الضبط الشرعي لمفهوم التكفير في المذهب الوهابي
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
تمهيد: تتناول هذه الدراسة الضبط الشرعي لمفهوم التكفير والمفاهيم المتصلة به وأهمها مفهوم القتال في المذهب الوهابي، ومضمون هذا الضبط - الشرعي - الالتزام بالضوابط الشرعية لمفهوم التكفير - والمفاهيم المتصلة به كمفهوم القتال- من خلال موافقة مذهب أهل ألسنه ، القائم على الضبط الشرعي لهذا المفهوم - وغيره من المفاهيم - ومفارقه مذهب الخوارج ، القائم على الإطلاق البدعى لهذه المفاهيم . وتعرض الدراسة أولا للضبط الشرعي لهذه المفاهيم عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب مؤسس المذهب ، في معرض رده على اتهام بعض العلماء له بتكفيره للمسلمين،ثم تبين أن نفى الشيخ محمد بن عبد الوهاب الاتهام الموجه له بتكفير المسلمين ، وتقريره التزامه بالضوابط الشرعية للتكفير، لم يحول دون استمرار هذا الاتهام للشيخ والمذهب بعد وفاته. وان هذا يعنى ضرورة ضبط دلالات هذه النصوص ، بصرفها من الدلالة التي تفيد الإطلاق البدعى للتكفير، إلى دلاله أخرى تفيد الضبط الشرعي للتكفير بقرائن متعددة : أولا:النصوص الأخرى التي كتبها الشيخ والتي تنفى الدلالة الأولى وتفيد الدلالة الثانية ،ثانيا:الضوابط الشرعية لمفهوم التكفير التي قررتها النصوص ، والتي قررها علماء أهل السنة ومنهم الإمام ابن تيميه – شيخ الشيخ بن عبد الوهاب ، والتي اقر الشيخ التزامه بها، ثالثا: الرجوع إلى الدلالة الاصليه للنصوص التي استند إليها الشيخ في كتابه هذه النصوص . ثم تعرض الدراسة ثانيا للضبط الشرعي لهذه المفاهيم عند علماء المذهب المعاصرين ، في معرض نفيهم ادعاء بعض تنظيمات الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة (كالقاعدة وداعش)، انتسابها إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أو السلفية أو حتى الإسلام ، وتقريرهم أن هذه التنظيمات هي إحياء لمذهب الخوارج البدعى . ثم تبين الدراسة انه رغم ذلك الا أن هذه التنظيمات ظلت على ادعاءها ، وهو ما أدى استمرار اتهام المذهب بعدم الالتزام بالضوابط الشرعية لمفهوم التكفير والمفاهيم ذات الصلة كمفهوم القتال،وهو ما يفرض إجراء مزيد من الضبط الشرعي لمفهومي التكفير والقتال، والذي يتضمن: أولا:النفي التفصيلي لصله تنظيمات الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمه بالمذهب والسلفية والإسلام، ثانيا: إلزام المنتسبين للمذهب بالالتزام بالضوابط الشرعية لمفهومي التكفير والقتال .
تعريف بالشيخ محمد بن عبد الوهاب ومذهبه : ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب عام 1115 ه في بلدة العيينة من بلدان نجد، حفظ القرآن وقرأ الفقه على والده الذي كان قاضي العيينة، أقام في المدينة فترة أخذ فيها العلم عن الشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي والشيخ محمد حياة السندي، وتأثر بالإمامين ابن تيمية وابن القيم أعلام المذهب الحنبلي ،.خرج من المدينة إلى نجد وقصد البصرة وسمع فيها الحديث والفقه والنحو ، ثم اتجه لاحقا إلى بلدة حريملاء حيث كان والده قد انتقل إليها، وفيها أعلن فيها دعوته، ثم رجع إلى العيينة ووافقه أميرها على دعوته في بداية الأمر، الا انه أمره بالخروج منها عام 1158 ه، فاتجه الشيخ إلى بلدة الدرعية وأميرها محمد بن سعود فوافقه على دعوته ، واستمر التحالف بينهما حتى وفاته في شوال سنة 1206 ه . يرفض انصار الشيخ محمد بن عبد الوهاب مصطلح " ألوهابيه" ، ويرون انه من اختلاق أعداء الشيخ محمد بن عبد الوهاب،ولكن بعض أنصاره لا يعترض على المصطلح إذا كان معناه موافق لحقيقة دعوه الشيخ محمد بن عبد الوهاب،و لا بقصد به تشويه هذه الدعوة أو السخرية منها: يقول الشيخ بن باز (لا يوجد مذهب وهابي، إنما هو طاعة الله ورسوله، الوهابية تدعو إلى ما قاله الله ورسوله، الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله الذي تنسب إليه الوهابية هو رجل قام في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، يدعو الناس إلى ما قاله الله ورسوله، يدعو الناس إلى عقيدة السلف الصالح، من أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم والسير على منهج أصحابه في الأقوال والأعمال، وهو حنبلي المذهب ... فليس له مذهب يخالف مذهب أهل السنة والجماعة، بل هو يدعو إلى مذهب أهل السنة والجماعة فقط، فإذا دعوت أحدا إلى التوحيد ونهيته عن الشرك فقالوا الوهابية، قل نعم أنا وهابي وأنا محمدي أدعوكم إلى طاعة الله وشرعه، أدعوكم إلى توحيد الله، فإذا كان من دعا إلى توحيد الله وهابيا فأنا وهابي(فتاوى نور على الدرب لابن باز: 3/152).وفى كل الأحوال فان المذهب الوهابي ليس مذهب قائم بذاته ومستقل عن غير من المذاهب العقدية والفقهية الاسلاميه، بل هو إحياء للجانب العملي التطبيقي من مذهب الإمام ابن تيميه،والذي هو اجتهاد في إطار المذهب الحنبلي، احد مذاهب أهل السنة ، يقول الشيخ بن عثيمين (وأما تسمية أهل التوحيد منهم بالوهابيين فهذه التسمية في الواقع اصُطنِعت لتشويه دعوة التوحيد، وإلا فإن الوهابية ليست مذهباً مستقلاً خارجاً عن مذاهب المسلمين، بل إن جميع كتب هؤلاء العلماء من رسائل ومؤلفات كبيرة وصغيرة كلها تدل على أن هؤلاء القوم أخذوا منهجهم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ،وأنهم لم يخرجوا عن ما كان عليه محققو الحنابلة كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما ... وإلا فمن نظر إلى هذه الدعوة بعلم وإنصاف تبين له أنها هي حقيقة مذهب الحنابلة وغيرهم من أهل السنة والجماعة وأنها لا تعدوا ما كان عليه المسلمون من سلف هذه الأمة. )( فتاوى نور على الدرب للعثيمين :20/2).
الضبط الشرعي لمفهوم التكفير عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
أولا: اتهام العلماء له بتكفير المسلمين : اتهم بعض العلماء الشيخ محمد بن عبد الوهاب بتكفيره للمسلمين ، استنادا إلى ما تفيده دلاله بعض النصوص والرسائل التي كتبها ، فقد اتهمه هؤلاء العلماء بتكفيره للعامة في قوله (وان الذي عليه غالب الناس، من الاعتقادات في الصالحين وفى غيرهم هو الشرك ، الذي قال الله فيه(انه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار))(الرسالة التاسعة والعشرون:7/ 196)،واتهموه بتكفيره للأعيان كتكفيره للإمام الفخر الرازي، في معرض نقله تقرير ابن تيميه أن تقرير عباده الكواكب كما في تصنيف الرازى رده باتفاق المسلمين (والفخر هو الذي ذكره الشيخ في الرد على المتكلمين لما ذكر تصنيفه الذي ذكر هنا قال وهذه رده صريحة باتفاق المسلمين)( مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد لابن عبد الوهاب /مؤلفات محمد بن عبد الوهاب : 1/288) ،واتهموه بتكفيره للمتكلمين في معرض نقله تكفير السلف والعلماء للمتكلمين(وأنا ادعوك إلى التفكر في هذه المسالة، وذلك أن السلف قد كثر كلامهم وتصانيفهم في أصول الدين ، وإبطال كلام المتكلمين وتكفيرهم)(الرسالة السابعة والثلاثون 7/246)... (وممن ذكر هذا من متاخرى الشافعية : البيهقى والبغوى والتيمى، ومن بعدهم كالحافظ الذهبي ، وأما متقدميهم كابن سريح والدارقطنى وغيرهم فكلهم على هذا الأمر)( الرسالة السابعة والثلاثون:7/ 256)،واتهموه بتكفير الصوفية في رفضه للممارسات بعض المنتسبين إليه (كثير من أتباع إبليس وأتباع المنجمين والسحرة والكهان من من ينتسب إلى الفقر،وكثير ممن ينتسب إلى العلم....ومرادهم آكل أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله لدرجه أن بعض أنواعها يعتقد فيه من يدعى العلم انه من العلم الموروث من الأنبياء من علم الأسماء وهو من الجبت والطاغوت)(الرسالة السابعة والثلاثون: 7/266)،واتهموه باعتباره الفقه شركا في معرض عرضه لتفسير الايه (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا) ( ومن أدله شيخ الإسلام" اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله" فقد فسرها رسول الله والائمه من بعده بهذا الذي تسمونه فقه وهو الذي سماه الله شركا واتخاذهم أربابا)(الرسالة التاسعة والثلاثون: 7/277)،واتهموه بتكفير الناس قبل ظهوره في قوله ( ومن زعم من علماء العارض انه قد عرف معنى لا اله الا الله او عرف معنى الإسلام قبل هذا الوقت، او زعم عن مشائخه أن أحدا عرف ذلك فقد كذب وافترى) (كتاب مجموع الرسائل لمحمد ين عيد الوهاب/ طباعة جامعة الإمام محمد بن سعود /1989 ).
ثانيا: رد الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الاتهام : وقد رد الشيخ محمد بن عبد الوهاب على هذا الاتهام ، من خلال نفيه لهذا الاتهام أولا، وتقريره التزامه بالضوابط الشرعية لمفهومي التكفير والقتال ثانيا:
ا/ نفى الشيخ محمد بن عبد الوهاب للاتهام بتكفير المسلمين: حيث يقول عن الشيخ سليمان بن سحيم (... افترى على أمورا لم اقلها ولم يأت أكثرها على بالى فمنها:قوله: انى مبطل كتب المذاهب الاربعه ، واني أقول أن الناس من ستمائة سنه ليسوا على شي، وأنى ادعى الاجتهاد ، وأنى خارج عن التقليد، وأنى اقو ل آن اختلاف العلماء نقمه ، وأنى اكفر من توسل بالصالحين ، انى اكفر البوصيرى لقوله يا أكرم الخلق، واني أقول لو اقدر على هدم قبه الرسول لهدمتها، ولو اقدر على الكعبة لأخذت ميزابها، وجعلت ميزاب من خشب، وأنى احرم زيارة قبر النبي ، واني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما واني اكفر من يحلف بغير الله، وأنى اكفر الفارض وابن عربي ،واني احرق دلائل الخيرات ورض الرياحين.....جوابى عن هذه المسائل أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم (الرسالة الأولى:7/12 - الرسائل الشخصية/ مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب دراسة وتحقيق صالح بن فوزان و محمد بن صالح العيلقى/ جامعه الإمام محمد بن سعود / الرياض المملكة العربية السعودية).
ب/ تقرير الشيخ محمد بن عبد الوهاب التزامه بضوابط التكفير والقتال:
1/ ضوابط التكفير عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
عدم التكفير بالظن : يقول( من أظهر الإسلام وظننا أنه أتى بناقض لا نكفره بالظن ، لأن اليقين لا يرفعه الظن، وكذلك لا نكفر من لا نعرف منه الكفر بسبب ناقض ذكر عنه ونحن لم نتحققه )( 3/24 :الرسائل الشخصية ).
عدم التكفير بالعموم : يقول( وأما القول إنا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين ونقول سبحانك هذا بهتان عظيم )(الرسائل الشخصية: 15/101 ).
عدم تكفير الا من سب الدين ونهى عنه:يقول(وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك. وأما القتال فلم نقاتل أحداً إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعد ما عرفه والسلام. " الرسائل الشخصية 5/37
عدم التكفير بالموالاة وعدم تكفير الجاهل: يقول( تكفير من بان له أن التوحيد هو دين الله ورسوله ثم أبغضه ونفر الناس عنه. وجاهد من صدق الرسول فيه ومن عرف الشرك وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بإنكاره وأقر بذلك ليلا ونهاراً ثم مدحه وحسنه للناس وزعم أن أهله لا يخطئون لأنهم السواد الأعظم، وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر بالظن وبالموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن الله ورسوله. )( الرسائل الشخصية: 3/25 )
عدم تكفير الا من كفره جميع العلماء الموثوقين : يقول( ما ذكر لكم عني أني أكفر بالعموم فهذا من بهتان الأعداء، وكذلك قولهم إني أقول من تبع دين الله ورسوله وهو ساكن في بلده أنه ما يكفيه حتى يجييء عندي فهذا أيضا من البهتان ؛ إنما المراد اتباع دين الله ورسوله في أي أرض كانت ؛ ولكن نكفر من أقر بدين الله ورسوله ثم عاداه وصد الناس عنه ؛ وكذلك من عبد الأوثان بعد ما عرف أنها دين للمشركين وزينه للناس ؛ فهذا الذي أكفره وكل عالم على وجه الأرض يكفر هؤلاء إلا رجلاً معانداً أو جاهلاً )(الرسائل الشخصية :9/58 )
عدم تكفير الا من كفر أهل التوحيد : يقول( فإن قال قائلهم إنهم يكفرون بالعموم فنقول : سبحانك هذا بهتان عظيم الذي نكفر الذي يشهد أن التوحيد دين الله ودين رسوله، وأن دعوة غير الله باطلة ثم بعد هذا يكفر أهل التوحيد، ويسميهم الخوارج ويتبين مع أهل القبب على أهل التوحيد )(الرسائل الشخصية: 7/48)
عدم تكفير من لم تبلغه الحجة : يقول( من عمل بالتوحيد، وتبرأ من الشرك وأهله فهو المسلم في أي زمان وأي مكان وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعد ما نبين له الحجة على بطلان الشرك وكذلك نكفر من حسنه للناس، أو أقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه دون هذه المشاهد التي يشرك بالله عندها، وقاتل من أنكرها وسعى في إزالتها قوله إني أكفر من توسل بالصالحين، وقوله : إني أكفر البوصيري لقوله يا أكرم الخلق، وقوله إني أقول لو أقدر على هدم حجرة الرسول لهدمتها ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب، وقوله إني أنكر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم وإني أكفر من يحلف بغير الله فهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول : (سبحانك هذا بهتان عظيم ) " . الرسائل الشخصية 11/64
2/ ضوابط القتال عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
اباحه القتال مشروط بالدفاع عن النفس والحرمة: يقول(وأما القتال فلم نقاتل أحداً إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعد ما عرفه والسلام.)( الرسائل الشخصية : 5/37)
تحريم الخروج على ولى الأمر"استخدام القوه المسلحة لتغيير لحاكم":
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته لأهل القصيم (وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برّهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته وحرم الخروج عليه (مجموعة مؤلفات الشيخ [5/11])، ويقول أيضا: الأصل الثالث: أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمّر علينا ولو كان عبداً حبشيّاً" (مجموعة مؤلفات الشيخ [1/394]) بواسطة (دعاوى المناوئين [233-234]).
وقد رد علماء المذهب على اتهام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالخروج على الخليفة العثماني، من خلال تقريرهم الاتى: أولا: أن نجد - موطن الشيخ - لم تكن يوما تابعه لدولة الخلافه العثمانية، يقول الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (لم يخرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب على دولة الخلافة العثمانية فيما أعلم وأعتقد فلم يكن في نجد رئاسة ولا إمارة للأتراك بل كانت نجد إمارات صغيرة وقرى متناثرة وعلى كل بلدة أو قرية مهما صغرت أمير مستقل، وهي إمارات بينها قتال وحروب ومشاجرات )(ندوة مسجلة على الأشرطة) نقلا عن (دعاوى المناوئين. ص [237])). ثانيا: ان الشيخ محمد بن عبد الوهاب راسل أشراف مكه ، وابدي لهم طاعته لهم، وعدم نيته الخروج عليهم ، حيث أرسل وفد برئاسه الشيخ / عبد العزيز بن عبدالله الحصين، وحمله رسالة الى الشريف أحمد جاء فيها ‏ انه ( ... رفع يديه بالدعاء إلى الله بتأييد الشريف لما كان قصده نصر الشريعة المحمدية ومن تبعها، وعداوة من خرج، وهذا هو الواجب على ولاة الأمور‏)‏ ‏(‏ حياة محمد بن عبد الوهاب ، ص322‏)‏‏.‏ ثالثا:رغم ذلك فان أشراف مكه نواب الخليفة العثماني في الحجاز، استعدوا دولة الخلافة العثمانيه علي الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأنصاره ، فأرسلت عده حملات إلى نجد ، ورد عليها انصار الشيخ من باب رد العدوان.
ضرورة ضبط دلالات النصوص:غير أن نفى الشيخ محمد بن عبد الوهاب الاتهام الموجه له بتكفير المسلمين ، وتقريره التزامه بالضوابط الشرعية للتكفير، لم يحول دون استمرار هذا الاتهام للشيخ والمذهب بعد وفاته. وهذا يعنى ضرورة ضبط دلالات هذه النصوص ، بصرفها من الدلالة التي تفيد الإطلاق البدعى للتكفير، إلى دلاله أخرى تفيد الضبط الشرعي للتكفير بقرائن متعددة : أولا:النصوص الأخرى التي كتبها الشيخ والتي تنفى الدلالة الأولى وتفيد الدلالة الثانية ،ثانيا:الضوابط الشرعية لمفهوم التكفير التي قررتها النصوص ، والتي قررها علماء أهل السنة ومنهم الإمام ابن تيميه – شيخ الشيخ بن عبد الوهاب ، والتي اقر الشيخ التزامه بها،ثالثا: الرجوع إلى الدلالة الاصليه للنصوص التي استند إليها الشيخ في كتابه هذه النصوص.
نماذج لضبط دلالات النصوص :
اولا: ضبط النصوص التي استند إليه العلماء في اتهامه بتكفير الناس قبل ظهوره ، بصرفها من الدلالة التي تفيد تكفيره لأهل الفترة ، إلى دلاله أخرى تفيد شيوع بعض أنماط التفكير والسلوك البدعى فئ المجتمعات المسلمة قبل ظهوره ، وذلك استناد إلى القرائن التالية : أولا: نفيه لهذا الاتهام فى نصوص أخرى ، ثانيا: تقرير ابن تيميه- شيخ الشيخ بن عبد الوهاب - أن أهل الفترة لا يستحقون العذاب(والجمهور من السلف والخلف على ان ما كانوا فيه قبل مجى الرسول من الشرك والجاهليه شيئا قبيحا وكان شرا ، لكن لا يستحقون العذاب إلا بعد مجي الرسول )( مجموع الفتاوى: 11/ 677).
ثانيا: ضبط النصوص التي استند إليه العلماء في اتهامه بتكفير الصوفية ، بصرفها من الدلالة التي إلى تفيد تكفيره للصوفية دون تمييز بين المتصوفة الحقيقيين وأدعياء التصوف ، ودون تمييز بين العقائد والسلوكيات الصوفية المختلفة، ومدى موافقتها أو مخالفتها للكتاب وألسنه، إلى دلاله أخرى تقصر التكفير على أدعياء التصوف ، الذين يتبنون عقائد أو سلوكيات مخالفه للكتاب وألسنه،وذلك استناد الى القرائن التالية : أن نصوصه لا تتضمن تعميم كقوله (كثير من أتباع إبليس وأتباع المنجمين والسحرة والكهان من من ينتسب إلى الفقر،وكثير ممن ينتسب إلى العلم)(الرسالة السابعة والثلاثون: 7/266) ،فالنص يتضمن مصطلح (كثير) وليس( كل )، ثانيا: أن بعض النصوص التي كتبها الشيخ محمد بن عد الوهاب تتضمن الثناء على بعض الصوفية الملتزمون بالكتاب والسنة وفي القسم الثالث من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب جزء (فتاوى ومسائل) قام بجمعها الشيخ صالح بن عبد الرحمن الأطرم ومحمد عبد الرازق الدويسي والصفحة رقم (31) المسألة الخامسة "اعلم أرشدك الله – أن الله سبحانه وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى الذي هو العلم النافع ودين الحق الذي العمل الصالح إذا كان من ينسب إلى الدين: منهم من يتعانى بالعلم والفقه ويقول به كالفقهاء ومنهم من يتعانى بالعبادة طلب الآخرة كالصوفية. وبعث الله بنبيه بهذا الدين الجامع للنوعين( عبد الحفيظ بن عبد الحق المكي، موقف أئمة الحركة السلفية من التصوف والتصوف، دار لسلام القاهرة، ط 1988م، صض15) وفي القسم الثاني من مؤلفاته (الفقه) المجلد الثاني ص (4) في رسالة (أربع قواعد تدور الأحكام عليها) يقول " اعلم رحمك الله إن أربع هذه الكلمات يدور عليها الدين سواء كان المتكلم يتكلم في علم التفسير أو في علم الأصول أو في علم أعمال القلوب الذي يسمى علم السلوك..." وفي (لحق المصنفات) "هذه مسألة" صفحة (124) قال " فنفس محبته أصل عبادته والشرك فيها أصل الشرك في عبادته ولهذا كان مشايخ الصوفية العارفون يوصون كثيراً بمتابعة العلم قال بعضهم "ما ترك أحد شيئاً من السنة إلا لكبر في نفسه"، ثالثا:أن الموقف الحقيقي لائمه المذهب الحنبلي كالإمام احمد إبن حنبل والإمام ابن تيميه والإمام ابن القيم من التصوف يتجاوز الرفض المطلق ، إلى موقف نقدي قائم على التمييز بين المتصوفة الحقيقيين وأدعياء التصوف ، طبقا لمعيار التمييز بين العقائد والسلوكيات الصوفيه الموافقة للكتاب والسنه والمخالفة لهما ، فعن الإمام أحمد بن حنبل نجد في الجزء الثاني من طبقات الحنابلة للقاضي محمد بن أبي يعلي ،مقدمة الشيخ أبي محمد بن تميم النبلي في عقيدة الإمام أحمد بن حنبل (قد سئل مرة عن المريد فقال أن يكون مع الله كما يريد ،وأن يترك كل ما يريد لما يريد...) ،وقال وقد سئل عنهم (وقيل له يجلسون في المساجد فقال: العلم أجلسهم)، ويرفض الامام ابن تيميه موقفى الرفض والقبول المطلقين للتصوف (فَطَائِفَةٌ ذَمَّتْ " الصُّوفِيَّةَ وَالتَّصَوُّفَ " . وَقَالُوا : إنَّهُمْ مُبْتَدِعُونَ خَارِجُونَ عَنْ السُّنَّةِ وَنُقِلَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ وَتَبِعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْكَلَامِ . وَطَائِفَةٌ غَلَتْ فِيهِمْ وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَأَكْمَلُهُمْ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَكِلَا طَرَفَيْ هَذِهِ الْأُمُورِ ذَمِيمٌ )...ثم يتخذ موقف نقدى يميز بين طوائفهم ويستبعد ادعيائم حيث يقول (وَ " الصَّوَابُ " أَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ كَمَا اجْتَهَدَ غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ طَاعَةِ اللَّهِ فَفِيهِمْ السَّابِقُ الْمُقَرَّبُ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ وَفِيهِمْ الْمُقْتَصِدُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ وَفِي كُلٍّ مِنْ الصِّنْفَيْنِ مَنْ قَدْ يَجْتَهِدُ فَيُخْطِئُ وَفِيهِمْ مَنْ يُذْنِبُ فَيَتُوبُ أَوْ لَا يَتُوبُ . وَمِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَيْهِمْ مَنْ هُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ عَاصٍ لِرَبِّهِ . وَقَدْ انْتَسَبَ إلَيْهِمْ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالزَّنْدَقَةِ ؛ وَلَكِنْ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ لَيْسُوا مِنْهُمْ : كَالْحَلَّاجِ مَثَلًا ).