صفحة 44 من 75 الأولىالأولى ... 3440414243444546474854 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 646 إلى 660 من 1124

الموضوع: إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

  1. #646
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { كَمْ لَبِثْتُـمْ فِـي الأرْضِ عَدَدَ سِنِـينَ } ، وفـي قوله: { لَبِثْنا يَوماً أوْ بَعْضَ يَوْمٍ } فقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة علـى وجه الـخبر: { قالَ كَمْ لَبِثْتُـمْ } ، وكذلك قوله:
    { قالَ إنْ لَبِثْتُـمْ }
    ووجَّه هؤلاء تأويـل الكلام إلـى أن الله قال لهؤلاء الأشقـياء من أهل النار وهم فـي النار: { كَمْ لَبِثْتُـمْ فِـي الأرْضِ عَدَدَ سِنِـينَ } وأنهم أجابوا الله فقالوا: { لَبِثْنا يَوْماً أوْ بَعْضَ يَوْمٍ } ، فنسي الأشقـياء، لعظيـم ما هم فـيه من البلاء والعذاب، مدة مكثهم التـي كانت فـي الدنـيا، وقَصُر عندهم أمد مكثهم الذي كان فـيها، لـما حلّ بهم من نقمة الله، حتـى حسبوا أنهم لـم يكونوا مكثوا فـيها إلا يوماً أو بعض يوم، ولعلّ بعضهم كان قد مكث فـيها الزمان الطويـل والسنـين الكثـيرة.

    وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة علـى وجه الأمر لهم بـالقول، كأنه قال لهم قولوا كم لبثتـم فـي الأرض؟ وأخرج الكلام مُخْرج الأمر للواحد والـمعنـيّ به الـجماعة، إذ كان مفهوما معناه. وإنـما اختار هذه القراءة من اختارها من أهل الكوفة لأن ذلك فـي مصاحفهم: «قُلْ» بغير ألف، وفـي غر مصاحفهم بـالألف.

    وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأ ذلك: { قالَ كَمْ لَبِثْتُـمْ } علـى وجه الـخبر، لأن وجه الكلام لو كان ذلك أمرا، أن يكون «قُولوا» علـى وجه الـخطاب للـجمع لأن الـخطاب فـيـما قبل ذلك وبعده جرى لـجماعة أهل النار، فـالذي هو أولـى أن يكون كذلك قوله: «قولوا» لو كان الكلام جاء علـى وجه الأمر، وإن كان الآخر جائزاً، أعنـي التوحيد، لـما بـيَّنت من العلة لقارىء ذلك كذلك، وجاء الكلام بـالتوحيد فـي قراءة جميع القرّاء، كان معلوماً أن قراءة ذلك علـى وجه الـخبر عن الواحد أشبه، إذْ كان ذلك هو الفصيح الـمعروف من كلام العرب. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: قال الله كم لبثتـم فـي الدنـيا من عدد سنـين؟ قالوا مـجيبـين له: لبثنا فـيها يوماً أو بعض يوم فـاسأل العادّين، لأنا لا ندري، قد نسينا ذلك..

    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال كما قال الله جلّ ثناؤه: { فـاسأَلِ العادّينَ } وهم الذين يَعُدّون عدد الشهور والسنـين وغير ذلك. وجائز أن يكونوا الـملائكة، وجائز أن يكونوا بنـي آدم وغيرهم، ولا حجة بأيّ ذلك من أيّ ثبتت صحتها فغير جائز توجيه معنى ذلك إلـى بعض العادّين دون بعض.

  2. #647
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    سورة النور

    قال: ثنا مـحمد بن جعفر، عن شعبة، عن حماد، قال: يُحَدّ القاذف والشارب وعلـيهما ثـيابهما. وأما الزانـي فتـخـلع ثـيابه. وتلا هذه الآية: { وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ فِـي دِينِ اللّهِ } فقلت لـحماد: أهذا فـي الـحكم؟ قال: فـي الـحكم والـجلد.

    حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، قال: يجتهد فـي حدّ الزانـي والفرية، ويخفف فـي حدّ الشرب. وقال قَتادة: يخفف فـي الشراب، ويجتهد فـي الزانـي.

    وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا تأخذكم بهما رأفة فـي إقامة حدّ الله علـيهما الذي افترض علـيكم إقامته علـيهما.

    وإنـما قلنا ذلك أولـى التأويـلـين بـالصواب، لدلالة قول الله بعده: «فـي دين الله»، يعنـي فـي طاعة الله التـي أمركم بها. ومعلوم أن دين الله الذي أمر به فـي الزانـيـين: إقامة الـحدّ علـيهما، علـى ما أمر من جلد كل واحد منهما مئة جلدة، مع أن الشدّة فـي الضرب لا حدّ لها يوقـف علـيه، وكلّ ضرب أوجع فهو شديد، ولـيس للذي يوجع فـي الشدّة حدّ لا زيادة فـيه فـيؤمر به وغير جائز وصفه جلّ ثناؤه بأنه أمر بـما لا سبـيـل للـمأموربه إلـى معرفته.

    وإذا كان ذلك كذلك، فـالذي للـمأمورين إلـى معرفته السبـيـل هو عدد الـجَلد علـى ما أمر به، وذلك هو إقامة الـحد علـى ما قلنا. وللعرب فـي الرأفة لغتان: الرأفة بتسكين الهمزة، والرآفة بـمدّها، كالسأمة والسآمة، والكأْبة والكآبة. وكأنّ الرأفة الـمرّة الواحدة، والرآفة الـمصدر، كما قـيـل: ضَؤُل ضآلة مثل فَعُل فعالة، وقَبُح قبـاحة....

    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: أقلّ ما ينبغي حضور ذلك من عدد الـمسلـمين: الواحد فصاعداً وذلك أن الله عمّ بقوله: { وَلْـيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ } والطائفة: قد تقع عند العرب علـى الواحد فصاعداً. فإذا كان ذلك كذلك، ولـم يكن الله تعالـى ذكره وضع دلالة علـى أن مراده من ذلك خاصّ من العدد، كان معلوماً أن حضور ما وقع علـيه أدنى اسم الطائفة ذلك الـمـحضر مخرج مقـيـم الـحدّ مـما أمره الله به بقوله: { وَلَـيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ }. غير أنـي وإن كان الأمر علـى ما وصفت، أستـحبّ أن لا يقصر بعدد من يحضر ذلك الـموضع عن أربعة أنفس عدد من تقبل شهادته علـى الزنا لأن ذلك إذا كان كذلك فلا خلاف بـين الـجمع أنه قد أدّى الـمقـيـم الـحدّ ما علـيه فـي ذلك، وهم فـيـما دون ذلك مختلفون.

  3. #648
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    حدثنـي يونس، قال: أخبرنا أنس بن عياض، عن يحيى، قال: ذكر عند سعيد بن الـمسيب: { الزّانِـي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِـيَةً أوْ مُشْرِكَةً } قال: فسمعته يقول: إنها قد نسختها التـي بعدها. ثم قرأها سعيد، قال: يقول الله: { الزَّانِـي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِـيَةً أوْ مُشْرِكَةً } ثم يقول الله:
    { وأنْكِحُوا الأيامَى مِنْكُمْ }
    فهنّ من أيامى الـمسلـمين.

    قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب قول من قال: عُنـي بـالنكاح فـي هذا الـموضع الوطء، وأن الآية نزلت فـي البغايا الـمشركات ذوات الرايات وذلك لقـيام الـحجة علـى أن الزانـية من الـمسلـمات حرام علـى كلّ مشرك، وأن الزانـي من الـمسلـمين حرام علـيه كلّ مشركة من عَبَدة الأوثان. فمعلوم إذ كان ذلك كذلك أنه لـم يُعْنَ بـالآية أن الزانـي من الـمؤمنـين لا يعقد عقد نكاح علـى عفـيفة من الـمسلـمات ولا ينكح إلاَّ بزانـية أو مشركة. وإذ كان ذلك كذلك، فبـين أن معنى الآية: الزانـي لا يزنـي إلاَّ بزانـية لا تستـحلّ الزنا أو بـمشركة تستـحلّه.

  4. #649
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الـحسن:
    { وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَداً }
    قال: كان يقول: لا تقبل شهادة القاذف أبدا، إنـما توبته فـيـما بـينه وبـين الله. وكان شريح يقول: لا تُقبل شهادته.

    حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:
    { وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَداً }
    ، ثم قال: فَمَنْ تابَ وأصْلَـحَ فشهادته فـي كتاب الله تقبل.

    والصواب من القول فـي ذلك عندنا: أن الاستثناء من الـمعنـيـين جميعاً، أعنـي من قوله:
    { وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَداً }
    ، ومن قوله:
    { وأُولَئِكَ هُمُ الفـاسِقُونَ }
    وذلك أنه لا خلاف بـين الـجميع أن ذلك كذلك إذا لـم يحدّ فـي القذف حتـى تاب، إما بأن يرفع إلـى السلطان بعفو الـمقذوفة عنه، وإما بأن ماتت قبل الـمطالبة بحدّها ولـم يكن لها طالب يطلب بحدّها. فإذ كان ذلك كذلك وحدثت منه توبة صحت له بها العدالة.

    فإذ كان من الـجميع إجماعا، ولـم يكن الله تعالـى ذكره شرط فـي كتابه أن لا تقبل شهادته أبدا بعد الـحدّ فـي رميه، بل نهى عن قبول شهادته فـي الـحال التـي أوجب علـيه فـيها الـحدّ وسماه فـيها فـاسقا، كان معلوما بذلك أنّ إقامة الـحدّ علـيه فـي رميه، لا تـحدث فـي شهادته مع التوبة من ذنبه، ما لـم يكن حادثا فـيها قبل إقامته علـيه، بل توبته بعد إقامة الـحدّ علـيه من ذنبه أحرى أن تكون شهادته معها أجوز منها قبل إقامته علـيه لأن الـحدّ يزيد الـمـحدود علـيه تطهيرا من جُرمه الذي استـحقّ علـيه الـحدّ.

    فإن قال قائل: فهل يجوز أن يكون الاستثناء من قوله:
    { فـاجْلِدُوهُمْ ثَمانِـينَ جَلْدَةً }
    فتكون التوبة مُسقطة عنه الـحدّ، كما كانت لشهادته عندك قبل الـحدّ وبعده مـجيزة ولاسم الفسق عنه مزيـلة؟ قـيـل: ذلك غير جائز عندنا وذلك أن الـحدّ حقّ عندنا للـمقذوفة كالقصاص الذي يجب لها من جناية يجنـيها علـيها مـما فـيه القصاص.
    ....

    واختلف أهل العلـم فـي صفة توبة القاذف التـي تقبل معها شهادته، فقال بعضهم: هو إكذابه نفسه فـيه. وقد ذكرنا بعض قائلـي ذلك فـيـما مضى قبل، ونـحن نذكر بعض ما حضرنا ذكره مـما لـم نذكره قبل.

    حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا حفص، عن لـيث، عن طاوس، قال: توبة القاذف أن يكذّب نفسه.

    حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا حصين، قال: رأيت رجلاً ضُرب حدًّا فـي قذف بـالـمدينة، فلـما فرغ من ضربه تناول ثوبه، ثم قال: أستغفر الله وأتوب إلـيه من قذف الـمـحصنات قال: فلقـيت أبـا الزناد، فذكرت ذلك له، قال: فقال: إن الأمر عندنا هاهنا أنه إذا قال ذلك حين يفرغ من ضربه ولـم نعلـم منه إلاَّ خيراً قُبلت شهادته.

    حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: { وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَدا وأُولَئِكَ هُمُ الفَـاسِقُونَ إلاَّ الَّذِينَ تابُوا... }. الآية، قال: من اعترف وأقرّ علـى نفسه علانـية أنه قال البهتان وتاب إلـى الله توبة نصوحا والنصوح: أن لايعودوا، وإقراره واعترافه عند الـحدّ حين يؤخذ بـالـجلد فقد تاب والله غفور رحيـم.

    وقال آخرون: توبته من ذلك صلاح حاله وندمه علـى ما فرط منه من ذلك والاستغفـار منه وتركه العود فـي مثل ذلك من الـجُرم. وذلك قول جماعة من التابعين وغيرهم، وقد ذكرنا بعض قائلـيه فـيـما مضى، وهو قول مالك بن أنس.

    وهذا القول أولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب لأن الله تعالـى ذكره جعل توبة كل ذي ذنب من أهل الإيـمان تركه العود منه، والندم علـى ما سلف منه، واستغفـار ربه منه، فـيـما كان من ذنب بـين العبد وبـينه دون ما كان من حقوق عبـاده ومظالـمهم بـينهم. والقاذف إذا أُقـيـم علـيه فـيه الـحدّ أو عُفـي عنه فلـم يبق علـيه إلاَّ توبته من جرمه بـينه وبـين ربه، فسبـيـل توبته منه سبـيـل توبته من سائر أجرامه. فإذا كان الصحيح فـي ذلك من القول ما وصفنا، فتأويـل الكلام: وأولئك هم الفـاسقون، إلاَّ الذين تابوا من جُرمهم الذي اجترموه بقذفهم الـمـحصنات من بعد اجترامهموه، { فإنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيـمٌ } يقول: ساتر علـى ذنوبهم بعفوه لهم عنها، رحيـم بهم بعد التوبة أن يعذّبهم علـيها، فـاقبلوا شهادتهم ولا تسموهم فَسَقة، بل سموهم بأسمائهم التـي هي لهم فـي حال توبتهم.

  5. #650
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب: قول من قال: الذي تولـى كِبْره من عصبة الإفك، كان عبد الله بن أبـيّ، وذلك أنه لا خلاف بـين أهل العلـم بـالسير، أن الذي بدأ بذكر الإفك، وكان يجمع أهله ويحدثهم، عبدُ الله بن أُبـيّ ابن سَلُول، وفعله ذلك علـى ما وصفت كان تولـيه كِبْر ذلك الأمر....

  6. #651
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    ويعنـي بقوله: { تَلَقَّوْنَهُ } تتلقون الإفك الذي جاءت به العصبة من أهل الإفك، فتقبلونه، ويرويه بعضكم عن بعض يقال: تلقـيَّت هذا الكلام عن فلان، بـمعنى أخذته منه وقـيـل ذلك لأن الرجل منهم فـيـما ذُكر يَـلْقـى آخر فـيقول: أَوَ مَا بلغك كذا وكذا عن عائشة؟ لـيُشِيع علـيها بذلك الفـاحشة. وذكر أنها فـي قراءة أُبـيّ: «إذْ تَتَلقَّوْنَهُ» بتاءين، وعلـيها قَرَأَهُ الأمصار، غير أنهم قرءوها: { تَلَقَّوْنَهُ } بتاء واحدة، لأنها كذلك فـي مصاحفهم. وقد رُوِي عن عائشة فـي ذلك، ما:

    حدثنـي به مـحمد بن عبد الله بن عبد الـحكَم، قال: ثنا خالد بن نزار، عن نافع، عن ابن أبـي ملـيكة، عن عائشة زوج النبـيّ صلى الله عليه وسلم، أنها كانت تقرأ هذه الآية: «إذْ تَلِقُوْنَهُ بألْسِنَتِكُمْ» تقول: إنـما هو وَلْق الكذب، وتقول: إنـما كانوا يَـلِقُون الكذب. قال ابن أبـي ملـيكة: وهي أعلـم بـما فـيها أنزلت.

    قال نافع: وسمعت بعض العرب يقول: اللَّـيْق: الكذب.

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا نافع بن عمر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الـجَمَـحِيّ، عن ابن أبـي ملـيكة، عن عائشة، أنها كانت تقرأ: «إذْ تَلِقُونَهُ بألْسِنَتُكُمْ» وهي أعلـم بذلك وفـيها أنزلت، قال ابن أبـي ملـيكة: هو من وَلْق الكذب.

    قال أبو جعفر: وكأن عائشة وَجَّهت معنى ذلك بقراءتها «تلِقُونَهُ» بكسر اللام وتـخفـيف القاف، إلـى: إذ تستـمرّون فـي كذبكم علـيها وإفككها بألسنتكم، كما يقال: وَلَق فلان فـي السير فهو يَـلِق: إذا استـمرّ فـيه وكما قال الراجز:
    إنَّ الـجُلَـيْدَ زَلِقٌ وَزُمَلِقْ جاءتْ بِهِ عَنْسٌ مِنَ الشَّأَمِ تَلِقْمُ
    جَوَّعُ البَطْنِ كِلابِـيُّ الـخُـلُقْ
    وقد رُوي عن العرب فـي الوَلْق: الكذب: الأَلْق، والإِلق: بفتـح الألف وكسرها، ويقال فـي فعلت منه: أَلِقْتُ، فأنا أَلِقُ وقال بعضهم:
    مَنْ لِـيَ بـالـمُزَرَّرِ الـيَلامِقِ صاحِبِ أدْهانٍ وألْقٍ آلِقِ
    والقراءة التـي لا أستـجيز غيرها: { إذْ تَلَقَّوْنَهُ } علـى ما ذكرت من قراءة الأمصار، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها.

    وبنـحو الذي قلنا من التأويـل فـي ذلك قال أهل التأويـل.

    ذكر من قال ذلك:

    حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد: { إذْ تَلَقَّوْنَهُ بألْسِنَتِكُمْ } قال: تَرْوُونه بعضُكم عن بعض.

    حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { إذْ تَلَقَّوْنَهُ } قال: تَرْوُونه بعضُكم عن بعض.

  7. #652
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    يقول تعالـى ذكره: ولا يحلف بـالله ذوو الفضل منكم، يعنـي ذوي التفضل والسَّعة يقول: وذوو الـجِدَة.

    واختلف القرّاء فـي قراءة قوله: { وَلا يأْتَلِ } فقرأته عامة قرّاء الأمصار: { وَلا يَأْتَلِ } بـمعنى: يفتعل من الأَلِـيَّة، وهي القسم بـالله سوى أبـي جعفر وزيد بن أسلـم، فإنه ذُكِر عنهما أنهما قرآ ذلك: «وَلا يَتأَلَّ» بـمعنى: يتفعَّل، من الأَلِـية.

    والصواب من القراءة فـي ذلك عندي قراءة من قرأ: { ولا يأَتَل } بـمعنى يفتعل من الأَلِـية وذلك أن ذلك فـي خطّ الـمصحف كذلك، والقراءة الأخرى مخالفة خطّ الـمصحف، فـاتبـاع الـمصحف مع قراءة جماعة القرّاء وصحّة الـمقروء به أولـى من خلاف ذلك كله. وإنـما عُنِـي بذلك أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه فـي حلفه بـالله لا ينفق علـى مِسْطَح،

  8. #653
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    وأولـى هذه الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية فـي شأن عائشة، والـحكم بها عامّ فـي كلّ من كان بـالصفة التـي وصفه الله بها فـيها.

    وإنـما قلنا ذلك أولـى تأويلاته بـالصواب، لأن الله عمّ بقوله: { إنَّ الَّذِينَ يَرمُونَ الـمُـحْصَناتِ الغافِلاتِ الـمُؤْمِناتِ } كلّ مـحصنة غافلة مؤمنة رماها رام بـالفـاحشة، من غير أن يحضّ بذلك بعضاً دون بعض، فكلّ رام مـحصنة بـالصفة التـي ذكر الله جلّ ثناؤه فـي هذه الآية فملعون فـي الدنـيا والآخرة وله عذاب عظيـم، إلا أن يتوب من ذنبه ذلك قبل وفـاته، فإن الله دلّ بـاستثنائه بقوله:
    { إلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلكَ وأصْلَـحُوا }
    علـى أن ذلك حكم رامي كل مـحصنة بأيّ صفة كانت الـمـحصنة الـمؤمنة الـمرمية، وعلـى أن قوله: { لُعِنُوا فـي الدُّنـيْا والآخِرَةِ، وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيـمٌ } معناه: لهم ذلك إن هلكوا ولـم يتوبوا.

  9. #654
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { الـحَقَّ } فقرأته عامة قرّاء الأمصار: { دِينَهُمُ الـحَقَّ } نصبـاً علـى النعت للدين، كأنه قال: يوفـيهم الله أعمالهم حقًّا. ثم أدخـل فـي الـحقّ الألف واللام، فنصب بـما نصب به الدين. وذُكر عن مـجاهد أنه قرأ ذلك: «يُوَفِّـيهِمُ اللّهُ دِينَهُمُ الـحَقُّ» برفع «الـحقّ» علـى أنه من نعت الله.

    حدثنا بذلك أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن جرير بن حازم، عن حميد، عن مـجاهد، أنه قرأها «الـحقُّ» بـالرفع. قال جرير: وقرأتها فـي مصحف أُبـيّ بن كعب { يُوَفِّـيهِمُ اللّهُ الـحَقُّ دِينَهُمْ }.

    والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا ما علـيه قرّاء الأمصار، وهو نصب «الـحقّ» علـى إتبـاعه إعراب «الدين» لإجماع الـحجة علـيه.

  10. #655
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    وأولـى هذه الأقوال فـي تأويـل الآية قول من قال: عَنَى بـالـخبـيثات: الـخبـيثات من القول وذلك قبـيحه وسيئه للـخبـيثـين من الرجال والنساء، والـخبـيثون من الناس للـخبـيثات من القول هم بها أولـى، لأنهم أهلها. والطيبـات من القول وذلك حسنه وجميـله للطيبـين من الناس، والطيبون من الناس للطيبـات من القول لأنهم أهلها وأحقّ بها.

    وإنـما قلنا هذا القول أولـى بتأويـل الآية، لأن الآيات قبل ذلك إنـما جاءت بتوبـيخ الله للقائلـين فـي عائشة الإفك، والرامين الـمـحصنات الغافلات الـمؤمنات، وإخبـارهم ما خَصَّهم به علـى إفكهم، فكان ختـم الـخبر عن أولـى الفريقـين بـالإفك من الرامي والـمرمي به أشبه من الـخبر عن غيرهم.

  11. #656
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال: إن الاستئناس: الاستفعال من الأنس، وهو أن يستأذن أهل البـيت فـي الدخول علـيهم، مخبراً بذلك من فـيه، وهل فـيه أحد؟ ولـيؤذنهم أنه داخـل علـيهم، فلـيأنس إلـى إذنهم له فـي ذلك، ويأنسوا إلـى استئذانه إياهم. وقد حُكِي عن العرب سماعاً: اذهب فـاستأنس، هل ترى أحداً فـي الدار؟ بـمعنى: انظر هل ترى فـيها أحداً؟

    فتأويـل الكلام إذن، إذا كان ذلك معناه: يا أيها الذين آمنوا لا تدخـلوا بـيوتاً غير بـيوتكم حتـى تسلـموا وتستأذنوا، وذلك أن يقول أحدكم: السلام علـيكم، أدخـل؟ وهو من الـمقدم الذي معناه التأخير، إنـما هو: حتـى تسلـموا وتستأذنوا، كما ذكرنا من الرواية عن ابن عبـاس.

  12. #657
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله عمّ بقوله: { لَـيْسَ عَلَـيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَدْخُـلوا بُـيُوتاً غيرَ مَسْكُونَةِ فِـيها مَتاعٌ لَكُمْ } كلَّ بـيت لا ساكن به لنا فـيه متاع ندخـله بغير إذن لأن الإذن إنـما يكون لـيؤْنَس الـمأذون علـيه قبل الدخول، أو لـيأذن للداخـل إن كان له مالكاً أو كان فـيه ساكناً. فأما إن كان لا مالك له، فـيحتاج إلـى إذنه لدخوله ولا ساكن فـيه، فـيحتاج الداخـل إلـى إيناسه والتسلـيـم علـيه، لئلا يهجُم علـى ما لا يحبّ رؤيته منه، فلا معنى للاستئذان فـيه. فإذا كان ذلك، فلا وجه لتـخصيص بعض ذلك دون بعض، فكلّ بـيت لا مالك له ولا ساكن من بـيت مبنـيّ ببعض الطرق للـمارّة والسابلة لـيأووا إلـيه، أو بـيت خراب قد بـاد أهله ولا ساكن فـيه، حيث كان ذلك، فإن لـمن أراد دخوله أن يدخـل بغير استئذان، لـمتاع له يؤويه إلـيه أو للاستـمتاع به لقضاء حقه من بول أو غائط أو غير ذلك. وأما بـيوت التـجار، فإنه لـيس لأحد دخولها إلا بإذن أربـابها وسكانها.

    فإن ظنّ ظانّ أن التاجر إذا فتـح دكانه وقعد للناس فقد أذِن لـمن أراد الدخول علـيه فـي دخوله، فإن الأمر فـي ذلك بخلاف ما ظنّ وذلك أنه لـيس لأحد دخول ملك غيره بغير ضرورة ألـجأته إلـيه أو بغير سبب أبـاح له دخوله إلا بإذن ربه، لا سيـما إذا كان فـيه متاع فإن كان التاجر قد عُرِف منه أن فتـحه حانوته إذن منه لـمن أراد دخوله فـي الدخول، فذلك بعدُ راجع إلـى ما قلنا من أنه لـم يدخـله من دخـله إلا بإذنه. وإذا كان ذلك كذلك، لـم يكن من معنى قوله: { لَـيْسَ عَلَـيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَدْخُـلُوا بُـيُوتاً غيرَ مَسْكُونَةٍ فِـيها مَتاعٌ لَكُمْ } فـي شيء، وذلك أن التـي وضع الله عنا الـجُناح فـي دخولها بغير إذن من البـيوت، هي ما لـم يكن مسكوناً، إذ حانوت التاجر لا سبـيـل إلـى دخوله إلا بإذنه وهو مع ذلك مسكون، فتبـين أنه مـما عَنَى الله من هذه الآية بـمعزل.

  13. #658
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، وعبد الأعلـى، عن سعيد، عن قَتادة، عن الـحسن، فـي قوله: { وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ ما ظَهَرَ مِنْها } قال: الوجه والثـياب.

    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب: قول من قال: عُنِـي بذلك الوجهُ والكفـان، يدخـل فـي ذلك إذا كان كذلك: الكحل، والـخاتـم، والسِّوار، والـخِضاب.

    وإنـما قلنا ذلك أولـى الأقوال فـي ذلك بـالتأويـل، لإجماع الـجميع علـى أن علـى كلّ مصلّ أن يستر عورته فـي صلاته، وأن للـمرأة أن تكشف وجهها وكفـيها فـي صلاتها، وأن علـيها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها إلا ما رُوي عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه أبـاح لها أن تبديَه من ذراعها إلـى قدر النصف. فإذ كان ذلك من جميعهم إجماعاً، كان معلوماً بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لـم يكن عورة كما ذلك للرجال لأن ما لـم يكن عورة فغير حرام إظهاره. وإذا كان لها إظهار ذلك، كان معلوماً أنه مـما استثناه الله تعالـى ذكره بقوله: { إلاَّ ما ظَهَرَ مِنْها } ، لأن كل ذلك ظاهر منها....

  14. #659
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب قول من قال: واجب علـى سيد العبد أن يكاتبه إذا علـم فـيه خيرا وسأله العبد الكتابة وذلك أن ظاهر قوله: { فَكاتِبُوهُمْ } ظاهر أمر، وأمر الله فرضٌ الانتهاء إلـيه، ما لـم يكن دلـيـلٌ من كتاب أو سنة علـى أنه ندب، لـما قد بـيَّنا من العلة فـي كتابنا الـمسمى «البـيان عن أصول الأحكام»....

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي مـحمد بن عمرو الـيافعيّ، عن ابن جُرَيج، أن عطاء بن أبـي رَبـاح، كان يقول: ما نراه إلاَّ الـمال، يعنـي قوله: { إنْ عَلِـمْتُـمْ فِـيهِمْ خَيْراً } قال: ثم تلا:
    { كُتِبَ عَلَـيْكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ الـمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْراً }


    وأولـى هذه الأقوال فـي معنى ذلك عندي قول من قال: معناه: فكاتبوهم إن علـمتـم فـيهم قوّة علـى الاحتراف والاكتساب ووفـاء بـما أوجب علـى نفسه وألزمها وصدق لهجة. وذلك أن هذه الـمعانـي هي الأسبـاب التـي بـمولـى العبد الـحاجةُ إلـيها إذا كاتب عبده مـما يكون فـي العبد فأما الـمال وإن كان من الـخير، فإنه لا يكون فـي العبد وإنـما يكون عنده أو له لا فـيه، والله إنـما أوجب علـينا مكاتبة العبد إذا علـمنا فـيه خيراً لا إذا علـمنا عنده أو له، فلذلك لـم نقل: إن الـخير فـي هذا الـموضع معنـيّ به الـمال.....

    وأولـى القولـين بـالصواب فـي ذلك عندي القول الثانـي، وهو قول من قال: عَنَى به إيتاءَهم سهمهم من الصدقة الـمفروضة.

    وإنـما قلنا ذلك أولـى القولـين لأن قوله: { وآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللّهِ الَّذِي آتاكُمْ } أمر من الله تعالـى ذكره بإيتاء الـمكاتَبِـين من ماله الذي آتـى أهل الأموال، وأمر الله فرض علـى عبـاده الانتهاءُ إلـيه، ما لـم يخبرهم أن مراده الندْب، لـما قد بـيَّنا فـي غير موضع من كتابنا. فإذ كان ذلك كذلك، ولـم يكن أخبرنا فـي كتابه ولا علـى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أنه نَدْب، ففرض واجب. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الـحجة قد قامت أن لا حقَّ لأحد فـي مال أحد غيره من الـمسلـمين إلاَّ ما أوجبه الله لأهل سُهمان الصدقة فـي أموال الأغنـياء منهم، وكانت الكتابة التـي يقتضيها سيد الـمكاتَب من مكاتَبِه مالاً من مال سيد الـمكاتَب فـيفـاد أن الـحقّ الذي أوجب الله له علـى الـمؤمنـين أن يؤتوه من أموالهم هو ما فُرِض علـى الأغنـياء فـي أموالهم له من الصدقة الـمفروضة، إذ كان لا حقّ فـي أموالهم لأحد سواها....

  15. #660
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,750
    واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة وبعض الكوفـيـين والبصريـين: «مُبَـيَّناتٍ» بفتـح الـياء: بـمعنى مفصَّلات، وأن الله فصَّلَهن وبـيَّنَهنّ لعبـاده، فهنّ مفصَّلات مبـيَّنات. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: { مُبَـيِّناتٍ } بكسر الـياء، بـمعنى أن الآيات هن تبـين الـحقّ والصواب للناس وتهديهم إلـى الـحقّ.

    والصواب من القول فـي ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، وقد قرأ بكل واحدة منهما علـماء من القرّاء، متقاربتا الـمعنى. وذلك أن الله إذ فصّلها وبـيَّنها صارت مبـيِّنة بنفسها الـحقّ لـمن التـمسه من قِبَلها، وإذا بـيَّنت ذلك لـمن التـمسه من قَبِلها فـيبـين الله ذلك فـيها. فبأيّ القراءتـين قرأ القارىء فمصيب فـي قراءته الصواب.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •