حبلُ الله المتين
(كلامُ الله بين الأصل والفَصل)
_عقيدة أهل الحق_
الأستاذ: محمد الحبيب البدرة_المغرب

إنَّ الكلامَ الإلهي باعتبار الأصل (كونه صادرٌ من عالم الأمر الذي هو عالم الذات والصّفات) واحدٌ لا يَترَكَّب ولا يَتعَدَّد ولا يتبَعَّض؛ قائمٌ بذاته تعالى بلا كيف. وإنما الذي يَتعدَّد ويتبَعَّض هو مُتعلَّقاتُ الكلام. هذا مِن جهة. وهو من جهة أخرى (كونه صفة فعل) كلامٌ مُفَصَّلٌ بحُروف وآيات حادِثَة (مُجَسدَة مُجَسمَة بين أيدي الناس يَقرَءُونها ويَنظُرونَ إليها)؛ تَصِلُنا بحسب مَشيئَتِه تعالى وقُدرته سبحانه؛ وذلك عبر صيرورة تدبيرية يتنزَّلُ خلالها الكلام الرّباني مِن عالم الأمر ({أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ (54)} الأعراف) حيث هو صفة لله منزهة وقائمة بالذات؛ إلى أمّ الكتاب أو اللوح المحفوظ ({وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَـٰبِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4)}) الزخرف)؛ حيث هو فيه مكتوب بما يعلم الله من الكتابة . ومنه إلى عالم الدنيا؛ حيث يكون أولا بالسّماء الدنيا بأيدي الملائكة السّفرة يتحين النزول على الأرض ({فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16)} عبس). ثم من السّماء الدنيا ينزل إلى الأرض؛ حيث هو فيها قرآنٌ يُتلى بالألسن ويُقرأ ويُرسم ({وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32)} الفرقان).

وإنَّ هذه الصَّيرورة المتَّصلة؛ من عالم الغيب والنَّزاهة؛ والواصلة بعالم الحدوث والشّهادة؛ هي ما أتت تُفصِحُ عنه الآية من سورة هود :{الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ (إشارة إليه وهو في اللوح/عالم الحكمَة) ثُمَّ فُصِّلَتْ (بكونِه صارَ بالحروف والكلمات/عالم الدنيا ) مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ (إشارة إلى عالم الحكمَة) خَبِير (إشارة إلى عالم الخبر والذي هو عالم الدنيا)(1)}. كما إن هذه السّيرورة هي التي عبَّر عنها الحديث النبوي الشّريف الذي يقول فيه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم :" إني تاركٌ فيكم ما إن تمسَّكتُم به لن تَضِلُّوا بعدي؛ أحدُهما أعظمُ مِنَ الآخَر؛ كتابُ الله حبلٌ مَمدودٌ مِنَ السّماء إلى الأرض وعترتي أهلُ بيتي؛ ولن يتفرَّقا حتى يَرِدا عليَّ الحوضَ فانظروا كيف تخلُفوني فيهما " .. وفي روايةٍ " كتابُ الله هو حبلُ الله الممدود مِنَ السّماء إلى الأرض " . وفي رواية " أبشروا .. فإن هذا القرآنَ طرَفُه بيَدِ الله وطرَفُه بأيديكُم، فتمسَّكوا به، فإنكم لَن تهلَكوا، ولن تَضِلُّوا بعدَهُ أبدًا " .

فها أنت تلاحظ؛ فإن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد بَيَّن مِن خلال هاته الأحاديث المتعدِّدة أنَّ القرآن الكريم في حقيقته لا يُختصَرُ فيما بين أيدينا مِنَ اللّفظِ والكَلِم؛ إذ إنَّ ما بين أيدينا إنما هو طرَفٌ حَادثٌ "مَادي" كونيّ لأصلٍ عندَ الله تعالى الذي هو كلامُهُ الأصلي (الذاتي) القائم بالذات من غير كيفٍ ولا تشبيه. وإنه مَعلوم في اللغة أنَّ السّبَبَ طرفين - وإن كان شيئًا واحدًا -؛ طرفٌ أوّل مُرتبطٌ بالأصل؛ وطرفٌ ثان مُرتبطٌ بالمَوصُول.

إذن؛ فحين يُعَرَّف القرآن الكريم؛ بأنه ("حَبلُ الله المَتين"). فإن الإشارَة في الحقيقة في هذا القول إنما تعني ما ذَكرنا مِن هذِه "المَسيرَة" وهذا "الخطّ" : أنه صادرٌ ابتداءً مِن عالَم الأمر بما هو كلامُ الباري عزَّ وجل بلا كيفيةٍ ولا لسانٍ؛ وحيثُ هو ضاربٌ في الغَيب أزليٌّ تقدَّس عن الحدوث وعزَّ عن أن يُحيطَ به أحدٌ مِنَ الخَلق .. وواصلٌ _بعد مُروره بمحطَّة اللوح المحفوظ ومحطَّة السّماء الدنيا_ إلى عالَم الشّهادة؛ حيث هو في هذا العالم مفصَّلٌ ولابسٌ لِباسَ الحروف والكلمات والآيات؛ وتابعٌ للمشيئة والقُدرة؛ في شَكله ونَظمه وقَدْره وصَولته وسَطوته وبُلوغه.

وقد جَمَعَ بعضُ السّلف هذين القولين أيضًا حولَ القرآن الكريم؛ وعَبَّروا عن هاته الحقيقة التي أفصَحَ عهنا قولُ النبي صلى الله عليه وسلم الذي أورَدنا بقولِهِم :" أنه (أي القرآنُ الكريم) قديمُ النَّوع (أي الأصل/منهُ بَدَا/بَحر الحَقّ)؛ حَادثُ الآحَاد (أي طرَفُه الذي بين أيدينا نَقرأُه ونَتلُوه/الذي إليه يَعودُ ذات يوم؛ حيث هو آحادٌ؛ مُفَرَّق مُفصَّل ومُتعَدِّد بسبب تعدُّد المتعلَّقات "المحمولة" في الكلام/بَحر الخَلق) " . كما بقولهم : " لم يَزَل مُتكلِّمًا (إشارة إلى الكلامِ باعتبارِ أصلِه الأزَلي) إذا شَاءَ (إشارة إلى الكلامِ باعتبارِ طرَفِهِ التَّنزيلي)؛ وكيف شَاءَ " .
فالقرآنُ سَبَبٌ بكلِّ ما للكلمَة مِن مَعنَى ..
وثم؛ إننا عندما نقولُ القرآنُ كلامُ الله تعالى؛ فإننا نكونُ نُشيرُ في الحقيقة إلى الأصل . أي إلى حيثُ هو كلامُ الله تعالى. فإنَّ كلامَ الله تعالى في أصلِه واحدٌ لا يَترَكَّب ولا يَتعَدَّد؛ قائمٌ بذاته تعالى وله ما لها من الأزلية والقِدَم والنَّزاهة عن الإحاطة. وإنما الذي يَتعدَّد هو مُتعلَّقاتُ الكلام التي يُفصِحُ عنها اللِّسانُ الحادِث. وهذا هو قول جمهور المتكلمين من أهل السُّنة وحتى الفقهاء؛ يقول الإمام الشاطبي :" فإن كلام الله في نفسه كلامٌ واحدٌ لا تعدُّدَ فيه بوجهٍ ولا باعتبار؛ حسبما تبيَّنَ في علم الكلام؛ وإنما موردُ البحث هنا باعتبار خطاب العباد تنزُّلاً لما هو مِن مَعهودِهِم فيه " . وإنَّ هذا الأمر بدوِرِه راجعٌ _كما قلنا_ إلى أنَّ كلامَهُ سُبحانه صفةٌ قديمةٌ لا تُكَيَّفُ قائمةٌ بذاته؛ غيرُ مَخلوقة؛ لا تُدرَك حقيقتُها؛ ولا تُعلَم كيفيتُها؛ لأنه صفةٌ مِن صفات الذات قائمةٌ بها؛ والصِّفة معلومٌ أنها لا تفارقُ الذات إذ تكونُ مَعَها عَينًا واحدةً. يقول تعالى {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد} الإخلاص. والأحَد الذي ليسَ بمُرَكَّب أو مُؤلَّف. وكون هذا الكلام في عين الذات بلا حروف؛ ليس يعني أنه غير مُغاير للعلم؛ إذ لا ينوب الكلام عن العلم ولا العلم عن الكلام؛ لأن كل منهما حقيقة مستقلة وكمال واجب مستقل إذا نظرنا إليه باعتبار الذات والخلق. فالكلام يتضمَّن معنى التواصل "الحسّي" مع الخلق. ولكن يَبقى التقارُب المفهومي بين صفتي العلم والكلام _وأن كلّ واحدة منهما هي الوجه الآخر للأخرى_ حقيقة يُوَقِّع عليها القرآن الكريم نفسه؛ من خلال أمثال قوله تعالى {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ (61)} آل عمران؛ {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ (120)} البقرة؛ وإنما الذي جاء الكلام. وقوله تعالى {قُلْ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (4)} الأنبياء؛ فذكر العلم بدل السَّمع.

وبعد هذا الأصل؛ يَصِلُنا كلامُ الباري جلَّ جلاله _بحسَبِ مَشيئَتِه وقُدرته_ كلامًا حادثًا "معبِّرًا" عن الكلام الأزلي الذاتي الأقدس؛ فيُكلِّمُ سبحانه مَن شاءَ بما شاءَ متَى شاء وبأيِّ لسانٍ شاءَ (عربي؛ عبري؛ لاتيني؛ لغة الجبال؛ لغة الحيوانات ..)؛ وليسَ يحتاجُ سبحانه إلى وسيط . لكن لا يَفهَمُ أحدٌ أنه يتلَقَّى كلامَ الذّات الأقدَس القائم بالذات العليَّة كما هو هو المُنَزَّه .. فإنَّ أحدًا لن يَرقى إلى أن يتطوَّرَ إلى أكثَرَ مِن حَدِّه فينتَقِلَ مِن بحره (بحر الخليقة)؛ فيدخُلَ إلى بحر الألوهية؛ فيُحيطَ بالله ذاتا أو صفاتا ({إِنَّهُ عَلِيّ حَكِيمٌ (51)} الشورى؛{وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)} البقرة). يقولُ العارفُ بالله ابن عطاء الله السكندري :" أيا عَجبا كيفَ يَظهر الوجودُ في العَدم أم كيفَ يَثبُتُ الحادثُ مَع مَن له وَصفُ القدم " .. ولكنه سبحانه يُكلِّمُنا مِن حيثُ نحنُ بكلامٍ مُفَصَّلٍ بحُروفٍ وأصوات حادِثَة تُسمَع. فيُكلِّمُنا بما نَفهَمُه نحنُ ونَقدِرُ عليه مِنَ اللغة والتَّعابير والمعاني؛ وبتَنَزُّلاتٍ تُراعي طبيعةَ المٌخاطَب وطَورَه وبنيَتَه وقَبولَه الذاتي؛ بل ومَقامه.

فكلامُ الله واحدٌ أصلاً؛ لكنه اختَلَف لدى تنزله و"انبثاقه" في (عالم الخلق) لإفهام المُخاطَبين بالنَّظر إلى ما ذكرنا. فقد كلَّمَ اللهُ عز وجل الملائكة {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا (34)} البقرة. وكلَّمَ سبحانه إبليس {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)} الأعراف. وكلَّمَ سبحانه الناسَ وهم في طور أشَفَّ مِن طَور البنية الترابية؛ وذلك في قوله سبحانه {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172)} الأعراف. وكلَّمَ الناسَ كل بحسب ما تقبَلُه أنفُسُهم؛ فخاطبَ مُكلَّفين عاديين عن طريق الرُّسل {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58)}البقرة؛ وعن طريق الكُتب {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ (6)} التوبة. وخاطب رَجُلا متنفِّذا ودون الرسول فكان إلهاما {قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86)} الكهف. ومِثلُه حَصَل مع أمِّ موسى؛ فقد كان وَحيُها إلهامًا قويا. وخاطَبَ أنبيائَه بأكثرَ مِن ذلك : بالوحي الذي لا مِريَة فيه أنه مِنَ الله تعالى. وتفاوَتَ الأنبياء في هذا الأمر؛ بل تفاوَتَ هذا الأمر لدى النبي نفسه. ونضربُ المثالَ هنا بسيدنا موسى : فتارة كان كلامُ اللهِ له وحيًا عاديًا كما يحصُلُ مع باقي الأنبياء {قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى (68)} طه؛ وتارةً كان كلامُه له تكليماً كفاحيا مُباشِراً {وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ (143)} الأعراف؛{وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164)} النساء. وذلك مِن دون أن يَحصُل تداخلٌ أو حلولٌ أو تمازجٌ بين القَديم والحادِث.

إنَّ الكلامَ الإلهي لكي يَصِلَنا ويَصيرَ مِن عالَم الشهادَة (الأرض)؛ فإنه _قلت_ يَلبَسُ لباسَ الحُدوث ضَرورَةً (اللغة والزمن والمكان والمقدار)؛ إذ هذا الأمرُ هو مِن مُقتَضَيات هذا العالم الأدنى الكَثيف. وإنه إلى هذا يُشيرُ الحديثُ الذي أنقلُه مِن استشهاد الإمام أحمد ضد الجَهمي في الرسالة المَنسوبة إليه ("الرد على الجهمية والزنادقة") مِن حديث الزهري :[قال لما سَمِعَ موسى كلامَ ربه؛ قال : يا رب هذا الذي سمعتُه هو كلامك ؟ قال : نعم يا موسى؛ هو كلامي؛ إنما كلمتك بقوة عشر آلاف لسان؛ ولي قوة الألسن كلها؛ وأنا أقوى من ذلك؛ وإنما كلمتك على قدر ما يُطيق بدَنُك؛ ولو كلمتُكَ بأكثر من ذلك لمتَّ. قال : فلما رَجَعَ مُوسى إلى قومه؛ قالوا له : صِفْ لنا كلامَ ربك. قال سبحان الله؛ وهل أستطيعُ أن أصفه لكم؛ قالوا فشبهه. قال : هل سمعتُم أصواتَ الصّواعق التي تُقبِلُ في أحلى حَلاوَة سَمِعْتُموها فكأنه مثله] . وعن كعب : قال :" إن الله لما كلم موسى بالألسنة كلها؛ فقال له موسى : يا رب هذا كلامك ؟ قال : لا؛ ولو كلمتك بكلامي لم تستقم له. قال : يا رب؛ فهل من خلقك شيء يشبه كلامك ؟ قال : لا؛ وأشد خلقي شبهاً بكلامي أشدّ ما تسمعون من الصّواعق ". وهذا موقوف على كعب الأحبار .
الشاهدُ عندنا مِن هاته الأخبار أنَّ الكلامَ الصادرَ هو كلامُ الله تعالى طبعاً؛ لكنه ليس هو بعَينِ الكلامِ الأزلي الغَيبي على حقيقَتِه كما هو هو قائمٌ بذاته سبحانه وتعالى. إنَّ كلام الله تعالى إنما يَصِلُ إلى المخلوق الحادِث ب"الانبثاقِ" في عالَم الخلق بلَبوسٍ حُدوثي؛ وبقدرٍ مُقدَّر ما؛ وفي زمنٍ ومكانٍ محدَّدَين ومعلومين؛ ولا يُعقَلُ أن يبدُوَ أحدٌ للكلام الرَّباني على صِفَتِه الأصلية الغَيبية. وإنه إلى هذا أيضاً يشيرُ قوله تعالى - الصَّريح - مِن سورة الأنبياء {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2)}. وقوله عز مِن قائل مِن سورة الشعراء {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (4)}. وهنا في كلتا هاتين الآيتين يقتَرِنُ الإحداثُ بمُصطلَح "الذِّكر"؛ وهذا المُصطلح مُرادفٌ لمصطَلَح "القرآن" كما لمُصطلَحِ "الحديث" مِن حيث أنها كلُّها تعني التّفصيل و"الشّكل" الأرضي للكلام الإلهي؛ قال تعالى {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ (23)} الزمر. فإنَّ هاته الأسماء كلُّها دالة على التَّفريق؛ ودالةٌ على "الشَّكل" الحادِث الدالِّ على الكلام الإلهي الصّادِرِ عَنِ الغَيب.
وإنَّ الآية 23 التي ذكرتُ شطراً منها مِن سورة الزمر تنيرُ لنا دليلا آخَر يُقرِّرُ ما أرمي إليه. يقول تعالى {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ .. (23)} الزمر. إنها تبيِّنُ لنا أنَّ مِن مَظاهر حُسنِ هذا القرآنَ كونُه كتابٌ متشابهٌ مثاني. أي أنه شكلياً ومَضموناً فيه تشابُهٌ لشِقَّين هما مُكَوِّنَيه؛ وهذا القولُ لا يمكنُ أن يُقال في جَنبِ كلامِ الباري مِن حيثُ هو هو؛ فإنه في الحقيقة لا يُكَيَّف. يقول تعالى {وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ (87)} الرعد. فالشِّق الأول هو السّبع المثاني وهو السُّوَر السّبع الطوال (البقرة؛ آل عمران؛ النساء ...). والشِّق الثاني هو القرآن العظيم؛ وهو السُّوَر ابتداءً مِن يونس إلى آخِر القرآن الكريم. وهاته الصِّفة هي صفة الشَّفعية التي يتحلَّى بها القرآن الكريم أو قُل كلامُ الله تعالى عندما تَنَزَّل إلى الأرض. وصِفَةُ الشَّفعية معلومٌ أنها مِن صفات الحوادِث التي تُقابِلُ صفة الوترية التي هي صفةُ الله تعالى وحدَه.

إنَّ الكلمة الرّبانية العالية الواحدة الوترية الغيبية المحيطة والمنزَّهة عن لَوازِم الحوادِث والمطلَقَة التي لا تَعتَريها عَوارِضُ الانخِرامِ أو الانتِقاض .. حينَ نَزَلت إلى عالَم الخَلق الذي هو عالَمُ الشَّفع ({وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49)} الذاريات) تشفَّعت بعدَ وِترِيَتِها التي هي صفَتُها في القِدَم .. تماما كما لَبِسَت هاته الكلمة المنزَّهة عن لوازِم الحوادث لباسَ الحروف والفَواصل وتلبَّسَت بلَبوس الأحداث والجواري الكونية .. فكان مِن ثَمَّ هذا القرآنُ الكريم شَطران زَوجان : سبعاً مِنَ المثاني (وهي السُّوَر السَّبع الطوال الأولى : البقرة؛ آل عمران؛ النساء؛ المائدة؛ الأنعام؛ الأعراف؛ الأنفال/التوبة)؛ والقرآن العظيم (وهو ما تبقى بعد السُّوَر السَّبع الطوال الأولى مِنَ القرآن الكريم ابتداء مِن سورة يونس)؛ مِصداقاً لقوله تعالى {وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ (87)} الحجر. فإن القرآنَ العظيم هو ذاتُ السّبع المثاني؛ إذ أتى يُـعالج نفسَ المواضيع وذات القضايا التي عالجتها ببعض الإجمال.
كما إنه بالمثل الآية {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109)}(الكهف)؛ تُنير لنا هاته الحقيقة التي أقرِّر الآن؛ وتُوَقِّع على هاته المفارقة بين الطَّرف الحادث للكلام الرَّباني والطَّرف الغيبي الأصلي؛ إذ إنها تُوَقِّع لنا على أنَّ كل كتاب من الكتب المنزَّلة _وإن قلنا عنها أنها تُعبر عن كلام الله_ لا تكون تستوعب كل الكلام الإلهي الذاتي الأصلي؛ وإنما هي "تعبيراتٌ" حادثة عن الكلام الإلهي تخصُّ تعلقات مُعَيَّنة (ظرفية) هي غير التعلُّقات التي تعلَّقَت بها الكُتب الأخرى .
كما بالمثل أيضًا؛ كل الآيات القرآنية التي تدلُّ على الآنية (توقيت أقوال الرَّب بوقت مُعَيَّن)؛ مثل قوله تعالى {فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8)} النمل؛ تُوَقِّع على هاته المفارقة بين الطَّرف الحادث للكلام الرَّباني والطَّرف الغيبي الأصلي. وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ الأشاعرة حين يقولون أنه سبحانه " لم يزل ولا يزال قائلاً "؛ فإنهم لا يكونون يَقصدون أنَّ الله قال هذا في الماضي وهو الآن ساكت؛ إذ قد سَبَق أن بيَّنا الفَرق بين "الأزل" الذي يُقال في حقِّ الله تعالى؛ والماضي من الزَّمن الخلقي الذي هو لباسٌ للخلق؛ كما إنهم لا يَقصدون أنَّ الله يكرِّر القول منذ الأزل إلى أن خَلَق السَّمع في السامع ليسمع هذا الكلام .. هذا كلّه خوض من تحت مُثَبِّط الزَّمن الذي قُلنا أن الله تعالى بصفاته عالٍ ومنزَّه عنه؛ وثم إن هذا كلّه تكييفٌ ومحاولة للإحاطة بالصِّفة وتحديدها وحَصْرها.
وعلى العموم فإنه لخُصوصية الكلام؛ فإنه يُطلَقُ على المَقُول المُترجِم للمَعنى المُراد إبلاغُهُ؛ كما يُطلَقُ على القَول الأصلي "الذاتي" كما هو هو في حَقيقَتِه. وذلك نظرًا للتلازُم الخاص بينهما. قال تعالى {وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)} يس؛ وقال أيضًا سبحانه {قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا ..} النمل؛ فهذه النَّملة لم تتكلَّم بالعَربية مع سليمان؛ وإنما طبعًا كانت تتكلَّم بمَنطِقِها الذي فَطَرَها عليها اللهُ. ونبيُّ الله سليمان كان يَعرف ألسُن الحيوانات؛ قال تعالى {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16)} النمل. ولو تكلَّمَت بغير لغتها لانتَفَت الخُصوصية التي خَص بها اللهُ سيدَنا سليمان المتمَثِّلة في عِلم مَنطِق الطّير.

فإذا قلتَ : هل قالت النملة {يأيها النمل ..} الآية ؟ أقول لك : نعم. ولكن إذا قلتَ : لي هل مَنطِقُ النَّملة عَرَبي؛ أو بتعبيرٍ آخَر هل النَّملةُ تتكلَّم بالعَرَبية ؟ قلت لك : طبعاً لا.

وإليك بمثالٍ آخَر : فقد يُومئُ إليكَ مُومئٌ بشيء؛ وأقولُ لك : ماذا قالَ ؟ فتقولُ لي : قال كذا؛ مما فَهِمتَهُ عنه. وهو في الحقيقة ما قال عَينَ ما قُلتَ طبعًا. قال تعالى {قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا (41)} آل عمران. إذن هناك فرقٌ بين الكلام الأصلي؛ وشَكلِهِ أو صِيغَتِه المَجعُولة (بما يناسبُ ويتَّسِقُ مع فَهمِ المُخاطَب). والكلُّ يُطلَقُ عليه الكلام.

ومنه يَتحَصّلُ لدينا أنهُ حينَ أقول لك كلامُ فُلان؛ فإني أقصدُ أحَدَ شيئين كلاهما يصدُقُ عليه إسمُ الكلام : إما الأصليُّ البادي منهُ؛ وإما الناتِجُ عندي المُدرَك بلساني الخَطابي أنا. ثم بعدَ ذلك إذا كان مُتعَلَّقُ النَّظر هو ذاتُ المُتكلِّم؛ كانَ التعيينُ مُتوِّجهًا إلى الأصلي البَادي؛ وإليه يَتوَجَّه مُسَمَّى الكلام. أما إذا كان مُتعَلَّق النَّظر هو قصدُ المُتكلِّم والأمرُ المَأمور به؛ كان التَّعيينُ مُتوِّجهًا إلى الناتِجِ عندي المُدرَك بلساني الخَطابي؛ ويَتوَجَّهُ إليه مُسمَّى الكلام.

وإذن؛ فحين نُطلِقُ "كلامَ الله تعالى" ونحنُ نخوضُ في مَباحث التَّوحيد؛ فإننا نكونُ نَقصدُ به كلامَ الباري الأصليَّ الغَيبيَّ المُنزَّهَ القديمَ "البادي" منهُ سبحانه وتعالى؛ والذي أحيدُ فيه بعض الشّيء عن إطلاق جمهور الأشاعرة عنه "الكلام النَّفسي" لأطلق عليه "الكلام الذَّاتي" .

وإنَّ هذا هو مَحَلُّ نِضالِنا تُجاهَ المُعتزلة. وثم إنَّ هذا الاعتبار _يترجَّح عندي_ هو الذي كان في خَلَد الإمام أحمد وهو يُجاهِدُ المُعتزلة ويُعارضُ مقالَتَهم. وعليه؛ فإذا تحدَّثنا عَن القرآن الكريم مِن هاته الخلفية (خلفية أننا ننظُرُ في الذات)؛ استَحضَرنا كلامَ الله تعالى الأصليَّ (أي الصِّفة) لا الحروف الدالة عليه المكيَّفَة والحادِثَة.

وأما حين نُطلِقُ "كلامَ الله تعالى" ونحن نخوضُ في مَباحِث الشّريعة؛ فإننا نكونُ نعني به كلامَ الباري جلَّ جلالهُ المُحدَث/المَجعُولِ الواصِلِ إلينا (إلى عَالم الخَلق) حُروفاً حادثة مخلوقة (وهذا مَحَلُّ نِضالِنا تُجاهَ المُجسِّمَة). وعليه؛ فإذا تحدَّثنا عن القرآن الكريم مِن خَلفية التَّلقي والعَمل والتَّطبيق؛ فإننا لا نستحضِرُ كلامَ الله تعالى الأصليَّ كما هو قائمٌ بالذات؛ وإنما نكونُ نقصدُ النَّص المَكتوبَ بين دُفتي المُصحَف؛ أي الحروف والعبارات الدالة عليه الحادِثة.

ومثلُ هذا (حتى لا يَستَغرِبَه مُنكِرٌ)؛ حينَ نُطلقُ عبارَة "خَلْقُ الله تعالى"؛ فإننا نقصدُ به في الأغلَب المخلوقَ الحادِثَ الماثِل أمامَنا؛ لا فِعلَه سبحانَه (الذي هو الخلق) الغَيبيَّ القديمَ.

فهذا الإمامُ البخاري مِن أئمة أهل الحديث يقولُ في صَحيحِه في كتاب خَلق أفعال العباد (فصل وميز بين ما يقومُ به العبد وما يقومُ به الرب) : ما يقومُ به العبدُ، العبد مخلوقٌ، وما يكون مِن مخلوقٍ ألفاظُه وكلامُه وحروفُه وأداؤُه مخلوقٌ، وما يقومُ به الربُّ فهو صفةٌ مِن صِفاتِه .. فكان رضي الله عنه يميزُ بين الطَّرف الحادث مِن كلام الله تعالى؛ والصّفة كما هي قائمةٌ بالله تعالى.

وإنَّ الإمامَ أحمد _مِن دون شَك عندي_ كان يُطلِقُ كلامَ الله حينَ يُطلِقُه على "الأصل" البادي منهُ سُبحانه؛ ولا يَأبَهُ بالطَّرَف الحادث ويُضرِبُ عن الحَديث عنه (أي الصِّفة القرآنية للكلام الإلهي). وذلك لتعَلُّقِه رضيَ الله عنه ب"الصِّفة" التي ناضَلَ المُعتزلةُ على إنكارِها. ويَدُل على هذا بوُضوحٍ قولُهُ الصَّريح :" مَن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جَهمي. ومَن قال إنه غيرُ مَخلوق فهو مُبتدِع " . كما تدُل عليه الرواية :" لما سأله عبد الرحمن بن إسحاق قاضي المعتصم : ما تقول في القرآن : فلم أجبه (يقول الإمام أحمد)، فقال المعتصم : أجبه، فقلت : ما تقول في العلم ؟ فسكت، فقلت : القرآن من علم الله، فمن زعم أنَّ علم الله مخلوقٌ فقد كفر بالله. فسكت، فقالوا فيما بينهم : يا أمير المؤمنين؛ كفَّرك وكفرنا. فلم يلتفت إلى ذلك، فقال عبد الرحمن : كان الله ولا قرآن ؟ فقلت : كان الله ولا علم ؟ فسكت " . فكان يُطلِقُ رضي الله عنه كلامَ الله حينَ يُطلِقُه باعتبارِه صِفَةَ ذات لا باعتبارِه صِفَةَ فعل؛ وهذا الأمر يتبيَّنُ لنا من خلال مُضارعته "الكلام" ب"العلم". وقال عبد الله بن أحمد ‏:‏ قلت لأبي ‏:‏ إن قومًا يقولون‏ :‏ إن الله لا يتكلم بصوت، فقال ‏:‏ يا بني هؤلاء جهمية، إنما يدورون على التّعطيل‏ .
فثبَتَ من خلال هاته المقالَة؛ أن الإمام أحمد رحمهُ الله تعالى إنما كان يُناظل ضدَّ التّعطيل؛ وأنه إنما كان يُريدُ أن يَسُدَّ البابَ على المُلحدينَ في قضية صِفَة الكلام لله تعالى.
(مقتطف من "ذلك الكتاب/التعريف والخصائص/ملحمة التنزيل والجمع" للأستاذ محمد الحبيب البدرة_المغرب)