صفحة 20 من 72 الأولىالأولى ... 101617181920212223243070 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 286 إلى 300 من 1076

الموضوع: إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

  1. #286
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,766
    وأولى التأويلات في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله جلّ ثناؤه أخبر عن هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمننّ بها، أنه يقلب أفئدتهم وأبصارهم ويصرّفها كيف شاء، وأن ذلك بيده يقيمه إذا شاء ويزيغه إذا أراد، وأنّ قوله: { كما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّة } دليل على محذوف من الكلام، وأن قوله «كما» تشبيه ما بعده بشيء قبله. وإذ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون معنى الكلام: ونقلب أفئدتهم فنزيغها عن الإيمان، وأبصارهم عن رؤية الحقّ ومعرفة موضع الحجة، وإن جاءتهم الآية التي سألوها فلا يؤمنوا بالله ورسوله وما جاء به من عند الله كما لم يؤمنوا بتقليبنا إياها قبل مجيئها مرّة قبل ذلك. وإذا كان ذلك تأويله كانت الهاء من قوله: { كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ } كناية ذكر التقليب.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  2. #287
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,766
    وأولى القولين في ذلك بالصواب قول ابن عباس، لأن الله جلّ ثناؤه عمّ بقوله: { ما كانُوا لِيُؤْمِنوا } القوم الذين تقدّم ذكرهم في قوله: { وأقْسَمُوا باللّهِ جَهْدَ أيمَانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها }. وقد يجوز أن يكون الذين سألوا الآية كانوا هم المستهزئين الذين قال ابن جريج: إنهم عنوا بهذه الآية ولكن لا دلالة في ظاهر التنزيل على ذلك ولا خبر تقوم به حجة بأن ذلك كذلك. والخبر من الله خارج مخرج العموم، فالقول بأن ذلك عُني به أهل الشقاء منهم أولى لما وصفنا.

    واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } فقرأته قرّاء أهل المدينة: «قِبَلاً» بكسر القاف وفتح الباء، بمعنى معاينة، من قول القائل: لقيته قِبَلاً: أي معاينة ومجاهرة.

    وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين والبصريين: { وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } بضم القاف والباء.

    وإذا قرىء كذلك كان له من التأويل ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون القُبُل: جمع قَبِيل كالرُّغُف التي هي جمع رغيف، والقُضُب التي هي جمع قضيب، ويكون القُبُل: الضمناء والكفلاء وإذا كان ذلك معناه، كان تأويل الكلام: وحشرنا عليهم كلّ شيء كفلاء يكفلون لهم بأن الذي نعدُهم على إيمانهم بالله إن آمنوا أو نوعدهم على كفرهم بالله إن هلكوا على كفرهم، ما آمنوا إلا أن يشاء الله.

    والوجه الآخر: أن يكون «القُبُل» بمعنى المقابلة والمواجهة، من قول القائل: أتيتك قُبُلاً لا دُبُراً، إذا أتاه من قِبَل وجهه.

    والوجه الثالث: أن يكون معناه: وحشرنا عليهم كلّ شيء قبيلة قبيلة، صنفاً صنفاً، وجماعة جماعة. فيكون القُبُل حينئذٍ جمع قَبيل الذي هو جمع قبيلة، فيكون القُبل جمع الجمع. وبكلّ ذلك قد قالت جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال: معنى ذلك: معاينة...

    وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندنا، قراءة من قرأ: { وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } بضمّ القاف والباء لما ذكرنا من احتمال ذلك الأوجه التي بينا من المعاني، وأن معنى القِبَلِ داخل فيه، وغير داخل في القِبَلِ معاني القُبُل.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  3. #288
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,766
    واختلفت القرّاء فِي قراءة قوله: { لَيُضِلُّونَ } فقرأته عامة أهل الكوفة: { لَيُضِلُّونَ } بمعنى: أنهم يضلون غيرهم. وقرأ ذلك بعض البصريين والحجازيين: «لَيَضِلُّونَ» بمعنى: أنهم هم الذين يضلون عن الحقّ فيجورون عنه.

    وأولى القراءتين بالصواب في ذلك، قراءة من قرأ: { وإنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بأهْوَائِهِمْ } بمعنى: أنهم يضلون غيرهم وذلك أن الله جلّ ثناؤه أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم عن إضلالهم من تبعهم ونهاه عن طاعتهم واتباعهم إلى ما يدعونه إليه، فقال: { وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ } ثم أخبر أصحابه عنهم بمثل الذي أخبره عنهم، ونهاهم من قبول قولهم عن مثل الذي نهاه عنه، فقال لهم: { وَإنَّ كَثِيراً } منهم { لَيُضِلُّونَ } كم { بأهْوَائِهمْ بغيرِ عِلْمِ } نظير الذي قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ }.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  4. #289
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,766
    والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره تقدّم إلى خلقه بترك ظاهر الإثم وباطنه وذلك سرّه وعلانيته، والإثم: كلّ ما عصى الله به من محارمه، وقد يدخل في ذلك سرّ الزنا وعلانيته، ومعاهرة أهل الرايات وأولات الأخدان منهنّ، ونكاح حلائل الآباء والأمهات والبنات، والطواف بالبيت عريانا، وكلّ معصية لله ظهرت أو بطنت. وإذ كان ذلك كذلك، وكان جميع ذلك إثماً، وكان الله عمّ بقوله: { وَذَرُوا ظاهِرَ الإثمِ وَباطِنَهُ } جميع ما ظهر من الإثم وجميع ما بطن، لم يكن لأحد أن يخصّ من ذلك شيئاً دون شيء إلا بحجة للعذر قاطعة. غير أنه لو جاز أن يوجه ذلك إلى الخصوص بغير برهان، كان توجيهه إلى أنه عني بظاهر الإثم وباطنه في هذا الموضع: ما حرّم الله من المطاعم والمآكل من الميتة والدم، وما بين الله تحريمه في قوله:
    { حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ المَيْتَةُ }
    إلى آخر الآية، أوْلى، إذ كان ابتداء الآيات قبلها بذكر تحريم ذلك جرى وهذه في سياقها، ولكنه غير مستنكر أن يكون عنى بها ذلك، وأدخل فيها الأمر باجتناب كلّ ما جانسه من معاصي الله، فخرج الأمر عامًّا بالنهي عن كلّ ما ظهر أو بطن من الإثم.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  5. #290
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,766
    حدثنا محمد بن عبد الأعلى وسفيان بن وكيع، قالا: ثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال ابن عبد الأعلى: خاصمت اليهود النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال ابن وكيع: جاءت اليهود إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: نأكل ما قتلنا، ولا نأكل ما قتل الله فأنزل الله: { وَلا تأكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإنَّهُ لَفِسْقٌ }.

    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: إن الله أخبر أن الشياطين يوحون إلى أوليائهم ليجادلوا المؤمنين في تحريمهم أكل الميتة بما ذكرنا من جدالهم إياهم. وجائز أن يكون الموحون كانوا شياطين الإنس يوحون إلى أوليائهم منهم، وجائز أن يكونوا شياطين الجن أوحوا إلى أوليائهم من الإنس، وجائز أن يكون الجنسان كلاهما تعاونا على ذلك، كما أخبر الله عنهما في الآية الأخرى التي يقول فيها:
    { وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلّ نَبِيّ عَدُوّاً شَياطِينَ الإنْسِ والجِنّ، يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً }
    بل ذلك الأغلب من تأويله عندي، لأن الله أخبر نبيه أنه جعل له أعداء من شياطين الجنّ والإنس، كما جعل لأنبيائه مِن قبله يوحي بعضهم إلى بعض المزيَّنَ من الأقوال الباطلة، ثم أعلمه أن أولئك الشياطين يوحون إلى أوليائهم من الإنس ليجادلوه ومن تبعه من المؤمنين فيما حرّم الله من الميتة عليهم....

    حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن أشعث، عن ابن سيرين، عن عبد الله بن يزيد، قال: كنت أجلس إليه في حلقة، فكان يجلس فيها ناس من الأنصار هو رأسهم، فإذا جاء سائل فإنما يسأله ويسكتون. قال: فجاءه رجل فسأله، فقال: رجل ذبح فنسي أن يسمي؟ فتلا هذه الآية: { وَلا تَأكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ } حتى فرغ منها.

    والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عنى بذلك: ما ذبح للأصنام والآلهة، وما مات أو ذبحه من لا تحلّ ذبيحته. وأما من قال: عنى بذلك ما ذبحه المسلم فنسي ذكر اسم الله، فقول بعيد من الصواب لشذوذه، وخروجه عما عليه الحجة مجمعة من تحليله، وكفى بذلك شاهداً على فساده. وقد بيَّنا فساده من جهة القياس في كتابنا المسمى «لطيف القول في أحكام شرائع الدين» فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.

    واختلف أهل العلم في هذه الآية: هل نسخ من حكمها شيء أم لا؟ فقال بعضهم: لم ينسخ منها شيء وهي محكمة فيما عُنيت به، وعلى هذا قول عامة أهل العلم. ورُوى عن الحسن البصري وعكرمة، ما:

    حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة والحسن البصريّ قالا: قال: { فَكُلُوا ممَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بآياتِهِ مُؤْمِنِينَ وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإنَّهُ لَفِسْقٌ } فنسخ واستثنى من ذلك، فقال:
    { وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلّ لَهُمْ }
    والصواب من القول في ذلك عندنا، أن هذه الآية محكمة فيما أنزلت لم ينسخ منها شيء، وأن طعام أهل الكتاب حلال وذبائحهم ذكية. وذلك مما حرّم الله على المؤمنين أكله بقوله: { وَلا تأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ } بمعزل، لأن الله إنما حرّم علينا بهذه الآية الميتة وما أهلّ به للطواغيت، وذبائح أهل الكتاب ذكية سَمّوْا عليها أو لم يسموا لأنهم أهل توحيد وأصحاب كتب لله يدينون بأحكامها، يذبحون الذبائح بأديانهم كما ذبح المسلم بدينه، سمى الله على ذبيحته أو لم يسمه، إلا أن يكون ترك من ذكر تسمية الله على ذبيحته على الدينونة بالتعطيل، أو بعبادة شيء سوى الله، فيحرم حينئذٍ أكل ذبيحته سمى الله عليها أو لم يسمّ.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  6. #291
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,766
    واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة والعراق: { كأنَّمَا يَصَّعَّدُ } بمعنى: يتصعدُ، فأدغموا التاء في الصاد، فلذلك شدّدوا الصاد. وقرأ ذلك بعض الكوفيين: «يَصَّاعَدُ» بمعنى: يتصاعد، فأدغم التاء في الصاد وجعلها صاداً مشدّدة. وقرأ ذلك بعض قراء المكيين: «كأنَّمَا يَصْعَد» من صَعِدَ يَصْعَد. وكل هذه القراءات متقاربات المعاني وبأيها قرأ القارىء فهو مصيب، غير أني أختار القراءة في ذلك بقراءة من قرأه: { كأنَّمَا يَصَّعَّدُ } بتشديد الصاد بغير ألف، بمعنى: يتصعد، لكثرة القراء بها، ولقِيلِ عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ما تصعَّدني شيء ما تصعَّدني خُطْبَة النكاح».....

    والصواب في ذلك من القول عندي ما قاله ابن عباس، ومن قال: إن الرجس والنجس واحد، للخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا دخل الخلاء: " اللَّهُمَّ إنّي أعُوذ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النَّجْسِ الخَبِيثِ المُخْبِثِ الشَّيْطانِ الرَّجِيم " حدثني بذلك عبد الرحمن بن البختريّ الطائي، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن وقتادة، عن أنس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.

    وقد بَيَّن هذا الخبر أن الرجس هو النجس القذر الذي لا خير فيه، وأنه من صفة الشيطان.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  7. #292
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,766
    خالدينَ فِيها } يقول: لابثين فيها، { إلاَّ ما شاءَ اللّهُ } يعني: إلا من قدر مدة ما بين مبعثهم من قبورهم إلى مصيرهم إلى جهنم، فتلك المدة التي استثناها الله من خلودهم في النار.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  8. #293
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,766
    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وكذلكَ نُوَلّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً } قال: ظالمي الجن وظالمي الإنس. وقرأ:
    { وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ }
    قال: نسلط ظلمة الجنّ على ظلمة الإنس.

    وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: وكذلك نجعل بعض الظالمين لبعض أولياء. لأن الله ذكر قبل هذه الآية ما كان من قول المشركين، فقال جلّ ثناؤه:
    { وَقالَ أوْلِياؤُهُم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ }
    وأخبر جلّ ثناؤه أن بعضهم أولياء بعض، ثم عقَّب خبره ذلك بخبره عن أن ولاية بعضهم بعضاً بتوليته إياهم، فقال: وكما جعلنا بعض هؤلاء المشركين من الجنّ والإنس أولياء بعض يستمتع بعضهم ببعض، كذلك نجعل بعضهم أولياء بعض في كلّ الأمور بما كانوا يكسبون من معاصي الله ويعملونه.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  9. #294
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,766
    { يَظ°مَعْشَرَ ظ±لْجِنِّ وَظ±لإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـظ°ذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىظ° أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ ظ±لْحَيَاةُ ظ±لدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَىظ° أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ }

    فتأويل الآية على هذا التأويل الذي تأوّله ابن عباس: ألم يأتكم أيها الجنّ والإنس رسل منكم؟ فأما رسل الإنس فرسل من الله إليهم، وأما رسل الجنّ فرسل رسل الله من بني آدم، وهم الذين إذ سمعوا القرآن ولَّوا إلى قومهم منذرين.

    وأما الذين قالوا بقول الضحاك، فإنهم قالوا: إن الله تعالى ذكره أخبر أن من الجنّ رسلاً أرسلوا إليهم، كما أخبر أن من الإنس رسلاً أرسلوا إليهم. قالوا: ولو جاز أن يكون خبره عن رسل الجنّ بمعنى أنهم رسل الإنس، جاز أن يكون خبره عن رسل الإنس بمعنى أنهم رسل الجنّ. قالوا: وفي فساد هذا المعنى ما يدلّ على أن الخبرين جميعاً بمعنى الخبر عنهم أنهم رسل الله، لأن ذلك هو المعروف في الخطاب دون غيره.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  10. #295
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,766
    وقد يتجه من التأويل في قوله: «بظلم» وجهان: أحدهما: { ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ }: أي بشرك من أشرك، وكُفْر من كفر من أهلها، كما قال لقمان: إنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. { وأهْلُها غافِلُونَ } يقول: لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسلاً تنبههم على حجج الله عليهم، وتنذرهم عذاب الله يوم معادهم إليه، ولم يكن بالذي يأخذهم غفلة فيقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير.

    والآخر: { ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بظُلْمٍ } يقول: لم يكن ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر، فيظلمهم بذلك، والله غير ظلام للعبيد.

    وأولى القولين بالصواب عندي القول الأوّل، أن يكون معناه: أن لم يكن ليهلكهم بشركهم دون إرسال الرسل إليهم والإعذار بينه وبينهم، وذلك أن قوله: { ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ } عقيب قوله: { ألَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي } فكان في ذلك الدليل الواضح على أن نص قوله: { ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ } إنما هو إنما فعلنا ذلك من أجل أنا لا نهلك القُرَى بغير تذكير وتنبيه. وأما قوله: { ذَلِكَ } فإنه يجوز أن يكون نصباً، بمعنى: فعلنا ذلك، ويجوز أن يكون رفعاً بمعنى الابتداء، كأنه قال: ذلك كذلك. وأما «أن» فإنها في موضع نصب بمعنى: فعلنا ذلك من أجل أن لم يكن ربك مُهْلِك القرى، فإذا حذف ما كان يخفضها تعلق بها الفعل فنصب.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  11. #296
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,766
    كمَا أنْشَأكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ } كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلقٍ آخرين كانوا قبلكم. ومعنى «مِنْ» في هذا الموضع: التعقيب، كما يقال في الكلام أعطيتك من دينارك ثوباً، بمعنى: مكان الدينار ثوباً، لا أن الثوب من الدينار بعض، كذلك الذين خوطبوا بقوله: { كمَا أنْشأَكُمْ } لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين، ولكن معنى ذلك ما ذكرنا من أنهم أنشئوا مكان خَلْقٍ خَلْفَ قوم آخرين قد هلكوا قبلهم.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  12. #297
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,766
    حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمَّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيباً }... حتى بلغ: { وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ } قال: كلّ شيء جعلوه لله من ذِبْح يذبحونه لا يأكلونه أبداً حتى يذكروا معه أسماء الآلهة، وما كان للآلهة لم يذكروا اسم الله معه. وقرأ الآية حتى بلغ: { ساءَ ما يَحْكُمُونَ }.

    وأولى التأويلين بالآية، ما قال ابن عباس، ومن قال بمثل قوله في ذلك لأن الله جلّ ثناؤه أخبر أنهم جعلوا لله من حرثهم وأنعامهم قسماً مقدّراً، فقالوا: هذا لله، وجعلوا مثله لشركائهم، وهم أوثانهم بإجماع من أهل التأويل عليه، فقالوا: هذا لشركائنا وإن نصيب شركائهم لا يصل منه إلى الله، بمعنى: لا يصل إلى نصيب الله، وما كان لله وصل إلى نصيب شركائهم. فلو كان وصول ذلك بالتسمية وترك التسمية، كان أعيان ما أخبر الله عنه أنّه لم يصل جائزاً أن تكون قد وصلت، وما أخبر عنه أنه قد وصل لم يصل، وذلك خلاف ما دلّ عليه ظاهر الكلام لأن الذبيحتين تذبح إحداهما لله والأخرى للآلهة، جائز أن تكون لحومهما قد اختلطت وخلطوهما، إذ كان المكروه عندهم تسمية الله على ما كان مذبوحاً للآلهة دون اختلاط الأعيان واتصال بعضها ببعض.

    وأما قوله: { ساءَ ما يَحْكُمُونَ } فإنه خبر من الله جلّ ثناؤه عن فعل هؤلاء المشركين الذين وصف صفتهم. يقول جلّ ثناؤه: وقد أساءوا في حكمهم إذ أخذوا من نصيبي لشركائهم ولم يعطوني من نصيب شركائهم. وإنما عنى بذلك تعالى ذكره الخبر عن جهلهم وضلالتهم وذهابهم عن سبيل الحقّ بأنهم لم يرضوا أن عدلوا بمن خلقهم وغذاهم وأنعم عليهم بالنعم التي لا تحصى ما لا يضرّهم ولا ينفعهم، حتى فضلوه في إقسامهم عند أنفسهم بالقسم عليه.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  13. #298
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,766
    والقراءة التي لا أستجيز غيرها: { وكذلكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكيِنَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤهُمْ } بفتح الزاي من «زيَّن» ونصب «القتل» بوقوع «زيَّن» عليه وخفض «أولادهم» بإضافة «القتل» إليهم، ورفع «الشركاء» بفعلهم لأنهم هم الذين زينوا للمشركين قتل أولادهم على ما ذكرت من التأويل.

    وإنما قلت: لا أستجيز القراءة بغيرها لإجماع الحجة من القرّاء عليه، وأن تأويل أهل التأويل بذلك ورد، ففي ذلك أوضح البيان على فساد ما خالفها من القراءة. ولولا أن تأويل جميع أهل التأويل بذلك ورد ثم قرأ قارىء: «وكذلكَ زُيَّنَ لِكَثير مِنَ المُشْرِكينَ قَتْلُ أوْلادِهِمْ شُرَكائِهمْ» بضم الزاي من «زيَّن» ورفع «القتل» وخفض «الأولاد» «والشركاء»، على أن «الشركاء» مخفوضون بالردّ على «الأولاد» بأن «الأولاد» شركاء آبائهم في النسب والميراث كان جائزاً. ولو قرأه كذلك قارىء، غير أنه رفع «الشركاء» وخفض «الأولاد» كما يقال: ضُرِب عبد الله أخوك، فيظهر الفاعل بعد أن جرى الخبر بما لم يسمّ فاعله، كان ذلك صحيحاً في العربية جائزاً.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  14. #299
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,766
    حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن مجاهد: { ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا } السائبة والبحيرة.

    حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

    وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الكفرة أنهم قالوا في أنعام بأعيانها: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا دون إناثنا. واللبن مما في بطونها، وكذلك أجنتها، ولم يخصص الله بالخبر عنهم أنهم قالوا بعض ذلك حرام عليهنّ دون بعض.

    وإذ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يقال: إنهم قالوا ما في بطون تلك الأنعام من لبن وجنين حلّ لذكورهم خالصة دون إناثهم، وإنهم كانوا يؤثرون بذلك رجالهم، إلا أن يكون الذي في بطونها من الأجنة ميتاً فيشترك حينئذٍ في أكله الرجال والنساء...

    حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: { ومُحَرَّمٌ على أزْوَاجِنا } قال: النساء.

    وقال آخرون: بل عنى بالأزواج البنات. ذكر من قال ذلك:

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { ومُحَرَّمٌ على أزْوَاجنا } قال: الأزواج: البنات. وقالوا: ليس للبنات منه شيء.

    والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن هؤلاء المشركين أنهم كانوا يقولون لما في بطون هذه الأنعام، يعني أنعامهم: هذا محرّم على أزواجنا. والأزواج إنما هي نساؤهم في كلامهم، وهن لا شكّ بنات من هن أولاده، وحلائل من هنّ أزواجه. وفي قول الله عزّ وجلّ: { وَمَحَرَّمٌ على أزواجِنا } الدليل الواضح على أن تأنيث «الخالصة» كان لما وصفت من المبالغة في وصف ما في بطون الأنعام بالخلوصة للذكور، لأنه لو كان لتأنيث الأنعام لقيل: ومحرّمة على أزواجنا، ولكن لما كان التأنيث في الخالصة لما ذكرت، ثم لم يقصد في المحرّم ما قصد في الخالصة من المبالغة، رجع فيها إلى تذكير «ما»، واستعمال ما هو أولى به من صفته....
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  15. #300
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,766
    حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية: { وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } قال: نسخه العشر ونصف العشر كانوا يعطون إذا حصدوا وإذا ذروا، فنسختها العشر ونصف العشر.

    وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: كان ذلك فرضاً فرضه الله على المؤمنين في طعامهم وثمارهم التي تخرجها زروعهم وغروسهم، ثم نسخه الله بالصدقة المفروضة، والوظيفة المعلومة من العشر ونصف العشر وذلك أن الجميع مجمعون لا خلاف بينهم أن صدقة الحرث لا تؤخذ إلا بعد الدياس والتنقية والتذرية، وأن صدقة التمر لا تؤخذ إلا بعد الجفاف. فإذا كان ذلك كذلك، وكان قوله جلّ ثناؤه: { وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } ينبىء عن أنه أمر من الله جلّ ثناؤه بإيتاء حقه يوم حصاده، وكان يوم حصاده هو يوم جدّه وقطعه والحبّ لا شكّ أنه في ذلك اليوم في سنبله، والثمر وإن كان ثمر نخل أو كرم غير مستحكم جفوفه ويبسه، وكانت الصدقة من الحبّ إنما تؤخذ بعد دياسه وتذريته وتنقيته كيلاً، والتمر إنما تؤخذ صدقته بعد استحكام يبسه وجفوفه كيلاً عُلم أن ما يؤخذ صدقة بعد حين حصده غير الذي يجب إيتاؤه المساكين يوم حصاده.

    فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون ذلك إيجاباً من الله في المال حقاً سوى الصدقة المفروضة؟ قيل: لأنه لا يخلو أن يكون ذلك فرضاً واجباً أو نفلاً، فإن يكن فرضاً واجباً فقد وجب أن يكون سبيله سبيل الصدقات المفروضات التي من فرَّط في أدائها إلى أهلها كان بربه آثماً ولأمره مخالفاً، وفي قيام الحجة بأن لا فرض لله في المال بعد الزكاة يجب وجوب الزكاة سوى ما يجب من النفقة لمن يلزم المرء نفقته ما ينبيء عن أن ذلك ليس كذلك. أو يكون ذلك نفلاً، فإن يكن ذلك كذلك فقد وجب أن يكون الخيار في إعطاء ذلك إلى ربّ الحرث والثمر، وفي إيجاب القائلين بوجوب ذلك ما ينبيء عن أن ذلك ليس كذلك.

    وإذا خرجت الآية من أن يكون مراداً بها الندب، وكان غير جائز أن يكون لها مخرج في وجوب الفرض بها في هذا الوقت، علم أنها منسوخة. ومما يؤيد ما قلنا في ذلك من القول دليلاً على صحته، أنه جلّ ثناؤه أتبع قوله: { وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } { وَلا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ } ومعلوم أن من حكم الله في عباده مذ فرض في أموالهم الصدقة المفروضة المؤقتة القدر، أن القائم بأخذ ذلك ساستهم ورعاتهم. وإذا كان ذلك كذلك، فما وجه نهي ربّ المال عن الإسراف في إيتاء ذلك، والآخذ مجبرٌ، وإنما يأخذ الحقّ الذي فرض الله فيه؟.

    فإن ظنّ ظانّ أن ذلك إنما هو نهي من الله القِّيمَ بأخذ ذلك من الرعاة عن التعدّي في مال ربّ المال والتجاوز إلى أخذ ما لم يبح له أخذه، فإن آخر الآية، وهو قوله: { وَلا تُسْرِفُوا } معطوف على أوّله وهو قوله: { وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ }. فإن كان المنهي عن الإسراف القيم بقبض ذلك، فقد يجب أن يكون المأمور بإيتانه المنهي عن الإسراف فيه، وهو السلطان. وذلك قولٌ إن قاله قائل، كان خارجاً من قول جميع أهل التأويل ومخالفاً المعهود من الخطاب، وكفى بذلك شاهداً على خطئه.

    فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون معنى قوله: { وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ }: وآتوا حقه يوم كيله، لا يوم فَصْله وقطعه، ولا يوم جَذَاذه وقطافه، فقد علمت من قال ذلك من أهل التأويل؟ وذلك ما:

    حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: { وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } قال: يوم كيله.

    وحدثنا المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن الحجاج، عن سالم المكيّ، عن محمد ابن الحنفية، قوله: { وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } قال: يوم كيله يعطي العشر ونصف العشر.

    مع آخرين، قد ذُكرت الرواية فيما مضى عنهم بذلك؟ قيل: لأن يوم كيله غير يوم حصاده. ولن يخلو معنى قائلي هذا القول من أحد أمرين: إما أن يكونوا وجهوا معنى الحصاد إلى معنى الكيل، فذلك ما لا يعقل في كلام العرب لأن الحصاد والحصد في كلامهم الجذّ والقطع، لا الكيل. أو يكونوا وجهوا تأويل قوله: { وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } إلى وآتوا حقه بعد يوم حصاده إذا كلتموه. فذلك خلاف ظاهر التنزيل، وذلك أن الأمر في ظاهر التنزيل بإيتاء الحقّ منه يوم حصاده لا بعد يوم حصاده. ولا فرق بين قائل: إنما عنى الله بقوله: { وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } بعد يوم حصاده، وآخر قال: عنى بذلك قبل يوم حصاده، لأنهما جميعاً قائلان قولاً دليل ظاهر التنزيل بخلافه....

    والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى بقوله: { ولاَ تُسْرِفُوا } عن جميع معاني الإسراف، ولم يخصص منها معنى دون معنى. وإذ كان ذلك كذلك، وكان الإسرف في كلام العرب: الإخطاء بإصابة الحقّ في العطية، إما بتجاوز حدّه في الزيادة وإما بتقصير عن حدّه الواجب كان معلوماً أن المفرق ماله مباراة والباذله للناس حتى أجحفت به عطيته، مسرف بتجاوزه حدّ الله إلى ما كيفته له، وكذلك المقصر في بذله فيما ألزمه الله بذله فيه، وذلك كمنعه ما ألزمه إيتاءه منه أهل سهمان الصدقة إذا وجبت فيه، أو منعه من ألزمه الله نفقته من أهله وعياله ما ألزمه منها، وكذلك السلطان في أخذه من رعيته ما لم يأذن الله بأخذه. كل هؤلاء فيما فعلوا من ذلك مسرفون، داخلون في معنى من أتى ما نهى الله عنه من الإسراف بقوله: { وَلا تُسْرِفُوا } في عطيتكم من أموالكم ما يجحف بكم، إذ كان ما قبله من الكلام أمراً من الله بإيتاء الواجب فيه أهله يوم حصاده، فإن الآية قد كانت تنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب خاص من الأمور والحكم بها على العامّ، بل عامة آي القرآن كذلك، فكذلك قوله: { وَلا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ }. ومن الدليل على صحة ما قلنا من معنى الإسراف أنه على ما قلنا قول الشاعر:
    أعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدوها ثَمانِيَةٌ ما في عَطائِهِمُ مَنّ وَلا سَرَفُ
    يعني بالسرف: الخطأ في العطية.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •