صفحة 49 من 75 الأولىالأولى ... 3945464748495051525359 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 721 إلى 735 من 1124

الموضوع: إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

  1. #721
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,310
    والصواب من القول فـي ذلك عندي: قول من قال: لرادّك إلـى عادتك من الـموت، أو إلـى عادتك حيث وُلدت، وذلك أن الـمعاد فـي هذا الـموضع: الـمَفْعَل من العادة، لـيس من العَوْد، إلاَّ أن يوجِّه مُوَجِّه تأويـل قوله: { لَرَادُّكَ } لـمصيرك، فـيتوجه حينئذٍ قوله { إلـى مَعادٍ } إلـى معنى العود، ويكون تأويـله: إن الذي فرض علـيك القرآن لـمُصَيِّرك إلـى أن تعود إلـى مكة مفتوحة لك.

    فإن قال قائل: فهذه الوجوه التـي وصفت فـي ذلك قد فهمناها، فما وجه تأويـل من تأوّله بـمعنى: لرادّك إلـى الـجنة؟ قـيـل: ينبغي أن يكون وجه تأويـله ذلك كذلك علـى هذا الوجه الآخر، وهو لـمصيرك إلـى أن تعود إلـى الـجنة.

    فإن قال قائل: أوَ كان أُخرج من الـجنة، فـيقالَ له: نـحن نعيدك إلـيها؟ قـيـل: لذلك وجهان: أحدهما: أنه إن كان أبوه آدم صلّـى الله علـيهما أخرج منها، فكأن ولده بإخراج الله إياه منها، قد أخرجوا منها، فمن دخـلها فكأنـما يُرد إلـيها بعد الـخروج. والثانـي أن يُقال: إنه كان صلى الله عليه وسلم دخـلها لـيـلة أُسرِي به، كما رُوي عنه أنه قال: " دَخَـلْتُ الـجَنَّةَ، فَرأيْتُ فِـيها قَصْراً، فَقُلْتُ لِـمَنْ هَذَا؟ فَقالُوا لعُمَرَ بنِ الـخطَّابِ " ، ونـحو ذلك من الأخبـار التـي رُويت عنه بذلك، ثم رُدّ إلـى الأرض، فـيقال له: إن الذي فرض علـيك القرآن لرادّك لـمصيرك إلـى الـموضع الذي خرجت منه من الـجنة، إلـى أن تعود إلـيه، فذلك إن شاء الله قول من قال ذلك.

  2. #722
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,310
    سورة العنكبوت

    حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وَتَـخْـلُقُونَ إفْكاً } الأوثان التـي ينـحِتونها بأيديهم.

    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معناه: وتصنعون كذبـاً. وقد بـيَّنا معنى الـخـلق فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. فتأويـل الكلام إذن: إنـما تعبدون من دون الله أوثاناً، وتصنعون كذبـاً وبـاطلاً. وإنـما فـي قوله: { إفْكاً } مردود علـى إنـما، كقول القائل: إنـما تفعلون كذا، وإنـما تفعلون كذا.

    وقرأ جميع قرّاء الأمصار: { وتَـخْـلُقُونَ إفْكاً } بتـخفـيف الـخاء من قوله: { وتَـخْـلُقُونَ } وضمّ اللام: من الـخَـلْق. وذُكر عن أبـي عبد الرحمن السُلـميّ أنه قرأ: { وتُـخَـلِّقونَ إفْكاً } بفتـح الـخاء وتشديد اللام من التـخـلـيق.

    والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا ما علـيه قرّاء الأمصار، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه....

    وأما قوله: { وَما أنْتُـمْ بِـمُعْجِزِينَ فِـي الأرْضِ وَلا فِـي السَّماءِ } فإن ابن زيد قال فـي ذلك ما:

    حدثنـي يونس، قال: أخبرن ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله { وَما أنْتُـمْ بِـمُعْجِزِينَ فِـي الأرْضِ وَلا فِـي السَّماءِ } قال: لا يُعجزه أهل الأرضين فـي الأرضين ولا أهل السموات فـي السموات إن عصوه، وقرأ:
    { مثقالُ ذَرّةٍ فـي السَّموات ولا فِـي الأرض، وَلا أصْغَرُ مِنْ ذلكَ ولا أكْبَرُ إلاَّ فِـي كِتابٍ مُبِـينٍ }


    وقال فـي ذلك بعض أهل العربـية من أهل البصرة: وما أنتـم بـمعجزين من فـي الأرض ولا من فـي السماء مُعْجِزِينَ قال: وهو من غامض العربـية للضمير الذي لـم يظهر فـي الثانـي. قال: ومثله قول حسان بن ثابت:
    أمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللّهِ مِنْكُمْ ويَـمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ؟
    أراد: ومن ينصره ويـمدحه، فأضمر «مَنْ». قال: وقد يقع فـي وهم السامع أن النصر والـمدح لـمَنْ هذه الظاهرة ومثله فـي الكلام: أكرمْ من أتاك وأتـى أبـاك، وأكرم من أتاك ولـم يأت زيدا. تريد: ومن لـم يأت زيدا، فـيكتفـي بـاختلاف الأفعال من إعادة مَنْ، كأنه قال: أمَن يهجو، ومن يـمدحه، ومن ينصره. ومنه قول الله عزّ وجلّ:
    { وَمَنْ هُوَ مُسْتَـخْفٍ بـاللَّـيْـل وَسارِبٌ بـالنَّهارِ }
    وهذا القول أصحّ عندي فـي الـمعنى من القول الآخر، ولو قال قائل: معناه: ولا أنتـم بـمعجزين فـي الأرض، ولا أنتـم لو كنتـم فـي السماء بـمعجزين كان مذهبـاً.

  3. #723
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,310
    حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله { وتَأتُونَ فِـي نادِيكُمُ الـمُنْكَرَ } يقول: فـي مـجالسكم.

    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معناه: وتـحذفون فـي مـجالسكم الـمارّة بكم، وتسخَرون منهم لـما ذكرنا من الرواية بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

  4. #724
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,310
    وقال آخرون: بل هم قوم شعيب. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة { وَمِنْهُمْ مَنْ أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ } قوم شعيب.

    والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله قد أخبر عن ثمود وقوم شعيب من أهل مدين أنه أهلكهم بـالصيحة فـي كتابه فـي غير هذا الـموضع، ثم قال جلّ ثناؤه لنبـيه صلى الله عليه وسلم: فمن الأمـم التـي أهلكناهم من أرسلنا علـيهم حاصبـاً، ومنهم مَنْ أخذته الصيحة، فلـم يخصُصِ الـخبر بذلك عن بعض مَنْ أخذته الصيحة من الأمـم دون بعض، وكلا الأمتـين أعنـي ثمود ومَدين قد أخذتهم الصَّيحة.

    وقوله: { وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الأرْضِ }: يعنـي بذلك قارون. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عبـاس: { وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الأرْضِ } قارون { وَمِنْهُمْ مَنْ أغْرَقْنا } يعنـي: قوم نوح وفرعون وقومه.

    واختلف أهل التأويـل فـي ذلك، فقال بعضهم: عُنـي بذلك: قومُ نوح علـيه السلام. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عبـاس: { وَمِنْهُمْ مَنْ أغْرَقْنا } قومُ نوح.

    وقال آخرون: بل هم قوم فرعون. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة { وَمِنْهُمْ مَنْ أغْرَقْنا } قوم فرعون.

    والصواب من القول فـي ذلك، أن يُقال: عُنـي به قوم نوح وفرعونُ وقومه، لأن الله لـم يخصص بذلك إحدى الأمتـين دون الأخرى، وقد كان أهلكهما قبل نزول هذا الـخبر عنهما، فهما مَعْنـيتان به.

  5. #725
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,310
    اختلف القرّاء فـي قراءة قوله: { إنَّ اللّهَ يَعْلَـمُ ما يدْعُونَ } فقرأته عامة قرّاء الأمصار «تَدْعُونَ» بـالتاء بـمعنى الـخطاب لـمشركي قريش { إنَّ اللّهَ } أيها الناس «يَعْلَـمُ ما تَدْعُونَ إلَـيْهِ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ». وقرأ ذلك أبو عمرو: { إنَّ اللّهَ يَعْلَـمُ ما يَدْعُونَ } بـالـياء بـمعنى الـخبر عن الأمـم، إن الله يعلـم ما يدعو هؤلاء الذين أهلكناهم من الأمـم من دونه من شيء.

    والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا، قراءة من قرأ بـالتاء، لأن ذلك لو كان خبراً عن الأمـم الذين ذكر الله أنه أهلكهم، لكان الكلام: إن الله يعلـم ما كانوا يدعون، لأن القوم فـي حال نزول هذا الـخبر علـى نبـيّ الله لـم يكونوا موجودين، إذ كانوا قد هلكوا فبـادوا، وإنـما يقال: إن الله يعلـم ما تدعون إذا أريد به الـخبر عن موجودين، لا عمن قد هلك.

    فتأويـل الكلام إذ كان الأمر كما وصفنا: إن الله يعلـم أيها القوم حال ما تعبدون من دونه من شيء، وأن ذلك لا ينفعكم ولا يضرّكم، إن أراد الله بكم سوءاً، ولا يغنـي عنكم شيئا وإن مثله فـي قلة غنائه عنكم، مَثَلُ بـيت العنكبوت فـي غنَائه عنها.

  6. #726
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,310
    والصواب من القول فـي ذلك أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والـمنكر، كما قال ابن عبـاس وابن مسعود.

    فإن قال قائل: وكيف تنهى الصلاة عن الفحشاء والـمنكر إن لـم يكن معنـياً بها ما يتلـى فـيها؟ قـيـل: تنهى من كان فـيها، فتـحول بـينه وبـين إتـيان الفواحش، لأن شغله بها يقطعه عن الشغل بـالـمنكر، ولذلك قال ابن مسعود: من لـم يطع صلاته لـم يزدد من الله إلاَّ بعداً. وذلك أن طاعته لها إقامته إياها بحدودها، وفـي طاعته لها مزدجر عن الفحشاء والـمنكر.

    حدثنا أبو حميد الـحمصي، قال: ثنا يحيى بن سعيد العطار، قال: ثنا أرطاة، عن ابن عون، فـي قول الله { إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ والـمُنْكَرِ } قال: إذا كنت فـي صلاة، فأنت فـي معروف، وقد حجزتك عن الفحشاء والـمنكر، والفحشاء: هو الزنا. والـمنكر: معاصي الله. ومن أتـى فـاحشة أو عَصَى الله فـي صلاته بـما يفسد صلاته، فلا شكّ أنه لا صلاة له....

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: وللصلاة التـي أتـيت أنت بها، وذكرك الله فـيها أكبر مـما نهتك الصلاة من الفحشاء والـمنكر.

    حدثنـي أحمد بن الـمغيرة الـحمصي، قال: ثنا يحيى بن سعيد العطار، قال: ثنا أرطاة، عن ابن عون، فـي قول الله { إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ وَالـمُنْكَرِ } والذي أنت فـيه من ذكر الله أكبر.

    قال أبو جعفر: وأشبه هذه الأقوال بـما دلّ علـيه ظاهر التنزيـل قول من قال: ولذكر الله إياكم أفضل من ذكركم إياه.

  7. #727
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,310
    وأولـى هذه الأقوال بـالصواب، قول من قال: عنى بقوله { إلاَّ الَّذِينَ ظَلـمُوا مِنْهُمْ }: إلاَّ الذين امتنعوا من أداء الـجزية، ونصبوا دونها الـحرب.

    فإن قال قائل: أو غير ظالـم من أهل الكتاب، إلاَّ من لـم يؤدّ الـجزية؟ قـيـل: إن جميعهم وإن كانوا لأنفسهم بكفرهم بـالله، وتكذيبهم رسوله مـحمداً صلى الله عليه وسلم، ظَلَـمة، فإنه لـم يعن بقوله { إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ } ظُلْـمَ أنفسهم. وإنـما عنى به: إلاَّ الذين ظلـموا منهم أهل الإيـمان بـالله ورسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم، فإن أولئك جادلوهم بـالقتال.

    وإنـما قلنا: ذلك أولـى الأقوال فـيه بـالصواب، لأن الله تعالـى ذكره أذِن للـمؤمنـين بجدال ظلـمة أهل الكتاب بغير الذي هو أحسن، بقوله { إلاَّ الَّذِينَ ظَلـمُوا مِنْهُمْ } فمعلوم إذ كان قد أذن لهم فـي جدالهم، أن الذين لـم يؤذن لهم فـي جدالهم إلاَّ بـالتـي هي أحسن، غير الذين أذن لهم بذلك فـيهم، وأنهم غير الـمؤمن، لأن الـمؤمن منهم غير جائز جداله إلاَّ فـي غير الـحقّ، لأنه إذا جاء بغير الـحقّ، فقد صار فـي معنى الظلـمة فـي الذي خالف فـيه الـحقّ. فإذ كان ذلك كذلك، تبـين أن لا معنى لقول من قال: عنى بقوله { وَلا تُـجادِلُوا أهلَ الكِتابِ } أهل الإيـمان منهم، وكذلك لا معنى لقول من قال: نزلت هذه الآية قبل الأمر بـالقتال، وزعم أنها منسوخة، لأنه لا خبر بذلك يقطع العذر، ولا دلالة علـى صحته من فطرة عقل....

  8. #728
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,310
    وقال آخرون: عنى بذلك القرآن، وقالوا: معنى الكلام: بل هذا القرآن آيات بـيِّنات فـي صدور الذين أوتوا العلـم من الـمؤمنـين بـمـحمد صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، قال: قال الـحسن، فـي قوله: { بَلْ هُوَ آياتٌ بَـيِّناتٌ فِـي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْـمَ } القرآن آيات بـينات فـي صدور الذين أوتوا العلـم، يعنـي الـمؤمنـين.

    وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: عنى بذلك: بل العلـم بأنك ما كنت تتلو من قبل هذا الكتاب كتابـاً، ولا تـخطه بـيـمينك، آيات بـينات فـي صدور الذين أوتوا العلـم من أهل الكتاب.

    وإنـما قلت ذلك أولـى التأويـلـين بـالآية، لأن قوله: { بَلْ هُوَ آياتٌ بَـيِّناتٌ فِـي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْـمَ } بـين خبرين من أخبـار الله عن رسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم، فهو بأن يكون خبراً عنه أولـى من أن يكون خبراً عن الكتاب الذي قد انقضى الـخبر عنه قبل.

  9. #729
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,310
    وأولـى القولـين بتأويـل الآية قول من قال: معنى ذلك: إن أرضي واسعة، فـاهربوا مـمن منعكم من العمل بطاعتـي لدلالة قوله { فإيَّايَ فـاعْبُدُونِ } علـى ذلك، وأن ذلك هو أظهر معنـيـيه، وذلك أن الأرض إذا وصفها بِسعَة، فـالغالب من وصفه إياها بذلك، أنها لا تضيق جميعها علـى من ضاق علـيه منها موضع، لا أنه وصفها بكثرة الـخير والـخصب.

  10. #730
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,310
    وَلِـيَتَـمَتَّعُوا } اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة: { وَلِـيَتَـمَتَّعُوا } بكسر اللام، بـمعنى: وكي يتـمتعوا آتـيناهم ذلك. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين: { وَلْـيَتَـمَتَّعُوا } بسكون اللام علـى وجه الوعيد والتوبـيخ: أي اكفروا فإنكم سوف تعلـمون ماذا يَـلْقون من عذاب الله بكفرهم به.

    وأولـى القراءتـين عندي فـي ذلك بـالصواب، قراءة من قرأه بسكون اللام علـى وجه التهديد والوعيد، وذلك أن الذين قرءوه بكسر اللام زعموا أنهم إنـما اختاروا كسرها عطفـا بها علـى اللام التـي فـي قوله: { لِـيَكْفُرُوا } ، وأن قوله { لِـيَكْفُرُوا } لـما كان معناه: كي يكفروا كان الصواب فـي قوله { وَلِـيَتَـمَتَّعُوا } أن يكون: وكي يتـمتعوا، إذ كان عطفـاً علـى قوله: لـيكفروا عندهم، ولـيس الذي ذهبوا من ذلك بـمذهب، وذلك لأن لام قوله { لِـيَكْفُرُوا } صلُـحت أن تكون بـمعنى كي، لأنها شرط لقوله: إذا هم يشركون بـالله كي يكفروا بـما آتـيناهم من النعم، ولـيس ذلك كذلك فـي قوله { وَلِـيَتَـمَتَّعُوا } لأن إشراكهم بـالله كان كفراً بنعمته، ولـيس إشراكهم به تـمتعاً بـالدنـيا، وإن كان الإشراك به يسهل لهم سبـيـل التـمتع بها فإذ كان ذلك كذلك فتوجيهه إلـى معنى الوعيد أولـى وأحقّ من توجيهه إلـى معنى: وكي يتـمتعوا. وبعد فقد ذكر أن ذلك فـي قراءة أُبـيّ: «وتَـمَتَّعُوا» وذلك دلـيـل علـى صحة من قرأه بسكون اللام بـمعنى الوعيد.

  11. #731
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,310
    سورة الروم

    والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا الذي لا يجوز غيره { الـم غُلِبَتِ الرُّومُ } بضم الغين، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: غلبت فـارس الروم { فِـي أدْنَى الأرْضِ } من أرض الشام إلـى أرض فـارس { وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبهِمْ } يقول: والروم من بعد غلبة فـارس إياهم { سَيَغْلِبُونَ } فـارس { فِـي بِضْعِ سنِـينَ لله الأمْرُ مِنْ قَبْلُ } غلبتهم فـارس { وَمِنْ بَعْدُ } غلبتهم إياها، يقضي فـي خـلقه ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويظهر من شاء منهم علـى من أحبّ إظهاره علـيه { وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الـمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللّهِ } يقول: ويوم يغلِب الروم فـارس يفرح الـمؤمنون بـالله ورسوله بنصر الله إياهم علـى الـمشركين، ونُصْرة الروم علـى فـارس { يَنْصُرُ } اللّهُ تعالـى ذكره { مَنْ يَشاءُ } من خـلقه، علـى من يشاء، وهو نُصرة الـمؤمنـين علـى الـمشركين ببدر { وَهُوَ العَزِيزُ } يقول: والله الشديد فـي انتقامه من أعدائه، لا يـمنعه من ذلك مانع، ولا يحول بـينه وبـينه حائل { الرَّحِيـمُ } بـمن تاب من خـلقه، وراجع طاعته أن يعذّبه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل...

    وأما قوله: { سَيَغْلِبُونَ } فإن القرّاء أجمعين علـى فتـح الـياء فـيها، والواجب علـى قراءة من قرأ: «الـم غَلَبَتِ الرُّومُ» بفتـح الغين، أن يقرأ قوله: «سَيُغْلَبُونَ» بضم الـياء، فـيكون معناه: وهم من بعد غلبتهم فـارس سيغلبهم الـمسلـمون، حتـى يصحّ معنى الكلام، وإلاَّ لـم يكن للكلام كبـير معنى إن فتـحت الـياء، لأن الـخبر عما قد كان يصير إلـى الـخبر عن أنه سيكون، وذلك إفساد أحد الـخبرين بـالآخر...

  12. #732
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,310
    وقال آخرون: هو علـى الـخصوص، والـمعنى: وله من فـي السموات والأرض من ملك وعبد مؤمن لله مطيع دون غيرهم. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { كُلّ لَهُ قانِتُونَ } قال: كلّ له مطيعون. الـمطيع: القانت، قال: ولـيس شيء إلاَّ وهو مطيع، إلاَّ ابن آدم، وكان أحقهم أن يكون أطوعهم لله. وفـي قوله
    { وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِـينَ }
    قال: هذا فـي الصلاة، لا تتكلـموا فـي الصلاة كما يتكلـم أهل الكتاب فـي الصلاة، قال: وأهل الكتاب يـمشي بعضهم إلـى بعض فـي الصلاة، قال: ويتقابلون فـي الصلاة، فإذا قـيـل لهم فـي ذلك، قالوا: لكي تذهب الشحناء من قلوبنا تسلـم قلوب بعضنا لبعض، فقال الله: وقوموا لله قانتـين لا تزولوا كم يزولون. قانتـين: لا تتكلـموا كما يتكلـمون. قال: فأما ما سوى هذا كله فـي القرآن من القنوت فهو الطاعة، إلاَّ هذه الواحدة.

    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب القول الذي ذكرناه عن ابن عبـاس، وهو أن كلّ من فـي السموات والأرض من خـلق لله مطيع فـي تصرّفه فـيـما أراد تعالـى ذكره من حياة وموت، وما أشبه ذلك، وإن عصاه فـيـما يكسبه بقوله، وفـيـما له السبـيـل إلـى اختـياره وإيثاره علـى خلافه.

    وإنـما قلت: ذلك أولـى بـالصواب فـي تأويـل ذلك، لأن العصاة من خـلقه فـيـما لهم السبـيـل إلـى اكتسابه كثـير عددهم، وقد أخبر تعالـى ذكره عن جميعهم أنهم له قانتون، فغير جائز أن يخبر عمن هو عاص أنه له قانت فـيـما هو له عاص.

    وإذا كان ذلك كذلك، فـالذي فـيه عاص هو ما وصفت، والذي هو له قانت ما بـينت....

    ....

    اختلف أهل التأويـل، فـي معنى قوله: { وَهُوَ أهْوَنُ عَلَـيْهِ } فقال بعضهم: معناه: وهو هين علـيه. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن سعيد العطار، عن سفـيان عمن ذكره، عن منذر الثوريّ، عن الربـيع بن خَيْثم { وَهُوَ أهْوَنُ عَلَـيْهِ } قال: ما شيء علـيه بعزيز.

    حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الـخَـلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أهْوَنُ عَلَـيْهِ } يقول: كلّ شيء علـيه هين.

    وقال آخرون: معناه: وإعادة الـخـلق بعد فنائهم أهون علـيه من ابتداء خـلقهم. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله { وَهُوَ أهْوَنُ عَلَـيْهِ } قال: يقول: أيسر علـيه.

    حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: { وَهُوَ أهْوَنُ عَلَـيْهِ } قال: الإعادة أهون علـيه من البداءة، والبداءة علـيه هين.

    حدثنـي ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرِمة قرأ هذا الـحرف { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الـخَـلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أهْوَنُ عَلَـيْهِ } قال: تعجب الكفـار من إحياء الله الـموتـى، قال: فنزلت هذه الآية { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الـخَـلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أهْوَنُ عَلَـيْهِ } إعادة الـخـلق أهون علـيه من إبداء الـخـلق.

    حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن شعبة، عن سماك، عن عكرمة بنـحوه، إلاَّ أنه قال: إعادة الـخـلق أهون علـيه من ابتدائه.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله { وَهُوَ أهْوَنُ عَلَـيْهِ }: يقول: إعادته أهون علـيه من بدئه، وكلّ علـى الله هين. وفـي بعض القراءة: وكلّ علـى الله هين.

    وقد يحتـمل هذا الكلام وجهين، غير القولـين اللذين ذكرت، وهو أن يكون معناه: وهو الذي يبدأ الـخـلق ثم يعيده، وهو أهون علـى الـخـلق: أي إعادة الشيء أهون علـى الـخـلق من ابتدائه. والذي ذكرنا عن ابن عبـاس فـي الـخبر الذي حدثنـي به ابن سعد، قول أيضاً له وجه....

  13. #733
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,310
    واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: { تَـخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أنْفُسَكُمْ } فقال بعضهم: معنى ذلك: تـخافون هؤلاء الشركاء مـما ملكت أيـمانكم أن يرثوكم أموالكم من بعد وفـاتكم، كما يرث بعضكم بعضاً. ذكر من قال ذلك:

    حُدثت عن حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الـخراسانـي، عن ابن عبـاس، قال: فـي الآلهة، وفـيه يقول: تـخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضاً.

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: تـخافون هؤلاء الشركاء مـما ملكت أيـمانكم أن يقاسموكم أموالكم، كما تقاسم بعضكم بعضاً. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر، قال: سمعت عمران قال: قال أبو مـجلز: إن مـملوكك لا تـخاف أن يقاسمك مالك، ولـيس له ذلك، كذلك الله لا شريك له.

    وأولـى القولـين بـالصواب فـي تأويـل ذلك القول الثانـي، لأنه أشبههما بـما دلّ علـيه ظاهرالكلام، وذلك أن الله جلّ ثناؤه وبخ هؤلاء الـمشركين الذين يجعلون له من خـلقه آلهة يعبدونها، وأشركوهم فـي عبـادتهم إياه، وهم مع ذلك يقرّون بأنها خـلقه وهم عبـيده، وعيرهم بفعلهم ذلك، فقال لهم: هل لكم من عبـيدكم شركاء فـيـما خوّلناكم من نعمنا، فهم سواء، وأنتـم فـي ذلك تـخافون أن يقاسموكم ذلك الـمال الذي هو بـينكم وبـينهم، كخيفة بعضكم بعضاً أن يقاسمه ما بـينه وبـينه من الـمال شركة فـالـخيفة التـي ذكرها تعالـى ذكره بأن تكون خيفة مـما يخاف الشريك من مقاسمة شريكه الـمال الذي بـينهما إياه أشبه من أن تكون خيفة منه بأن يرثه، لأن ذكر الشركة لا يدلّ علـى خيفة الوراثة، وقد يدلّ علـى خيفة الفراق والـمقاسمة.

  14. #734
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,310
    يقول تعالـى ذكره: وما أعطيتـم أيها الناس بعضكم بعضاً من عطية لتزداد فـي أموال الناس برجوع ثوابها إلـيه، مـمن أعطاه ذلك، { فلا يربو عند الله } يقول: فلا يزداد ذلك عند الله، لأن صاحبه لـم يعطه من أعطاه مبتغياً به وجهه. { وَما آتَـيْتُـمْ مِنْ زَكاةٍ } يقول: وما أعطيتـم من صدقة تريدون بها وجه الله، { فأولئك } يعنـي الذين يتصدّقون بأموالهم ملتـمسين بذلك وجه الله { هم الـمضعفون } يقول: هم الذين لهم الضعف من الأجر والثواب، من قول العرب: أصبح القوم مسمِنـين معطِشين، إذا سمنت إبلهم وعطشت. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل....

    واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة وبعض أهل مكة: { لِـيَرْبُوَ } بفتـح الـياء من يربو، بـمعنى: وما آتـيتـم من ربـاً لـيربوَ ذلك الربـا فـي أموال الناس. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الـمدينة: «لِتَرْبُوا» بـالتاء من تُربوا وضمها، بـمعنى: وما آتـيتـم من ربـا لتُربوا أنتـم فـي أموال الناس.

    والصواب من القول فـي ذلك عندنا، أنهما قراءتان مشهورتان فـي قرّاء الأمصار مع تقارب معنـيـيهما، لأن أربـاب الـمال إذا أربوا ربـاً الـمال، وإذا ربـا الـمالُ فبإربـاء أياه ربـاً. فإذا كان ذلك كذلك، فبأيّ القراءتـين قرأ القارىء فمصيب...

  15. #735
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,310
    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب: أن الله تعالـى ذكره، أخبر أن الفساد قد ظهر فـي البرّ والبحر عند العرب فـي الأرض القـفـار، والبحر بحران: بحر ملـح، وبحر عذب، فهما جميعاً عندهم بحر، ولـم يخصص جلّ ثناؤه الـخبر عن ظهور ذلك فـي بحر دون بحر، فذلك علـى ما وقع علـيه اسم بحر، عذبـاً كان أو ملـحاً. وإذا كان ذلك كذلك، دخـل القرى التـي علـى الأنهار والبحار.

    فتأويـل الكلام إذن إذ كان الأمر كما وصفت، ظهرت معاصي الله فـي كل مكان، من برّ وبحر { بِـمَا كَسَبَتْ أيْدِي النَّاسِ }: أي بذنوب الناس، وانتشر الظلـم فـيهما

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •