صفحة 22 من 75 الأولىالأولى ... 121819202122232425263272 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 316 إلى 330 من 1124

الموضوع: إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

  1. #316
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,562
    والنشر بفتح النون وسكون الشين في كلام العرب من الرياح الطيبة اللينة الهبوب التي تنشىء السحاب، وكذلك كلّ ريح طيبة عندهم فهي نشر ومنه قول امرىء القيس:
    كأنَّ المُدَامَ وَصَوْبَ الغَمامِ ورِيحَ الخُزَامَى وَنَشْرَ القُطُرْ
    وبهذه القراءة قرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين خلا عاصم بن أبي النجود، فإنه كان يقرؤه: { بُشْراً } على اختلاف عنه فيه، فروى ذلك بعضهم عنه: { بُشْراً } بالباء وضمها وسكون الشين، وبعضهم بالباء وضمها وضمّ الشين، وكان يتأوّل في قراءته ذلك كذلك قوله: وَمِنْ آياتِه أن يُرْسِلَ الرّياحَ مُبَشِّراتٍ: تبشر بالمطر، وأنه جمع بشير بُشُراً، كما يجمع النذير نُذُراً. وأما قرّاء المدينة وعامة المكيين والبصريين، فإنهم قرأوا ذلك: «وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرّيَاحَ نُشْراً» بضم النون والشين، بمعنى جمع نشور جمع نشرا، كما يجمع الصبور صُبُرا، والشكور شُكُرا. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: معناها إذا قرئت كذلك أنها الريح التي تهبّ من كلّ ناحية وتجيء من كلّ وجه. وكان بعضهم يقول: إذا قرئت بضمّ النون فينبغي أن تسكن شينها، لأن ذلك لغة بمعنى النشر بالفتح وقال: العرب تضمّ النون من النشر أحياناً، وتفتح أحياناً بمعنى واحد. قال: فاختلاف القرّاء في ذلك على قدر اختلافها في لغتها فيه. وكان يقول: هو نظير الخَسف والخُسف بفتح الخاء وضمها.

    والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن قراءة من قرأ ذلك «نَشْراً» وَ «نُشُراً» بفتح النون وسكون الشين وبضمّ النون والشين قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصار، فلا أحبّ القراءة بها، وإن كان لها معنى صحيح ووجه مفهوم في المعنى والإِعراب لما ذكرنا من العلة وأما قوله بين يدي رحمته فإنه يقول قدام رحمته وأمامها والعرب كذلك تقول لكل شيء حدث قدام شيء وأمامه جاء بين يديه لأن ذلك من كلامهم جرى في إخبارهم عن بني آدم وكثر استعماله فيهم حتى قالوا ذلك في غير ابن آدم وما لايد له والرحمة التي ذكرها جلّ ثناؤه في هذا الموضع المطر.

    فمعنى الكلام إذن: والله الذي يرسل الرياح ليناً هبوبها، طيباً نسيمها، أمام غيثه الذي يسوقه بها إلى خلقه، فينشىء بها سحاباً ثقالاً، حتى إذا أقلّتها، والإقلال بها: حملها، كما يقال: استقلّ البعير بحمله وأقلّه: إذا حمله فقام به. ساقه الله لإحياء بلد ميت قد تعفت مزارعه ودرست مشاربه وأجدب أهله، فأنزل به المطر وأخرج به من كلّ الثمرات....

  2. #317
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,562
    حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: { بِـمَا كَذّبوا مِنْ قَبْلُ } قال: كقوله:
    { وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِـمَا نُهُوا عَنْهُ }


    قال أبو جعفر: وأشبه هذه الأقوال بتأويـل الآية وأولاها بـالصواب، القول الذي ذكرناه عن أبـيّ بن كعب والربـيع، وذلك أن من سبق فـي علـم الله تبـارك وتعالـى أنه لا يؤمن به، فلن يؤمن أبداً، وقد كان سبق فـي علـم الله تعالـى لـمن هلك من الأمـم التـي قصّ نبأهم فـي هذه السورة أنه لا يؤمن أبداً، فأخبر جلّ ثناؤه عنهم، أنهم لـم يكونوا لـيؤمنوا بـما هم به مكذّبون فـي سابق علـمه قبل مـجيء الرسل وعند مـجيئهم إلـيهم. ولو قـيـل تأويـله: فما كان هؤلاء الذين ورثوا الأرض يا مـحمد من مشركي قومك من بعد أهلها الذين كانوا بها من عاد وثمود، لـيؤمنوا بـما كذّب به الذين ورثوها عنهم من توحيد الله ووعده ووعيده، كان وجهاً ومذهبـاً، غير أني لا أعلـم قائلاً قاله مـمن يعتـمد علـى علـمه بتأويـل القرآن. وأما الذي قاله مـجاهد من أن معناه: لو ردّوا ما كانوا لـيؤمنوا، فتأويـل لا دلالة علـيه من ظاهر التنزيـل، ولا من خبر عن الرسول صحيح. وإذا كان ذلك كذلك، فأولـى منه بـالصواب ما كان علـيه من ظاهر التنزيـل دلـيـل.

  3. #318
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,562
    اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { حَقِـيقٌ عَلـى أن لا أقُولَ علـى اللَّهِ إلاَّ الـحَقَّ } فقرأه جماعة من قرّاء الـمكيـين والـمدنـيـين والبصرة والكوفة: { حَقِـيقٌ علـى أن لا أقُولَ } بإرسال الـياء من «علـى» وترك تشديدها، بـمعنى: أنا حقـيق بأن لا أقول علـى الله إلا الـحقّ، فوجهوا معنى علـى إلـى معنى البـاء، كما يقال: رميت بـالقوس وعلـى القوس، وجئت علـى حال حسنة، وبحال حسنة. وكان بعض أهل العلـم بكلام العرب يقول: إذا قرىء ذلك كذلك، فمعناه: حريص علـى أن لا أقول إلا بحقّ. وقرأ ذلك جماعة من أهل الـمدينة: «حَقِـيقٌ عَلـىَّ أنْ لا أقُولَ» بـمعنى: واجب علـيّ أن لا أقول، وحُقّ علـيّ أن لا أقول.

    قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا الـمعنى، قد قرأ بكلّ واحدة منهما أئمة من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب فـي قراءته الصواب.

  4. #319
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,562
    وفـي قوله: { وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ } وجهان من التأويـل: أحدهما أتذر موسى وقومه لـيفسدوا فـي الأرض وقد تركك وترك عبـادتك وعبـادة آلهتك؟ وإذا وجه الكلام إلـى هذا الوجه من التأويـل كان النصب فـي قوله: { وَيَذَرَكَ } علـى الصرف، لا علـى العطف به علـى قوله «لـيفسدوا». والثانـي: أتذر موسى وقومه لـيفسدوا فـي الأرض ولـيذرك وآلهتك كالتوبـيخ منهم لفرعون علـى ترك موسى لـيفعل هذين الفعلـين. وإذا وجه الكلام إلـى هذا الوجه كان نصب: { وَيَذَرَكَ } علـى العطف علـى { لـيُفْسِدُوا }.

    والوجه الأوّل أولـى الوجهين بـالصواب، وهو أن يكون نصب: وَيَذَرَكَ علـى الصرف، لأن التأويـل من أهل التأويـل به جاء.

    وبعد، فإن فـي قراءة أُبـيّ بن كعب الذي:

    حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج عن هارون، قال: فـي حرف أبـيّ بن كعب: وقد تركوك أن يعبدوك وآلهتك.

    دلالة واضحة علـى أن نصب ذلك علـى الصرف.

    وقد روى عن الـحسن البصريّ أنه كان يقرأ ذلك: { وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ } عطفـاً بقوله: { وَيَذَرَكَ } علـى قوله: { أتَذَرُ مُوسَى } كأنه وجَّه تأويـله إلـى: أتذرُ موسى وقومه ويذرك وآلهتك لـيفسدوا فـي الأرض؟ وقد تـحتـمل قراءة الـحسن هذه أن يكون معناها: أتذرُ موسى وقومه لـيفسدوا فـي الأرض وهو يذرُك وآلهتك؟ فـيكون «يذرُك» مرفوعا علـى ابتداء الكلام.

    وأما قوله: { وآلِهَتَكَ } فإن قرّاء الأمصار علـى فتـح الألف منها ومدّها، بـمعنى: وقد ترك موسى عبـادتك وعبـادة آلهتك التـي تعبدها. وقد ذكر عن ابن عبـاس أنه كان له بقرةٌ يعبدوها. وقد رُوى عن ابن عبـاس ومـجاهد أنهما كانا يقرآنها: «وَيَذَرَكَ وإلا هَتَكَ» بكسر الألف، بـمعنى: ويذرك وعبُودتك.

    والقراءة التـي لا نرى القراءة بغيرها، هي القراءة التـي علـيها قرّاء الأمصار لإجماع الـحجة من القراء علـيها.

    ذكر من قال: كان فرعون يعبُد آلهة علـى قراءة من قرأ: { وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ }:

    حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ } وآلهته فـيـما زعم ابن عبـاس، كانت البقرة كانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها، فلذلك أخرج لهم عجلاً بقرة.

  5. #320
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,562
    وكان بعض نـحويِّـي الكوفـيـين يقول: الطوفـان مصدر مثل الرُّجْحان والنُّقْصان لا يجمع. وكان بعض نـحويـي البصرة يقول: هو جمع، واحدها فـي القـياس: الطوفـانة.

    والصواب من القول فـي ذلك عندي، ما قاله ابن عبـاس علـى ما رواه] عنه أبو ظَبْـيان أنه أمر من الله طاف بهم، وأنه مصدر من قول القائل: طاف بهم أمر الله يطوف طوفـاناً، كما يقال: نقص هذا الشيء ينقص نُقْصانا. وإذا كان ذلك كذلك، جاز أن يكون الذي طاف بهم الـمطر الشديد، وجاز أن يكون الـموت الذريع. ومن الدلالة علـى أن الـمطر الشديد قد يسمى طوفـانا قول الـحسن بن عرفطة:
    غَيِّرَ الـجِدَّةَ مِنْ آياتِهَا خُرُقُ الرّيحِ وَطُوفـانُ الـمَطَرْ
    ويروى: «خُرُق الريح بطوفـان الـمطر» وقول الراعي:
    تُضْحِي إذا العِيسُ أدْرَكنا نَكائِثَها خَرْقاءَ يعْتادُها الطوفـانُ والزُّؤُدُ

    ...

  6. #321
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,562
    حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وَلـمَّا وَقَعَ عَلَـيْهِمُ الرّجْزُ } قال: الرجز: العذاب الذي سلَّطه الله علـيهم من الـجراد والقُمَّل وغير ذلك، وكلّ ذلك يعاهدونه ثم ينكثون.

    وقد بـيَّنا معنى الرّجز فـيـما مضى من كتابنا هذا بشواهده الـمغنـية عن إعادتها.

    وأولـى القولـين بـالصواب فـي هذا الـموضع أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أخبر عن فرعون وقومه أنهم لـما وقع علـيهم الرجز، وهو العذاب والسخط من الله علـيهم، فزعوا إلـى موسى بـمسألته ربه كشف ذلك عنهم وجائز أن يكون ذلك الرجز كان الطوفـان والـجراد والقمل والضفـادع والدم، لأن كل ذلك كان عذابـا علـيهم، وجائز أن يكون ذلك الرجز كان طاعوناً

    ولـم يخبرنا الله أيّ ذلك كان، ولا صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيّ ذلك كان خبر فنسلـم له.

    فـالصواب أن نقول فـيه كما قال جلّ ثناؤه: { وَلـمَّا وَقَعَ عَلَـيْهِمُ الرّجْزُ } ولا نتعدّاه إلاَّ بـالبـيان الذي لا تـمانع فـيه بـين أهل التأويـل، وهو لـما حلّ بهم عذاب الله وسخطه، { قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بـمَا عَهِدَ عِنْدَكَ } يقول: بـما أوصاك وأمرك به، وقد بـينا معنى العهد فـيـما مضى { لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرّجْزَ } يقول: لئن رفعت عنا العذاب الذي نـحن فـيه، { لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ } يقول: لنصدقنّ بـما جئت به ودعوت إلـيه ولنقرّنّ به لك، { ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِـي إسْرَائِيـلَ } يقول: ولنـخـلـينّ معك بنـي إسرائيـل فلا نـمنعهم أن يذهبوا حيث شاءوا.

  7. #322
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,562
    حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: { مَشارِقَ الأرْضِ وَمَغارِبَها التـي بـاركْنا فـيها } قال: التـي بـارك فَـيها: الشأم.

    وكان بعض أهل العربـية يزعم أن مشارق الأرض ومغاربها نصب علـى الـمـحلّ، يعنـي: وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون فـي مشارق الأرض ومغاربها، وأن قوله: { وأوْرَثنا } إنـما وقع علـى قوله: { التـي بـاركْنا فِـيها } وذلك قول لا معنى له، لأن بنـي إسرائيـل لـم يكن يستضعفهم أيام فرعون غير فرعون وقومه، ولـم يكن له سلطان إلاَّ بـمصر، فغير جائز والأمر كذلك أن يقال: الذين يستضعفون فـي مشارق الأرض ومغاربها.

    فإن قال قائل: فإن معناه: فـي مشارق أرض مصر ومغاربها فإن ذلك بعيد من الـمفهوم فـي الـخطاب: مع خروجه عن أقوال أهل التأويـل والعلـماء بـالتفسير...

  8. #323
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,562
    وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب عندي قراءة من قرأ: «جعله دكاء» بـالـمدّ، وترك الـجرّ لدلالة الـخبر الذي رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى صحته وذلك أنه رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «فَساخَ الـجَبَلُ» ولـم يقل: فتفتَّت، ولا تـحوّل ترابـاً. ولا شكّ أنه إذا ساخ فذهب ظهر وجه الأرض، فصار بـمنزلة الناقة التـي قد ذهب سنامها، وصارت دكاء بلا سنام. وأما إذا دكّ بعضه فإنـما يكسر بعضه بعضاً ويتفتَّت ولا يسوخ. وأما الدكاء فإنها خَـلَفٌ من الأرض، فلذلك أُنثت علـى ما قد بـينت. فمعنى الكلام إذن: فلـما تـجلـى ربه للـجبل ساخ، فجعل مكانه أرضاً دكاء....

    حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: سمعت مـجاهداً يقول فـي قوله: { وأنا أوَّلُ الـمُؤْمِنِـينَ } قال: أوّل قومي آمن.

    وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـي قوله: { وأنا أوَّلُ الـمُؤْمِنِـينَ } علـى قول من قال: معناه: أنا أوّل الـمؤمنـين من بنـي إسرائيـل لأنه قد كان قبله فـي بنـي إسرائيـل مؤمنون وأنبـياء، منهم ولد إسرائيـل لصلبه، وكانوا مؤمنـين وأنبـياء، فلذلك اخترنا القول الذي قلناه قبل.

  9. #324
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,562
    حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا مسلـم، قال: ثنا مبـارك، عن الـحسن، فـي قوله: { سأُرِيكُمْ دَارَ الفـاسِقِـينَ } قال: جهنـم.

    وقال آخرون: معنى ذلك: سأدخـلكم أرض الشأم، فأريكم منازل الكافرين الذين هم سكانها من الـجبـابرة والعمالقة. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { سأُرِيكُمْ دَارَ الفـاسِقِـينَ }: منازلهم.

    حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: { دَارَ الفـاسِقِـينَ } قال: منازلهم.

    وقال آخرون: معنى ذلك: سأريكم دار قوم فرعون، وهي مصر. ذكر من قال ذلك:............

    وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـي تأويـل ذلك، لأن الذي قبل قوله جلّ ثناؤه: { سأُرِيكُمْ دَارَ الفـاسِقِـينَ } أمر من الله لـموسى وقومه بـالعمل بـما فـي التوراة، فأولـى الأمور بحكمة الله تعالـى أن يختـم ذلك بـالوعيد علـى من ضيعه وفرّط فـي العمل لله وحاد عن سبـيـله، دون الـخبر عما قد انقطع الـخبر عنه أو عما لـم يجر له ذكر.....

    ثم اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء أهل الـمدينة ومكة والكوفة والبصرة: { لَئِنْ لَـمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا } بـالرفع علـى وجه الـخبر. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة: «لَئِنْ لَـمْ تَرْحَمْنا رَبَّنا» بـالنصب بتأويـل لئن لـم ترحمنا يا ربنا، علـى وجه الـخطاب منهم لربهم. واعتلّ قارئو ذلك كذلك بأنه فـي إحدى القراءتـين: «قالوا لَئِنْ لَـمْ تَرْحَمْنا رَبِّنا وَتَغْفِرْ لَنا»، وذلك دلـيـل علـى الـخطاب.

    والذي هو أولـى بـالصواب من القراءة فـي ذلك القراءة علـى وجه الـخبر بـالـياء فـي «يرحمنا» وبـالرفع فـي قوله «ربُّنا»، لأنه لـم يتقدّم ذلك ما يوجب أن يكون موجها إلـى الـخطاب. والقراءة التـي حكيت علـى ما ذكرنا من قراءتها: «قالوا لَئِنْ لَـمْ تَرْحَمْنا رَبَّنا» لا نعرف صحتها من الوجه الذي يجب التسلـيـم إلـيه. ومعنى قوله: { لَئِنْ لَـمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا }: لئن لـم يتعطف علـينا ربنا بـالتوبة برحمته، ويتغمد بها ذنوبنا، لنكوننّ من الهالكين الذين حبطت أعمالهم.

  10. #325
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,562
    والذي هو أولـى بـالصواب من القول فـي ذلك أن يكون سبب إلقاء موسى الألواح كان من أجل غضبه علـى قومه لعبـادتهم العجلَ لأن الله جلّ ثناؤه بذلك أخبر فـي كتابه، فقال: { وَلـمَّا رَجَعَ مُوسَى إلـى قَوْمِهِ غَضْبـانَ أسِفـاً بِئْسَما خَـلَفْتُـمُونِـي مِنْ بَعْدِي أعَجِلْتُـمْ أمْرَ رَبِّكُمْ وألْقَـى الألْوَاحَ وأخَذَ بِرأسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَـيْهِ } وذلك أن الله لـما كتب لـموسى علـيه السلام فـي الألواح التوراة، أدناه منه حتـى سمع صريف القلـم. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيـل، عن السديّ، عن أبـي عمارة، عن علـيّ علـيه السلام قال: كتب الله الألواح لـموسى علـيه السلام وهو يسمع صريف الأقلام فـي الألواح....

    والقراءة التـي لا أستـجيز القراءة إلا بها قراءة من قرأ: { فَلا تُشْمِتْ } بضم التاء الأولـى وكسر الـميـم من أشمتُّ به عدوّه أشْمِته به، ونصب الأعداء لإجماع الـحجة من قراء الأمصار علـيها وشذوذ ما خالفها من القراءة، وكفـى بذلك شاهدا علـى ما خالفها. هذا مع إنكار معرفة عامة أهل العلـم بكلام العرب: شمَّتَ فلان فلاناً بفلان، وشمَت فلان بفلان يشمُت به، وإنـما الـمعروف من كلامهم إذا أخبروا عن شماتة الرجل بعدوّه شَمِتَ به بكسر الـميـم يَشْمَتُ به بفتـحها فـي الاستقبـال.

  11. #326
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,562
    وأولـى القولـين بتأويـل الآية، قول من قال: إن موسى إنـما حزن علـى هلاك السبعين بقوله: { أُتهْلِكُنا بِـمَا فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا } وأنه إنـما عنى بـالسفهاء: عبدة العجل وذلك أنه مـحال أن يكون موسى صلى الله عليه وسلم كان تـخير من قومه لـمسألة ربه ما أراه أن يسأل لهم إلا الأفضل فـالأفضل منهم، ومـحال أن يكون الأفضل كان عنده من أشرك فـي عبـادة العجل واتـخذه دون الله إلها.

    قال: فإن قال قائل: فجائز أن يكون موسى علـيه السلام كان معتقداً أن الله سبحانه يعاقب قوما بذنوب غيرهم، فـيقول: أتهلكنا بذنوب من عبد العجل، ونـحن من ذلك برآء؟ قـيـل: جائز أن يكون معنى الإهلاك: قبض الأرواح علـى غير وجه العقوبة، كما قال جلّ ثناؤه:
    { إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ }
    يعنـي: مات، فـيقول: أتـميتنا بـما فعل السفهاء منا....

    وحدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { الَّذِي يُؤْمِنُ بـاللّهِ وكَلِـماتِهِ } فهو عيسى ابن مريـم.

    قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن الله تعالـى ذكره أمر عبـاده أن يصدّقوا بنبوّة النبـيّ الأميّ الذي يؤمن بـالله وكلـماته. ولـم يخصص الـخبر جلّ ثناؤه عن إيـمانه من كلـمات الله ببعض دون بعض، بل أخبرهم عن جميع الكلـمات، فـالـحقّ فـي ذلك أن يعمّ القول، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤمن بكلـمات الله كلها علـى ما جاء به ظاهر كتاب الله.

  12. #327
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,562
    حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: { فَخَـلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَـلْفٌ } قال: النصارى.

    والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالـى إنـما وصف أنه خـلَف القوم الذي قصّ قصصهم فـي الآيات التـي مضت خـلف سوْء رديء، ولـم يذكر لنا أنهم نصارى فـي كتابه، وقصتهم بقصص الـيهود أشبه منها بقصص النصارى. وبعدُ، فإن ما قبل ذلك خبر عن بنـي إسرائيـل وما بعده كذلك، فما بـينهما بأن يكون خبراً عنهم أشبه، إذ لـم يكن فـي الآية دلـيـل علـى صرف الـخبر عنهم إلـى غيرهم، ولا جاء بذلك دلـيـل يوجب صحة القول به.

    فتأويـل الكلام إذن: فتبدّل من بعدهم بَدَلُ سوْء، ورثوا كتاب الله: تعلـموه، وضيعوا العمل به فخالفوا حكمه، يُرْشَوْنَ فـي حكم الله، فـيأخذون الرشوة فـيه من عرض هذا العاجل الأدنى، يعنـي بـالأدنى: الأقرب من الآجل الأبعد، ويقولون إذا فعلوا ذلك: إن الله سيغفر لنا ذنوبنا تـمنـيا علـى الله الأبـاطيـل، كما قال جلّ ثناؤه فـيهم:
    { فَوَيْـلٌ للَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثَّم يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِـيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِـيلاً فَوَيْـلٌ لَهُمْ مِـمَّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ وَوَيْـلٌ لَهُمْ مِـمَّا يَكْسِبونَ }
    { وَإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُه يأخُذُوهُ } يقول: وإن شرع لهم ذنب حرام مثله من الرشوة بعد ذلك أخذوه واستـحلوه، ولـم يرتدعوا عنه. يخبر جلّ ثناؤه عنهم أنهم أهل إصرار علـى ذنوبهم، ولـيسوا بأهل إنابة ولا توبة...

  13. #328
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,562
    فتأويـل الكلام علـى هذا التأويـل: وإذ أخذ ربك من بنـي آدم من ظهورهم ذرّياتهم، وأشهدهم علـى أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلـى. فقال الله وملائكته: شهدنا علـيكم بـاقراركم بأن الله ربكم كيلا تقولوا يوم القـيامة إنا كنا عن هذا غافلـين. وقد ذكرت الرواية عنه بذلك فـيـما مضى والـخبر الآخر الذي رُوي عن عبد الله بن عمرو عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم بـمثل ذلك.

    وقال آخرون: ذلك خبر من الله عن قـيـل بعض بنـي آدم لبعض، حين أشهد الله بعضهم علـى بعض. وقالوا: معنى قوله: { وأشْهَدَهُمْ علـى أنْفُسِهِمْ } وأشهد بعضهم علـى بعض بإقرارهم بذلك، وقد ذكرت الرواية بذلك أيضاً عمن قاله قبل.

    قال أبو جعفر: وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب، ما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان صحيحاً، ولا أعلـمه صحيحاً لأن الثقات الذين يعتـمد علـى حفظهم وإتقانهم حدّثوا بهذا الـحديث عن الثوري، فوقـفوه علـى عبد الله بن عمرو ولـم يرفعوه، ولـم يذكروا فـي الـحديث هذا الـحرف الذي ذكره أحمد بن أبـي طيبة عنه. وإن لـم يكن ذلك عنه صحيحاً، فـالظاهر يدلّ علـى أنه خبر من الله عن قـيـل بنـي آدم بعضهم لبعض، لأنه جلّ ثناؤه قال: { وأشْهَدَهُمْ علـى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلـى شَهِدْنا } فكأنه قـيـل: فقال الذين شهدوا علـى الـمقرّين حين أقرّوا، فقالوا: بلـى شهدنا علـيكم بـما أقررتـم به علـى أنفسكم كيلا تقولوا يوم القـيامة إنا كنا عن هذا غافلـين.

  14. #329
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,562
    حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، عن أبـيه، أنه سئل عن الآية: { وَاتْلُ عَلَـيهِمْ نَبأَ الَّذي آتَـيْناهُ آياتنا فـانْسَلَـخَ مِنْها } فحدّث عن سيَّار أنه كان رجلاً يقال له بَلْعَام، وكان قد أوتـي النبوّة، وكان مـجاب الدعوة.

    قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أمر نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يتلو علـى قومه خبر رجل كان الله آتاه حججه وأدلته، وهي الآيات.

    وقد دللنا علـى أن معنى الآيات الأدلة والأعلام فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته، وجائز أن يكون الذي كان الله آتاه ذلك بلعم، وجائز أن يكون أمية، وكذلك الآيات إن كانت بـمعنى الـحجة التـي هي بعض كتب الله التـي أنزلها علـى بعض أنبـيائه، فتعلـمها الذي ذكره الله فـي هذه الآية، وعناه بها فجائز أن يكون الذي كان أوتـيها بلعم، وجائز أن يكون أمية، لأن أمية كان فـيـما يقال قد قرأ من كتب أهل الكتاب، وإن كانت بـمعنى كتاب أنزله الله علـى من أمر نبـيّ الله علـيه الصلاة والسلام أن يتلو علـى قومه نبأه أو بـمعنى اسم الله الأعظم أو بـمعنى النبوّة، فغير جائز أن يكون معنـيا به أمية لأن أمية لا تـختلف الأمة فـي أنه لـم يكن أوتـي شيئاً من ذلك. ولا خبر بأيّ ذلك الـمراد وأيّ الرجلـين الـمعنـيّ يوجب الـحجة ولا فـي العقل دلالة علـى أن ذلك الـمعنـيّ به من أيّ. فـالصواب أن يقال فـيه ما قال الله، ويقرّ بظاهر التنزيـل علـى ما جاء به الوحي من الله.

  15. #330
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,562
    حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: { وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بها }: لرفعناه عنه.

    قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي تأويـل ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله عمّ الـخبر بقوله: { وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بها } أنه لو شاء رفعه بآياته التـي آتاه إياها. والرفع يعمّ معانـي كثـيرة، منها الرفع فـي الـمنزلة عنده، ومنها الرفع فـي شرف الدنـيا ومكارمها. ومنها الرفع فـي الذكر الـجميـل والثناء الرفـيع. وجائز أن يكون الله عنى كلّ ذلك أنه لو شاء لرفعه، فأعطاه كلّ ذلك بتوفـيقه للعمل بآياته التـي كان آتاها إياه.

    وإذ كان ذلك جائزا، فـالصواب من القول فـيه أن لا يُخَصّ منه شيء، إذ كان لا دلالة علـى خصوصه من خبر ولا عقل...

    وقال آخرون: إنـما مثَّله جلّ ثناؤه بـالكلب لأنه كان يـلهث كما يـلهث الكلب. ذكر من قال ذلك.

    حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { فَمَثَلُهُ كمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَـحْمِلْ عَلَـيْهِ يَـلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَـلْهَثْ } وكان بلعم يـلهث كما يـلهث الكلب. وأما تـحمل علـيه: فتشدّ علـيه.

    قال: أبو جعفر: وأولـى التأويـلـين فـي ذلك بـالصواب تأويـل من قال: إنـما هو مثل لتركه العمل بآيات الله التـي آتاها إياه، وأن معناه: سواء وعظ أو لـم يوعظ فـي أنه لا يترك ما هو علـيه من خلافه أمر ربه، كما سواء حمل علـى الكلب أو طرد أو ترك فلـم يطرد فـي أنه لا يدع اللهث فـي كلتا حالتـيه.

    وإنـما قلنا ذلك أولـى القولـين بـالصواب لدلالة قوله تعالـى ذلك: { مَثَلُ القَوم الَّذينَ كَذَّبُوا بآياتِنا } فجعل ذلك مثل الـمكذّبـين بآياته. وقد علـمنا أن اللهاث لـيس فـي خـلقة كلّ مكذّب كتب علـيه ترك الإنابة من تكذيب بآيات الله، وأن ذلك إنـما هو مثل ضربه الله لهم، فكان معلوماً بذلك أنه للذي وصف الله صفته فـي هذه الآية، كما هو لسائر الـمكذّبـين بآيات الله مَثَل....

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •