صفحة 19 من 75 الأولىالأولى ... 91516171819202122232969 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 271 إلى 285 من 1124

الموضوع: إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

  1. #271
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,745
    وإذ كان ذلك هو الصواب من القراءة وكان غير جائز أن يكون منصوباً بالفعل الذي بعد حرف الاستفهام، صحّ لك فتحه من أحد وجهين: إما أن يكون اسماً لأبي إبراهيم صلوات الله عليه وعلى جميع أنبيائه ورسله، فيكون في موضع خفض ردًّا على الأب، ولكنه فتح لما ذكرت من أنه لما كان اسماً أعجميًّا ترك إجراؤه، ففتح كما فتح العرب في أسماء العجم. أو يكون نعتاً له، فيكون أيضاً خفضاً بمعنى تكرير اللام عليه، ولكنه لما خرج مخرج أحمر وأسود ترك إجراؤه وفعل له كما يفعل بأشكاله. فيكون تأويل الكلام حينئذ: وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر: أتتخذ أصناماً آلهة؟ وإن لم يكن له وجهة في الصواب إلاَّ أحد هذين الوجهين، فأولى القولين بالصواب منهما عندي، قول من قال: هو اسم أبيه لأن الله تعالى أخبر أنه أبوه. وهو القول المحفوظ من قول أهل العلم دون القول الآخر الذي زعم قائله أنه نعت.

    فإن قال قائل: فإن أهل الأنساب إنما ينسبون إبراهيم إلى تارح، فكيف يكون آزر اسماً له والمعروف به من الاسم تارح؟ قيل له: غير محال أن يكون له اسمان، كما لكثير من الناس في دهرنا هذا، وكان ذلك فيما مضى لكثير منهم. وجائز أن يكون لقباً، والله تعالى أعلم.

  2. #272
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,745
    وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، قول من قال: عنى الله تعالى بقوله: { وكَذَلِكَ نُرِى إبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ والأرْضِ } أنه أراه ملك السموات والأرض، وذلك ما خلق فيهما من الشمس والقمر والنجوم والشجر والدوابّ وغير ذلك من عظيم سلطانه فيهما، وجلَّى له بواطن الأمور وظواهرها لما ذكرنا قبل من معنى الملكوت في كلام العرب فيما مضى قبل.

  3. #273
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,745
    وأنكر قوم من غير أهل الرواية هذا القول الذي رُوي عن ابن عباس، وعمن رُوِي عنه من أن إبراهيم قال للكوكب أو للقمر: هذا ربي وقالوا: غير جائز أن يكون لله نبيّ ابتعثه بالرسالة أتى عليه وقت من الأوقات وهو بالغ إلاَّ وهو لله موحد وبه عارف ومن كلّ ما يعبد من دونه برىء. قالوا: ولو جاز أن يكون قد أتى عليه بعض الأوقات وهو به كافر لم يجز أن يختصه بالرسالة، لأنه لا معنى فيه إلاَّ وفي غيره من أهل الكفر به مثله، وليس بين الله وبين أحد من خلقه مناسبة فيحابيه باختصاصه بالكرامة. قالوا: وإنما أكرم من أكرم منهم لفضله في نفسه، فأثابه لاستحقاقه الثواب بما أثابه من الكرامة. وزعموا أن خبر الله عن قيل إبراهيم عند رؤيته الكوكب أو القمر أو الشمس: «هذا ربي»، لم يكن لجهله بأن ذلك غير جائز أن يكون ربه وإنما قال ذلك على وجه الإنكار منه أن يكون ربه، وعلى العيب لقومه في عبادتهم الأصنام، إذ كان الكوكب والقمر والشمس أضوأَ وأحْسَنَ وأبهجَ من الأصنام، ولم تكن مع ذلك معبودة، وكانت آفلة زائلة غير دائمة، والأصنام التي دونها في الحسن وأصغر منها في الجسم، أحقّ أن لا تكون معبودة ولا آلهة. قالوا: وإنما قال ذلك لهم معارضة، كما يقول أحد المتناظرين لصاحبه معارضاً له في قول باطل قال به بباطل من القول على وجه مطالبته إياه بالفرقان بين القولين الفاسدين عنده اللذين يصحح خصمه أحدهما ويدَّعي فساد الآخر. وقال آخرون منهم: بل ذلك كان منه في حال طفوليته وقبل قيام الحجة عليه، وتلك حال لا يكون فيها كفر ولا إيمان. وقال آخرون منهم: وإنما معنى الكلام: أهذا ربي على وجه الإنكار والتوبيخ أي ليس هذا ربي. وقالوا: قد تفعل العرب مثل ذلك، فتحذف الألف التي تدلّ على معنى الاستفهام. وزعموا أن من ذلك قول الشاعر:
    رفُونِي وقالُوا يا خُوَيلِدُ لا تُرَعْ فقلتُ وأنكرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ
    يعني: «أهم هم»؟ قالوا: ومن ذلك قول أوس:
    لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كُنْتَ دَارِياً شُعَيْثُ بنُ سَهْمٍ أمْ شُعَيْثُ ابنُ مِنْقَرِ
    بمعنى: أشعيث بن سهم؟ فحذف الأولف. ونظائر ذلك. وأما تذكير «هذا» في قوله:
    { فَلَمَّا رأى الشمْسَ بازِغَةً قالَ هَذَا رَبي }
    فإنما هو على معنى: هذا الشيء الطالع ربي.

    وفي خبر الله تعالى عن قيل إبراهيم حين أفل القمر:
    { لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبي لأَكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضَّالِّينَ }
    الدليل على خطأ هذه الأقوال التي قالها هؤلاء القوم. وأن الصواب من القول في ذلك: الإقرار بخبر الله تعالى الذي أخبر به عنه والإعراض عما عداه.

    ملحوظة

    مارجحه الطبري مرجوح لاراجح والله اعلم

  4. #274
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,745
    وقال آخرون: هذا جواب من قوم إبراهيم صلى الله عليه وسلم لإبراهيم حين قال لهم: أيّ الفريقين أحقّ بالأمن؟ فقالوا له: الذين آمنوا بالله فوحدوه أحقّ بالأمن إذا لم يلبسوا إيمانهم بظلم. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج:
    { فأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بالأَمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ }
    أمن يعبد رباً واحداً أم من يعبد أرباباً كثيرة؟ يقول قومه: { الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ } بعبادة الأوثان، وهي حجة إبراهيم { أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنَ وَهُمْ مُهْتَدُونَ }.

    وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: هذا خبر من الله تعالى عن أولى الفريقين بالأمن، وفصل قضاء منه بين إبراهيم صلى الله عليه وسلم وبين قومه، وذلك أن ذلك لو كان من قول قوم إبراهيم الذين كانوا يعبدون الأوثان ويشركونها في عبادة الله، لكانوا قد أقرّوا بالتوحيد واتبعوا إبراهيم على ما كانوا يخالفونه فيه من التوحيد، ولكنه كما ذكرت من تأويله بدءاً....

    وذكر من قال: عُنِيَ بها المهاجرون خاصة:

    حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان وحميد بن عبد الرحمن، عن قيس بن الربيع، عن سماك، عن عكرمة: { الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ } قال: هي لمن هاجر إلى المدينة.

    وأولى القولين بالصحة في ذلك، ما صح في ذلك، ما صحّ به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الخبر الذي رواه بن مسعود عنه أنه قال: " الظُّلْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالى فِي هَذَا المَوْضِعِ هُوَ الشِّرْكُ ". وأما قوله: { أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } فإنه يعني: هؤلاء الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بشرك، لهم الأمن يوم القيامة من عذاب الله، { وَهُمْ مُهْتَدُونَ } يقول: وهم المصيبون سبيل الرشاد والسالكون طريق النجاة.

  5. #275
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,745
    { وَمِنْ ذُرّيَّتِهِ دَاوُدَ } والهاء التي في قوله: { وَمِنْ ذُرّيَّتِهِ } من ذكر نوح، وذلك أن الله تعالى ذكر في سياق الآيات التي تتلو هذه الآية لوطاً، فقال:
    { وإسْمَاعِيلَ واليَسَعَ وَيُونُس وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنا على العالَمِينَ }
    ومعلوم أن لوطاً لم يكن من ذرية إبراهيم صلى الله عليه وسلم أجمعين. فإذا كان ذلك، وكان معطوفاً على أسماء من سمينا من ذرّيته، كان لا شكّ أنه لو أريد بالذرية ذرّية إبراهيم لما دخل يونس ولوط فيهم، ولا شكّ أن لوطاً ليس من ذرّية إبراهيم ولكنه من ذرّية نوح، فلذلك وجب أن تكون الهاء في «الذرّية» من ذكر نوح.

  6. #276
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,745
    حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: { فإنْ يَكْفُرْ بهَا هَؤلاءِ } قال: يعني: قوم محمد، ثم قال: { فَقَدْ وَكَّلْنَا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكَافِرِينَ } يعني: النبيين الذين قصّ قبل هذه الآية قصصهم، ثم قال: { أولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ }.

    وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، قول من قال: عنى بقوله: { فإنْ يَكْفُرْ بهَا هَؤلاءِ } كفار قريش، { فَقَدْ وَكَّلْنَا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكَافِرِينَ } يعني به: الأنبياء الثمانية عشر الذين سماهم الله تعالى ذكره في الآيات قبل هذه الآية. وذلك أن الخبر في الآيات قبلها عنهم مضى وفي التي بعدها عنهم ذكر، ففيما بينهما بأن يكون خبراً عنهم أَوْلَى وأحقّ من أن يكون خبراً عن غيرهم.

    فتأويل الكلام إذا كان ذلك كذلك: فإن يكفر قومك من قريش يا محمد بآياتنا، وكذّبوا وجحدوا حقيقتها، فقد استحفظناها واسترعينا القيام بها رسلنا وأنبياءنا من قبلك الذين لا يجحدون حقيقتها ولا يكذّبون بها، ولكنهم يصدّقون بها ويؤمنون بصحتها. وقد قال بعضم: معنى قوله: { فَقَدْ وَكَّلْنَا بِها قَوْماً }: رزقناها قوماً.

  7. #277
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,745
    وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال: عني بقوله: { وما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ } مشركو قريش. وذلك أن ذلك في سياق الخبر عنهم أوّلاً، فأن يكون ذلك أيضاً خبراً عنهم أشبه من أن يكون خبراً عن اليهود ولما يجر لهم ذكر يكون هذا به متصلاً، مع ما في الخبر عمن أخبر الله عنه في هذه الآية من إنكاره أن يكون الله أنزل على بشر شيئاً من الكتب وليس ذلك مما تدين به اليهود، بل المعروف من دين اليهود الإقرار بصحف إبراهيم وموسى وزبور داود. وإذا لم يكن بما روي من الخبر بأن قائل ذلك كان رجلاً من اليهود خبر صحيح متصل السند، ولا كان على أن ذلك كان كذلك من أهل التأويل إجماع، وكان الخبر من أوّل السورة ومبتدئَها إلى هذا الموضع خبراً عن المشركين من عبدة الأوثان، وكان قوله: { وَما قَدَرُوا حَقَّ اللّهَ قَدْرِهِ } موصولاً بذلك غير مفصول منه، لم يجز لنا أن ندّعي أن ذلك مصروف عما هو به موصول إلاَّ بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل ولكني أظنّ أن الذين تأوّلوا ذلك خبراً عن اليهود، وجدوا قوله: «قُلْ مَنْ أنزل الكتابَ الَّذِي جاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى للنَّاسِ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيراً وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ وَلا آباؤكُمْ» فوجهوا تأويل ذلك إلى أنه لأهل التوراة، فقرءوه على وجه الخطاب لهم: { تجعلونه قراطِيس تبدونها وتخفون كثيراً وعلَّمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم } فجعلوا ابتداء الآية خبراً عنهم، إذ كانت خاتمتها خطاباً لهم عندهم. وغير ذلك من التأويل والقراءة أشبه بالتنزيل، لما وصفت قبل من أن قوله: { وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } في سياق الخبر عن مشركي العرب وعبدة الأوثان، وهو به متصل، فالأولى أن يكون ذلك خبراً عنهم.

    والأصوب من القراءة في قوله: «يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيراً» أن يكون بالياء لا بالتاء، على معنى أن اليهود يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً، ويكون الخطاب بقوله: { قُلْ منْ أنزلَ الكتابَ } لمشركي قريش. وهذا هو المعنى الذي قصده مجاهد إن شاء الله في تأويل ذلك، وكذلك كان يقرأ.

    حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن مجاهد أنه كان يقرأ هذا الحرف: «يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيراً».

  8. #278
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,745
    وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، أن يقال: إن الله قال: { وَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى على الله كَذِبا أوْ قالَ أُوحِيَ إليَّ وَلمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ } ولا تَمَانُعَ بين علماء الأمة أن ابن أبي سرح كان ممن قال: إني قد قلت مثل ما قال محمد، وأنه ارتدّ عن إسلامه ولحق بالمشركين. فكان لا شكّ بذلك من قيله مفترياً كذباً. وكذلك لا خلاف بين الجميع أن مسيلمة والعنسيّ الكذّابين ادّعيا على الله كذباً أنه بعثهما نبيين، وقال كلّ واحد منهما: إن الله أوحى إليه وهو كاذب في قيله.

    فإذا كان ذلك كذلك فقد دخل في هذه الآية كل من كان مختلقاً على الله كذباً وقائلاً في ذلك الزمان وفي غيره أوحى الله إليه، وهو في قيله كاذب لم يوح الله إليه شيئاً فأما التنزيل فإنه جائز أن يكون نزل بسبب بعضهم وجائز أن يكون نزل بسبب جميعهم وجائز أن يكون عُني به جميع المشركين من العرب إذ كان قائلو ذلك منهم فلم يغيروه فعيرهم الله بذلك وتوعدهم بالعقوبة على تركهم نكير ذلك ومع تركهم نكيره هم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مكذبون ولنبوته جاحدون ولآيات كتاب الله وتنزيله دافعون، فقال لهم جل ثناؤه: ومن أظلم ممن ادعى على النبوّة كاذباً وقال { أوحيَ إليَّ وَلمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ } ومع ذلك يقول { ما أنْزَلَ اللّهُ على بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ } فينقض قوله بقوله ويكذب بالذي تحققه وينفى ما يثبته وذلك إذا تدبره العاقل إلا ريب علم أن فاعله من عقله عديم ...

    فإن قال قائل ما وجه قوله { أخْرِجُوا أنْفُسَكُمْ } ونفوس بني آدم إنما يخرجها من أبدان أهلها ربّ العالمين؟ فكيف خوطب هؤلاء الكفار، وأمروا في حال الموت بإخراج أنفسهم فإن كان ذلك كذلك فقد وجب أن يكون بنو آدم هم يقبضون أنفس أجسامهم؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف الذي ذهبتَ، وإنما ذلك أمر من الله على ألسن رسله الذين يقبضون أرواح هؤلاء القوم من أجسامهم، بأداء ما أسكنها ربها من الأرواح إليه وتسليمها إلى رسله الذين يتوفونها.

  9. #279
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,745
    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي ما قدمنا القول به، وذلك أن الله جلّ ثناؤه أتبع ذلك بإخباره عن إخراجه الحيَّ من الميت والميت من الحيَّ، فكان معلوماً بذلك أنه إنما عنى بإخباره عن نفسه أنه فالق الحبّ عن النبات والنوى عن الغروس والأشجار، كما هو مخرج الحيّ من الميت والميت من الحيّ. وأما القول الذي حُكي عن الضحاك في معنى فالق أنه خالق، فقولٌ إن لم يكن أراد به أنه خالق منه النبات والغروس بفلقه إياه، لا أعرف له وجهاً، لأنه لا يُعرف في كلام العرب فلق الله الشيء بمعنى: خلق.

    القول في تأويل قوله تعالى: { يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأنَّى تُؤْفَكُونَ }.

    يقول تعالى ذكره: يخرج السنبل الحيّ من الحبّ الميت، ومخرج الحبّ الميت من السنبل الحيّ، والشجر الحيّ من النوى الميت، والنوى الميت من الشجر الحيّ. والشجر ما دام قائماً على أصوله لم يجفّ والنبات على ساقه لم ييبس، فإن العرب تسميه حيًّا، فإذا يبس وجفّ أو قطع من أصله سموه ميتاً.

    وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك.

    حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، أما: { يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ } فيخرج السنبلة الحية من الحبة الميتة، ويخرج الحبة الميتة من السنبلة الحية، ويخرج النخلة الحية من النواة الميتة، ويخرج النواة الميتة من النخلة الحية.

    حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن السديّ، عن أبي مالك: { يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيّ } قال: النخلة من النواة والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة والسنبلة من الحبة.

    وقال آخرون بما:

    حدثني به المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: { إنَّ اللّهَ فالِقُ الحَبّ والنَّوَى يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيّ } قال: يخرج النطفة الميتة من الحيّ، ثم يخرج من النطفة بشراً حيًّا.

    وإنما اخترنا التأويل الذي اخترنا في ذلك، لأنه عقيب قوله: { إنَّ اللّهَ فالِقُ الحَبّ والنَّوَى } على أن قوله: { يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيّ } وإن كان خبراً من الله عن إخراجه من الحبّ السنبل ومن السنبل الحبّ، فإنه داخل في عمومه ما رُوي عن ابن عباس في تأويل ذلك وكلّ ميت أخرجه الله من جسم حيّ، وكلّ حيّ أخرجه الله من جسم ميت.

  10. #280
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,745
    وقال آخرون: معنى ذلك: وجعل الشمس والقمر ضياء. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْباناً } أي ضياء.

    وأولى القولين في تأويل ذلك عندي بالصواب تأويل من تأوّله: وجعل الشمس والقمر يجريان بحساب وعدد لبلوغ أمرها ونهاية آجالهما، ويدوران لمصالح الخلق التي جُعِلا لها.

    وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله تعالى ذِكره ذكر قبله أياديه عند خلقه وعظم سلطانه، بفلقه الإصباح لهم وإخراج النبات والغراس من الحبّ والنوى، وعقب ذلك بذكره خلق النجوم لهدايتهم في البرّ والبحر، فكان وصفه إجراءه الشمس والقمر لمنافعهم أشبه بهذا الموضع من ذكر إضاءتهما لأنه قد وصف ذلك قبلُ بقوله: { فالِقُ الإصْباحِ } فلا معنى لتكريره مرّة أخرى في آية واحدة لغير معنى...

    وأحسب أن قتادة في تأويل ذلك بمعنى الضياء، ذهب إلى شيء يرْوَى عن ابن عباس في قوله: أوْ يُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ قال: ناراً، فوجه تأويل قوله: { والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْباناً } إلى ذلك التأويل. وليس هذا من ذلك المعنى في شيء. وأما «الحِسْبان» بكسر الحاء: فإنه جمع الحِسبانة: وهي الوسادة الصغيرة، وليست من الأوليين أيضاً في شيء، يقال: حَسِبته: أجلسته عليها، ونصب قوله: { حُسْباناً } بقوله: { وَجَعَلَ }. وكان بعض البصريين يقول: معناه: و { والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْباناً } أي بحساب، فحذف الباء كما حذفها من قوله: هُوَ أعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلهِ: أي أعلم بمن يضلّ عن سبيله.

  11. #281
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,745
    وأولى التأويلات في ذلك بالصواب، أن يقال: إن الله جلّ ثناؤه عمّ بقوله: { فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَع } كلّ خلقه الذي أنشأ من نفس واحدة مستقرّاً ومستودعاً، ولم يخصص من ذلك معنى دون معنى. ولا شك أن من بني آدم مستقراً في الرحم ومستودعاً في الصلب، ومنهم من هو مستقرّ على ظهر الأرض أو بطنها ومستودع في أصلاب الرجال، ومنهم مستقرّ في القبر مستودع على ظهر الأرض، فكلّ مستقرّ أو مستودع بمعنى من هذه المعاني فداخل في عموم قوله: { فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَعٌ } ومراد به: إلا أن يأتي خبر يجب التسليم له بأنه معنيّ به معنى دون معنى وخاصّ دون عامّ.

    واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَع } فقرأت ذلك عامة قراء أهل المدينة والكوفة: { فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَع } بمعنى: فمنهم من استقره الله في مقرّه فهو مستقرّ، ومنهم من استودعه الله فيما استودعه فيه فهو مستودع فيه. وقرأ ذلك بعض أهل المدينة وبعض أهل البصرة: «فمُسْتَقِرٌ» بكسر القاف بمعنى: فمنهم من استقر فهو مستودع فيه في مقرّه فهو مستقِرٌّ به.

    وأولى القراءتين بالصواب عندي وإن كان لكليهما عندي وجه صحيح: { فمُسْتَقَرٌّ } بمعنى: استقرّه الله في مستقرّه، ليأتلف المعنى فيه وفي «المستودع» في أن كلّ واحد منهما لم يسمّ فاعله، وفي إضافة الخبر بذلك إلى الله في أنه المستقرّ هذا والمستودع هذا وذلك أن الجميع مجمعون على قراءة قوله: { وَمُسْتَوْدَعٌ } بفتح الدال على وجه ما لم يسمّ فاعله، فإجراء الأوّل، أعني قوله: «فمستقرّ» عليه أشبه من عدوله عنه.

  12. #282
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,745
    والقراءة التي لا أستجيز أن يُقرأ ذلك إلا بها النصب { وَجَنَّاتٍ مِنْ أعْنَابٍ } لإجماع الحجة من القرّاء على تصويبها والقراءة بها ورفضهم ما عداها، وبُعْد معنى ذلك من الصواب إذ قرىء رفعاً. وقوله: { والزَّيْتُونَ والرُّمَّانِ } عطف بالزيتون على «الجنات» بمعنى: وأخرجنا الزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه....

    وأولى القراءتين في ذلك عند بالصواب، قراءة من قرأ: { انْظُرُوا إلى ثُمُرِهِ } بضمّ الثاء والميم، لأن الله جلّ ثناؤه وصف أصنافاً من المال، كما قال يحيى بن وثاب. وكذلك حبّ الزرع المتراكب، وقنوان النخل الدانية، والجنات من الأعناب والزيتون والرمان، فكان ذلك أنواعاً من الثمر، فجمعت الثمرة ثَمراً ثم جمع الثمر ثماراً، ثم جمع ذلك فقيل: «انظروا إلى ثُمُره»، فكان ذلك جمع الثمار، والثمار جمع الثمرة، وإثماره: عقد الثمر...

  13. #283
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,745
    واختلفوا في قراءة قوله: { وَخَلَقَهُمْ } فقرأته قرّاء الأمصار: { وَخَلَقَهُمْ } على معنى أن الله خلقهم منفردًّا بخلقه إياهم. وذكر عن يحيى بن يعمر ما:

    حدثني به أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن واصل مولى أبي عيينة، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، أنه قال: «شُرَكَاءَ الجِنَّ وخَلْقَهُمْ»

    بجزم اللام بمعنى أنهم قالوا: إن الجنّ شركاء لله في خلقه إيانا.

    وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ ذلك { وَخَلَقَهُمْ } لإجماع الحجة من القرّاء عليها....

  14. #284
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,745
    وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه: { وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ } بتأويل: قرأت وتعلمت لأن المشركين كذلك كانوا يقولون للنبيّ صلى الله عليه وسلم وقد أخبر الله عن قيلهم ذلك بقوله:
    { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ }
    فهذا خبر من الله ينبىء عنهم أنهم كانوا يقولون: إنما يتعلم محمد ما يأتيكم به من غيره. فإذ كان ذلك كذلك، فقراءة: { وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ } يا محمد، بمعنى: تعلمت من أهل الكتاب، أشبه بالحقّ وأولى بالصواب من قراءة من قرأه: «دَارَسْتَ» بمعنى: قارأتهم وخاصمتهم، وغير ذلك من القراءات.....

  15. #285
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,745
    وأولى التأويلات في ذلك بتأويل الآية، قول من قال: ذلك خطاب من الله للمؤمنين به من أصحاب رسوله، أعنى قوله: { وَما يُشْعِرُكُمْ أنَّها إذَا جاءَتْ لا يُؤمِنُونَ } ، وأن قوله «أنها» بمعنى: «لعلها».

    وإنما كان ذلك أولى تأويلاته بالصواب لاستفاضة القراءة في قرّاء الأمصار بالياء من قوله: { لا يُؤْمِنُونَ } ولو كان قوله: { وَما يُشْعِرُكُمْ } خطاباً للمشركين، لكانت القراءة في قوله: { لا يُؤْمِنُونَ } بالتاء، وذلك وإن كان قد قرأه بعض قراء المكيين كذلك، فقراءة خارجة عما عليه قرّاء الأمصار، وكفى بخلاف جميعهم لها دليلاً على ذهابها وشذوذها.

    وإنما معنى الكلام: وما يدريكم أيها المؤمنون لعلّ الآيات إذا جاءت هؤلاء المشركين لا يؤمنون فيعاجَلوا بالنقمة والعذاب عند ذلك ولا يؤخَّروا به.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •