تفعيل الاراده الشعبيه العربيه :منطلقاته الفكريه والشرعيه1
د. صبرى محمد خليل

تعريف الإرادة: الإرادة هي نزوع لتنفيذ فعل معين، يقول الشريف الجرجاني (الإرادة صفة توجب للحي حالاً يقع منه الفعل على وجه دون وجه، فهي ميل يعقب اعتقاد النفع) ( التعريفات)، وهى ذات طابع غائي ، فهي مرحله من مراحل تحقيق الإنسان لغاياته "أهدافه" في الواقع ، وهي مرحله تربط بين المستوى المعرفي للوجود الانسانى - السابق للإرادة -والمتضمن لمحاوله وضع حل نظري لمشكلة معينه " اى إلغاء التناقض بين الواقع والغاية في الذهن"،والمستوى السلوكي للوجود الانسانى اللاحق للإرادة ، والمتضمن لتنفيذ هذا الحل في الواقع بالعمل"اى إلغاء التناقض بين الواقع والغاية في الواقع".
تعريف الإرادة الشعبية : أما الإرادة الشعبية فهي إرادة شعب معين أو أغلبيته، فهي أراده جماعية ، وعلاقتها بالإرادة الفردية كعلاقة الكل بالجزء يحده فيكمله و يغنيه ولكن لا يلغيه ، وهى تتعلق بتحقيق الغايات "الأهداف "- حل المشاكل - المشتركة - فهي تتحقق من خلال تحقيق هذه الغايات أو حل هذه المشاكل - ورد في ويكيبيديا - الموسوعة الحرة(الإرادة الشعبية هي أن يصبح لدى المواطنين الرغبة في تحديد مصيرهم و مصير مجتمعهم ).
الإرادة والإرادة الشعبية والقابلية للتعطيل وليس الإلغاء : وكل من الإرادة والإرادة الشعبية غير قابلتين للإلغاء- لان حرية الإرادة الانسانيه " الفردية أو الجماعية " هي سنه إلهيه - ولكنهما قابلتين للتعطيل - بعدم الالتزام بشروط تحققهما – والفارق بين تعطيل الاراده و الاراده الشعبية وإلغائهما، أن الأول هو إلغاء مقيد لهما- اى خلال فتره زمنيه معينه، أو على مستوى معين - بينما الثاني هو تعطيل مطلق لهما- اى في كل زمان، وعلى كل المستويات-
تقرير الإرادة والإرادة الشعبية في المنظور المعرفي والسياسي الاسلامى: يثبت منهج المعرفة الاسلامى حرية الاراده الانسانيه ، ويجعل العلاقة بين الاراده الالهيه والاراده الانسانيه علاقة تكامل وتحديد وليست علاقة تناقض وإلغاء "كما في الفلسفات الحادية "، فالأولى تحدد الثانية كما يحدد الكل الجزء ، فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه، فهو قائم على أن الاراده إنسانيه محدودة - مقيده- بالاراده الالهيه : أولا: تكوينيا بخضوع حركتها للسنن الالهيه الكلية والنوعية التي تضبط حركه الوجود الانسانى" الاستخلافى" والطبيعي"التسخيرى" ، ثانيا : تكليفيا بالالتزامها بمفاهيم وقيم وقواعد الوحي الكلية . قال تعالى(و ما تشاءون إلا أن يشاء الله)، فالايه لم تلغى الاراده الانسانيه، بل قيدتها بالاراده الالهيه. فمنهج المعرفة الاسلامى إذا يرفض إلغاء الاراده الانسانيه"كما في الفلسفات الجبرية"المثالية والمادية على السواء"، كما يرفض إطلاقها اى تحويلها إلى فعل مطلق "كما في الفلسفات المثالية الذاتية كالفلسفة الوجودية الملحدة"السارترية" اتساقا مع المنهج الاسلامى قرر أهل السنة بفرقهم الكلامية المتعددة أن الفعل الانسانى هو محصله الخلق الالهى والكسب الانسانى ، واعتبر علماء أهل السنة كل من الجبرية "التي تلغى الاراده الانسانيه " والقدرية"التي تطلق الاراده الانسانيه لدرجه إلغاء الاراده الانسانيه " فرق ضالة ..كما يثبت المنظور السياسي الاسلامى الاراده الشعبية، لأنه يسند السلطة "المقيدة" – بعد إسناده ألحاكميه :السيادة "السلطة المطلقة "لله تعالى - إلى الجماعة - بموجب الاستخلاف العام قال تعالى ﴿ وأمرهم شورى بينهم)، أما الحاكم فنائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعينه ومراقبته وعزله ، يقول أبو يعلي (الخليفة وكيل للمسلمين ) (المارودي، الأحكام السلطانية، ص 7 ) ،اتساقا مع هذا نجد عدد من القواعد التي قررها علماء أهل ألسنه والتي تؤسس للاراده الشعبية ومنها : اولا:تقريرهم أن العصمة"المقيدة" بعد الرسول (ص) لا تكون لفرد معين بل تكون للجماعه، استنادا إلى نص الحديث "لا تجتمع امتى على ضلاله "،ثانيا: تقريرهم مبدأ الاغلبيه في المسائل الفرعية الاجتهادية - وخاصة القضايا السياسية - يقول الغزالي في مسألة " إذا بويع لإمامين" (أنهم لو اختلفوا في الأمور وجب الترجيح بالكثرة... ولأن الكثرة أقوى مسلك من مسالك الترجيح). ويقال الامام ابن تيميه في مبايعة أبى بكر( وإنما صار إماما بمبايعه جمهور الصحابة).
تقرير المنهج الاسلامى عدم قابليه الاراده للإلغاء: كما قرر منهج المعرفة الاسلامى أن الإرادة – وبالتبعية الإرادة الشعبية - غير قابلتين للإلغاء-وان كانا قابلتين للتعطيل- والفارق بين التعطيل و إلالغاء، أن الأول مقيد بفترة زمنيه معينه، أو مستوى معين ، بينما الثاني مطلق اى مستمر في كل زمان، وعلى كل المستويات، قال تعالى(لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ) (العمران: 111 ) ، ميزت الايه بين الضر والأذى،والفارق بينهما ان الثانى هو ضر اليسير أو المنقطع ، ورد في تفسير القرطبى(... وَالْمَعْنَى لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا ضَرًّا يَسِيرًا ; فَوَقَعَ الْأَذَى مَوْقِع الْمَصْدَر . فَالْآيَة وَعْد مِنْ اللَّه لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ , أَنَّ أَهْل الْكِتَاب لَا يَغْلِبُونَهُمْ وَأَنَّهُمْ مَنْصُورُونَ عَلَيْهِمْ لَا يَنَالهُمْ مِنْهُمْ اِصْطِلَام إِلَّا إِيذَاء بِالْبُهْتِ وَالتَّحْرِيف , وَأَمَّا الْعَاقِبَة فَتَكُون لِلْمُؤْمِنِينَ . وَقِيلَ : هُوَ مُنْقَطِع , وَالْمَعْنَى لَنْ يَضُرُّوكُمْ الْبَتَّة , لَكِنْ يُؤْذُونَكُمْ بِمَا يُسْمِعُونَكُمْ . )،فالأذى الوارد في الايه يقارب معنى تعطيل الاراده - لأنه يسير ومنقطع- بينما الضر الوارد فى الايه يقارب معنى إلغاء الاراده- لأنه جسيم ومستمر –
إقرار الإسلام وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي وعلاقات الانتماء إليها: يلزم من مذهب إنكار وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي ، والذي يرى أن الإسلام ينكر وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي، ويلغى علاقات الانتماء إليها ، إلغاء الاراده الشعبية العربية لأنه ينفى وجود الأمة العربية، وبالتالي وجود شعب عربي ، ينسب له أراده هي الاراده الشعبية العربية . لكن هذا المذهب يتناقض مع اقرار القران الكريم لوحدات وأطوار التكوين الاجتماعي المتعددة وهى:الأسرة﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ﴾.والعشيرة :﴿ وانذر عشيرتك الأقربين﴾و القبيلة والشعب﴿ وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ﴾، و الأمة التي مناط الانتماء إليها اللسان لا النسب والأرض الخاصة (اى الديار بتعبير القران ) قال(صلى الها عليه وسلم )( ليست العربية بأحد من أب ولا أم إنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي)، وقال تعالى﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم تبروهم وتقسطوا إليهم أن الله يحب المقسطين﴾ ( الممتحنة:8) كما يتناقض مع ان موقف الإسلام من علاقات الانتماء المتعددة (القبلية ،الوطنية، القوميه…) لوحدات (أطوار) التكوين الاجتماعي السابقة هي علاقة تحديد وليس إلغاء، سأل واثله الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال: يا رسول الله امن العصبية أن يحب الرجل قومه؟ قال: لا ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم”. (رواه بن ماجه واحمد).
ه/ تعريف الإرادة الشعبية العربية: انطلاقا من التعريف السابق للإرادة الشعبية فان الإرادة الشعبية العربية هي الإرادة الشعب العربي أو أغلبيته، وهى تتعلق بتحقيقه لغاياته " أهدافه " – حله لمشاكله- المشتركة- فهي تتحقق من خلال تحقيق هذه الغايات أو حل هذه المشاكل-
و/ تحقق الإرادة الشعبية العربية " غاياتها " : وغايات الإرادة الشعبية العربية في واقعنا - التي تتحقق من خلالها فيه - هي:
أولا:الحرية : (بالالتزام بالشورى كمبدأ كلى ، والسعي لتحقيق الديمقراطية كنظام فني لضمان عدم استبداد الحكام بالشعب- فهي على هذا الوجه تطبيق لمبدأ الشورى - وتحرير الاراده الوطنية والقومية من الاستعمار)، كحل لمشاكل الاستبداد (الداخلي) والتبعية السياسية (الخارجية) (اى الاستعمار بشكله القديم” القائم على الاحتلال العسكري"الاستعمار البريطاني – الفرنسي... للمنطقة العربية القرن الماضي” ، والجديد” الامبريالي القائم على التبعية ألاقتصاديه "السياسة الامبريالية الامريكيه في المنطقة العربية"، والاستيطاني"الاغتصاب الصهيوني لأرض فلسطين ”، فالحرية على الوجه السابق بيانه هي ضمان لتحقيق الاراده الشعبية على المستوى السياسي.
ثانيا: العدالة الاجتماعية : المنطلقة من مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية والمتسقة مع واقعنا- والتنمية المستقلة ،كحل لمشاكل التخلف والتبعية الاقتصاديين والظلم الاجتماعي ، وبالتالي كضمان لتحقيق الإرادة الشعبية على المستوى الاقتصادي .
ثالثا: الوحدة بتدعيم الوحدة الوطنية واتخاذ كل الخطوات الممكنة تجاه الوحدة العربية -الاسلاميه) كحل لمشكله التقسيم والتجزئة والتفتيت، اى حل مشكله تردى الواقع "السياسي" العربي من الوحدة إلى تقسيم “الأمم والشعوب المسلمة :بانهيار الخلافة كرمز للوحدة الاسلاميه- فعليا قبل أن يلغيها أتاتورك اسميا- رغم ما شابها من أوجه قصور في مرحلتها الاخيره - ومن هذه الأوجه تحولها من دوله مشتركه بين الأمم والشعوب ألمسلمه إلى دوله لفرض إرادة الامه التركية على غيرها من الأمم والشعوب المسلمة ، ومن مظاهرها حركه التتريك التي حاولت فرض اللغة التركية، وإلغاء علاقة الانتماء القومية العربية، مما أدى لظهور الحركة القومية العربية - . ثم “ تجزئه “ الامه العربية المسلمة” (اتفاقيه سيكس- بيكو)على أسس شعوبيه . ثم” تفتيت ” الدولة الوطنية إلى دويلات قائمه على أسس شعوبيه أو قبليه أو طائفيه (مشروع الشرق الأوسط الجديد الامبريالي الصهيوني).فالوحدة على الوجه السابق بيانه هي ضمان لتحقيق الاراده الشعبية على المستوى الاجتماعي.
رابعا:الاصاله والمعاصرة: (بالالتزام بمفهوم التجديد طبقا لضوابطه الشرعية )،كحل لمشاكل الهوية المتمثلة في الانشطار بين الجمود "التقليد" والتغريب الحضاري، وبالتالي كضمان لتحقيق الإرادة الشعبية على المستوى الحضاري .
تأصيل أهداف الاراده الشعبية العربية: ينطلق تأصيل أهداف الاراده الشعبية العربية من :أولا:أن السياسة الشرعية هي ما كل يحقق مصلحه الجماعة ولو لم يرد فيه نص ، فهي اتساق – وليس تطابق- مع النص، يقول ابْنُ عَقِيلٍ(السِّيَاسَةُ مَا كَانَ فِعْلاً يَكُونُ مَعَهُ النَّاسُ أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ، وَأَبْعَدَ عَنْ الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَزَلَ بِهِ وَحْيٌ.) .وهذه الأهداف هي حلول لمشاكل مشتركه يطرحها الواقع العربي.ثانيا:ان الموقف الشرعي الصحيح من الغايات الثلاثة "الحرية والعدالة الاجتماعية ليس الإلغاء ، بل التحديد"التقييد" من خلال إلغاء اى تناقض بين مطلقاتها الفكرية وبين أصول الدين، وهذا التحديد يتحقق من خلال اضافه الغاية الرابعة "الاصاله والمعاصرة".ثالثا:أن هذه الأهداف هي تطبيق لقيم قررها الإسلام، فقد أكد الإسلام على قيمه الحرية بأبعادها المتعددة ،قال تعالى (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) ،وقال عمر بن الخطاب ( رضوان الله عليه )( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهم أحراراً) (فتوح مصر ، ص 290 ) ،واعتبر المنظور الاجتماعي الاسلامى أن العدل الاجتماعي غاية للنشاط الاقتصادي للفرد والدولة ” كممثل للمجتمع” ، وذلك من خلال تقريره لشرطي العدل الاجتماعي: الاول هو تكافؤ الفرص ومثال له قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ( والله ما احد أحق بهذا المال من احد ،وما من احد إلا وله نصيب في هذا المال نصيب أعطيته أو منعته ،فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وعناؤه وحاجته ،والله لئن بقيت لهم ليصلن الرجل حقه من المال وهو في مكانه يرعى). والشرط الثاني هو عدالة توزيع الثروة مثال له روي أن ابوعبيدة تحدث يوماً مع عمر(رضي الله عنه) في استخدام الصحابة في العمل فقال ( أما إن فعلت فأغنهم بالعمالة عن الخيانة ) . كما حثت النصوص المسلمين على الوحدة كما فى قوله تعالى﴿ أن هذه أمتكم أمه واحده وأنا ربكم فاعبدون﴾(الأنبياء:92) وقوله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) .رابعا:ان هذه الأهداف هى اجتهاد فى بيان شروط الاستخلاف الاجتهادية المقيدة، التي ترك الإسلام أمر بيانها للمسلمين بعد بيانه لشروطه النصية المطلقة كما في قوله تعالى"وعد الله الذين امنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم "
معوقات الإرادة الشعبية العربية : فالإرادة الشعبية العربية – كغيرها من الإرادات الشعبية - غير قابله للإلغاء ولكنها قابله للتعطيل، نتيجة لعدم الالتزام بشروط تحققها، ومن معوقات الإرادة الشعبية العربية:
أولا: معوقات تتصل بضعف الوعي الشعبي: لما كان الوعي سابق للإرادة وشرط لها ، فان من معوقات الإرادة الشعبية العربية ضعف الوعي الشعبي العربي نتيجة لأسباب متعددة منها : شيوع أنماط التفكير الخرافي- المناقض للتفكير العلمي القائم على الدليل الحسي- ، والاسطورى- المناقض للتفكير العقلاني القائم على الدليل العقلي – المنطقي، والبدعى - المناقض للفهم الصحيح للدين ، والذي يضفى قدسيه الدين على أنماط تفكير وسلوك ليست من الدين بل تناقض جوهره.وشيوع الاميه، وضعف التعليم كما وكيفا...
ثانيا:معوقات تتصل بالامتداد التلقائي لمشاكل الواقع العربي : إذا كان تحقق الاراده الشعبية يتم من خلال حل المشاكل المشتركة للشعب المعين، فان الامتداد التلقائي لهذه المشاكل – اى بقائها دون حل - يفرز عدد من الظواهر السلبية التي تعوق تحقق الاراده الشعبية ومنها:
ا/ ظواهر سلبيه تتصل بمشكله التجزئة والتفتيت:كالقبلية والعنصرية والطائفية.
ب/ ظواهر سلبيه تتصل بمشكله الاستبداد والتبعية:كالتخلف الديموقراطى ، والنفاق السياسي وسلبيه الجمهور تجاه السلطة ، نتيجة لتعاقب النظم الاستبدادية والاستعمار ..
ج/ ظواهر سلبيه تتصل بمشكله التبعية ألاقتصاديه :كالتخلف الاقتصادي ، والظلم الاجتماعي والفقر.
د/ ظواهر سلبيه تتصل بمشكله الانشطار الحضاري:كالتقليد والتغريب.
ثالثا: مشاريع محاوله إلغاء الاراده الشعبية العربية وفشلها : من معوقات الاراده الشعبية العربية.
أولا: المشاريع التي تهدف إلى إلغاء الاراده الشعبية العربية : ومنها:
مشروع الشرق الأوسط الجديد" الامبريالي – الصهيوني": ويهدف إلى الارتداد بالنظام السياسي العربي من مرحله التجزئة على أساس شعوبي " الدول الوطنية العربية "، بعد اتفاقيه "سيكس بيكو"، بين قوى الاستعمار القديم (بريطانيا وفرنسا) ، إلى مرحله التفتيت على أساس طائفي / قبلي – عشائري"الدويلات الطائفية "، مع بقاء إسرائيل كحارس لهذا التفتيت في هذه المرحلة ، كما كانت حارسه للتجزئة في المرحلة السابقة.وقد كانت بدايته بعد وفاه الزعيم الراحل جمال عبد الناصر 1970 وتولى الرئيس السادات السلطة، وارتداده عن جمله سياسات الزعيم الراحل التي تجسد الاراده الشعبية العربية، وقد فشل هذا المشروع في إلغاء الاراده الشعبية العربية، رغم نجاحه في تعطيلها. فقد نجح في الارتداد بالنظام السياسي العربي خطوات تجاه التفتيت على أساس طائفي، لكنه فشل في التحكم في هذا الارتداد ، فافرز عدد من الظواهر،التي تجاوز تأثيرها السلبي النظام السياسي العربي إلى القوى التي تقف خلف هذا المشروع ، من هذه الظواهر : ظاهره الإرهاب وتدفق أللاجئين على الغرب، والفوضى الناتجة من إسقاط الولايات المتحدة لبعض النظم العربية، ومحاولتها تحويل ثوره الشباب العربي من مسارها الجماهيري السلمي ،إلى مسار طائفي مسلح فى بعض الدول العربية ، مما اضعف مقدره الولايات المتحدة ذاتها على فرض إرادتها السياسية على النظم السياسية العربية التالية لإسقاط أو سقوط هذه النظم. ورغم نجاح الكيان الصهيوني في التردي بالواقع السياسي العربي إلى مزيد من التجزئة ، بدعمه للحركات الانفصالية "الشعوبية والقبلية والطائفية .."، و الهاء النظم والقوى العربية ، إلا انه فشل في إلغاء الانتماء القومي والديني ومناهضته للصهيونية ، أو إلغاء المقاطعة الشعبية العربية للكيان الصهيوني ومناهضه التطبيع معه ، أو إلغاء الانتماء الوطني والقومي والديني الفلسطيني، فاندلعت الانتفاضات الفلسطينية الثلاثة (انتفاضه الحجارة ، انتفاضه الأقصى،ثوره السكاكين ). وأخيرا فقد فشل مشروع الشرق الأوسط الجديد في إلغاء الروابط الموضوعية "التاريخية ، الحضارية ، الدينية ، الجغرافية .." التي تربط أجزاء الامه العربية وتشدها إلى بعض, اى فشل في إلغاء الوحدة العربية على المستوى الشعبي- رغم نجاحه في تحقيق مزيد من التجزئة على المستوى الرسمي"السياسي".
ثانيا: المشاريع التي يلزم منها موضوعيا - وبصرف النظر عن النوايا الذاتية لأصحابها- إلغاء الاراده الشعبية العربية : ومنها:
ا/ مذهب التفسير السياسي للدين " الإسلام السياسي ": هو مذهب معين في تفسير طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة ، يقوم على إثبات العلاقة بينهما ، ولكنه يتطرف في هذا الإثبات إلى درجه جعل العلاقة بينهما علاقة تطابق و خلط. فهذا المذهب لا يتسق مع المنظور السياسي الاسلامى ، الذي يجعل العلاقة بين الدين والدولة علاقة وحدة وارتباط " وليست علاقة خلط أو تطابق كما في الثيوقراطيه "، لان السلطة في المنظور السياسي الإسلامي مقيده بمفاهيم وقيم قواعد كليه ، مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعي الدلالة "كالشورى والعدل والمساواة.... .وعلاقة تمييز"وليست علاقة فصل كما في العلمانية" ، لان الإسلام- ميز بين التشريع كوضع الهي ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير. كما أن هذا المذهب يساوى بين الدين والسياسة في الدرجة، وقد يتطرف فيجعل السياسة أعلى درجه من الدين، حين يجعل الغاية هي الدولة – السلطة والوسيلة هي الدين، بينما الدين هو الأصل” الغاية” والسياسة هي الفرع” الوسيلة” ، وهو ما أشارت إليه كثير من النصوص كقوله تعالى (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة واتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر …)( الحج). ومرجع التطرف مذهب التفسير السياسي للدين في إثبات العلاقة بين الدين والدولة أن هذا المذهب إنما ظهر في المجتمعات المسلمة في العصور الحديثة والمعاصرة كرد فعل على الليبرالية والتي باستنادها إلى العلمانية نفت اى علاقة للدين بالدولة.
بدعية مذهب التفسير السياسي للدين : وهذا المذهب هو بدعه في ذاته " اى يستند إلى مفاهيم بدعية "، ومن أهم هذه المفاهيم هو القول بان الامامه” بمعنى السلطة” أصل من أصول الدين وليست فرع من فروعه، وهو ما يخالف مذهب أهل السنة في الامامه ، والقائم على أن الامامه هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله كما قرر علماء أهل السنة، يقول الآمدي ( واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات ، ولا من الأُمور اللابدِّيَّات ... ) (غاية المرام في علم الكلام : ص 363). كما أن هذا المذهب بدعه فيما يلزم منه اى يلزم منه مفاهيم بدعية ومنها على سبيل المثال لا الحصر: أولا: تكفير المخالف فى المذهب، وهو يخالف مذهب أهل السنة، القائم على اباحه الخلاف في فروع الدين دون أصوله، وبالتالي عدم جواز تكفير المخالف في المذهب، يقول ابن مفلح ( لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع)(الآداب الشرعية 1/186)، ثانيا:اباحه الاختلاف ” التعدد “على مستوى أصول الدين:وهو ما يتناقض مع ما قررته النصوص ، من النهى عن الاختلاف ،على مستوى أصول الدين ،التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة : يقول تعالى( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ~ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ( آل عمران: الآية (104).. و يلزم من مذهب التفسير السياسي للدين – باعتبار بدعيته – العديد من الفتن التي نهت عنها النصوص وحذر منها علماء الإسلام ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر : أولا: فتنه التفرق في الدين، ثانيا: فتنه الرجل في دينه وبيعه الدين بعرض الدنيا،ثالثا: فتنه الائمه المضلين: و هم كل متبوع بلا دليل شرعي ، وهذا الإتباع بلا دليل يلزم منه الضلال والإطلاق البدعى، ومفارقه الهدايه والضبط الشرعى، وقد أشارت النصوص إلى أنهم أخوف على الامه من الدجال .أما التفسير الديني ” الاسلامى – الشرعي- للسياسة فهو - خلافا لمذهب التفسير السياسي للدين - يجعل الدين هو الأصل – والسياسة هي الفرع، اى أن يكون الدين ” ممثلا في مفاهيمه قيمه وقواعده الكلية ” للسياسة بمثابة الكل للجزء، يحده فيكمله ولكن لا يلغيه . وطبقا لهذا التفسير فان النشاط السياسي يجب ان يلتزم بجمله من الضوابط التي تهدف إلى تحقيق اكبر قدر ممكن من الاتساق- وليس التطابق- بينه وبين مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية ،ومن هذه الضوابط : أولا: أن الامامه - بمعنى السلطة - هي فرع من فروع الدين وليست اصل من اصوله يقول الإمام الغزالي ( اعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليس من المهمات ، وليس أيضاً من فنّ المعقولات ، بل من الفقهيات ... ) (الاقتصاد في الاعتقاد : ص 234). ثانيا: أن السياسة الشرعية هي ما كل يحقق مصلحه الجماعة ولو لم يرد فيه نص ، فهي اتساق – وليس تطابق- مع النص، يقول ابْنُ عَقِيلٍ(السِّيَاسَةُ مَا كَانَ فِعْلاً يَكُونُ مَعَهُ النَّاسُ أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ، وَأَبْعَدَ عَنْ الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَزَلَ بِهِ وَحْيٌ.) .
الانتقال من التفسير السياسي للدين إلى التفسير الديني للسياسة كشرط لتفعيل الاراده الشعبية العربية:أن بدعية مذهب التفسير السياسي للدين ، ومخالفته لمذهب أهل السنة– الذي أصبح جزء من البنية الحضارية للشعوب والأمم ألمسلمه - ما عدا الامه الايرانيه- يلزم منها ان الأمم و الشعوب ألمسلمه - بما فيها الامه العربية- سترفض - في خاتمه المطاف - كل الأحزاب والحركات السياسية التي تتبنى هذا المذهب ما توافرت لها شروط الرفض الذاتية " الوعي " والموضوعية " الاراده ". وبالتالي فان شرط استمرارية هذه الأحزاب والحركات السياسية هو إجرائها لمراجعه فكريه شامله لمذهبها ، تتضمن:أولا: انتقالها من التفسير السياسي للدين"الإسلام السياسي" الذي يلزم منه تكفير المخالف (فضلا عن التفرق في الدين ، والتعصب المذهبي والكهنوت....).إلى التفسير الديني للسياسة "السياسة- الشرعية - الاسلاميه"، والذي مضمونه الاجتهاد في حل المشاكل التي يطرحها الواقع ، انطلاقا من مفاهيم وقيم قواعد الدين الكلية، بدون تكفير للمخالف ، لان مضمون السياسة الشرعية ما يحقق مصلحه الجماعة ولو لم يرد فى نص ، فهي اتساق وليس تطابق مع النص. ثانيا: تراجعها عن مواقفها - النظرية والعملية - التي تتعارض مع أهداف الاراده الشعبية العربية، في الوحدة و الحرية والعدالة الاجتماعية،والجمع بين الاصاله والمعاصرة"التجديد".