صفحة 3 من 75 الأولىالأولى 12345671353 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 31 إلى 45 من 1124

الموضوع: إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

  1. #31
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,141
    وقال آخرون بـما:

    حدثنا به موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: الكلـمات التـي ابتلـى بهنّ إبراهيـم ربه:
    { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ظ±لسَّمِيعُ ظ±لْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَظ±جْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ظ±لتَّوَّابُ ظ±لرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَظ±بْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ }


    [البقرة: 127 -129] والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن يقال: إن الله عز وجل أخبر عبـاده أنه اختبر إبراهيـم خـلـيـله بكلـمات أوحاهن إلـيه، وأمره أن يعمل بهنّ وأتـمهنّ، كما أخبر الله جل ثناؤه عنه أنه فعل. وجائز أن تكون تلك الكلـمات جميع ما ذكره من ذكرنا قوله فـي تأويـل الكلـمات، وجائز أن تكون بعضه لأن إبراهيـم صلوات الله علـيه قد كان امتُـحن فـيـما بلغنا بكل ذلك، فعمل به وقام فـيه بطاعة الله وأَمْره الواجب علـيه فـيه. وإذ كان ذلك كذلك، فغير جائز لأحد أن يقول: عنى الله بـالكلـمات التـي ابتلـي بهنّ إبراهيـم شيئاً من ذلك بعينه دون شيء، ولا عنى به كل ذلك إلا بحجة يجب التسلـيـم لها من خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إجماع من الـحجة ولـم يصحّ فـيه شيء من ذلك خبر عن الرسول بنقل الواحد، ولا بنقل الـجماعة التـي يجب التسلـيـم لـما نقلته. غير أنه روي عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي نظير معنى ذلك خبران لو ثبتا، أو أحدهما، كان القول به فـي تأويـل ذلك هو الصواب.

    أحدهما ما:

    حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا راشد بن سعد، قال: حدثنـي ريان بن فـائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبـيه، قال: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم يقول: " ألاَ أُخْبِرُكُمْ لِـمَ سَمَّى اللَّهُ إبْرَاهِيـمَ خَـلِـيـلَهُ الّذِي وَفَّـى؟ لأنّهُ كانَ يَقُولُ كُلّـما أصبَحَ وَكُلّـما أمْسَى: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُـمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ حتـى يختـم الآية "

    والآخر منهما ما:

    حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا الـحسن بن عطية. قال: ثنا إسرائيـل، عن جعفر بن الزبـير، عن القاسم، عن أبـي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    { وَإِبْرَاهِيمَ ظ±لَّذِي وَفَّىظ° }
    [النجم: 37] قال: " أتَدْرُونَ مَا وفَّـى " ؟ قالوا: الله ورسوله أعلـم، قال: " وَفَّـى عَملَ يَوْمِهِ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِـي النَّهَارِ " فلو كان خبر سهل بن معاذ عن أبـيه صحيحاً سنده. كان بـيّنا أن الكلـمات التـي ابتلـي بهنّ إبراهيـم فقام بهن هو قوله كُلّـما أصْبَحَ وأمْسَى:
    { فَسُبْحَانَ ظ±للَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ ظ±لْحَمْدُ فِي ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ }
    [الروم: 17-18]. أو كان خبر أبـي أمامة عدولاً نقلته، كان معلوماً أن الكلـمات التـي أُوحين إلـى إبراهيـم فـابتلـي بـالعمل بهنّ أن يصلـي كل يوم أربع ركعات. غير أنهما خبران فـي أسانـيدهما نظر.

    والصواب من القول فـي معنى الكلـمات التـي أخبر الله أنه ابتلـي بهنّ إبراهيـم ما بـينا آنفـاً.

    ولو قال قائل فـي ذلك: إن الذي قاله مـجاهد وأبو صالـح والربـيع بن أنس أولـى بـالصواب من القول الذي قاله غيرهم كان مذهبـا، لأن قوله: { إنِّـي جاعِلُكَ للنّاسِ إماماً } وقوله:
    { وَعَهِدْنَآ إِلَىظ° إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ }
    [البقرة: 125] وسائر الآيات التـي هي نظير ذلك كالبـيان عن الكلـمات التـي ذكر الله أنه ابتلـي بهنّ إبراهيـم.

  2. #32
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,141
    والصواب من القول والقراءة فـي ذلك عندنا: { وَاتّـخِذُوا } بكسر الـخاء، علـى تأويـل الأمر بـاتـخاذ مقام إبراهيـم مصلـى للـخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه آنفـاً، وأن عمرو بن علـيّ:

    حدثنا قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا جعفر بن مـحمد، قال: حدثنـي أبـي، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: { وَاتَّـخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيـمَ مُصَلًّـى }...

    وأولـى هذه التأويلات بـالصواب ما قاله عطاء، وهو أن العاكف فـي هذا الـموضع: الـمقـيـم فـي البـيت مـجاوراً فـيه بغير طواف ولا صلاة، لأن صفة العكوف ما وصفنا من الإقامة بـالـمكان. والـمقـيـم بـالـمكان قد يكون مقـيـماً به وهو جالس ومصلَ وطائف وقائم، وعلـى غير ذلك من الأحوال فلـما كان تعالـى ذكره قد ذكر فـي قوله: { أنْ طَهِّرَا بَـيْتِـيَ للطّائِفِـينَ والعاكِفِـينَ والركّعِ السّجُودِ } الـمصلـين والطائفـين، علـم بذلك أن الـحال التـي عنى الله تعالـى ذكره من العاكف غير حال الـمصلـي والطائف، وأن التـي عنى من أحواله هو العكوف بـالبـيت علـى سبـيـل الـحوار فـيه، وإن لـم يكن مصلـياً فـيه ولا راكعاً ولا ساجداً.

  3. #33
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,141
    والصواب من القول فـي ذلك عندنا: أن الله تعالـى ذكره جعل مكة حرماً حين خـلقها وأنشأها، كما أخبر النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه حرّمها يوم خـلق السموات والأرض بغير تـحريـم منه لها علـى لسان أحد من أنبـيائه ورسله، ولكن بـمنعه من أرادها بسوء، وبدفعه عنها من الآفـات والعقوبـات، وعن ساكنـيها ما أحلّ بغيرها وغير ساكنـيها من النقمات فلـم يزل ذلك أمرها حتـى بوأها الله إبراهيـم خـلـيـله، وأسكن بها أهله هاجر وولده إسماعيـل، فسأل حينئذٍ إبراهيـم ربه إيجاد فرض تـحريـمها علـى عبـاده علـى لسانه، لـيكون ذلك سنة لـمن بعده من خـلقه، يستنّون بها فـيها، إذ كان تعالـى ذكره قد اتـخذه خـلـيلاً، وأخبره أنه جاعله للناس إماما يقتدي به، فأجابه ربه إلـى ما سأله، وألزم عبـاده حينئذٍ فرض تـحريـمه علـى لسانه، فصارت مكة بعد أن كانت مـمنوعة بـمنع الله إياها بغير إيجاب الله فرض الامتناع منها علـى عبـاده، ومـحرّمة بدفع الله عنها بغير تـحريـمه إياها علـى لسان أحد من رسله فرض تـحريـمها علـى خـلقه علـى لسان خـلـيـله إبراهيـم علـيه السلام، وواجب علـى عبـاده الامتناع من استـحلالها، واستـحلال صيدها وعضاهها، بإيجابه الامتناع من ذلك ببلاغ إبراهيـم رسالة الله إلـيك بذلك إلـيه فلذلك أضيف تـحريـمها إلـى إبراهيـم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

    " إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكّةَ " لأن فرض تـحريـمها الذي ألزم الله عبـاده علـى وجه العبـادة له به، دون التـحريـم الذي لـم يزل متعبداً لها به علـى وجه الكِلاء والـحفظ لها قبل ذلك كان عن مسألة إبراهيـم ربه إيجاب فرض ذلك علـى لسانه، لزم العبـاد فرضه دون غيره.

    فقد تبـين إذا بـما قلنا صحة معنى الـخبرين، أعنـي خبر أبـي شريح وابن عبـاس عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكّةَ يَوْمَ خَـلَقَ الشّمْسَ وَالقَمَرَ " وخبر جابر وأبـي هريرة ورافع بن خديج وغيرهم، أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال: " اللّهُمَّ إِنَّ إبْرَاهِيـمَ حَرَّمَ مَكّةَ " وأن لـيس أحدهما دافعاً صحة معنى الآخر كما ظنه بعض الـجهال.

    وغير جائز فـي أخبـار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بعضها دافعا بعضا إذا ثبت صحتها، وقد جاء الـخبران اللذان رُويا فـي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مـجيئاً ظاهراً مستفـيضاً يقطع عذر من بلغه......

    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً }.

    اختلف أهل التأويـل فـي قائل هذا القول وفـي وجه قراءته، فقال بعضهم: قائل هذا القول ربنا تعالـى ذكره، وتأويـله علـى قولهم: { قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً } برزقـي من الثمرات فـي الدنـيا إلـى أن يأتـيه أجله. وقرأ قائل هذه الـمقالة ذلك: { فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً } بتشديد التاء ورفع العين. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: حدثنـي أبو العالـية، عن أُبـيّ بن كعب فـي قوله: { وَمَنْ كَفَرَ فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً ثُمَّ اضْطَرُّهُ إِلَـى عَذَابِ النّارِ } قال: هو قول الربّ تعالـى ذكره.

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: قال ابن إسحاق لـما قال إبراهيـم: { رَبّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِـاللَّهِ وَالـيَوْمِ الآخِرِ } وعدل الدعوة عمن أبى الله أن يجعل له الولاية، انقطاعاً إلـى الله ومـحبة وفراقاً لـمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته حين عرف أنه كان منهم ظالـم لا ينال عهده، بخبره عن ذلك حين أخبره فقال الله: { وَمَنْ كَفَرَ } فإنـي أرزق البرّ والفـاجر { فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً }.

    وقال آخرون: بل قال ذلك إبراهيـم خـلـيـل الرحمظ°ن علـى وجه الـمسألة منه ربه أن يرزق الكافر أيضا من الثمرات بـالبلد الـحرام، مثل الذي يرزق به الـمؤمن ويـمتعه بذلك قلـيلاً، ثم اضْطَرَّهُ إلـى عذاب النار بتـخفـيف «التاء» وجزم «العين» وفتـح «الراء» من اضْطَرَّه، وفصل «ثم اضطره» بغير قطع ألفها، علـى وجه الدعاء من إبراهيـم ربه لهم والـمسألة. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: قال أبو العالـية: كان ابن عبـاس يقول: ذلك قول إبراهيـم يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قلـيلاً.

    حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن لـيث، عن مـجاهد: { وَمَنْ كَفَرَ فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً } يقول: ومن كفر فأرزقه أيضا ثم اضطره إلـى عذاب النار.

    والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا والتأويـل، ما قاله أُبـيّ بن كعب وقراءته، لقـيام الـحجة بـالنقل الـمستفـيض دراية بتصويب ذلك، وشذوذ ما خالفه من القراءة. وغير جائز الاعتراض بـمن كان جائزاً علـيه فـي نقله الـخطأ والسهُو، علـى من كان ذلك غير جائز علـيه فـي نقله.

    وإذ كان ذلك كذلك، فتأويـل الآية: قال الله: يا إبراهيـم قد أجبت دعوتك، ورزقت مؤمنـي أهل هذا البلد من الثمرات وكفـارهم متاعاً لهم إلـى بلوغ آجالهم، ثم اضطرّ كفـارهم بعد ذلك إلـى النار.

    وأما قوله: { فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً } يعنـي: فأجعل ما أرزقه من ذلك فـي حياته متاعاً يتـمتع به إلـى وقت مـماته.

    وإنـما قلنا إن ذلك كذلك لأن الله تعالـى ذكره إنـما قال ذلك لإبراهيـم جوابـاً لـمسألته ما سأل من رزق الثمرات لـمؤمنـي أهل مكة، فكان معلوماً بذلك أن الـجواب إنـما هو فـيـما سأله إبراهيـم لا فـي غيره. وبـالذي قلنا فـي ذلك قال مـجاهد، وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه.

    وقال بعضهم: تأويـله: فأمتعه بـالبقاء فـي الدنـيا. وقال غيره: فأمتعه قلـيلاً فـي كفره ما أقام بـمكة، حتـى أبعث مـحمداً صلى الله عليه وسلم فـيقتله إن أقام علـى كفره أو يجلـيه عنها. وذلك وإن كان وجهاً يحتـمله الكلام فإن دلـيـل ظاهر الكلام علـى خلافه لـما وصفنا.

  4. #34
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,141
    والصواب من القول عندنا فـي ذلك أن الـمضمر من القول لإبراهيـم وإسماعيـل، وأن قواعد البـيت رفعها إبراهيـم وإسماعيـل جميعاً وذلك أن إبراهيـم وإسماعيـل إن كانا هما بنـياها ورفعاها فهو ما قلنا، وإن كان إبراهيـم تفرّد ببنائها، وكان إسماعيـل يناوله، فهما أيضاً رفعاها لأن رفعها كان بهما من أحدهما البناء من الآخر نَقْلُ الـحجارة إلـيها ومعونة وضع الأحجار مواضعها. ولا تـمتنع العرب من نسبة البناء إلـى من كان بسببه البناء ومعونته. وإنـما قلنا ما قلنا من ذلك لإجماع جميع أهل التأويـل علـى أن إسماعيـل معنـيٌّ بـالـخبر الذي أخبر الله عنه وعن أبـيه أنهما كانا يقولانه، وذلك قولهما: { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِـيـمُ } فمعلوم أن إسماعيـل لـم يكن لـيقول ذلك إلا وهو إما رجل كامل، وإما غلام قد فهم مواضع الضرّ من النفع، ولزمته فرائض الله وأحكامه. وإذا كان فـي حال بناء أبـيه، ما أمره الله ببنائه ورفعه قواعد بـيت الله كذلك، فمعلوم أنه لـم يكن تاركاً معونة أبـيه، إما علـى البناء، وإما علـى نقل الـحجارة. وأيّ ذلك كان منه فقد دخـل فـي معنى من رفع قواعد البـيت، وثبت أن القول الـمضمر خبر عنه وعن والده إبراهيـم علـيهما السلام.

    فتأويـل الكلام: { وَإِذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيـمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَـيْتِ وَإِسْمَاعِيـلُ } يقولان: ربنا تقبل منا عملنا وطاعتنا إياك وعبـادتنا لك فـي انتهائنا إلـى أمرك الذي أمرتنا به فـي بناء بـيتك الذي أمرتنا ببنائه إنك أنت السميع العلـيـم. وفـي إخبـار الله تعالـى ذكره أنهما رفعا القواعد من البـيت وهما يقولان: { رَبّنا تَقَبّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السّمِيعُ العَلِـيـمُ } دلـيـل واضح علـى أن بناءهما ذلك لـم يكن مسكناً يسكنانه ولا منزلاً ينزلانه، بل هو دلـيـل علـى أنهما بنـياه ورفعا قواعده لكل من أراد أن يعبد الله تقرّبـاً منهما إلـى الله بذلك ولذلك قالا: { رَبّنا تَقَبّلْ منّا }. ولو كانا بنـياه مسكناً لأنفسهما لـم يكن لقولهما: { تقبل منا } وجه مفهوم، لأنه كانا يكونان لو كان الأمر كذلك سائلـين أن يتقبل منهما ما لا قربة فـيه إلـيه، ولـيس موضعهما مسألة الله قبول، ما لا قربة إلـيه فـيه.

  5. #35
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,141
    وقد حدثنـي به يونس مرّة أخرى قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: { وَإنْ كَانَتْ لَكَبِـيرَةً } قال: صلاتك هظ°هنا يعنـي إلـى بـيت الـمقدس ستة عشر شهراً وانـحرافك هظ°هنا.

    وقال بعض نـحويـي البصرة: أنثت الكبـيرة لتأنـيث القبلة، وإياها عنى جل ثناؤه بقوله: { وَإنْ كانَتْ لَكَبِـيرَةً }. وقال بعض نـحويـي الكوفة: بل أنثت الكبـيرة لتأنـيث التولـية والتـحويـلة.

    فتأويـل الكلام علـى ما تأوله قائلو هذه الـمقالة: وما جعلنا تـحويـلتنا إياك عن القبلة التـي كنت علـيها وتولـيتناك عنها إلا لنعلـم من يتبع الرسول مـمن ينقلب علـى عقبـيه، وإن كانت تـحويـلتنا إياك عنها وتولـيتناك لكبـيرة إلا علـى الذين هدى الله.

    وهذا التأويـل أولـى التأويلات عندي بـالصواب، لأن القوم إنـما كبر علـيهم تـحويـل النبـيّ صلى الله عليه وسلم وجهه عن القبلة الأولـى إلـى الأخرى لا عين القبلة ولا الصلاة لأن القبلة الأولـى والصلاة قد كانت وهي غير كبـيرة علـيهم إلا أن يوجه موجِّه تأنـيث الكبـيرة إلـى القبلة، ويقول: اجتزىء بذكر القبلة من ذكر التولـية والتـحويـلة لدلالة الكلام علـى معنى ذلك، كما قد وصفنا لك فـي نظائره، فـيكون ذلك وجهاً صحيحاً ومذهبـاً مفهوماً.

  6. #36
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,141
    وقد رُوي عن ابن عبـاس وغيره أنهم قرأوا: «هو مُوَلاَّها» بـمعنى أنه موَّجه نـحوها، ويكون الكلام حينئذ غير مسمى فـاعله، ولو سمي فـاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة الله مولـيه إياها، بـمعنى موجهه إلـيها.

    وقد ذكر عن بعضهم أنه قرأ ذلك: { وَلِكُلّ وِجْهَةٍ } بترك التنوين والإضافة. وذلك لـحن، ولا تـجوز القراءة به، لأن ذلك إذا قرىء كذلك كان الـخبر غير تامّ، وكان كلاماً لا معنى له، وذلك غير جائز أن يكون من الله جل ثناؤه.

    والصواب عندنا من القراءة فـي ذلك: { وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّـيها } بـمعنى: ولكلّ وجهة وقبلة، ذلك الكلُّ مولّ وجهه نـحوها، لإجماع الـحجة من القراء علـى قراءة ذلك كذلك وتصويبها إياها، وشذوذ من خالف ذلك إلـى غيره. وما جاء به النقل مستفـيضاً فحجة، وما انفرد به من كان جائزاً علـيه السهو والـخطأ فغير جائز الاعتراض به علـى الـحجة.

  7. #37
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,141
    فقد أبـان تأويـل من ذكرنا تأويـله من أهل التأويـل قوله: { إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ } عن صحة ما قلنا فـي تأويـله وأنه استثناء علـى معنى الاستثناء الـمعروف الذي يثبت فـيهم لـما بعد حرف الاستثناء ما كان منفـياً عما قبلهم، كما أنّ قول القائل: «ما سار من الناس أحد إلا أخوك» إثبـات للأخ من السير ما هو منفـيّ عن كل أحد من الناس، فكذلك قوله: { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَـيْكُمْ حُجَّةٌ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ } نفـى عن أن يكون لأحد خصومة وجدل قِبَل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوى بـاطلة علـيه وعلـى أصحابه بسبب توجههم فـي صلاتهم قبل الكعبة، إلا الذين ظلـموا أنفسهم من قريش، فإن لهم قِبَلَهم خصومةً ودعوى بـاطلة بأن يقولوا: إنـما توجهتـم إلـينا وإلـى قبلتنا لأنا كنا أهدى منكم سبـيلاً، وأنكم كنتـم بتوجهكم نـحو بـيت الـمقدس علـى ضلال وبـاطل. وإذ كان ذلك معنى الآية بإجماع الـحجة من أهل التأويـل، فبـيّنٌ خطأ قول من زعم أن معنى قوله: { إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ }: ولا الذين ظلـموا منهم، وأن «إلا» بـمعنى الواو لأن ذلك لو كان معناه لكان النفـي الأول عن جميع الناس أن يكون لهم حجة علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فـي تـحوّلهم نـحو الكعبة بوجوههم مبـينا عن الـمعنى الـمراد، ولـم يكن فـي ذكر قوله بعد ذلك: { إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ } إلا التلبـيس الذي يتعالـى عن أن يضاف إلـيه، أو يوصف به.

    هذا مع خروج معنى الكلام إذا وجهت «إلا» إلـى معنى الواو، ومعنى العطف من كلام العرب، وذلك أنه غير موجودة إلا فـي شيء من كلامها بـمعنى الواو إلا مع استثناء سابق قد تقدمها، كقول القائل: سار القوم إلا عمراً إلا أخاك، بـمعنى: إلا عمراً وأخاك، فتكون «إلا» حينئذ مؤدّية عما تؤدّي عنه الواو لتعلق «إلا» الثانـية ب«إلاّ» الأولـى، ويجمع فـيها أيضا بـين «إلا» والواو، فـيقال: سار القوم إلا عمراً وإلا أخاك، فتـحذف إحداهما فتنوب الأخرى عنها، فـيقال: سار القوم إلا عمراً وأخاك، أو إلا عمراً إلا أخاك، لـما وصفنا قبل. وإذ كان ذلك كذلك فغير جائز لـمدّع من الناس أن يدعي أن «إلا» فـي هذا الـموضع بـمعنى الواو التـي تأتـي بـمعنى العطف. وواضح فساد قول من زعم أن معنى ذلك: إلا الذين ظلـموا منهم فإنهم لا حجة لهم فلا تـخشوهم، كقول القائل فـي كلامه: الناس كلهم لك حامدون إلا الظالـم الـمعتدي علـيك، فإن ذلك لا يعتدّ بعداوته ولا بتركه الـحمد لـموضع العداوة. وكذلك الظالـم لا حجة له، وقد سمي ظالـماً لإجماع جميع أهل التأويـل علـى تـخطئة ما ادّعى من التأويـل فـي ذلك. وكفـى شاهداً علـى خطأ مقالته إجماعهم علـى تـخطئتها. وظاهر بطلان قول من زعم أن الذين ظلـموا هظ°هنا ناس من العرب كانوا يهوداً ونصارى، فكانوا يحتـجون علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فأما سائر العرب فلـم تكن لهم حجة، وكانت حجة من يحتـجّ منكسرة لأنك تقول لـمن تريد أن تكسر علـيه حجته: إن لك علـيّ حجة، ولكنها منكسرة، وإنك لتـحتـجّ بلا حجة، وحجتك ضعيفة. ووجَّه معنى: { إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ } إلـى معنى: إلا الذين ظلـموا منهم من أهل الكتاب، فإن لهم علـيكم حجة واهية أو حجة ضعيفة. ووَهْيُ قول من قال: «إلا» فـي هذا الـموضع بـمعنى «لكن»، وضَعْفُ قول من زعم أنه ابتداء بـمعنى: إلا الذين ظلـموا منهم فلا تـخشوهم لأن تأويـل أهل التأويـل جاء فـي ذلك بأن ذلك من الله عز وجل خبر عن الذين ظلـموا منهم أنهم يحتـجون علـى النبـي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بـما قد ذكرنا، ولـم يقصد فـي ذلك إلـى الـخبر عن صفة حجتهم بـالضعف ولا بـالقوّة وإن كانت ضعيفة لأنها بـاطلة وإنـما قصد فـيه الإثبـات للذين ظلـموا ما قد نفـى عن الذين قبل حرف الاستثناء من الصفة.

  8. #38
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,141
    ف«كما» إذ كان ذلك معنى الكلام صلة لقول الله عز وجل: { وَلأُتِـمَّ نِعْمَتِـي عَلَـيْكُمْ } ولا يكون قوله: { كَمَا أرْسَلْنَا فِـيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ } متعلقاً بقوله: { فَـاذْكُرُونِـي أذْكُرْكُمْ }.

    وقد قال قوم: إن معنى ذلك: فـاذكرونـي كما أرسلنا فـيكم رسولاً منكم أذكركم. وزعموا أن ذلك من الـمقدّم الذي معناه التأخير، فأغرقوا النزع، وبعدوا من الإصابة، وحملوا الكلام علـى غير معناه الـمعروف وسوى وجهه الـمفهوم. وذلك أن الـجاري من الكلام علـى ألسن العرب الـمفهوم فـي خطابهم بـينهم إذا قال بعضهم لبعض: «كما أحسنت إلـيك يا فلان فأحسن» أن لا يشترطوا للآخر، لأن الكاف فـي «كما» شرط معناه: افعل كما فعلت، ففـي مـجيء جواب: { اذْكُرُونِـي } بعده وهو قوله: { أذْكُرْكُمْ } أوضح دلـيـل علـى أن قوله: { كَمَا أرْسَلْنَا } من صلة الفعل الذي قبله، وأن قوله: { اذْكُرُونِـي أذْكُرْكُمْ } خبر مبتدأ منقطع عن الأول، وأنه من سبب قوله: { كَمَا أرْسَلْنَا فِـيكُمْ } بـمعزل.

  9. #39
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,141
    والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالـى ذكره قد جعل الطواف بـين الصفـا والـمروة من شعائر الله، كما جعل الطواف بـالبـيت من شعائره. فأما قوله: { فَلاَ جُنَاحَ عَلَـيْهِ أنْ يَطّوَّفَ بِهِما } فجائز أن يكون قـيـل لكلا الفريقـين اللذين تـخوّف بعضهم الطواف بهما من أجل الصنـمين اللذين ذكرهما الشعبـي، وبعضهم من أجل ما كان من كراهتهم الطواف بهما فـي الـجاهلـية علـى ما روي عن عائشة. وأيّ الأمرين كان من ذلك فلـيس فـي قول الله تعالـى ذكره: { فَلاَ جُنَاحَ عَلَـيْهِ أنْ يَطّوَّفَ بِهِما } الآية، دلالة علـى أنه عنى به وضع الـحرج عمن طاف بهما، من أجل أن الطواف بهما كان غير جائز بحظر الله ذلك ثم جعل الطواف بهما رخصة لإجماع الـجميع، علـى أن الله تعالـى ذكره لـم يحظر ذلك فـي وقت، ثم رخص فـيه بقوله: { فَلاَ جُنَاحَ عَلَـيْهِ أنْ يَطّوَّفَ بِهِما }.

    وإنـما الاختلاف فـي ذلك بـين أهل العلـم علـى أوجه فرأى بعضهم أن تارك الطواف بـينهما تارك من مناسك حجه ما لا يجزيه منه غير قضائه بعينه، كما لا يجزي تارك الطواف الذي هو طواف الإفـاضة إلا قضاؤه بعينه، وقالوا: هما طوافـان أمر الله بأحدهما بـالبـيت، والآخر بـين الصفـا والـمروة.

    ورأى بعضهم أن تارك الطواف بهما يجزيه من تركه فدية، ورأوا أن حكم الطواف بهما حكم رمي بعض الـجمرات، والوقوف بـالـمشعر، وطواف الصَّدَر، وما أشبه ذلك مـما يجزي تاركه من تركه فدية ولا يـلزمه العود لقضائه بعينه.

    ورأى آخرون أن الطواف بهما تطوّع، إن فعله صاحبه كان مـحسناً، وإن تركه تارك لـم يـلزمه بتركه شيء. والله تعالـى أعلـم....

    ومعنى ذلك: ومن تطوّع بـالـحجّ والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة علـيه، فإن الله شاكر له علـى تطوّعه له بـما تطوّع به من ذلك ابتغاء وجهه فمـجازيه به، علـيـم بـما قصد وأراد بتطوّعه بـما تطوّع به.

    وإنـما قلنا إن الصواب فـي معنى قوله: } فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً } هو ما وصفنا دون قول من زعم أنه معنـيّ به: فمن تطوّع بـالسعي والطواف بـين الصفـا والـمروة لأن الساعي بـينهما لا يكون متطوّعاً بـالسعي بـينهما إلا فـي حجّ تطوّع أو عمرة تطوّع لـما وصفنا قبل وإذ كان ذلك كذلك كان معلوماً أنه إنـما عنى بـالتطوّع بذلك التطوّع بـما يعمل ذلك فـيه من حجّ أو عمرة.

    وأما الذين زعموا أن الطواف بهما تطوّع لا واجب، فإن الصواب أن يكون تأويـل ذلك علـى قولهم: فمن تطوّع بـالطواف بهما فإن الله شاكر لأن للـحاجّ والـمعتـمر علـى قولهم الطواف بهما إن شاء وترك الطواف، فـيكون معنى الكلام علـى تأويـلهم: فمن تطوّع بـالطواف بـالصفـا والـمروة، فإن الله شاكر تطوّعه ذلك، علـيـم بـما أراد ونوى الطائف بهما

  10. #40
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,141
    حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك فـي قوله: { أُولَئِكَ يَـلْعَنُهُمُ اللَّه ويَـلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ } قال: الكافر إذا وضع فـي حفرته ضرب ضربة بـمطرق فـيصيح صيحة يسمع صوته كل شيء إلا الثقلـين الـجنّ والإنس فلا يسمع صيحته شيء إلا لعنه.

    وأولـى هذه الأقوال بـالصحة عندنا قول من قال: اللاعنون: الـملائكة والـمؤمنون لأن الله تعالـى ذكره قد وصف الكفـار بأن اللعنة التـي تـحلّ بهم إنـما هي من الله والـملائكة والناس أجمعين، فقال تعالـى ذكره:
    { إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ظ±للَّهِ وَظ±لْمَلاغ¤ئِكَةِ وَظ±لنَّاسِ أَجْمَعِينَ }
    [البقرة: 161]. فكذلك اللعنة التـي أخبر الله تعالـى ذكره أنها حالة بـالفريق الآخر الذين يكتـمون ما أنزل الله من البـينات والهدى من بعد ما بـيناه للناس، هي لعنة الله التـي أخبر أن لعنتهم حالة بـالذين كفروا وماتوا وهم كفـار، وهم اللاعنون، لأن الفريقـين جميعاً أهل كفر.

    وأما قول من قال: إن اللاعنـين هم الـخنافس والعقارب وما أشبه ذلك من دبـيب الأرض وهوامِّها، فإنه قول لا تدرك حقـيقته إلا بخبر عن الله أن ذلك من فعلها تقوم به الـحجة، ولا خبر بذلك عن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، فـيجوز أن يقال إن ذلك كذلك.

    وإذ كان ذلك كذلك، فـالصواب من القول فـيـما قالوه أن يقال: إن الدلـيـل من ظاهر كتاب الله موجود بخلاف أهل التأويـل، وهو ما وصفنا. فإن كان جائزاً أن تكون البهائم وسائر خـلق الله تلعن الذين يكتـمون ما أنزل الله فـي كتابه من صفة مـحمد صلى الله عليه وسلم ونعته ونبوّته، بعد علـمهم به، وتلعن معهم جميع الظلـمة، فغير جائز قطع الشهادة فـي أن الله عنى بـاللاعنـين البهائم والهوامّ ودبـيب الأرض، إلا بخبر للعذر قاطع، ولا خبر بذلك وظاهر كتاب الله الذي ذكرناه دالّ علـى خلافه.

  11. #41
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,141
    حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وأصْلَـحُوا وَبَـيَّنُوا } قال: بـينوا ما فـي كتاب الله للـمؤمنـين، وما سألوهم عنه من أمر النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وهذا كله فـي يهود.

    وقد زعم بعضهم أن معنى قوله: { وَبَـيَّنُوا } إنـما هو: وبـينوا التوبة بإخلاص العمل.

    ودلـيـل ظاهر الكتاب والتنزيـل بخلافه، لأن القوم إنـما عوتبوا قبل هذه الآية علـى كتـمانهم ما أنزل الله تعالـى ذكره وبـينه فـي كتابه فـي أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم ودينه. ثم استثنى منهم تعالـى ذكره الذين يبـينون أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم ودينه فـيتوبون مـما كانوا علـيه من الـجحود والكتـمان، فأخرجهم من عذاب من يـلعنه الله ويـلعنه اللاعنون. ولـم يكن العتاب علـى تركهم تبـيـين التوبة بإخلاص العمل. والذين استثنى الله من الذين يكتـمون ما أنزل الله من البـينات والهدى من بعد ما بـينه للناس فـي الكتاب: عبد الله بن سلام وذووه من أهل الكتاب الذين أسلـموا فحسن إسلامهم واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

  12. #42
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,141
    حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: { وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ } يعنـي بـالناس أجمعين: الـمؤمنـين.

    وقال آخرون: بل ذلك يوم القـيامة يوقـف علـى رؤوس الأشهاد الكافر فـيـلعنه الناس كلهم. ذكر من قال ذلك:

    حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: أن الكافر يوقـف يوم القـيامة فـيـلعنه الله، ثم تلعنه الـملائكة، ثم يـلعنه الناس أجمعون.

    وقال آخرون: بل ذلك قول القائل كائنا من كان: لعن الله الظالـم، فـيـلـحق ذلك كل كافر لأنه من الظلـمة. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي قوله: { أُولَئِكَ عَلَـيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالـمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ } فإنه لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران فـيقول أحدهما: لعن الله الظالـم إلا وجبت تلك اللعنة علـى الكافر لأنه ظالـم، فكل أحد من الـخـلق يـلعنه.

    وأولـى هذه الأقوال بـالصواب عندنا قول من قال: عنى الله بذلك جميع الناس بـمعنى لعنهم إياهم بقولهم: لعن الله الظالـم أو الظالـمين، فإن كل أحد من بنـي آدم لا يـمنع من قـيـل ذلك كائنا من كان، ومن أيّ أهل ملة كان، فـيدخـل بذلك فـي لعنته كل كافر كائنا ًمن كان. وذلك بـمعنى ما قاله أبو العالـية، لأن الله تعالـى ذكره أخبر عمن شهدهم يوم القـيامة أنهم يـلعنونهم، فقال:
    { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ظ±فْتَرَىظ° عَلَى ظ±للَّهِ كَذِباً أُوْلَـظ°ئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىظ° رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ظ±لأَشْهَادُ هَـظ°ؤُلاغ¤ءِ ظ±لَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىظ° رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ ظ±للَّهِ عَلَى ظ±لظَّالِمِينَ }
    [هود: 18]

    . وأما ما قاله قتادة من أنه عنى به بعض الناس، فقول ظاهر التنزيـل بخلافه، ولا برهان علـى حقـيقته من خبر ولا نظر. فإن كان ظنّ أن الـمعنـيّ به الـمؤمنون من أجل أن الكفـار لا يـلعنون أنفسهم ولا أولـياءهم، فإن الله تعالـى ذكره قد أخبر أنهم يـلعنونهم فـي الآخرة، ومعلوم منهم أنهم يـلعنون الظلـمة، وداخـل فـي الظلـمة كل كافر بظلـمه نفسه، وجحوده نعمة ربه، ومخالفته أمره.

  13. #43
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,141
    قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندنا فـي ذلك: { وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَـمُوا } بـالتاء من «ترى» { إِذْ يَرَوْنَ العَذَابَ أن القُوَةَ للّهِ جَميعاً وأنَّ اللَّه شَدِيدُ العَذَابِ } بـمعنى لرأيت أن القوة للّه جميعاً وأن الله شديد العذاب، فـيكون قوله «لرأيت» الثانـية مـحذوفة مستغنى بدلالة قوله: «ولو ترى الذين ظلـموا» عن ذكره، وإن كان جوابـاً للو ويكون الكلام وإن كان مخرجه مخرج الـخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم معنـيا به غيره، لأن النبـيّ صلى الله عليه وسلم كان لا شك عالـماً بأن القوّة لله جميعاً وأن الله شديد العذاب، ويكون ذلك نظير قوله:
    { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ظ±للَّهَ لَهُ مُلْكُ ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضِ }
    [البقرة: 107] وقد بـيناه فـي موضعه.

    وإنـما اخترنا ذلك علـى قراءة الـياء لأن القوم إذا رأوا العذاب قد أيقنوا أن القوّة لله جميعاً، وأن الله شديد العذاب، فلا وجه أن يقال: لو يرون أن القوّة لله جميعاً حينئذ، لأنه إنـما يقال: «لو رأيت» لـمن لـم ير، فأما من قد رآه فلا معنى لأن يقال له: «لو رأيت».

  14. #44
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,141
    وقال آخرون بـما:

    حدثنـي به موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: { إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا } أما الذين اتبعوا فهم الشياطين تبرّءوا من الإنس.

    قال أبو جعفر: والصواب من القول عندي فـي ذلك أن الله تعالـى ذكره أخبر أن الـمتّبعينَ علـى الشرك بـالله يتبرّءون من أتبـاعهم حين يعاينون عذاب الله ولـم يخصص بذلك منهم بعضاً دون بعض، بل عمّ جميعهم، فداخـل فـي ذلك كل متبوع علـى الكفر بـالله والضلال أنه يتبرأ من أتبـاعه الذين كانوا يتبعونه علـى الضلال فـي الدنـيا إذا عاينوا عذاب الله فـي الآخرة.

    وأما دلالة الآية فـيـمن عنى بقوله: { إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِين اتَّبَعُوا } فإنها إنـما تدلّ علـى أن الأنداد الذين اتـخذهم من دون الله مَن وصف تعالـى ذكره صفته بقوله: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّـخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أنْدَاداً } هم الذين يتبرّءون من أتبـاعهم. وإذا كانت الآية علـى ذلك دالة صحّ التأويـل الذي تأوّله السدي فـي قوله: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّـخِذُ مِنْ دُون اللَّهِ أنْدَاداً } أن الأنداد فـي هذا الـموضع إنـما أريد بها الأندار من الرجال الذين يطيعونهم فيما أمروهم به من أمر، ويعصون الله فـي طاعتهم إياهم، كما يطيع الله الـمؤمنون ويعصون غيره، وفسد تأويـل قول من قال: { إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا } إنهم الشياطين تبرّءوا من أولـيائهم من الإنس لأن هذه الآية إنـما هي فـي سياق الـخبر عن متـخذي الأنداد.

  15. #45
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,141
    فقال بعضهم: معنى ذلك: كذلك يريهم الله أعمالهم التـي فرضها علـيهم فـي الدنـيا فضيعوها ولـم يعملوا بها حتـى استوجب ما كان الله أعدَّ لهم لو كانوا عملوا بها فـي حياتهم من الـمساكن والنعم غيرُهم بطاعته ربَّه فصار ما فـاتهم من الثواب الذي كان الله أعدّه لهم عنده لو كانوا أطاعوه فـي الدنـيا إذْ عاينوه عند دخول النار أو قبل ذلك أسى وندامة وحسرة علـيهم. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: { كَذَلِكَ يُريهِمُ اللّهُ أعْمالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَـيْهِمْ } زعم أنه يرفع لهم الـجنة فـينظرون إلـيها وإلـى بـيوتهم فـيها لو أنهم أطاعوا الله، فـيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتـم الله ثم تقسم بـين الـمؤمنـين، فـيرثونهم، فذلك حين يندمون.

    حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفـيان عن سلـمة بن كهيـل، قال: ثنا أبو الزعراء، عن عبد الله فـي قصة ذكرها فقال: فلـيس نفس إلا وهي تنظر إلـى بـيت فـي الـجنة وبـيت فـي النار، وهو يوم الـحسرة. قال: فـيرى أهل النار الذين فـي الـجنة، فـيقال لهم: لو عملتـم فتأخذهم الـحسرة. قال: فـيرى أهل الـجنة البـيت الذي فـي النار، فـيقال: لولا أن منَّ الله علـيكم

    فإن قال قائل: وكيف يكون مضافـاً إلـيهم من العمل ما لـم يعملوه علـى هذا التأويـل؟ قـيـل: كما يعرض علـى الرجل العمل فـيقال له قبل أن يعمله: هذا عملك، يعنـي هذا الذي يجب علـيك أن تعمله، كما يقال للرجل يحضر غداؤه قبل أن يتغدى به: هذا غداؤك الـيوم، يعنـي به: هذا ما تتغدى به الـيوم، فكذلك قوله: { كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أعمْالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَـيْهِمْ } يعنـي: كذلك يريهم الله أعمالهم التـي كان لازما لهم العمل بها فـي الدنـيا حسرات علـيهم.

    وقال آخرون: كذلك يريهم الله أعمالهم السيئة حسرات علـيهم: لـم عملوها، وهلا عملوا بغيرها مـما يرضى الله تعالـى ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: { كَذَلِكَ يُريهِمُ اللّهُ أعمْالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَـيْهِمْ } فصارت أعمالهم الـخبـيثة حسرة علـيهم يوم القـيامة.

    حدثنـي يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { أعْمالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَـيْهِمْ } قال: أو لـيس أعمالهم الـخبـيثة التـي أدخـلهم الله بها النار حسرات علـيهم؟ قال: وجعل أعمال أهل الـجنة لهم، وقرأ قول الله:
    { بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ظ±لأَيَّامِ ظ±لْخَالِيَةِ }
    [الحاقة: 24]. قال أبو جعفر: وأولـى التأويـلـين بـالآية تأويـل من قال: معنى قوله: { كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أعْمالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَـيْهِمْ } كذلك يرى الله الكافرين أعمالهم الـخبـيثة حسرات علـيهم لـم عملوا بها، وهلا عملوا بغيرها فندموا علـى ما فرط منهم من أعمالهم الرديئة إذْ رأوا جزاءها من الله وعقابها؟ لأن الله أخبر أنه يريهم أعمالهم ندما علـيهم.

    فـالذي هو أولـى بتأويـل الآية ما دل علـيه الظاهر دون ما احتـمله البـاطن الذي لا دلالة علـى أنه الـمعنـيّ بها. والذي قال السدي فـي ذلك وإن كان مذهبـا تـحتـمله الآية، فإنه منزع بعيد، ولا أثر بأن ذلك كما ذكر تقوم به حجة فـيسلـم لها، ولا دلالة فـي ظاهر الآية أنه الـمراد بها. فإذا كان الأمر كذلك لـم يُحَلْ ظاهر التنزيـل إلـى بـاطن تأويـل

صفحة 3 من 75 الأولىالأولى 12345671353 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •