صفحة 18 من 70 الأولىالأولى ... 81415161718192021222868 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 256 إلى 270 من 1048

الموضوع: إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

  1. #256
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,736
    حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: { يا عِيسَى ابْنَ مَرْيمَ أأنْتَ قُلْتَ للنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ } متى يكون ذلك؟ قال: يوم القيامة، ألا ترى أنه يقول:
    { هَذَا يَومُ يَنْفَعُ الصَّادقِينَ صِدْقُهُمْ }
    فعلى هذا التأويل الذي تأوّله ابن جريج يجب أن يكون «وإذْ» بمعنى «وإذا»، كما قال في موضع آخر: وَلَوْ تَرَى إذْ فَزِعُوا، بمعنى: يفزعون. وكما قال أبو النجم:
    ثُمَّ جَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا إذْ جَزَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فِي العَلاليِّ العُلا
    والمعنى: إذا جزى. وكما قال الأسود:
    فالآنَ إذْ هازَلْتُهُنَّ فإنَّمَا يَقُلْنْ ألا لم يذْهَبِ الشَّيخُ مَذْهَبا
    بمعنى: إذا هازلتهنّ. وكأنّ من قال في ذلك بقول ابن جريج هذا، وجَّه تأويل الآية إلى:
    { فَمَنْ يَكْفُرْ بعدُ مِنْكُمْ فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالِمينَ }
    في الدنيا وأعذّبه أيضاً في الآخرة، { إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيمَ أأنْتَ قُلْتَ للنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ }.

    وأولى القولين عندنا بالصواب في ذلك، قول من قال بقول السدّيّ: وهو أن الله تعالى قال ذلك لعيسى حين رفعه إليه، وأن الخبر خبر عما مضى لعلتين: إحداهما: أن «إذ» إنما تصاحب في الأغلب من كلام العرب المستعمل بينها الماضي من الفعل، وإن كانت قد تدخلها أحياناً في موضع الخبر عما يحدث إذا عرف السامعون معناها وذلك غير فاشٍ ولا فصيح في كلامهم، فتوجيه معاني كلام الله تعالى إلى الأشهر الأعرف ما وجد إليه السبيل أولى من توجيهها إلى الأجهل الأنكر. والأخرى: أن عيسى لم يشكّ هو ولا أحد من الأنبياء أن الله لا يغفر لمشرك مات على شركه، فيجوز أن يتوهم على عيسى أن يقول في الآخرة مجيباً لربه تعالى:
    { إن تعذّب من اتخذني وأمي إلهين من دونك فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم }
    فإن قال قائل: وما كان وجه سؤال الله عيسى: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، وهو العالم بأن عيسى لم يقل ذلك؟ قيل: يحتمل ذلك وجهين من التأويل: أحدهما: تحذير عيسى عن قيل ذلك ونهيه، كما يقول القائل لآخر: أفعلت كذا وكذا؟ مما يعلم المقول له ذلك أن القائل يستعظم فعل ما قال له: «أفعلته» على وجه النهي عن فعله والتهديد له فيه. والآخر: إعلامه أن قومه الذين فارقهم قد خالفوا عهده وبدّلوا دينهم بعده، فيكون بذلك جامعاً إعلامه حالهم بعده وتحذيره له قيله.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  2. #257
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,736
    وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب: «هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ» بنصب اليوم على أنه منصوب على الوقت والصفة، لأن معنى الكلام: أن الله تعالى أجاب عيسى حين قال:
    { سُبْحانَكَ مَا يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ }
    إلى قوله:
    { فإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ }
    فقال له عزّ وجلّ: هذا القول النافع أو هذا الصدق النافع يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ فاليوم وقت القول والصدق النافع.

    فإن قال قائل: فما موضع «هذا»؟ قيل رفع فإن قال: فأين رافعه؟ قيل مضمر، وكأنه قال: قال الله عزّ وجلّ: هذا، هذا يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ..

    فتأويل الكلام إذا كان الأمر على ما وصفنا لما بينا: قال الله لعيسى: هذا القول النافع في يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ في الدنيا صِدْقُهُمْ ذلك في الآخرة عند الله. { لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ } يقول: للصادقين في الدنيا جناتٌ تجري من تحتها الأنهار في الآخرة ثواباً لهم من الله عزّ وجلّ، على ما كان من صدقهم الذي صدقوا الله فيما وعدوه، فوفوا به لله، فوفى الله عزّ وجلّ لهم ما وعدهم من ثوابه. { خالِدِينَ فِيها أبَداً } يقول: باقين في الجنات التي أعطاهموها أبداً دائماً لهم فيها نعيم لا ينتقل عنهم ولا يزول. وقد بينا فيما مضى أن معنى الخلود: الدوام والبقاء....
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  3. #258
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,736
    سورة الانعام

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } قال: الآلهة التي عبدوها عدلوها بالله قال: وليس لله عِدْل ولا ندّ، وليس معه آلهة، ولا اتخذ صاحبة ولا ولداً.

    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: إن الله تعالى أخبر أن الذين كفروا بربهم يعدلون، فعمّ بذلك جميع الكفار، ولم يخصص منهم بعضاً دون بعض، فجميعهم داخلون في ذلك: يهودهم، ونصاراهم، ومجوسهم، وعبدة الأوثان منهم ومن غيرهم من سائر أصناف الكفر.
    ...

    وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: معناه: ثم قضى أجل الحياة الدنيا، { وأَجَلٌ مُسَمًّى عندهُ } وهو أجل البعث عنده.

    وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأنه تعالى نبه خلقه على موضع حجته عليهم من أنفسهم، فقال لهم: أيها الناس، إن الذي يعدل به كفاركم الآلهة والأنداد هو الذي خلقكم فابتدأكم وأنشأكم من طين، فجعلكم صوراً أجساماً أحياء بعد إذ كنتم طيناً جماداً، ثم قضى آجال حياتكم لفنائكم ومماتكم، ليعيدكم تراباً وطيناً كالذي كنتم قبل أن ينشأكم ويخلقكم. { وأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ } لإعادتكم أحياء وأجساماً كالذي كنتم قبل مماتكم. وذلك نظير قوله:
    { كَيْفَ تَكْفُرُونَ باللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتاً فأحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيْتُكُمْ ثُمَّ يُحُيِيكُمْ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ }
    القول في تأويل قوله تعالى: { ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتُرُونَ }.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  4. #259
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,736
    اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قراء الحجاز والمدينة والبصرة: { مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ } بضم الياء وفتح الراء، بمعنى: من يصرف عنه العذاب يومئذ. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة «مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ» بفتح الياء وكسر الراء، بمعنى: من يصرف الله عنه العذاب يومئذ.

    وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي، قراءة من قرأه: «يَصْرِفْ عَنْهُ» بفتح الياء وكسر الراء، لدلالة قوله: { فَقَدْ رَحِمَهُ } على صحة ذلك، وأن القراءة فيه بتسمية فاعله. ولو كانت القراءة في قوله: { مَنْ يُصْرَفُ } على وجه ما لم يسمّ فاعله، كان الوجه في قوله: { فَقَدْ رَحِمَهُ } أن يقال: «فقد رُحِم» غير مسمى فاعله وفي تسمية الفاعل في قوله: { فَقَدْ رَحِمَهُ } دليل على بين أن ذلك كذلك في قوله: { مَنْ يَصْرِفُ عَنْهُ }. وإذ كان ذلك هو الوجه الأولى بالقراءة، فتأويل الكلام: { مَنْ يَصْرِفْ عَنْهُ } من خلقه { يَوْمِئِذٍ } عذابه { فَقَدْ رَحِمَهُ وذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ المُبِينُ }. ويعني بقوله: { ذَلِكَ }: وصرف الله عنه العذاب يوم القيامة، ورحمته إياه { الفَوْزُ } أي النجاة من الهلكة والظفر بالطلبة { المُبِينُ } يعني الذي بين لمن رآه أنه الظفر بالحاجة وإدراك الطلبة.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  5. #260
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,736
    وقرأ ذلك جماعة من قرّاء الكوفيين: «ثمَّ لَمْ يَكُنْ» بالياء «فِتْنَتَهُمْ» بالنصب { إلاَّ أنْ قالُوا } بنحو المعنى الذي قصده الآخرون الذين ذكرنا قراءتهم، غير أنهم ذكروا يكون لتذكير أن وهذه القراءة عندنا أولى القراءتين بالصواب، لأن «أنْ» أثبت في المعرفة من الفتنة.

    واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } فقال بعضهم: معناه: ثم لم يكن قولهم. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال قتادة في قوله: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } قال: مقالتهم. قال معمر: وسمعت غير قتادة يقول: معذرتهم.

    حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } قال: قولهم.

    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلاَّ أنْ قالُوا... } الآية، فهو كلامهم، قالوا: { واللّهِ رَبِّنَا ما كُنَا مُشْرِكِينَ }.

    حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال سمعت الضحاك: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُم } ْ يعني كلامهم.

    وقال آخرون: معنى ذلك معذرتهم. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } قال: معذرتهم.

    حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلاَّ أنْ قالُوا وَاللّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ } يقول: اعتذارهم بالباطل والكذب.

    والصواب من القول في ذلك أن يقال معناه: ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم اعتذاراً مما سلف منهم من الشرك بالله، { إلا أنْ قالُوا وَاللّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ } فوضعت الفتنة موضع القول لمعرفة السامعين معنى الكلام.

    وإنما الفتنة: الاختبار والابتلاء، ولكن لما كان الجواب من القوم غير واقع هنالك إلاَّ عند الاختبار، وضعت الفتنة التي هي الاختبار موضع الخبر عن جوابهم ومعذرتهم.

    واختلفت القرّاء أيضاً في قراءة قوله: { وَاللّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ } فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة وبعض الكوفيين والبصريين: { وَاللّهِ رَبِّنا } خفضاً على أن «الرب» نعت لله. وقرأ ذلك جماعة من التابعين: «واللّهِ رَبِّنا» بالنصب بمعنى: والله يا ربنا، وهي قراءة عامة قرّاء أهل الكوفة.

    وأولى القراءتين عندي بالصواب في ذلك قراءة من قرأ: «وَاللّهِ رَبِّنا» بنصب الربّ، بمعنى: يا ربنا. وذلك أن هذا جواب من المسئولين المقول لهم:
    { أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمونَ }
    وكان من جواب القوم لربهم: والله يا ربنا ما كنا مشركين، فنفوا أن يكونوا قالوا ذلك في الدنيا. يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون، ويعني بقوله: { ما كُنَّا مُشْرِكِينَ } ما كنا ندعو لك شريكاً ولا ندعو سواك.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  6. #261
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,736
    حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني سعيد بن أبي أيوب، قال: قال عطاء بن دينار في قوله الله: { وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأَوْنَ عَنْهُ } أنها نزلت في أبي طالب، أنه كان ينهى الناس عن إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وينأى عما جاء به من الهدى.

    وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، قول من قال: تأويله: { وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ } عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم من سواهم من الناس، وينأوْنَ عن اتباعه. وذلك أن الآيات قبلها جرت بذكر جماعة المشركين العادلين به، والخبر عن تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والإعراض عما جاءهم به من تنزيل الله ووحيه، فالواجب أن يكون قوله: { وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ } خبراً عنهم، إذ لم يأتنا ما يدلّ على انصراف الخبر عنهم إلى غيرهم، بل ما قبل هذه الآية وما بعدها يدلّ على صحة ما قلنا من أن ذلك خبر عن جماعة مشركي قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن يكون خبراً عن خاصّ منهم.

    وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: وإن ير هؤلاء المشركون يا محمد كلّ آية لا يؤمنوا بها، حتى إذا جاءوك يجادلونك، يقولون: إن هذا الذي جئتنا به إلا أحاديث الأوّلين وأخبارهم، وهم ينهون عن استماع التنزيل وينأون عنك، فيبعدون منك ومن اتباعك. { وإنْ يُهْلِكُونَ إلاَّ أَنْفُسَهُمْ } يقول: وما يهلكون بصدّهم عن سبيل الله وإعراضهم عن تنزيله وكفرهم بربهم إلا أنفسهم لا غيرها، وذلك أنهم يكسبونها بفعلهم ذلك سخط الله وأليم عقابه وما لا قبل لها به. { وَما يَشْعُرُونَ } يقول: وما يدرون ما هم مكسبوها من الهلاك والعطب بفعلهم. والعرب تقول لكلّ من بعد عن شيء: قد نأي عنه، فهو ينأي نأياً، ومسموع منهم: نَأَيْتُك بمعنى نأيت عنك وأما إذا أرادوا: أبعدتك عني، قالوا: أنأيتك. ومن نأيتك بمعنى نأيت عنك قول الحطيئة:
    نَأَتْكَ أُمامَةُ إلا سُؤَالاَ وأبْصَرْتَ مِنْها بطَيْفٍ خَيالاَ
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  7. #262
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,736
    والقراءة التي لا أختار غيرها في ذلك: «يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذّبَ بآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ» بالرفع في كليهما، بمعنى: يا ليتنا نردّ، ولسنا نكذّب بآيات ربنا إن رددنا، ولكنا نكون من المؤمنين على وجه الخبر منهم عما يفعلون إن هم ردّوا إلى الدنيا، لا على التمني منهم أن لا يكذّبوا بآيات ربهم ويكونوا من المؤمنين لأن الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنهم لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه، وأنهم كذبة في قيلهم ذلك.

    ولو كان قيلهم ذلك على وجه التمني لاستحال تكذيبهم فيه، لأن التمني لا يكذّب، وإنما يكون التصديق والتكذيب في الأخبار. وأما النصب في ذلك، فإني أظنّ بقارئه أنه برجاء تأويل قراءة عبد الله التي ذكرناها عنه، وذلك قراءته ذلك: «يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذّبَ بآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ» على وجه جواب التمني بالفاء. وهو إذا قرىء بالفاء كذلك لا شكّ في صحة إعرابه، ومعناه في ذلك أن تأويله إذا قرىء كذلك: لو أنا رُددنا إلى الدنيا ما كذّبنا بآيات ربنا، ولكنا من المؤمنين. فإن يكن الذي حَكَي عن العرب من السماع منهم الجواب بالواو و«ثم» كهئية الجواب بالفاء صحيحاً، فلا شكّ في صحة قراءة من قرأ ذلك:
    { يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذّبَ بآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ }
    نصباً على جواب التمني بالواو، على تأويل قراءة عبد الله ذلك بالفاء، وإلا فإن القراءة بذلك بعيدة المعنى من تأويل التنزيل. ولست أعلم سماع ذلك من العرب صحيحاً، بل المعروف من كلامها الجواب بالفاء والصرف بالواو.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  8. #263
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,736
    واختلفت القرّاء في قراءة ذلك بمعنى: أنهم لا يكذّبونك فيما أتيتهم به من وحي الله، ولا يدفعون أن يكون ذلك صحيحاً بل يعلمون صحته، ولكنهم يجحدون حقيقته قولاً فلا يؤمنون به. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يحكي عن العرب أنهم يقولون: أكذبت الرجل: إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه. قال: ويقولون: كذبته: إذا أخبرت أنه كاذب. وقرأته جماعة من قرّاء المدينة والعراقيين والكوفة والبصرة: { فإنَّهُمْ لا يُكَذّبونَكَ } بمعنى: أنهم لا يكذّبونك علماً، بل يعلمون أنك صادق، ولكنهم يكذّبونك قولاً، عناداً وحسداً.

    والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكلّ واحدة منهما جماعة من القرّاء، ولكل واحدة منهما في الصحة مخرج مفهوم. وذلك أن المشركين لا شكّ أنه كان منهم قوم يكذّبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدفعونه عما كان الله تعالى خصه به من النبوّة فكان بعضهم يقول: هو شاعر، وبعضهم يقول: هو كاهن، وبعضهم يقول: هو مجنون وينفي جميعهم أن يكون الذي أتاهم به من وحي السماء ومن تنزيل ربّ العالمين قولاً. وكان بعضهم قد تبين أمره وعلم صحة نبوّته، وهو في ذلك يعاند ويجحد نبوّته حسداً له وبغياً. فالقارىء: «فإنهم لا يُكْذِبُونك» يعني به: أن الذين كانوا يعرفون حقيقة نبوّتك وصدق قولك فيما تقول، يجحدون أن يكون ما تتلوه عليهم من تنزيل الله ومن عند الله قولاً، وهم يعلمون أن ذلك من عند الله علماً صحيحاً مصيبٌ. لما ذكرنا من أنه قد كان فيهم من هذه صفته. وفي قول الله تعالى في هذه السورة:
    { الَّذِينَ آتَيْناهُمْ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كمَا يَعْرِفونَ أبْناءَهُمْ }
    أوضح الدليل على أنه قد كان فيهم العناد في جحود نبوّته صلى الله عليه وسلم، مع علم منهم به وصحة نبوّته. وكذلك القارىء: «فإنهم لا يُكَذِّبُونَكَ»: يعني: أنهم لا يكذّبون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عناداً لا جهلاً بنبوّته وصدق لهجته مصيبٌ. لما ذكرنا من أنه قد كان فيهم مَن هذه صفته. وقد ذهب إلى كلّ واحد من هذين التأويلين جماعة من أهل التأويل.

    ذكر من قال: معنى ذلك: فإنهم لا يكذّبونك، ولكنهم يجحدون الحقّ على علم منهم بأنك نبيّ لله صادق.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  9. #264
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,736
    والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى أخبر أن كلّ دابة وطائر محشور إليه، وجائز أن يكون معنياً بذلك حشر القيامة، وجائز أن يكون معنياً به حشر الموت، وجائز أن يكون معنياً به الحشران جميعاً. ولا دلالة في ظاهر التنزيل ولا في خبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أيّ ذلك المراد بقوله: { ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } إذ كان الحشر في كلام العرب: الجمع، ومن ذلك قول الله تعالى: { والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أوَّابٌ } يعني مجموعة: فإذ كان الجمع هو الحشر وكان الله تعالى جامعاً خلقه إليه يوم القيامة وجامعهم بالموت، كان أصوب القول في ذلك أن يُعمّ بمعنى الآية ما عمه الله بظاهرها، وأن يقال: كلّ دابة وكلّ طائر محشور إلى الله بعد الفناء وبعد بعث القيامة، إذ كان الله تعالى قد عمّ بقوله: { ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } ولم يخصص به حشراً دون حشر.

    فإن قال قائل: فما وجه قوله: { وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ } وهل يطير الطائر إلاَّ بجناحيه؟ فما في الخبر عن طيرانه بالجناحين من الفائدة؟ قيل: قد قدمنا القول فيما مضى أن الله تعالى أنزل هذا الكتاب بلسان قوم وبلغاتهم وما يتعارفونه بينهم ويستعملونه في منطقهم خاطبهم، فإذ كان من كلامهم إذا أرادوا المبالغة في الكلام أن يقولوا: كلمت فلاناً بفمي، ومشيت إليه برجلي، وضربته بيدي خاطبهم تعالى بنظير ما يتعارفونه في كلامهم ويستعملونه في خطابهم، ومن ذلك قوله تعالى:
    { إنَّ هَذَا أخي لَهُ تسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً ولي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ }
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  10. #265
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,736
    اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله تعالى بهذه الآية: فقال بعضهم: عَنَى بها الذين نهي الله نبيه عن طردهم، وقد مضت الرواية بذلك عن قائليه.

    وقال آخرون: عنى بها قوماً استفتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذنوب أصابوها عظام، فلم يؤيسهم الله من التوبة. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، عن مجمع، قال: سمعت ماهان، قال: جاء قوم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أصابوا ذنوباً عظاماً. قال ماهان: فما أخاله ردّ عليهم شيئاً. قال: فأنزل الله هذه الآية: { وَإذَا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ... } الآية.

    حدثنا هناد، قال: ثنا قيصة، عن سفيان، عن مجمع، عن ماهان: أن قوماً جاءوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد إنا أصبنا ذنوباً عظاماً فما أخاله ردّ عليهم شيئاً، فانصرفوا، فأنزل الله تعالى: { وَإذَا جاءَكَ الَّذِينَ يؤْمِنُونَ بآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرَّحْمَة } قال: فدعاهم، فقرأها عليهم.

    حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن مجمع التميمي، قال: سمعت ماهان يقول، فذكر نحوه.

    وقال آخرون: بل عُني بها قوم من المؤمنين كانوا أشاروا على النبيّ صلى الله عليه وسلم بطرد القوم الذين نهاه الله عن طردهم، فكان ذلك منهم خطيئة، فغفرها الله لهم وعفا عنهم، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم إذا أتوه أن يبشرهم بأن قد غفر لهم خطيئتهم التي سلفت منهم بمشورتهم على النبيّ صلى الله عليه وسلم بطرد القوم الذين أشاروا عليه بطردهم. وذلك قول عكرمة وعبد الرحمن بن زيد، وقد ذكرنا الرواية عنهما بذلك قبل.

    وأولى الأقوال في ذلك عندي بتأويل الآية، قول من قال: المعنيون بقوله: { وَإذَا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ } غير الذين نُهى الله النبيّ صلى الله عليه وسلم عن طردهم، لأن قوله: { وَإذَا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بآياتنا } خبر مستأنف بعد تقصي الخبر عن الذين نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن طردهم، ولو كانوا هم لقيل: «وإذا جاءوك فقل سلام عليكم»، وفي ابتداء الله الخبر عن قصة هؤلاء وتركه وصل الكلام بالخبر عن الأوّلين ما ينبىء عن أنهم غيرهم.

    فتأويل الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا: وإذا جاءك يا محمد القوم الذين يصدّقون بتنزيلنا وأدلتنا وحججنا فيقرّون بذلك قولاً وعملاً، مسترشديك عن ذنوبهم التي سلفت منهم بيني وبينهم، هل لهم منها توبة؟ فلا تؤيسهم منها، وقل لهم: سلام عليكم: أمنة الله لكم من ذنوبكم أن يعاقبكم عليها بعد توبتكم منها، { كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرَّحْمَة } يقول: قضى ربكم الرحمة بخلقه، { أنَّه مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وأصْلَحَ فإنَّه غَفُورٌ رَحيمٌ }.

    ...

    واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدنيين: { أنَّه مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا } فيحعلون «أنّ» منصوبة على الترجمة بها عن الرحمة، «ثمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وأصْلَحَ فإنَّه عَفُورٌ رَحِيمٌ» على ائتناف «إنه» بعد الفاء فيكسرونها ويجعلونها أداة لا موضع لها، بمعنى: فهو له غفور رحيم، أو فله المغفرة والرحمة. وقرأهما بعض الكوفيين بفتح الألف منهما جميعاً، بمعنى: كتب ربكم على نفسه الرحمة، ثم ترجم بقوله: { أنَّه مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ } عن الرحمة { فأنَّهُ غَفُورٌ رَحيمٌ } ، فيعطف «فأنه» الثانية على «أنه» الأولى، ويجعلهما اسمين منصوبين على ما بينت. وقرأ ذلك بعض المكيين وعامة قرّاء أهل العراق من الكوفة والبصرة بكسر الألف من «إنه» و «فإنه» على الابتداء، وعلى أنهما أداتان لا موضع لهما.

    وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب، قراءة من قرأهما بالكسر: «كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ إنَّهُ» على ابتداء الكلام، وأن الخبر قد انتهى عند قوله: { كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } ثم استؤنف الخبر عما هو فاعل تعالى ذكره بمن عمل سوءاً بجهال ثم تاب وأصلح منه.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  11. #266
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,736
    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: «وَلِتَسْتبِينَ سَبِيل المُجْرِمِينَ» قال: الذين يأمرونك بطرد هؤلاء.

    وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصريين: { ولِتَسْتَبِينَ } بالتاء { سَبِيلُ المُجْرِمِينَ } برفع السبيل على أن القصد للسبيل، ولكنه يؤنثها. وكأن معنى الكلام عندهم: وكذلك نفصّل الآيات ولتتضح لك وللمؤمنين طريق المجرمين. وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة: «ولِيَسْتَبِينَ» بالياء { سَبِيلُ المُجْرِمِينَ } برفع السبيل على أن الفعل للسبيل ولكنهم يذكرونه. ومعنى هؤلاء في هذا الكلام، ومعنى من قرأ ذلك بالتاء في: { ولِتَسْتَبِينَ } ورفع السبيل واحدٌ، وإنما الاختلاف بينهم في تذكير السبيل وتأنيثها.

    وأولى القراءتين بالصواب عندي في «السبيل» الرفع، لأن الله تعالى ذكره فصّل آياته في كتابه وتنزيله، ليتبَيَّن الحقّ بها من الباطل جميع من خوطب بها، لا بعض دون بعض. ومن قرأ «السبيل» بالنصب، فإنما جعل تبيين ذلك محصوراً على النبيّ صلى الله عليه وسلم. وأما القراءة في قوله: { وَلِتَسْتَبِينَ } فسواء قُرِئت بالتاء أو بالياء، لأن من العرب من يذكر السبيل وهم تميم وأهل نجد، ومنهم من يؤنث السبيل وهم أهل الحجاز، وهما قراءتان مستفيضتان في قرّاء الأمصار ولغتان مشهورتان من لغات العرب، وليس في قراءة ذلك بإحداهما خلاف لقراءته بالأخرى ولا وجه لاختيار إحداهما على الأخرى بعد أن يرفع السبيل للعلة التي ذكرنا.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  12. #267
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,736
    واختلفت القراء في قراءة قوله: «يَقْضِي الحَقّ» فقرأه عامة قرّاء الحجاز والمدينة وبعض قرّاء أهل الكوفة والبصرة: { إن الحُكْمُ إلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الحَقَّ } بالصاد بمعنى القصص، وتأوّلوا في ذلك قول الله تعالى:
    { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ }
    وذكر ذلك عن ابن عباس.

    حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: { يَقُصُّ الحَقَّ } ، وقال: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ.

    وقرأ ذلك جماعة من قرّاء الكوفة والبصرة: «إن الحُكْمُ إلاَّ لِلّهِ يَقْضِي الحَقَّ» بالضاد من القضاء بمعنى الحكم والفصل بالقضاء. واعتبروا صحة ذلك بقوله: { وَهُوَ خَيْرُ الفاصلِين } َ وأن الفصل بين المختلفين إنما يكون بالقضاء لا بالقصص.

    وهذه القراءة عندنا أولى القراءتين بالصواب لما ذكرنا لأهلها من العلة. فمعنى الكلام إذن: ما الحكم فيما تستعجلون به أيها المشركون من عذاب الله وفيما بيني وبينكم، إلاَّ لله الذي لا يجور في حكمه، وبيده الخلق والأمر، يقضي الحقّ بيني وبينكم، وهو خير الفاصلين بيننا بقضائه وحكمه.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  13. #268
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,736
    حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { قُلْ هُوَ القَادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ } يعني: من أمرائكم، { أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ } يعني: سفلتكم.

    وأولى التأويلين في ذلك بالصواب عندي قول من قال: عنى بالعذاب من فوقهم الرجم أو الطوفان وما أشبه ذلك مما ينزل عليهم من فوق رءوسهم، ومن تحت أرجلهم: الخسف وما أشبهه. وذلك أن المعروف في كلام العرب من معنى «فوق» و «تحت» الأرجل، هو ذلك دون غيره، وإن كان لما رُوي عن ابن عباس في ذلك وجه صحيح، غير أن الكلام إذا تنوع في تأويله فحمله على الأغلب الأشهر من معناه أحقّ وأولى من غيره ما لم يأت حجة مانعة من ذلك يجب التسليم لها......

    حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن هارون بن موسى، عن حفص بن سليمان، عن الحسن، في قوله: { قُل هُوَ القَادِرُ على أن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِن فَوقِكُم أو مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ } قال: هذا للمشركين، { أو يَلْبِسَكُم شِيَعاً ويُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } قال هذا للمسلمين.

    والصواب من القول عندي أن يقال: إن الله تعالى توعده بهذه الآية أهل الشرك به من عبدة الأوثان وإياهم خاطب بها، لأنها بين إخبار عنهم وخطاب لهم، وذلك أنها تتلو قوله:
    { قُلْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ البَرّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أنجانا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللَّهُ يُنْجِّيكُمْ مِنُها وَمِنْ كُلّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ }
    ويتلوها قوله:
    { وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحَقُّ }
    وغير جائز أن يكون المؤمنون كانوا به مكذّبين. فإذا كان غير جائز أن يكون ذلك كذلك، وكانت هذه الآية بين هاتين الآيتين، كان بيناً أن ذلك وعيد لمن تقدّم وصف الله إياه بالشرك وتأخر الخبر عنه بالتكذيب، لا لمن لم يجر له ذكر غير أن ذلك وإن كان كذلك فإنه قد عمّ وعيده بذلك كل من سلك سبيلهم من أهل الخلاف على الله وعلى رسوله والتكذيب بآيات الله من هذه وغيرها. وأما الأخبار التي رُوِيت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سألْتُ رَبي ثَلاثاً، فأعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً فجائز أن هذه الآية نزلت في ذلك الوقت وعيداً لمن ذكرت من المشركين ومن كان على منهاجهم من المخالفين ربهم، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن يعيذ أمته مما ابتلى به الأمم الذين استوجبوا من الله تعالى بمعصيتهم إياه هذه العقوبات فأعاذهم بدعائه إياه ورغبته إياه من المعاصي التي يستحقون بها من هذه الخلال الأربع من العقوبات أغلظها، ولم يعذهم من ذلك ما يستحقون به اثنتين منها. وأما الذين تأوّلوا أنه عني بجميع ما في هذه الآية هذه الأمة، فإني أراهم تأوّلوا أن في هذه الأمة من سيأتي من معاصي الله وركوب ما يسخط الله نحو الذي ركب من قبلهم من الأمم السالفة من خلافه والكفر به، فيحلّ بهم مثل الذي حلّ بمن قبلهم من المثلاث والنَّقِمات وكذلك قال أبو العالية ومن قال بقوله: جاء منهنّ اثنتان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

    " سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ " وأنَّ قَوْماً مِنْ أُمَّتِهِ سَيَبِيتُونَ على لَهْوٍ وَلَعِبٍ ثُمَّ يُصْبِحُونَ قِرَدَةً وَخَنازِيرَ وذلك إذا كان، فلا شكّ أنه نظير الذي في الأمم الذين عتوا على ربهم في التكذيب وجحدوا آياته. وقد رُوِي نحو الذي روي عن أبي العالية، عن أبيّ.

    حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا سفيان، قال: أخبرنا أبي، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب: { قُل هُوَ القَادِرُ على أن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِن فَوقِكُم أو مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ أو يَلْبِسَكُم شِيَعاً } قال: أربع خلال، وكلهنّ عذاب، وكلهنّ واقع قبل يوم القيامة، فمضت اثنتان بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة: أُلبسوا شيعاً، وأذيق بعضهم بأس بعض، وثنتان واقعتان لا محالة: الخسف، والرجم.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  14. #269
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,736
    وقال آخرون في تأويل ذلك، بما:

    حدثني به محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الأرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أصحَابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدَى } فهو الرجل الذي لا يستجيب لهدى الله، وهو رجل أطاع الشيطان وعمل في الأرض بالمعصية وحار عن الحقّ وضلّ عنه، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى ويزعمون أن الذي يأمرونه هدى، يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس: إن الهدى هدى الله، والضلالة ما تدعو إليه الجنّ.

    فكأن ابن عباس على هذه الرواية يرى أن أصحاب هذا الحيران الذين يدعونه إنما يدعونه إلى الضلال ويزعمون أن ذلك هدى، وأن الله أكذبهم بقوله: { قُلْ إنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الهُدَى } لا ما يدعوه إليه أصحابه.

    وهذا تأويل له وجه لو لم يكن الله سمى الذي دعا الحيران إليه أصحاب هدى، وكان الخبر بذلك عن أصحابه الدعاة له إلى ما دعوه إليه، أنهم هم الذين سموه، ولكن الله سماه هدى، وأخبر عن أصحاب الحيران أنهم يدعونه إليه. وغير جائز أن يسمي الله الضلال هدى لأن ذلك كذب، وغير جائز وصف الله بالكذب لأن ذلك وصفه بما ليس من صفته. وإنما كان يجوز توجيه ذلك إلى الصواب لو كان ذلك خبراً من الله عن الداعي الحيران أنهم قالوا له: تعال إلى الهدى فأما وهو قائل: يدعونه إلى الهدى، فغير جائز أن يكون ذلك وهم كانوا يدعونه إلى الضلال.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  15. #270
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,736
    وقال آخرون: بل معنى الكلام: ويوم يقول لما فني: «كن» فيكون قوله الحقّ، فجعل القول مرفوعاً بقوله: { وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ } وجعل قوله: «كن فيكون» للقول محلاًّ، وقوله: { يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ } من صلة «الحقّ». كأنه وجَّه تأويل ذلك إلى: ويومئذ قوله الحقّ يوم يُنْفخ في الصور. وإن جعل على هذا التأويل: يوم ينفخ في الصور، بياناً عن اليوم الأوّل، كان وجهاً صحيحاً، ولو جعل قوله: { قَوْلُهُ الحَقُّ } مرفوعاً بقوله: { يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ } وقوله: { يَوْمَ يُنْفَخُ في الصورِ } محلاًّ وقوله: { وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ } من صلته كان جائزاً.

    والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنه المنفرد بخلق السموات والأرض دون كلّ ما سواه، معرّفاً من أشرك به من خلقه جهله في عبادة الأوثان والأصنام وخطأ ما هم عليه مقيمون من عبادة ما لا يضرّ ولا ينفع ولا يقدر على اجتلاب نفع إلى نفسه ولا دفع ضرّ عنها، ومحتجًّا عليهم في إنكارهم البعث بعد الممات والثواب والعقاب بقدرته على ابتداع ذلك ابتداء، وأن الذي ابتدع ذلك غير متعذّر عليه إفناؤه ثم إعادته بعد إفنائه، فقال: وهو الذي خلق أيها العادلون بربهم من لا ينفع ولا يضرّ ولا يقدر على شيء، السمواتِ والأرضَ بالحقّ، حجة على خلقه، ليعرفوا بها صانعها وليستدلوا بها على عظيم قدرته وسلطانه، فيخلصوا له العبادة. { وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ } يقول: ويوم يقول حين تبدّل الأرض غير الأرض والسموات كذلك: «كن فيكون»، كما شاء تعالى ذكره، فتكون الأرض غير الأرض عند قوله «كن»، فيكون متناهياً. وإذا كان كذلك معناه وجب أن يكون في الكلام محذوف يدلّ عليه الظاهر، ويكون معنى الكلام: ويوم يقول لذلك كن فيكون تبدّل غير السموات والأرض، ويدلّ على ذلك قوله: { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأرْضَ بالحَقّ } ثم ابتدأ الخبر عن القول فقال: { قَوْلُهُ الحَقُّ } بمعنى: وعده هذا الذي وعد تعالى ذكره من تبديله السموات والأرض غير الأرض والسموات، الحقّ الذي لا شك فيه، { وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ } فيكون قوله: { يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ } من صلة «الملك»، ويكون معنى الكلام: ولله الملك يومئذ لأن النفخة الثانية في الصور حال تبديل الله السموات والأرض وغيرهما. وجائز أن يكون القول، أعني قوله: { الحَقُّ } مرفوعاً بقوله: { ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ } ، ويكون قوله: { كُنْ فَيَكُونُ } محلاًّ للقول مرافعاً. فيكون تأويل الكلام: وهو الذي خلق السموات والأرض بالحقّ، ويوم يبدّلها غير السموات والأرض فيقول لذلك كن فيكون قوله الحقّ.
    ...

    واختلف في معنى الصور في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو قرن ينفخ فيه نفختان: إحداهما لفناء من كان حيًّا على الأرض، والثانية لنشر كلّ ميت. واعتلوا لقولهم ذلك بقوله:
    { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فصَعِقَ وَمَنْ فِي الأرْضِ إلاَّ مَنْ شاءَ اللّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فإذَا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ }
    وبالخبر الذي روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذْ سئل عن الصور: " هُوَ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ ". وقال آخرون: الصور في هذا الموضع: جمع صورة ينفخ فيها روحها فتحيا، كقولهم سُور لسور المدينة، وهو جمع سورة، كما قال جرير:
    سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ
    والعرب تقول: نفخ في الصور، ونفخ الصورَ. ومن قولهم: نفخ الصور، قول الشاعر:
    لَوْلا ابنُ جَعْدَة لم تُفْتَح قُهُنْدُزُكُمْ وَلا خُرَاسانُ حتى يُنْفَخَ الصُّورُ
    والصواب من القول في ذلك عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " إنَّ إسْرَافِيلَ قَدِ الْتَقَمَ الصُّورَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيُنْفَخُ " وأنه قال: " الصُّورُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ " وذكر عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله: { يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهادَةِ } يعني: أن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور.

    حدثني به المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: { عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ } يعني: أن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور.

    فكأن ابن عباس تأوّل في ذلك أن قوله: { عالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهادَةِ } اسم الفاعل الذي لم يسمّ في قوله: { يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ } وأن معنى الكلام: يوم ينفخ الله في الصور عالم الغيب والشهادة، كما تقول العرب: أُكل طعامُك عبد الله، فتظهر اسم الآكل بعد أن قد جرى الخبر بما لم يسمّ آكله. وذلك وإن كان وجهاً غير مدفوع، فإن أحسن من ذلك أن يكون قوله: { عالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهادَةِ } مرفوعاً على أنه نعت للذي» في قوله: { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأرْضَ بالحَقّ }. ورُوِي عنه أيضاً أنه كان يقول: الصور في هذا الموضع: النفخة الأولى.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •