صفحة 2 من 73 الأولىالأولى 1234561252 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 16 إلى 30 من 1091

الموضوع: إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

  1. #16
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,815
    وأولـى الـمعانـي بقول الله جل ثناؤه: { ثُمَّ ظ±سْتَوَىظ° إِلَى ظ±لسَّمَآءِ فَسَوَّظ°هُنَّ } علا علـيهنّ وارتفع فدبرهن بقدرته وخـلقهنّ سبع سموات.

    والعجب مـمن أنكر الـمعنى الـمفهوم من كلام العرب فـي تأويـل قول الله: { ثُمَّ ظ±سْتَوَىظ° إِلَى ظ±لسَّمَآءِ } الذي هو بـمعنى العلوّ والارتفـاع هربـاً عند نفسه من أن يـلزمه بزعمه إذا تأوله بـمعناه الـمفوهم كذلك أن يكون إنـما علا وارتفع بعد أن كان تـحتها، إلـى أن تأوله بـالـمـجهول من تأويـله الـمستنكر، ثم لـم ينـج مـما هرب منه. فـيقال له: زعمت أن تأويـل قوله: { ظ±سْتَوَىظ° } أقْبَلَ، أفكان مدبراً عن السماء فأقبل إلـيها؟ فإن زعم أن ذلك لـيس بإقبـال فعل ولكنه إقبـال تدبـير، قـيـل له: فكذلك فقل: علا علـيها علوّ ملك وسلطان لا علوّ انتقال وزوال. ثم لن يقول فـي شيء من ذلك قولاً إلا ألزم فـي الآخر مثله، ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بـما لـيس من جنسه لأنبأنا عن فساد قول كل قائل قال فـي ذلك قولاً لقول أهل الـحقّ فـيه مخالفـاً، وفـيـما بـينا منه ما يشرف بذي الفهم علـى ما فـيه له الكفـاية إنه شاء الله تعالـى.

    قال أبو جعفر: وإن قال لنا قائل: أخبرنا عن استواء الله جل ثناؤه إلـى السماء، كان قبل خـلق السماء أم بعده؟ قـيـل: بعده، وقبل أن يسوّيهنّ سبع سموات، كما قال جل ثناؤه:

    { ثُمَّ ظ±سْتَوَىظ° إِلَى ظ±لسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ظ±ئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً }
    [فصلت: 11] والاستواء كان بعد أن خـلقها دخاناً، وقبل أن يسوّيها سبع سموات.

    وقال بعضهم: إنـما قال استوى إلـى السماء ولا سماء، كقول الرجل لآخر: «اعمل هذا الثوب» وإنـما معه غزلٌ. وأما قوله { فَسَوَّظ°هُنَّ } فإنه يعنـي هيأهنّ وخـلقهنّ ودبرهنّ وقوّمهنّ، والتسوية فـي كلام العرب: التقويـم والإصلاح والتوطئة، كما يقال: سوّى فلان لفلان هذا الأمر: إذا قوّمه وأصلـحه ووطأه له. فكذلك تسوية الله جل ثناؤه سمواته: تقويـمه إياهن علـى مشيئته، وتدبـيره لهن علـى إرادته، وتفتـيقهن بعد ارتاقهن كما:

    حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس: { فَسَوَّظ°هُنَّ سَبْعَ سَمَظ°وَظ°تٍ } يقول: سوى خـلقهن وهو بكل شيء علـيـم.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  2. #17
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,815
    وأما تأويـل قوله: { فَمَا فَوْقَهَا }: فما هو أعظم منها عندي لـما ذكرنا قبل من قول قتادة وابن جريج أن البعوضة أضعف خـلق الله، فإذا كانت أضعف خـلق الله فهي نهاية فـي القلة والضعف، وإذ كانت كذلك فلا شك أن ما فوق أضعف الأشياء لا يكون إلا أقوى منه، فقد يجب أن يكون الـمعنى علـى ما قالاه فما فوقها فـي العظم والكبر، إذ كانت البعوضة نهاية فـي الضعف والقلة.

    وقـيـل فـي تأويـل قوله: { فَمَا فَوْقَهَا } فـي الصغر والقلة، ...
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  3. #18
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,815
    وإنـما عنى جل ذكره بذكر الـجنة ما فـي الـجنة من أشجارها وثمارها وغروسها دون أرضها، فلذلك قال عزّ ذكره: { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ظ±لأَنْهَظ°رُ } لأنه معلوم أنه إنـما أرَادَ جل ثناؤه الـخبر عن ماء أنهارها أنه جار تـحت أشجارها وغروسها وثمارها، لا أنه جار تـحت أرضها لأن الـماء إذا كان جارياً تـحت الأرض، فلا حظّ فـيها لعيون من فوقها إلا بكشف الساتر بـينها وبـينه.

    علـى أن الذي توصف به أنهار الـجنة أنها جارية فـي غير أخاديد. كما:

    حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا الأشجعي، عن سفـيان، عن عمرو بن مرة، عن أبـي عبـيدة، عن مسروق، قال: نـخـل الـجنة نضيد من أصلها إلـى فرعها، وثمرها أمثال القِلال، كلـما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وماؤها يجري فـي غير أخدود.

    وحدثنا مـجاهد، قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا مسعر بن كدام، عن عمرو بن مرة، عن أبـي عبـيدة بنـحوه.

    وحدثنا مـحمد بن بشار قال: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا سفـيان، قال: سمعت عمرو بن مرة يحدث عن أبـي عبـيدة، فذكر مثله. قال: فقلت لأبـي عبـيدة: من حدثك، فغضب وقال: مسروق.

    فإذ كان الأمر كذلك فـي أن أنهارها جارية فـي غير أخاديد، فلا شك أن الذي أريد بـالـجنات أشجار الـجنات وغروسها وثمارها دون أرضها، إذ كانت أنهارها تـجري فوق أرضها وتـحت غروسها وأشجارها، علـى ما ذكره مسروق. وذلك أولـى بصفة الـجنة من أن تكون أنهارها جارية تـحت أرضها......

    وهذا التأويـل مذهب من تأوَّل الآية. غير أنه يدفع صحته ظاهر التلاوة. والذي يدل علـى صحته ظاهر الآية ويحقق صحته قول القائلـين إن معنى ذلك: هذا الذي رزقنا من قبل فـي الدنـيا. وذلك أن الله جل ثناؤه قال: { كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً } فأخبر جل ثناؤه أن من قـيـل أهل الـجنة كلـما رزقوا من ثمر الـجنة رزقاً أن يقولوا: هذا الذي رُزقنا من قبل. ولـم يخصص بأن ذلك من قـيـلهم فـي بعض ذلك دون بعض. فإذْ كان قد أخبر جل ذكره عنهم أن ذلك من قـيـلهم فـي كل ما رزقوا من ثمرها، فلا شك أن ذلك من قـيـلهم فـي أول رزق رزقوه من ثمارها أتوا به بعد دخولهم الـجنة واستقرارهم فـيها، الذي لـم يتقدمه عندهم من ثمارها ثمرة. فإذْ كان لا شك أن ذلك من قـيـلهم فـي أوله، كما هو من قـيـلهم فـي وسطه وما يتلوه، فمعلوم أنه مـحال أن يكون من قـيـلهم لأوّل رزق رزقوه من ثمار الـجنة: { هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } هذا من ثمار الـجنة. وكيف يجوز أن يقولوا لأوّل رزق رزقوه من ثمارها ولـما يتقدمه عندهم غيره: هذا هو الذي رزقناه من قبل إلا أن ينسبهم ذو غرّة وضلال إلـى قـيـل الكذب الذي قد طهرهم الله منه، أو يدفع دافع أن يكون ذلك من قـيـلهم لأول رزق رزقوه منها من ثمارها، فـيدفع صحة ما أوجب الله صحته بقوله: { كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً } من غير نصب دلالة علـى أنه معنـيّ به حال من أحوالهم دون حال. فقد تبـين بـما بـينا أن معنى الآية: كلـما رزق الذين آمنوا وعملوا الصالـحات من ثمرة من ثمار الـجنة فـي الـجنة رزقا، قالوا: { هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } هذا فـي الدنـيا.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  4. #19
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,815
    وقد قال قوم آخرون: إن معنى قوله: { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ }: من مثل مـحمد من البشر، لأنه مـحمداً بشر مثلكم.

    قال أبو جعفر: والتأويـل الأوّل الذي قاله مـجاهد وقتادة هو التأويـل الصحيح لأن الله جل ثناؤه قال فـي سورة أخرى:
    { أَمْ يَقُولُونَ ظ±فْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ }
    [يونس: 38] ومعلوم أن السورة لـيست لـمـحمد بنظير ولا شبـيه، فـيجوز أن يقال: فأتوا بسورة مثل مـحمد.

    فإن قال قائل: إنك ذكرت أن الله عنى بقوله: { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ } من مثل هذا القرآن، فهل للقرآن من مثل فـيقال: ائتوا بسورة من مثله؟ قـيـل: إنه لـم يعن به: ائتوا بسورة من مثله فـي التألـيف والـمعانـي التـي بـاين بها سائر الكلام غيره، وإنـما عنى: ائتوا بسورة من مثله فـي البـيان لأن القرآن أنزله الله بلسان عربـي، فكلام العرب لا شكّ له مثل فـي معنى العربـية فأما فـي الـمعنى الذي بـاين به القرآن سائر كلام الـمخـلوقـين، فلا مثل له من ذلك الوجه ولا نظير ولا شبـيه. وإنـما احتـجّ الله جل ثناؤه علـيهم لنبـيه صلى الله عليه وسلم بـما احتـجّ به له علـيهم من القرآن، إذ ظهر عجز القوم عن أن يأتوا بسورة من مثله فـي البـيان، إذ كان القرآن بـياناً مثل بـيانهم، وكلاماً نزل بلسانهم، فقال لهم جل ثناؤه: وإن كنتـم فـي ريب من أنّ ما أنزلت علـى عبدي من القرآن من عندي، فأتوا بسورة من كلامكم الذي هو مثله فـي العربـية، إذْ كنتـم عربـاً، وهو بـيان نظير بـيانكم، وكلام شبـيه كلامكم. فلـم يكلفهم جل ثناؤه أن يأتوا بسورة من غير اللسان الذي هو نظير اللسان الذي نزل به القرآن، فـيقدروا أن يقولوا: كلفتنا ما لو أحسنّاه أتـينا به، وإنا لا نقدر علـى الإتـيان به، لأنا لسنا من أهل اللسان الذي كلفتنا الإتـيان به، فلـيس لك علـينا حجة بهذا لأنا وإن عجزنا عن أن نأتـي بـمثله من غير ألسنتنا لأنا لسنا بأهله، ففـي الناس خـلق كثـير من غير أهل لساننا يقدر علـى أن يأتـي بـمثله من اللسان الذي كلفتنا الإتـيان به. ولكنه جل ثناؤه قال لهم: ائتوا بسورة مثله، لأن مثله من الألسن ألسنتكم، وأنتـم إن كان مـحمد اختلقه وافتراه، إذا اجتـمعتـم وتظاهرتـم علـى الإتـيان بـمثل سورة منه من لسانكم وبـيانكم أقدر علـى اختلاقه ووضعه وتألـيفه من مـحمد صلى الله عليه وسلم، وإن لـم تكونوا أقدر علـيه منه فلن تعجزوا وأنتـم جميع عما قدر علـيه مـحمد من ذلك وهو وحده، إن كنتـم صادقـين فـي دعواكم وزعمكم أن مـحمداً افتراه واختلقه وأنه من عند غيري.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  5. #20
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,815
    وأولـى التأويلات بـالآية ما قاله قتادة والضحاك، وما رواه علـيّ بن أبـي طلـحة عن ابن عبـاس. وذلك أن الله جل ثناؤه إنـما ضرب هذا الـمثل للـمنافقـين الذين وصف صفتهم وقصّ قصصهم من لدن ابتدأ بذكرهم بقوله:
    { وَمِنَ ظ±لنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لآخِرِ }
    [البقرة: 8] أي لا الـمعلنـين بـالكفر الـمـجاهرين بـالشرك.

    ولو كان الـمثل لـمن آمن إيـماناً صحيحاً ثم أعلن بـالكفر إعلاناً صحيحاً علـى ما ظنّ الـمتأول قول الله جل ثناؤه: { كَمَثَلِ ظ±لَّذِي ظ±سْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ظ±للَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَظ°تٍ لاَّ يُبْصِرُونَ } أن ضوء النار مثل لإيـمانهم الذي كان منهم عنده علـى صحة، وأن ذهاب نورهم مثل لارتدادهم وإعلانهم الكفر علـى صحة لـم يكن هنالك من القوم خداع ولا استهزاء عند أنفسهم ولا نفـاق، وأنى يكون خداع ونفـاق مـمن لـم يبدلك قولاً ولا فعلاً إلا ما أوجب لك العلـم بحاله التـي هو لك علـيها، وبعزيـمة نفسه التـي هو مقـيـم علـيها؟ إن هذا بغير شك من النفـاق بعيد ومن الـخداع بريء، فإن كان القوم لـم تكن لهم إلا حالتان: حال إيـمان ظاهر، وحال كفر ظاهر، فقد سقط عن القوم اسم النفـاق لأنهم فـي حال إيـمانهم الصحيح كانوا مؤمنـين، وفـي حال كفرهم الصحيح كانوا كافرين، ولا حالة هناك ثالثة كانوا بها منافقـين.

    وفـي وصف الله جل ثناؤه إياهم بصفة النفـاق ما ينبىء عن أن القول غير القول الذي زعمه من زعم أن القوم كانوا مؤمنـين ثم ارتدوا إلـى الكفر فأقاموا علـيه، إلا أن يكون قائل ذلك أراد أنهم انتقلوا من إيـمانهم الذي كانوا علـيه إلـى الكفر الذي هو نفـاق، وذلك قول إن قاله لـم تدرك صحته إلا بخير مستفـيض أو ببعض الـمعانـي الـموجبة صحته. فأما فـي ظاهر الكتاب، فلا دلالة علـى صحته لاحتـماله من التأويـل ما هو أولـى به منه. فإذا كان الأمر علـى ما وصفنا فـي ذلك، فأولـى تأويلات الآية بـالآية مثل استضاءة الـمنافقـين بـما أظهروا بألسنتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الإقرار به، وقولهم له وللـمؤمنـين: آمَنا بـاللَّهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ وَالـيَوْمِ الآخِر، حتـى حُكم لهم بذلك فـي عاجل الدنـيا بحكم الـمسلـمين فـي حقن الدماء والأموال والأمن علـى الذرية من السبـاء، وفـي الـمناكحة والـموارثة كمثل استضاءة الـموقد النار بـالنار، حتـى إذا ارتفق بضيائها وأبصر ما حوله مستضيئاً بنوره من الظلـمة،حتى خمدت النار وانطفأت، فذهب نوره، وعاد الـمستضيء به فـي ظلـمة وحيرة. وذلك أن الـمنافق لـم يزل مستضيئاً بضوء القول الذي دافع عنه فـي حياته القتل والسبـاء مع استبطانه ما كان مستوجبـاً به القتل وسلب الـمال لو أظهره بلسانه، تُـخيِّـل إلـيه بذلك نفسه أنه بـالله ورسوله والـمؤمنـين مستهزىء مخادع، حتـى سوّلت له نفسه، إذ ورد علـى ربه فـي الآخرة، أنه ناج منه بـمثل الذي نـجا به فـي الدنـيا من الكذب والنفـاق. أوَ ما تسمع الله جل ثناؤه يقول إذ نعتهم ثم أخبر عند ورودهم علـيه:
    { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ظ±للَّهِ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىظ° شَىْء أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ظ±لْكَـظ°ذِبُونَ }
    [المجادلة: 18] ظناً من القوم أن نـجاتهم من عذاب الله فـي الآخرة فـي مثل الذي كان به نـجاتهم من القتل والسبـاء وسلب الـمال فـي الدنـيا من الكذب والإفك، وأن خداعهم نافعهم هنالك نفعه إياهم فـي الدنـيا. حتـى عاينوا من أمر الله ما أيقنوا به أنهم كانوا من ظنونهم فـي غرور وضلال، واستهزاء بأنفسهم وخداع، إذ أطفأ الله نورهم يوم القـيامة فـاستنظروا الـمؤمنـين لـيقتبسوا من نورهم، فقـيـل لهم: ارجعوا وراءكم فـالتـمسوا نوراً واصلوا سعيراً. فذلك حين ذهب الله بنورهم وتركهم فـي ظلـمات لا يبصرون، كما انطفأت نار الـمستوقد النار بعد إضاءتها له، فبقـي فـي ظلـمته حيران تائها لقول الله جل ثناؤه:
    { يَوْمَ يَقُولُ ظ±لْمُنَافِقُونَ وَظ±لْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ظ±نظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ظ±رْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَظ±لْتَمِسُواْ نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ظ±لرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ظ±لْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَىظ° وَلَـظ°كِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَظ±رْتَبْتُمْ وَغرَّتْكُمُ ظ±لأَمَانِيُّ حَتَّىظ° جَآءَ أَمْرُ ظ±للَّهِ وَغَرَّكُم بِظ±للَّهِ ظ±لْغَرُورُ * فَظ±لْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَاكُمُ ظ±لنَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ ظ±لْمَصِيرُ }
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  6. #21
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,815
    وقال بعضهم: إنما معنى قوله: { خَتَمَ ظ±للَّهُ عَلَىظ° قُلُوبِهمْ } إخبار من الله جل ثناؤه عن تكبرهم واعراضهم عن الاستماع لما دوا إليه من الحق كما يقال إن فلاناً الأصم عن هذا الكلام إذا امتنع من سماعه ورفع نفسه عن تفهمه تكبرا.

    والحق في ذلك عندي ما صحّ بنظيره الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما.حدثنا به محمد بن يسار، قال حدثنا صفوان بن عيسى، قال حدثنا: ابن عجلان عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كان نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، فإن زاد زادت حتى يغلف قلبه، فذلك الران الذي قال الله جل ثناؤه: "

    { كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىظ° قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }
    [المطففين: 14] فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلفتها، وإذا أغلفتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله عز وجل والطبع، فلا يكون للإيمان اليها مسلك،ولا للكفر منها مخلص، فذلك هو الطبع والختم الذي ذكره الله تبارك وتعالى في قوله: { خَتَمَ ظ±للَّهُ عَلَىظ° قُلُوبِهمْ وَعَلَىظ° سَمْعِهِمْ } نظير الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها ثم حلها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم، إلا بعد فضه خاتمه، وحله رباطه عنها.

    ويقال لقائلي القول الثاني الزاعمين، أن معنى قوله جل ثناؤه { خَتَمَ ظ±للَّهُ عَلَىظ° قُلُوبِهمْ وَعَلَىظ° سَمْعِهِمْ } هو وصفهم بالاستكبار والإعراض عن الذي دعوا إليه من الإقرار بالحق تكبرا، أخبرونا عن استكبار الذين وصفهم الله جل ثناؤه بهذه الصفة، واعراضهم عن الإقرار بما دعوا إليه من الإيمان وسائر المعاني اللواحق به أفعل منهم،أم فعل من الله تعالى ذكره بهم. فإن زعموا أن ذلك فعل منهم، وذلك قولهم،قيل لهم: فإن الله تبارك وتعالى قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وسمعهم،وكيف يجوز أن يكون إعراض الكافر عن الإيمان وتكبره عن الاقرار به، وهو فعله عندكم ختما من الله على قلبه، وسمعه، وختمه على قلبه وسمعه، فعل الله عز وجل دون فعل الكافر، فإن زعموا أن ذلك جائز أن يكون كذلك، لأن تكبره واعراضه كانا عن ختم الله على قلبه وسمعه، فلما كان الختم سببا لذلك جاز أن يسمى مسببه به تركوا قولهم، وأوجبوا أن الختم من الله على قلوب الكفار وأسماعهم معنى غير كفر الكافر، وغير تكبره وإعراضه عن قبول الإيمان واوالاقرار به، وذلك دخول فيما أنكره.

    وهذه الآية من أوضح الأدلة على فساد قول المنكريه تكليف ما لا يطاق إلا بمعونة الله لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه ختم على قلوب صنف من كفار عباده وأسماعهم، ثم لم يسقط التكليف عنهم ولم يضع عن أحد منهم فرائضه ولم يعذره في شيء مما كان منه من خلاف طاعته بسبب ما فعل به من الختم والطبع على قلبه وسمعه، بل أخبر أن لجميعهم منه عذاباً عظيماً على تركهم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه من حدوده وفرائضه مع حتمه القضاء عليهم مع ذلك بأنهم لا يؤمنون.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  7. #22
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,815
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ }.

    اختلفت القراءة فـي قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } مخففة الذال مفتوحة الـياء، وهي قراءة معظم أهل الكوفة. وقرأه آخرون: { يُكَذِّبُونَ } بضم الـياء وتشديد الذال، وهي قراءة معظم أهل الـمدينة والـحجاز والبصرة. وكأن الذين قرءوا ذلك بتشديد الذال وضم الـياء رأوا أن الله جل ثناؤه إنـما أوجب للـمنافقـين العذاب الألـيـم بتكذيبهم نبـيهم مـحمداً صلى الله عليه وسلم وبـما جاء به، وأن الكذب لولا التكذيب لا يوجب لأحد الـيسير من العذاب، فكيف بـالألـيـم منه؟

    ولـيس الأمر فـي ذلك عندي كالذي قالوا وذلك أن الله عزّ وجلّ أنبأ عن الـمنافقـين فـي أول النبأ عنهم فـي هذه السورة بأنهم يكذبون بدعواهم الإيـمان وإظهارهم ذلك بألسنتهم خداعاً لله عزّ وجلّ ولرسوله وللـمؤمنـين، فقال:
    { وَمِنَ ظ±لنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لأْخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَـظ°دِعُونَ ظ±للَّهَ وَظ±لَّذِينَ ءامَنُوا }
    [البقرة: 8-9] بذلك من قـيـلهم مع استسرارهم الشك، { وَمَا يَخْدَعُونَ } بصنـيعهم ذلك { إِلاَّ أَنْفُسَهُم } دون رسول الله صلى الله عليه وسلم والـمؤمنـين، { وَمَا يَشْعُرُونَ } بـموضع خديعتهم أنفسهم واستدراج الله عزّ وجل إياهم بإملائه لهم فـي قلوبهم شك أي نفـاق وريبة، والله زائدهم شكّاً وريبة بـما كانوا يكذبون الله ورسوله والـمؤمنـين بقولهم بألسنتهم:

    { ءامَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لأْخِرِ }
    [البقرة: 8] وهم فـي قـيـلهم ذلك كَذَبة لاستسرارهم الشك والـمرض فـي اعتقادات قلوبهم. فـي أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فأولـى فـي حكمة الله جل جلاله أن يكون الوعيد منه لهم علـى ما افتتـح به الـخبر عنهم من قبـيح أفعالهم وذميـم أخلاقهم، دون ما لـم يجز له ذكر من أفعالهم إذ كان سائر آيات تنزيـله بذلك نزل. وهو أن يفتتـح ذكر مـحاسن أفعال قوم ثم يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما افتتـح به ذكره من أفعالهم، ويفتتـح ذكر مساوىء أفعال آخرين ثم يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما ابتدأ به ذكره من أفعالهم. فكذلك الصحيح من القول فـي الآيات التـي افتتـح فـيها ذكر بعض مساوىء أفعال الـمنافقـين أن يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما افتتـح به ذكره من قبـائح أفعالهم، فهذا مع دلالة الآية الأخرى علـى صحة ما قلنا وشهادتها بأن الواجب من القراءة ما اخترنا، وأن الصواب من التأويـل ما تأوّلنا من أن وعيد الله الـمنافقـين فـي هذه الآية العذاب الألـيـم علـى الكذب الـجامع معنى الشك والتكذيب، وذلك قول الله تبـارك وتعالـى:
    { إِذَا جَاءكَ ظ±لْمُنَـظ°فِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ظ±للَّهِ وَظ±للَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَظ±للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ لَكَـظ°ذِبُونَ ظ±تَّخَذُواْ أَيْمَـظ°نَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }
    [المنافقون: 1-2] والآية الأخرى فـي الـمـجادلة:
    { ظ±تَّخَذْواْ أَيْمَـظ°نَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ }
    [المجادلة: 16] فأخبر جلّ ثناؤه أن الـمنافقـين بقـيـلهم ما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مع اعتقادهم فـيه ما هم معتقدون، كاذبون. ثم أخبر تعالـى ذكره أن العذاب الـمهين لهم علـى ذلك من كذبهم. ولو كان الصحيح من القراءة علـى ما قرأه القارئون فـي سورة البقرة: { وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } لكانت القراءة فـي السورة الأخرى:
    { وَظ±للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ }
    [المنافقون: 1] لـيكون الوعيد لهم الذي هو عقـيب ذلك وعيداً علـى التكذيب، لا علـى الكذب.

    وفـي إجماع الـمسلـمين علـى أن الصواب من القراءة فـي قوله:
    { وَظ±للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ لَكَـظ°ذِبُونَ }
    [المنافقون: 1] بـمعنى الكذب، وأن إيعاد الله تبـارك وتعالـى فـيه الـمنافقـين العذاب الألـيـم علـى ذلك من كذبهم، أوضح الدلالة علـى أن الصحيح من القراءة فـي سورة البقرة: { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } بـمعنى الكذب، وأن الوعيد من الله تعالـى ذكره للـمنافقـين فـيها علـى الكذب حق، لا علـى التكذيب الذي لـم يجز له ذكر نظير الذي فـي سورة الـمنافقـين سواء.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  8. #23
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,815
    قال ابن كثير:

    قال ابن عباس: والذين يؤمنون بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك، أي: يصدّقون بما جئت به من الله، وما جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرّقون بينهم، ولا يجحدون ما جاؤوهم به من ربهم، وبالآخرة هم يوقنون، أي: بالبعث والقيامة، والجنة والنار، والحساب والميزان. وإنما سميت الآخرة لأنها بعد الدنيا. وقد اختلفت المفسرون في الموصوفين هنا، هل هم الموصوفون بما تقدّم من قوله تعالى:
    { ظ±لَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِظ±لْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ظ±لصَّلوظ°ةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـظ°هُمْ يُنفِقُونَ }
    [البقرة: 3] ومن هم؟ على ثلاثة أقوال حكاها ابن جرير: أحدها: أن الموصوفين أولاً هم الموصوفون ثانياً، وهم كل مؤمن، مؤمنو العرب، ومؤمنو أهل الكتاب وغيرهم. قاله مجاهد وأبو العالية والربيع بن أنس وقتادة، والثاني؛ هما واحد، وهم مؤمنو أهل الكتاب. وعلى هذين تكون الواو عاطفة صفات على صفات؛ كما قال تعالى:
    { سَبِّحِ ظ±سْمَ رَبِّكَ ظ±لأَعْلَىظ° ظ±لَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىظ° وَظ±لَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىظ° وَظ±لَّذِيغ¤ أَخْرَجَ ظ±لْمَرْعَىظ° فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىظ° }
    [الأعلى: 1 - 5] وكما قال الشاعر:
    إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيْبَةِ في المُزْدَحَمْ
    فعطف الصفات بعضها على بعض، والموصوف واحد. والثالث: أن الموصوفين أوّلاً مؤمنو العرب، والموصوفون ثانياً بقوله: { وَظ±لَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِظ±لآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } لمؤمني أهل الكتاب. نقله السدي في تفسيره عن ابن عباس، وابن مسعود، وأناس من الصحابة،

    واختاره ابن جرير رحمه الله،

    ويستشهد لما قال بقوله تعالى:
    { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ لَمَن يُؤْمِنُ بِظ±للَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَـظ°شِعِينَ للَّهِ }
    [آل عمران: 199] الآية. وبقوله تعالى:
    { ظ±لَّذِينَ ءَاتَيْنَـظ°هُمُ ظ±لْكِتَـظ°بَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَىظ° عَلَيْهِمْ قَالُوغ¤اْ ءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ ظ±لْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُوْلَـظ°ئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بِظ±لْحَسَنَةِ ظ±لسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ }
    [القصص: 52 - 54] وبما ثبت في الصحيحين من حديث الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب، آمن بنبيه وآمن بي، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها " وأما ابن جرير فما استشهد على صحة ما قال إلا بمناسبة، وهي أن الله وصف في أول هذه السورة المؤمنين والكافرين، فكما أنه صنف الكافرين إلى صنفين: كافر ومنافق، فكذلك المؤمنون صنفهم إلى صنفين: عربي وكتابي (قلت): والظاهر قول مجاهد فيما رواه الثوري عن رجل عن مجاهد، ورواه غير واحد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: أربع آيات من أوّل سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  9. #24
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,815
    وأولـى القراءات فـي قوله: { أوْ نُنْسِها } بـالصواب من قرأ: { أو نُنْسِها } ، بـمعنى نتركها لأن الله جل ثناؤه أخبر نبـيه صلى الله عليه وسلم أنه مهما بدّل حكما أو غيره أو لـم يبدّله ولـم يغيره، فهو آتـيه بخير منه أو بـمثله. فـالذي هو أولـى بـالآية إذ كان ذلك معناها، أن يكون إذ قدّم الـخبر عما هو صانع إذا هو غير وبدّل حكم آية أن يعقب ذلك بـالـخبر عما هو صانع، إذا هو لـم يبدّل ذلك ولـم يغير. فـالـخبر الذي يجب أن يكون عقـيب قوله: { ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ } قوله: أو نترك نسخها، إذ كان ذلك الـمعروف الـجاري فـي كلام الناس. مع أن ذلك إذا قرىء كذلك بـالـمعنى الذي وصفت، فهو يشتـمل علـى معنى الإنساء الذي هو بـمعنى الترك، ومعنى النَّساء الذي هو بـمعنى التأخير، إذْ كان كل متروك فمؤخر علـى حال مّا هو متروك. وقد أنكر قوم قراءة من قرأ: «أوْ تُنْسَها» إذا عنـي به النسيان، وقالوا: غير جائز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم نسي من القرآن شيئا مـما لـم ينسخ إلا أن يكون نسي منه شيئا ثم ذكره. قالوا: وبعد، فإنه لو نسي منه شيئاً لـم يكن الذين قرءوه وحفظوه من أصحابه بجائز علـى جميعهم أن ينسوه.

    قالوا: وفـي قول الله جل ثناؤه:
    { وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِظ±لَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ }
    [الإسراء: 86] ما ينبىء عن أن الله تعالـى ذكره لـم يُنْسِ نبـيه شيئاً مـما آتاه من العلـم.

    قال أبو جعفر: وهذا قول يشهد علـى بطوله وفساده الأخبـار الـمتظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بنـحو الذي قلنا.

    حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك: إن أولئك السبعين من الأنصار الذين قتلوا ببئر معونة قرأنا بهم وفـيهم كتابـاً: «بلغوا عنا قومنا أنا لقـينا ربنا فرضي عنا وأرضانا». ثم إن ذلك رفع.

    فـالذي ذكرنا عن أبـي موسى الأشعري أنهم كانوا يقرءون: «لو أن لابن آدم واديـين من مال لابتغى لهما ثالثاً، ولا يـملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله علـى من تاب» ثم رُفع وما أشبه ذلك من الأخبـار التـي يطول بإحصائها الكتاب.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  10. #25
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,815
    حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: { كَذَلِكَ قال الّذِينَ لا يَعْلَـمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ } فهم العرب، قالوا: لـيس مـحمد صلى الله عليه وسلم علـى شيء.

    والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن يقال: إن الله أخبر تبـارك وتعالـى عن قوم وصفهم بـالـجهل، ونفـى عنهم العلـم بـما كانت الـيهود والنصارى به عالـمين أنهم قالوا بجهلهم نظير ما قال الـيهود والنصارى بعضها لبعض مـما أخبر الله عنهم أنهم قالوه فـي قوله: { وَقالَتِ الـيَهُودُ لَـيْسَتِ النّصَارَى علـى شَيْءٍ وَقالَتِ النّصَارَى لَـيْسَتِ الـيَهُودُ علـى شَيْءٍ }. وجائز أن يكونوا هم الـمشركين من العرب، وجائز أن يكونوا أمة كانت قبل الـيهود والنصارى. ولا أمة أولـى أن يقال هي التـي عنـيت بذلك من أخرى، إذ لـم يكن فـي الآية دلالة علـى أيَ من أيَ، ولا خبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتت حجته من جهة نقل الواحد العدل ولا من جهة النقل الـمستفـيض.

    وإنـما قصد الله جل ثناؤه بقوله: { كَذَلِكَ قالَ الّذِينَ لاَ يَعْلَـمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ } إعلام الـمؤمنـين أن الـيهود والنصارى قد أتوا من قـيـل البـاطل، وافتراء الكذب علـى الله، وجحود نبوّة الأنبـياء والرسل، وهم أهل كتاب يعلـمون أنهم فـيـما يقولون مبطلون، وبجحودهم ما يجحدون من ملتهم خارجون، وعلـى الله مفترون مثل الذي قاله أهل الـجهل بـالله وكتبه ورسله الذين لـم يبعث الله لهم رسولاً ولا أوحى إلـيهم كتابـاً.

    وهذه الآية تنبىء عن أن من أتـى شيئاً من معاصي الله علـى علـم منه بنهي الله عنها، فمصيبته فـي دينه أعظم من مصيبة من أتـى ذلك جاهلاً به لأن الله تعالـى ذكره عظم توبـيخ الـيهود والنصارى بـما وبّخهم به فـي قـيـلهم ما أخبر عنهم بقوله: { وَقَالَتِ الـيَهُودُ لَـيْسَتِ النّصَارَى علـى شَيْءٍ وَقَالَتِ النّصَارَى لَـيْسَتِ الـيَهُودُ علـى شَيْءٍ } من أجل أنهم أهل كتاب قالوا ما قالوا من ذلك علـى علـم منهم أنهم مبطلون.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  11. #26
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,815
    وأولـى التأويلات التـي ذكرتها بتأويـل الآية قول من قال: عنى الله عز وجل بقوله: { وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسمُهُ } النصارى وذلك أنهم هم الذين سعوا فـي خراب بـيت الـمقدس، وأعانوا بختنصر علـى ذلك، ومنعوا مؤمنـي بنـي إسرائيـل من الصلاة فـيه بعد منصرف بختنصر عنهم إلـى بلاده.

    والدلـيـل علـى صحة ما قلنا فـي ذلك: قـيام الـحجة بأن لا قوم فـي معنى هذه الآية إلا أحد الأقوال الثلاثة التـي ذكرناها، وأن لا مسجد عنى الله عزّ وجل بقوله: { وَسَعَى فِـي خَرَابِها } إلا أحد الـمسجدين، إما مسجد بـيت الـمقدس، وإما الـمسجد الـحرام. وإذْ كان ذلك كذلك، وكان معلوماً أن مشركي قريش لـم يسعوا قط فـي تـخريب الـمسجد الـحرام، وإن كانوا قد منعوا فـي بعض الأوقات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الصلاة فـيه صحّ وثبت أن الذين وصفهم الله عزّ وجل بـالسعي فـي خراب مساجده غير الذين وصفهم الله بعمارتها، إذْ كان مشركو قريش بنوا الـمسجد الـحرام فـي الـجاهلـية، وبعمارته كان افتـخارهم، وإن كان بعض أفعالهم فـيه كان منهم علـى غير الوجه الذي يرضاه الله منهم. وأخرى، أن الآية التـي قبل قوله: { وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسْمُهُ } مضت بـالـخبر عن الـيهود والنصارى وذَمِّ أفعالهم، والتـي بعدها نبهت بذمّ النصارى والـخبر عن افترائهم علـى ربهم، ولـم يَجْرِ لقريش ولا لـمشركي العرب ذكر، ولا للـمسجد الـحرام قبلها، فـيوجه الـخبر بقول الله عز وجل: { وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسْمُهُ } إلـيهم وإلـى الـمسجد الـحرام.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  12. #27
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,815
    وأولـى الأقوال بـالصواب فـي قوله: { وَإِذَا قَضَى أمْراً فـانَّـمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ } أن يقال: هو عامّ فـي كل ما قضاه الله وبرأه، لأن ظاهر ذلك ظاهر عموم، وغير جائز إحالة الظاهر إلـى البـاطن من التأويـل بغير برهان لـما قد بـينا فـي كتابنا: «كتاب البـيان عن أصول الأحكام». وإذْ كان ذلك كذلك، فأمر الله جل وعز لشيء إذا أراد تكوينه موجودا بقوله: { كُنْ } فـي حال إرادته إياه مكوّناً، لا يتقدّم وجودَ الذي أراد إيجاده وتكوينه إرادته إياه، ولا أمره بـالكون والوجود، ولا يتأخر عنه. فغير جائز أن يكون الشيء مأموراً بـالوجود مراداً كذلك إلا وهو موجود، ولا أن يكون موجوداً إلا وهو مأمور بـالوجود مراد كذلك. ونظير قوله: { وَإِذَا قَضَى أمْرا فَـانَّـمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ } قوله:
    { وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ظ±لسَّمَآءُ وَظ±لأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ظ±لأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ }
    [الروم: 25] بأن خروج القوم من قبورهم لا يتقدّم دعاء الله، ولا يتأخر عنه.

    ويسأل من زعم أن قوله: { وَإِذَا قَضَى أمْرا فَـانَّـمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ } خاصّ فـي التأويـل اعتلالاً بأن أمر غير الـموجود غير جائز، عن دعوة أهل القبور قبل خروجهم من قبورهم، أم بعده؟ أم هي فـي خاصّ من الـخـلق؟ فلن يقول فـي ذلك قولاً إلا أُلزم فـي الآخر مثله.

    ويسأل الذين زعموا أن معنى قوله جل ثناؤه: { فَـانَّـمَا يَقُول لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ } نظير قول القائل: قال فلان برأسه أو بـيده، إذا حرّكه وأومأ، ونظير قول الشاعر:
    تَقُولُ إذَا دَرأتُ لَهَا وَضِينِـي أهَذَا دِينُهُ أبَداً وَدِينِـي
    وما أشبه ذلك؟ فإنهم لا صواب اللغة أصابوا ولا كتاب الله، وما دلت علـى صحته الأدلة اتبعوا. فـيقال لقائلـي ذلك: إن الله تعالـى ذكره أخبر عن نفسه أنه إذا قضى أمراً قال له: «كُنْ»، أفتنكرون أن يكون قائلاً ذلك؟ فإن أنكروه كذّبوا بـالقرآن، وخرجوا من الـملة، وإن قالوا: بل نقرّ به، ولكنا نزعم أن ذلك نظير قول القائل: قال الـحائط فمال ولا قول هنالك، وإنـما ذلك خبر عن ميـل الـحائط.

    قـيـل لهم: أفتـجيزون للـمخبر عن الـحائط بـالـميـل أن يقول: إنـما قول الـحائط إذا أراد أن يـميـل أن يقول هكذا فـيـميـل؟

    فإن أجازوا ذلك خرجوا من معروف كلام العرب، وخالفوا منطقها وما يعرف فـي لسانها. وإن قالوا: ذلك غير جائز، قـيـل لهم: إن الله تعالـى ذكره أخبرهم عن نفسه أن قوله للشيء إذا أراده أن يقول له كُنْ فـيكون، فأعلـم عبـاده قوله الذي يكون به الشيء وَوَصَفَه ووَكَّده. وذلك عندكم غير جائز فـي العبـارة عما لا كلام له ولا بـيان فـي مثل قول القائل: قال الـحائط فمال. فكيف لـم يعلـموا بذلك فَرْقَ ما بـين معنى قول الله: { وَإِذَا قَضَى أمْرا فـانَّـمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَـيَكُونَ } وقول القائل: قال الـحائط فمال؟ وللبـيان عن فساد هذه الـمقالة موضع غير هذا نأتـي فـيه علـى القول بـما فـيه الكفـاية إن شاء الله.

    وإذا كان الأمر فـي قوله جل ثناؤه: { وَإِذَا قَضَى أمْراً فَـانَّـمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ } هو ما وصفنا من أن حال أمره الشيء بـالوجود حال وجود الـمأمور بـالوجود، فتبـين بذلك أن الذي هو أولـى بقوله: { فَـيَكُونُ } رفع علـى العطف علـى قوله: { يقول } لأن القول والكون حالهما واحد. وهو نظير قول القائل: تاب فلان فـاهتدى، واهتدى فلان فتاب لأنه لا يكون تائبـاً إلا وهو مهتد، ولا مهتديا إلا وهو تائب. فكذلك لا يـمكن أن يكون الله آمراً شيئاً بـالوجود إلا وهو موجود، ولا موجوداً إلا وهو آمره بـالوجود ولذلك استـجاز من استـجاز نَصْبَ «فَـيَكُونَ» مَنْ قَرأ:
    { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }
    [النحل: 40] بـالـمعنى الذي وصفنا علـى معنى: أن نقول فـيكون.

    وأما رَفْعُ من رَفَعَ ذلك، فإنه رأى أن الـخبر قد تـمّ عند قوله:
    { إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ }
    [النحل: 40] إذ كان معلوماً أن الله إذا حتـم قضاءه علـى شيء كان الـمـحتوم علـيه موجوداً، ثم ابتدأ بقوله: «فـيكون، كما قال جل ثناؤه:
    { لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي ظ±لأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ }
    [الحج: 5]، وكما قال ابن أحمر:
    يُعالِـجُ عاقِراً أعْيَتْ عَلَـيْهِ لِـيُـلْقِحَها فَـيَنْتِـجُها حُوَارَا
    يريد: فإذا هو ينتـجها حُوَاراً.

    فمعنى الآية إذا: وقالوا اتـخذ الله ولداً، سبحانه أن يكون له ولد بل هو مالك السموات والأرض وما فـيهما، كل ذلك مقرّ له بـالعبودية بدلالته علـى وحدانـيته. وأنَّى يكون له ولد، وهو الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل، كالذي ابتدع الـمسيح من غير والد بقدرته وسلطانه، الذي لا يتعذّر علـيه به شيء أراده بل إنـما يقول له إذا قضاه فأراد تكوينه: «كُنْ»، فـيكون موجوداً كما أراده وشاءه. فكذلك كان ابتداعه الـمسيح وإنشاءه إذْ أراد خـلقه من غير والد.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  13. #28
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,815
    وأولـى هذه الأقوال بـالصحة والصواب قول القائل: إن الله تعالـى عنى بقوله: { وَقَالَ الّذِينَ لاَ يَعْلَـمُونَ } النصارى دون غيرهم لأن ذلك فـي سياق خبر الله عنهم، وعن افترائهم علـيه وادّعائهم له ولداً. فقال جل ثناؤه، مخبراً عنهم فـيـما أخبر عنهم من ضلالتهم أنهم مع افترائهم علـى الله الكذب بقوله:
    { ظ±تَّخَذَ ظ±للَّهُ وَلَداً }
    [البقرة: 116] تـمنوا علـى الله الأبـاطيـل، فقالوا جهلاً منهم بـالله وبـمنزلتهم عنده وهم بـالله مشركون: لولا يكلـمنا الله كما يكلـم رسوله وأنبـياءه، أو تأتـينا آية كما أتتهم ولا ينبغي لله أن يكلـم إلا أولـياءه، ولا يؤتـي آيةً معجزةً علـى دعوى مدّعٍ إلا لـمن كان مـحقًّا فـي دعواه وداعياً إلـى الله وتوحيده. فأما من كان كاذبـاً فـي دعواه وداعياً إلـى الفرية علـيه وادّعاء البنـين والبنات له، فغير جائز أن يكلـمه الله جل ثناؤه، أو يؤتـيه آية معجزة تكون مؤيدة كذبه وفريته علـيه.....

    فمعنى الآية: وقالت النصارى الـجهال بـالله وبعظمته: هلاّ يكلـمنا الله ربنا كما كلـم أنبـياءه ورسله، أو تـجيئنا علامة من الله نعرف بها صدق ما نـحن علـيه علـى ما نسأل ونريد؟ قال الله جل ثناؤه: فكما قال هؤلاء الـجهال من النصارى وتـمنوا علـى ربهم. قال مَنْ قبلهم من الـيهود، فسألوا ربهم أن يريهم الله نفسه جهرة، ويؤتـيهم آية، واحتكموا علـيه وعلـى رسله، وتـمنوا الأمانـي. فـاشتبهت قلوب الـيهود والنصارى فـي تـمرّدهم علـى الله وقلة معرفتهم بعظمته وجرأتهم علـى أنبـيائه ورسله، كما اشتبهت أقوالهم التـي قالوها.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  14. #29
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,815
    والصواب عندي من القراءة فـي ذلك قراءة من قرأ بـالرفع علـى الـخبر لأن الله جل ثناؤه قصّ قصص أقوام من الـيهود والنصارى، وذكر ضلالتهم، وكُفْرَهم بـالله، وجراءَتهم علـى أنبـيائه، ثم قال لنبـيه صلى الله عليه وسلم: إنا أرسلناك يا مـحمد بشيراً من آمن بك واتبعك مـمن قصصت علـيك أنبـاءه ومن لـم أقصص علـيك أنبـاءه، ونذيراً من كفر بك وخالفك، فبلّغ رسالتـي، فلـيس علـيك من أعمال من كفر بك بعد إبلاغك إياه رسالتـي تبعة، ولا أنت مسئول عما فعل بعد ذلك.

    ولـم يجر لـمسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه عن أصحاب الـجحيـم ذكر، فـيكون لقوله: { وَلا تُسألُ عَنْ أصْحَابِ الـجَحِيـمِ } وجهٌ يوجَّه إلـيه.

    وإنـما الكلام موجه معناه إلـى ما دلّ علـيه ظاهره الـمفهوم، حتـى تأتـي دلالة بـيّنة تقوم بها الـحجة علـى أن الـمراد به غير ما دلّ علـيه ظاهره فـيكون حينئذ مسلـماً للـحجة الثابتة بذلك. ولا خبر تقوم به الـحجة علـى أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم نُهي عن أن يسأل فـي هذه الآية عن أصحاب الـجحيـم، ولا دلالة تدلّ علـى أن ذلك كذلك فـي ظاهر التنزيـل.

    والواجب أن يكون تأويـل ذلك الـخبر علـى ما مضى ذكره قبل هذه الآية وعمن ذكر بعدها من الـيهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر، دون النهي عن الـمسألة عنهم.

    فإن ظنّ ظانّ أن الـخبر الذي رُوي عن مـحمد بن كعب صحيح، فإن فـي استـحالة الشكّ من الرسول علـيه السلام فـي أن أهل الشرك من أهل الـجحيـم، وأن أبويه كانا منهم، ما يدفع صحة ما قاله مـحمد بن كعب إن كان الـخبر عنه صحيحاً، مع أن ابتداء الـخبر بعد قول: { إنّا أرْسَلْنَاكَ بـالـحَقّ بَشِيراً وَنَذِيراً } بـالواو بقوله: ولا تسأل عن أصحاب الـجحيـم، وتركه وصل ذلك بأوله بـالفـاء، وأن يكون: «إنا أرسلناك بـالـحقّ بشيراً ونذيراً»، ولا تسأل عن أصحاب الـجحيـم، أوضح الدلائل علـى أن الـخبر بقوله: «ولا تسأل»، أولـى من النهي، والرفع به أولـى من الـجزم.

    وقد ذكر أنها فـي قراءة أبـيّ: «وَما تُسْألُ» وفـي قراءة ابن مسعود: «وَلَنْ تُسْألَ» وكلتا هاتـين القراءتـين تشهد بـالرفع والـخبر فـيه دون النهي.

    وقد كان بعض نـحويـي البصرة يوجه قوله: { وَلا تُسْألُ عَنْ أصْحَابِ الـجَحِيـمِ } إلـى الـحال، كأنه كان يرى أن معناه: إنا أرسلناك بـالـحقّ بشيراً ونذيراً غير مسئول عن أصحاب الـجحيـم. وذلك إذا ضم التاء، وقرأه علـى معنى الـخبر، وكان يجيز علـى ذلك قراءته: «ولا تَسْألُ»، بفتـح التاء وضم اللام علـى وجه الـخبر بـمعنى: إنا أرسلناك بـالـحقّ بشيراً ونذيراً، غير سائل عن أصحاب الـجحيـم. وقد بـينا الصواب عندنا فـي ذلك.

    وهذان القولان اللذان ذكرتهما عن البصري فـي ذلك يرفعهما ما رُوي عن ابن مسعود وأبـيّ من القراءة لأن إدخالهما ما أدخلا من ذلك من ما، ولن يدلّ علـى انقطاع الكلام عن أوله وابتداء قوله: { وَلا تُسْألُ } وإذا كان ابتداءً لـم يكن حالاً. وأما أصحاب الـجحيـم، فـالـجحيـم هي النار بعينها إذا شبَّت وقودها، ومنه قول أمية بن أبـي الصلت:
    إذا شُبَّتْ جَهَنّـمُ ثُمَّ دَارَتْ وأعْرَضَ عَنْ قَوَابِسِها الـجَحِيـمُ
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  15. #30
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,815
    اختلف أهل التأويـل فـي الذين عناهم الله جل ثناؤه بقوله: { الّذِينَ آتَـيْنَاهُمُ الكِتابَ } فقال بعضهم: هم الـمؤمنون برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبـما جاء به من أصحابه: ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله: { الّذِينَ آتَـيْنَاهُمُ الكِتابَ } هؤلاء أصحاب نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، آمنوا بكتاب الله وصدّقوا به.

    وقال آخرون: بل عنى الله بذلك علـماء بنـي إسرائيـل الذين آمنوا بـالله وصدّقوا رُسُلَه، فأقرّوا بحكم التوراة، فعملوا بـما أمر الله فـيها من اتّبـاع مـحمد صلى الله عليه وسلم، والإيـمان به، والتصديق بـما جاء به من عند الله. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { الّذِينَ آتَـيْنَاهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرُ بِهِ فـاولَئِكَ هُمُ الـخاسِرُونَ } قال: من كفر بـالنبـيّ صلى الله عليه وسلم من يهود فأولئك هم الـخاسرون.

    وهذا القول أولـى بـالصواب من القول الذي قاله قتادة لأن الآيات قبلها مضت بأخبـار أهل الكتابـين، وتبديـل من بدل منهم كتاب الله، وتأوّلهم إياه علـى غير تأويـله، وادّعائهم علـى الله الأبـاطيـل. ولـم يَجْرِ لأصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم فـي الآية التـي قبلها ذكر، فـيكون قوله: { الّذِينَ آتَـيْنَاهُمُ الكِتابَ } موجهاً إلـى الـخبر عنهم، ولا لهم بعدها ذكر فـي الآية التـي تتلوها، فـيكون موجهاً ذلك إلـى أنه خبر مبتدأ عن قصص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء قصص غيرهم، ولا جاء بأن ذلك خبر عنهم أثر يجب التسلـيـم له. فإذا كان ذلك كذلك، فـالذي هو أولـى بـمعنى الآية أن يكون موجهاً إلـى أنه خبر عمن قَصّ الله جل ثناؤه فـي الآية قبلها والآية بعدها، وهم أهل الكتابـين: التوراة والإنـجيـل. وإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الآية: { الذين آتـيناهم الكتاب } الذي قد عرفته يا مـحمد، وهو التوراة، فقرءوه واتبعوا ما فـيه، فصدّقوك وآمنوا بك، وبـما جئت به من عندي، أولئك يتلونه حقّ تلاوته. وإنـما أدخـلت الألف واللام فـي «الكتاب» لأنه معرفة، وقد كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه عرفوا أيّ الكتب عنى به....

    ...

    وقال آخرون { يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ }: يقرءونه حقّ قراءته.

    والصواب من القول فـي تأويـل ذلك أنه بـمعنى: يتبعونه حقّ اتبـاعه، من قول القائل: ما زلت أتلو أَثَره، إذا اتبع أثره لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـى أن ذلك تأويـله. وإذا كان ذلك تأويـله، فمعنى الكلام: الذين آتـيناهم الكتاب يا مـحمد من أهل التوراة الذين آمنوا بك وبـما جئتهم به من الـحقّ من عندي، يتبعون كتابـي الذي أنزلته علـى رسولـي موسى صلوات الله علـيه، فـيؤمنون به، ويقرّون بـما فـيه من نعتك وصفتك، وأنك رسولـي فُرض علـيهم طاعتـي فـي الإيـمان بك والتصديق بـما جئتهم به من عندي، ويعملون بـما أحللتُ لهم، ويجتنبون ما حرّمت علـيهم فـيه، ولا يحرّفونه عن مواضعه ولا يبدّلونه ولا يغيرونه كما أنزلته علـيهم بتأويـل ولا غيره...
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

صفحة 2 من 73 الأولىالأولى 1234561252 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •