

    حدثنـي مـحمد بن معمر البحرانـي، قال: ثنا روح بن عبـادة، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرنـي أبو الزبـير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذَا كانَ أحَدُكُمَ فَقِـيراً فَلْـيَبَدأ بِنَفْسِهِ، فإنْ كانَ لَهُ فَضْلٌ فَلْـيَبْدأ مَعَ نَفْسِهِ بِـمَنْ يَعُولُ، ثُمَّ إنْ وَجَدَ فَضْلاً بَعْدَ ذَلِكَ فَلْـيَتَصَدَّقْ علـى غَيْرِهِمْ " ..

    وما أشبه ذلك من الأخبـار التـي يطول بـاستقصاء ذكرها الكتاب. فإذا كان الذي أذن صلى الله عليه وسلم لأمته الصدقة من أموالهم بـالفضل عن حاجة الـمتصدق الفضل من ذلك، هو العفو من مال الرجل إذ كان العفو فـي كلام العرب فـي الـمال وفـي كل شيء هو الزيادة والكثرة، ومن ذلك قوله جل ثناؤه: " حَتـى عَفَوْا " بـمعنى: زادوا علـى ما كانوا علـيه من العدد وكثروا، ومنه قول الشاعر:
    وَلَكِنَّا يَعضُّ السَّيْفُ مِنَّا بأسْوُقِ عافِـياتِ الشَّحْمِ كُومِ
    يعني به كثيرات الشحوم. ومن ذلك قيل للرجل: خذ ما عفا لك من فلان، يراد به: ما فضل فصفا لك عن جهده بـما لـم تـجهده. كان بينا أن الذي أذن الله به فـي قوله { قُلِ العَفْوَ } لعباده من النفقة، فأذنهم بإنفاقه إذا أرادوا إنفـاقه هو الذي بيَّن لأمته رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: " خَيْرُ الصَّدَقة ما أَنْفقت عن غِنًى " وأذنهم به.

    فإن قال لنا قائل: وما تنكر أن يكون ذلك العفو هو الصدقة الـمفروضة؟ قـيـل: أنكرنا ذلك لقـيام الـحجة علـى أن من حلت فـي ماله الزكاة الـمفروضة، فهلك جميع ماله إلا قدر الذي لزم ماله لأهل سهمان الصدقة، أن علـيه أن يسلـمه إلـيهم، إذا كان هلاك ماله بعد تفريطه فـي أداء الواجب كان لهم (فـي) ماله إلـيهم، وذلك لا شك أنه جهده إذا سلـمه إلـيهم لا عفوه، وفـي تسمية الله جل ثناؤه ما علـم عبـاده وجه إنفـاقهم من أموالهم عفواً، ما يبطل أن يكون مستـحقاً اسم جهد فـي حالة، وإذا كان ذلك كذلك فبِّـين فساد قول من زعم أن معنى العفو هو ما أخرجه ربّ الـمال إلـى إمامه، فأعطاه كائناً ما كان من قلـيـل ماله وكثـيره، وقول من زعم أنه الصدقة الـمفروضة.

    وكذلك أيضاً لا وجه لقول من يقول: إن معناه ما لـم يتبـين فـي أموالكم، لأن النبـيّ صلى الله عليه وسلم لـما قال له أبو لبـابة: إن من توبتـي أن أنـخـلع إلـى الله ورسوله من مالـي صدقة، قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم: " يَكْفِـيكَ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ " وكذلك روي عن كعب بن مالك أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال له نـحواً من ذلك.

    ...

    والصواب من القول فـي ذلك ما قاله ابن عبـاس علـى ما رواه عنه عطية من أن قوله: { قُلِ العَفْوَ } لـيس بإيجاب فرض فرض من الله حقاً فـي ماله، ولكنه إعلام منه ما يرضيه من النفقة مـما يسخطه جوابـاً منه لـمن سأل نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم عما فـيه له رضا، فهو أدب من الله لـجميع خـلقه علـى ما أدبهم به فـي الصدقة غير الـمفروضات ثابت الـحكم غير ناسخ لـحكم كان قبله بخلافه، ولا منسوخ بحكم حدث بعده، فلا ينبغي لذي ورع ودين أن يتـجاوز فـي صدقات التطوّع وهبـاته وعطايا النفل وصدقته ما أدبهم به نبـيه صلى الله عليه وسلم بقوله: " إذَا كانَ عِنْدَ أحَدِكُمْ فَضْلٌ فَلْـيَبْدأ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ بأهْلِه، ثُمَّ بِوَلَدِهِ " ثُمَّ يَسْلُكُ حِينَئذٍ فِـي الفَضْلِ مَسالِكَهُ الَّتِـي تُرْضِي اللّهَ ويُحِبُّها. وذلك هو القوام بـين الإسراف والإقتار الذي ذكره الله عز وجلّ فـي كتابه إن شاء الله تعالـى. ويقال لـمن زعم أن ذلك منسوخ: ما الدلالة علـى نسخه؟ وقد أجمع الـجميع لا خلاف بـينهم علـى أن للرجل أن ينفق من ماله صدقة وهبة ووصية الثلث، فما الذي دلّ علـى أن ذلك منسوخ؟ فإن زعم أنه يعنـي بقوله: إنه منسوخ أن إخراج العفو من الـمال غير لازم فرضا، وأن فرض ذلك ساقط بوجود الزكاة فـي الـمال قـيـل له: وما الدلـيـل علـى أن إخراج العفو كان فرضاً، فأسقطه فرض الزكاة؟ ولا دلالة فـي الآية علـى أن ذلك كان فرضاً، إذ لـم يكن أمر من الله عز ذكره، بل فـيها الدلالة علـى أنها جواب ما سأل عنه القوم علـى وجه التعرف لـما فـيه لله الرضا من الصدقات، ولا سبـيـل لـمدعي ذلك إلـى دلالة توجب صحة ما ادّعى...

صفحة 5 من 75 الأولىالأولى 1234567891555 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •