التصوف السنى ولضبط الشرعى للاعتقاد والسلوك الصوفى 1
الموقف الحقيقي لعلماء أهل السنة من التصوف : هناك افتراض “خاطئ” مضمونه أن موقف علماء أهل السنة ” بمذاهبهم الفقهية والاعتقاديه المتعددة ” من التصوف هو الرفض المطلق للتصوف، دون تمييز بين أقسام التصوف وأصناف المتصوفة. ووجه الخطأ في هذا الافتراض أن الموقف الحقيقي لعلماء أهل السنة من التصوف يتجاوز موقفي الرفض المطلق والقبول المطلق ، إلى موقف نقدي - تقويمي- قائم على قبول أقسام التصوف الموافقة للكتاب والسنة "التصوف السني" ، ورفض أقسامه المخالفة لهما " التصوف البدعى "، واتخاذ موقف ايجابي من المتصوفة الحقيقيين ، وموقف سلبي من أدعياء التصوف .
الموقف الحقيقي لائمه المذهب الحنبلي من التصوف:اتساقا مع ما سبق نوضح أدناه أن الموقف الحقيقي لائمه المذهب الحنبلي من التصوف يتجاوز موقف الرفض المطلق إلى موقف نقدي قائم على تضمن التصوف ما يوافق الكتاب والسنة الذي يجب قبوله ، و ما يخالفهما الذي يجب رفضه
ا/ الإمام احمد ابن حنبل : رغم اعتراض الإمام أحمد بن حنبل بعض سلوكيات الصوفية فى عصره، لكن فى ذات الوقت ينقل عنه وصف بعض الصوفية بأوصاف ايجابيه، حيث نجد في الجزء الثاني من طبقات الحنابلة للقاضي محمد بن أبي يعلي ، مقدمة الشيخ أبي محمد بن تميم النبلي في عقيدة الإمام أحمد بن حنبل (قد سئل مرة عن المريد ، فقال أن يكون مع الله كما يريد وأن يترك كل ما يريد لما يريد…) ،ونقل عنه انه قال وقد سئل عنهم وقيل له يجلسون في المساجد فقال: العلم أجلسهم). و نقل إبراهيم القلانسي أن الإمام أحمد قال عن بعض الصوفية :لا أعلم أقواما أفضل منهم، قيل : إنهم يستمعون ويتواجدون، قال : دعوهم يفرحوا مع الله ساعة (الفروع لإبن مفلح المقدسي الحنبلي ، ج3 ، ص، 152 دار إحياء التراث العربي ،ونقلها عنه البهوتي كشاف القناع).
ب/الإمام ابن تيميه: أما الإمام ابن تيميه فان القراءة الشاملة لتراثه الفكري تبين أن موقفه الحقيقي من التصوف ليس الرفض المطلق، بل الموقف النقدي، حيث تشير يغض هذه النصوص لرفضه لموقفي الرفض والقبول المطلقين كقوله (ولأجل ما وقع في كثير منهم من الاجتهاد والتنزع فيه تنازع الناس في طريقهم؛ فطائفة ذمت ” الصوفية والتصوف ” . وقالوا : إنهم مبتدعون، خارجون عن السنة، ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف، وتبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام .وطائفة غلت فيهم، وادعوا أنهم أفضل الخلق، وأكملهم بعد الأنبياء وكلا طرفي هذه الأمور ذميم . أما موقفه النقدي من التصوف يتجلى في :أولا: تقريره أن في الصوفية المقرب والمقتصد والظالم لنفسه ،حيث يقول (... الصواب ” أنهم مجتهدون في طاعة اللّه، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة اللّه، ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب .ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه، عاص لربه .وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة؛ ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم … )، ثانيا: تقسيمه للصوفية إلى ثلاثة أصناف :صُوفِيَّةُ الْحَقَائِقِ وَصُوفِيَّةُ الأَرْزَاقِ وَصُوفِيَّةُ الرَّسْمِ حيث يق5ول ( ..فَأَمَّا ” صُوفِيَّةُ الْحَقَائِقِ فَهَذَا أَصْلُ التَّصَوُّفِ . ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَشَعَّبَ وَتَنَوَّعَ وَصَارَتْ الصُّوفِيَّةُ ” ثَلاثَةَ أَصْنَافٍ:1 – صُوفِيَّةُ الْحَقَائِقِ 2 – وَصُوفِيَّةُ الأَرْزَاقِ 3 – وَصُوفِيَّةُ الرَّسْمِ .فَأَمَّا ” صُوفِيَّةُ الْحَقَائِقِ ” : فَهُمْ الَّذِينَ وَصَفْنَاهُمْ . وَأَمَّا ” صُوفِيَّةُ الأَرْزَاقِ ” فَهُمْ الَّذِينَ وُقِفَتْ عَلَيْهِمْ الْوُقُوفُ . كالخوانك فَلا يُشْتَرَطُ فِي هَؤُلاءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْحَقَائِقِ…َأَمَّا ” صُوفِيَّةُ الرَّسْمِ ” فَهُمْ الْمُقْتَصِرُونَ عَلَى النِّسْبَةِ فَهَمُّهُمْ فِي اللِّبَاسِ وَالآدَابِ الْوَضْعِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ف، َهَؤُلاءِ فِي الصُّوفِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَقْتَصِرُ عَلَى زِيِّ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِ الْجِهَادِ وَنَوْعٌ مَا مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ بِحَيْثُ يَظُنُّ الْجَاهِلُ حَقِيقَةَ أَمْرِهِ أَنَّهُ مِنْهُمْ وَلَيْسَ مِنْهُمْ .) (مجموع الفتاوى :14/176). ثالثا: تقريره أن عند المتصوفة من الحق ما وافق الكتاب والسنة، ومن الباطل ما خالفهما ، حيث يقول ( يقول ( وأنت تجد كثيراً من المتفقهة، إذا رأى المتصوفة والمتعبدة لا يراهم شيئاً ولا يعدهم إلا جهالاً ضلالاً، ولا يعتقد في طريقهم من العلم والهدى شيئاً، وترى كثيراً من المتصوفة، والمتفقرة لا يرى الشريعة ولا العلم شيئاً، بل يرى المتمسك بها منقطعاً عن الله وأنه ليس عند أهلها مما ينفع عند الله شيئاً.وإنما الصواب: أن ما جاء به الكتاب والسنة، من هذا وهذا: حق، وما خالف الكتاب والسنة من هذا وهذا: باطل) ( اقتضاء الصراط المستقيم 3 19 ) ، وبناء على هذا الموقف النقدي يصف ابن تيمية كثير من شيوخ التصوف بشيوخ الإسلام وأئمة هدي(أنهمْ مشائخ الإسلام وأئمة الهدى الَّذيْن جعلَ اللّهُ تعالَى لهم لسْان صدق في الأمةِ،مثْلَ سعْيد بنُ المسيبِ، والحسْن البصريِّ، وعمرْ بنُ عبد العزيز، ومالْك بنُ أنسْ، والأوزاعي، وإبراهيْم بنْ أدهم، وسفْيان الثوري، والفضيّل بنُ عياض، ومعروف الكرّخْي، والشافعي،وأبي سليْمان، وأحمد بنَ حنبل،وبشرُ الحافي، وعبد اللّهِ بنُ المبارك، وشقيّق البلّخِي، ومن لا يحصَّى كثرة.إلى مثْلَ المتأخرينَ: مثْلَ الجنيد بن محمد القواريري، وسهَلْ بنُ عبد اللّهِ التسْتري، وعمرُ بنُ عثمان المكي، ومن بعدهم ـإلى أبي طالبَ المكي إلى مثْل الشيْخ عبد القادرِ الكيلاني، والشّيْخ عدّي، والشيْخ أبي البيْان، والشيخ أبي مدين، والشيخ عقيل، والشيخ أبي الوفاء، والشيخ رسلان، والشيخ عبد الرحيم، والشيخ عبد الله اليونيني، والشيخ القرشي، وأمثال هؤلاء المشايخ الذين كانوا بالحجْازِ والشّام والعرْاق، ومصْر والمغرْب وخرّاسْان، من الأوليْنِ والآخريْنِ) ( مجموع الفتاوي: ج2 ، ص452).
ج/الإمام ابن القيم : كما يتمثل الموقف النقدي من التصوف عند الإمام ابن القيم في تمييزه بين ثلاث طوائف في الحكم على الصوفية : طائفة تعلقوا عليهم بظاهر عباراتهم، فبدعوهم وظلموهم ، والطائفة الثانية حجبوا بما رأوه من محاسن القوم وصفاء قلوبهم ... عن رؤية شطحاتهم، وطائفة هم أهل العدل والإنصاف، الذين أعطوا كل ذي حق حقه ، حيث يقول (فاعلم أن في لسان القوم من الاستعارات ، وإطلاق العام وإرادة الخاص، وإطلاق اللفظ وإرادة إشارته دون حقيقة معناه ، ما ليس على لسان أحد من الطوائف غيرهم ، ولهذا يقولون “نحن أصحاب عبارة” و”الإشارة لنا والعبارة لغيرنا”، وقد يطلقون العبارة التي يطلقها الملحد ويريدون بها معنى لا فساد فيه ، وصار هذا سبباً لفتنة طائفتين: طائفة تعلقوا عليهم بظاهر عباراتهم، فبدعوهم وظلموهم، والطائفة الثانية حجبوا بما رأوه من محاسن القوم وصفاء قلوبهم وصحة عزائهم وحسن معاملتهم عن رؤية شطحاتهم ونقصانها ، فسحبوا عليها زيل المحاسن، وأجروا حكم القبول ، وهؤلاء أيضاً معتدون مفرطون، الطائفة الثالثة: وهم أهل العدل والإنصاف، الذين أعطوا كل ذي حق حقه ، وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته ، فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول، ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح، بل قبلوا ما يقبل وردوا ما يرد)(مدارج السالكين، ج3). وبناء على هذا الموقف النقدى يورد ابن الامام القيم تعريفاُ ايجابيا للتصوف فيقول (… والتصوف زاوية من زوايا السلوك الحقيقي وتزكية النفس وتهذيبها لتسعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى، ومحبة فإن المرء مع من أحب)..
د/ الشيخ محمد بن عبد الوهاب: ورغم ما هو معروف من حمل الشيخ محمد بن عبد الوهاب على كثير من أوجه الاعتقاد والسلوك الصوفي ، فان بعض النصوص المنقولة عنه تتضمن إشارات إلى إقراره بجوانب ايجابيه عند بعض الصوفية ، ففي القسم الثالث من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب جزء (فتاوى ومسائل) قام بجمعها الشيخ صالح بن عبد الرحمن الأطرم ومحمد عبد الرازق الدويسي والصفحة رقم (31) المسألة الخامسة “اعلم أرشدك الله – أن الله سبحانه وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى الذي هو العلم النافع ،ودين الحق الذي العمل الصالح ،إذا كان من ينسب إلى الدين: منهم من يتعانى بالعلم والفقه ويقول به كالفقهاء ، ومنهم من يتعانى بالعبادة طلب الآخرة كالصوفية. وبعث الله بنبيه بهذا الدين الجامع للنوعين) ( عبد الحفيظ بن عبد الحق المكي، موقف أئمة الحركة السلفية من التصوف والتصوف، دار لسلام القاهرة، ط 1988م، ص15). وفي القسم الثاني من مؤلفاته (الفقه) المجلد الثاني ص (4) في رسالة (أربع قواعد تدور الأحكام عليها) يقول ” اعلم رحمك الله إن أربع هذه الكلمات يدور عليها الدين سواء كان المتكلم يتكلم في علم التفسير أو في علم الأصول أو في علم أعمال القلوب الذي يسمى علم السلوك…”، وفي (ملحق المصنفات) “هذه مسألة” صفحة (124) قال ” فنفس محبته أصل عبادته ،والشرك فيها أصل الشرك في عبادته ،ولهذا كان مشايخ الصوفية العارفون يوصون كثيراً بمتابعة العلم قال بعضهم “ما ترك أحد شيئاً من السنة إلا لكبره في نفسه”.
أقسام التصوف: اتساقا مع ما سبق تقريره من كون الموقف الحقيقي لعلماء أهل السنة من التصوف هو الموقف النقدي، الذي يميز بين أقسام التصوف وأصناف الصوفية ، اتفق العلماء بما فيهم علماء الصوفية- على إن للتصوف أقسام متعددة.
نحو تقسيم صحيح للتصوف وقد قسم بعض الباحثين المعاصرين التصوف إلى قسمين هما:
أولا: التصوف السني: ويستند إلى مذاهب أهل السنة الفقهية والاعتقاديه – وعلى وجه الخصوص المذهب الاشعرى
ثانيا: التصوف الفلسفي: ويستند إلى مفاهيم وعقائد أجنبية ، ويتضمن عدة مذاهب هى: أ. مذهب الحلول: ومضمونه إمكانية حلول روح الله تعالى في الإنسان ، وينسب إلى الحلاج في كتاب الطواسين.ب. مذهب الاتحاد: ومضمونه إمكانية اتخاذ الذات الإنسانية بالذات الإلهية ، وينسب إلى البسطامي.ج. مذهب وحدة الوجود: ومضمونه أن هنالك وجود حقيقي واحد هو وجود الله تعالى، أما وجود المخلوقات فهو وهمي مصدره خداع الحواس، وينسب إلى عدد من أعلام التصوف منهم ابن سبعين.
خطا اسم "التصوف الفلسفي":غير أن تسميه القسم الثاني من أقسام التصوف بالتصوف الفلسفي خاطئة لعد أسباب أهمها:
أولا: أن هذا الاسم قائم على افتراض مضمونه أن مصدر هذه المفاهيم والعقائد الاجنبيه (الحلول والاتحاد ووحده الوجود) هو الفلسفة ، وهو افتراض خاطئ ، لان المصدر الاساسى لهذه المفاهيم هو بعض الديانات الشرقية القديمة- الوثنية- (كالهندوسيه القائلة بالحلول ووحده الوجود) ، وبعض المذاهب الدينية ألقائمه على تحريف أديان سماويه (كالمذاهب المسيحية القائلة بالحلول).
ثانيا: أن هذا الاسم يوحى بالتعارض المطلق بين الفلسفة والتصوف، بينما هناك مذاهب فلسفيه تتعارض مع التصوف – لأنها قائمه على الرفض المطلق للكشف أو الحدس كوسيلة للمعرفة ومثال لها اغلب المذاهب الفلسفية العقلانية والحسيه ، وكما أن هناك مذاهب فلسفيه تتفق مع التصوف- لأنها تقر بالكشف أو الحدس كوسيلة للمعرفة ، ومثال لها المذاهب الفلسفية الحدسية ثالثا: أن هذا الاسم يوحى بالتعارض المطلق بين الفلسفة والدين بينما هناك مواقف ومذاهب فلسفيه تتعارض مع الدين ، وأخرى تتفق معهما..
رابعا: أن نقيض السنة هو ألبدعه – وليس الفلسفة- وبالتالي فان نقيض "التصوف السني" هو "التصوف البدعى ".
خامسا: أن هذا الاسم يوحى بان التصوف يتعارض مع التفكير العقلاني – لان الفلسفة هي نمط من أنماط التفكير العقلاني- بينما الاستناد الى الحدس كوسيلة للمعرفة-كما فى التصوف - لا يلزم منه بالضرورة نفى الاستناد العقل كوسيلة للمعرفة – كما في الفلسفة –
سادسا: أن هذا الاسم يستند إلى افتراض “خاطئ” ، مضمونه إجماع علماء أهل السنة ” بمذاهبهم الفقهية والاعتقاديه المتعددة ” على تحريم الفلسفة بكل دلالاتها ، اى أنهم اتفقوا على الرفض المطلق للفلسفة بكل دلالاتها. ووجه الخطأ في هذا الافتراض أن علماء أهل السنة لم يتخذوا موقف واحد من الفلسفة ، بل اتخذوا موقفين منها هما :
أولا: موقف الرفض المطلق: اى الرفض المطلق للفلسفة بكل دلالاتها.
تقويم:
ا/ الفلسفة لا تأخذ موقف موحد من كل القضايا: هذا الموقف قائم على افتراض مضمونه أن هناك تعارض مطلق بين الدين الإسلامي والفلسفة بصورة عامة ، والفلسفة اليونانية بصورة خاصة- غير أن هذا الافتراض غير صحيح ، لأنه قائم على افتراض- آخر – مضمونه أن الفلسفة تأخذ موقفاً موحداً من جميع القضايا ، وأن هذا الموقف مناقض لموقف الدين منها ، وهى افتراض غير صحيح كما قرر الإمام ابن تيمية ، في معرض رده على من قال أن الفلاسفة جميعاً قالوا بقدم العالم ( أما نفي الفلسفة مطلقاً أو إثباتها فلا يمكن، إذ ليس للفلاسفة مذهب معين ينصرونه ، ولا قول يتفقون عليه في الإلهيات والمعاد والنبوات ولا في الطبيعيات والرياضيات…) (منهاج السنة، ص253 ).
ب/ رفض بعض الفقهاء لدلاله معينه للفلسفة “مضمونها البحث في الغيبيات ” وليس رفض لكل دلالاتها: وإذا كان هذا المذهب يستند إلى تحريم بعض الفقهاء للفلسفة ، فان هؤلاء الفقهاء لم يقولوا بتحريم الفلسفة بكل دلالاتها، بل قالوا بتحريم الفلسفة طبقا لدلاله معينه لها ، شاعت في عصرهم ،ومضمونها البحث في الغيبيات ، لذا اختلطت بمعارف- مماثله لها في الخوص في الغيبيات – كالسحر والكهانة والشعوذة . ويدل على هذا ربط هؤلاء الفقهاء بين الفلسفة وهذه المعارف المحرمة ( التي تمثل أنماط من التفكير الأسطوري والخرافي، التي تتناقض مع نمط التفكير الفلسفي والعلمي فضلاً عن الدين) يقول النووي (قد ذكرنا من أقسام العلم الشرعي، ومن العلوم الخارجة عنه ما هو محرم أو مكروه أو مباح فالمحرم كتعلم السحر …وكالفلسفة والشعبذة والتنجيم وعلوم الطائعين)( النووي المجموع شرح المهذب، ج1، ص27 ) ، وبداهة فان هؤلاء الفقهاء لم يتطرقوا إلى الفلسفة طبقا لدلالاتها الدلالة الحديثة والمعاصرة
ثانيا: موقف الأخذ والرد “الموقف النقدي” (الجمع بين المنع والإيجاب): أما الموقف الثاني فهو الموقف القائم على افتراض مضمونه أنه ليس هناك تعارض مطلق” دائم” بين الإسلام كدين والفلسفة بصورة عامة ،والفلسفة اليونانية بصورة خاصة ، بل هناك أوجه اتفاق وأوجه اختلاف، وفي حالة الاختلاف يكون الرد و الرفض” اى المنع بدرجاته من كراهة أو تحريم حسب درجه الاختلاف ،والمفسدة التي تلزم من الآخذ به – كاتفاقهم على تحريم الأخذ بالإلهيات ” الميتافيزيقا ” اليونانية “لأنها تتضمن مفاهيم مخالفه للعقيدة الاسلاميه، وفي حالة الاتفاق يكون الأخذ والقبول” اى الإيجاب بدرجاته من اباحه أو ندب أو وجوب… حسب درجه الاتفاق، والضرورة- كقول الإمام ابن تيميه بوجوب الأخذ بالرياضيات لأنها ضرورية لعلوم الفرائض وقسمه التركة “. وهذا الموقف هو الموقف الحقيقي، للعديد من أعلام علماء أهل السنة ، طبقا لمذاهبهم المتعددة : الفقهية (كالمذهب الحنبلي والشافعي والمالكي و الحنفي)،والاعتقاديه (كالمذهب الحنبلي والاشعرى والطحاوى والماتريدى وأهل الظاهر)
ا/ الإمام ابن تيمية: فالإمام ابن تيمية لا يأخذ موقف موحد من الفلسفة (المقصود هنا الفلسفة اليونانية) سواء بالرفض أو القبول، بل يقسمها إلى ثلاثة أقسام:القسم الأول : الإلهيات (الميتافيزيقا): وهو يرفضه، وأغلب رفضه للفلسفة ينصب على هذا القسم منها.القسم الثاني : الطبيعيات: ويرى جواز الأخذ به ،مع عدم ربطه بالإلهيات(الميتافيزيقا) اليونانية، ، ويعتبره (غالبه كلام جيد ، وهو كلام كثير واسع ، ولهم عقول عرفوا بها، وهم يقصدون به الحق لا يظهر عليهم فيه العناد، ولكنهم جهال بالعلم الإلهي).القسم الثالث :الرياضيات: ويرى وجوب الأخذ به وبتعبيره (ضرورية لعلوم الفرائض وقسمة التركة وغيرها) ( الرد على المنطقيين، طبعة بيروت دار المعرفة)
ب/ الإمام الغزالي : أما الإمام الغزالي فيتجلى موقفه النقدي من خلال مظاهر متعددة أهمها تقسيمه الفلسفة ( ويقصد بها الفلسفة اليونانية ) إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول :هو القسم الذي يتناقض مع أصول الدين شكلاً و مضموناً (اى لفظا ومعنى) ، ويتضمن هذا القسم ثلاثة قضايا هي القول بقدم العالم وإنكار بعث الأجساد وإنكار علم الله بالجزئيات، وموقفه من هذا القسم هو التحريم . القسم الثاني : وهو القسم الذي يتناقض مع هذه الأصول شكلاً (لفظا)،ويتضمن سبع عشر قضية، وموقفه من هذا القسم هو التبديع.القسم الثالث: وهو القسم الذي لا يتناقض مع هذه الأصول شكلاً ومضموناً ( لفظا ومعنى )، ويتضمن هذا القسم باقي القضايا الفلسفية ، وموقفه من هذا القسم هو الأخذ والقبول.
ج/ الإمام ابن حزم: أما الإمام ابن حزم الظاهري فيرى أن الفلسفة تتفق مع الدين في الغاية (إصلاح النفس)، لذا يجب الأخذ بها (مادامت محتفظة بهذه الغاية) ، فيقول (ان الفلسفة على الحقيقة إنما معناها وثمرتها ، والغرض المقصود نحوه، ليس شيئاً غير إصلاح النفس بأن تستعمل في دنياها الفضائل ،وحسن السيرة المؤيدة إلى سلامتها في المعاد وحسن سياستها للمنزل والرعية ،وهذه نفسه لا غيره هو غرض الشريعة، وهذا ما لا خلاف فيه بين أحد من العلماء بالفلسفة ولا بين أحد من العلماء بالشريعة) ( ابن حزم، الفصل في الملل والنحل، ج1، طبعة القاهرة، 1317هـ).
تصوف "بدعي " وليس تصوف "فلسفي" : من العرض السابق نخلص إلى أن التصوف المستند إلى "اعتقاد "بالمفاهيم الاجنبيه " كالحلول والاتحاد ووحده الوجود "، أو يلزم منه "سلوك " مخالف للكتاب والسنة هو تصوف" بدعي" وليس تصوف" فلسفي".