الضبط الشرعي لمفهوم التكفير في المذهب الوهابي
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
مذهب تقسيم التوحيد : اخذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب بمذهب شيخه الإمام ابن تيميه في تقسيم التوحيد ، والذي مضمونه تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وتوحيد إلهيه ، ويتضمن الأخير إثبات الأسماء والصفات ، ومضمون الأول هو الاعتقاد بأن الله هو وحده الرب والخالق والمحيي والمميت والرازق والمدبر، ويرى ابن تيميه أن هذا القسم من أقسام التوحيد قد أقر به الناس كافة ـ بالفطرة ـ مؤمنهم وكافرهم . أما الأول ( توحيد الإلهية) فمضمونه هو اعتقاد أنه لا إله إلا الله، ويعني ذلك صرف جميع العبادات من الدعاء والسجود والنذر والطواف والحلف ونحو ذلك إلى الله دون سواه من صنم أو قبر،ويرى ابن تيميه ان هذا القسم من أقسام التوحيد هو المعوّل عليه، والذي جاءت به الرسل. يقول ابن تيمية ( التوحيد الذي جاءت به الرسل إنما يتضمن إثبات الإلهية لله وحده بأن يشهد أن لا إله إلا الله ولا يعبد إلا إياه ولا يتوكل إلا عليه ولا يوالي إلا له ولا يعادي إلا فيه ولا يعمل إلا لأجله وذلك يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات)، ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب (... إنّ الكفار الذين قاتلهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مقرّون بأنّ (اللّه) هو الخالق الرازق المدبر، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام لقوله تعالى"قُلْ مَنْ يَرزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأرضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبصَارَ... فَسَيَقُولُونَ اللّه فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ" )( رسالة أربع قواعد ص 1 - 4 ط مصر )
نقد بعض العلماء لمذهب ابن تيميه في تقسيم التوحيد: وقد تعرض مذهب ابن تيميه في تقسيم التوحيد إلى النقد من العديد من العلماء،ويتضمن هذا النقد :أولا: أن هذا التقسيم لم يرد- بلفظه- في القران والسنة، ولم يقل به احد من السلف الصالح من أهل القرون الثلاثة، ورتب الكثير منهم على هذا انه بدعه.ثانيا: القول بأن الناس أجمعين – مؤمنهم وكافرهم - مقرون بتوحيد الربوبية؛ يخالف تقرير القران الكريم إن كثير من الأقوام أنكروا ربوبية الله تعالى أو أشركوا غيره في الربوبية كقوله تعالى(.. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ) [الحج: 39، 40]، و قوله تعالى(وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} [غافر: 28] وقوله تعالى (لا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا) ،وقوله تعالى (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) .ثالثا: الآيات التي استدل بها ابن تيمية على أن الكفار والمشركين مقرون بتوحيد الربوبية كقوله تعالى (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَاتَتَّقُونَ)(المؤمنون: 86، 87)، تدل على أنهم يقرون بربوبية الله تعالى، ولكنها لا تدل على أنهم يقرون بتوحيد الربوبية، لأنهم لا يقرون بربوبية الله تعالى وحده، بل يسندون الربوبية إلى سواه أيضا . فهناك فرق بين الإقرار بربوبية الله تعالى وبين الإقرار بتوحيد الربوبية.رابعا: فسر ابن تيميه الايه (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)(الزمر: 3)،بما يفيد بأن الكفار والمشركين يقرون بتوحيد الربوبية، بينهما تفسيرها - الذي يتسق مع سياقها- أن إقرارهم بتوحيد الربوبية هو كذب منهم بدليل بقيه الايه (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)(الزمر: 3).خامسا: أن البعض استخدم هذا التقسيم كذريعة لتكفير المخالف في المذهب،و دون التزام بالضوابط الشرعية للتكفير التي اقرها علماء أهل السنة- بما فيم ابن تيميه – استنادا إلى النصوص.
ضرورة الضبط الشرعي لمذهب تقسيم التوحيد : يجب تقرير أن تقسيم التوحيد - بصوره عامه - لا ينفرد به ابن تيميه ولا المذهب الحنبلي، فقد قال به علماء عديدون، و من مذاهب أهل السنة الأخرى، ولكن طبقا لصياغات أخرى، فعلى سبيل المثال لا الحصر قسم بعض علماء المذهب الاشعرى التوحيد إلى ثلاثة أقسام هي : توحيد الذات، وتوحيد الصفات، وتوحيد الأفعال، يقول كمال الدين ابن أبي شريف ( التوحيد هو اعتقاد الوحدانية في الذات والصفات والأفعال ( المسامرة شرح المسايرة: 43).وبناء على هذا فان المطلوب ليس إلغاء مذهب تقيم التوحيد ،بل ضبطه بضوابط شرعيه تتضمن: أولا:لا يجوز اتخاذ تقسيم التوحيد كوسيلة لوصف المسلمين بالشرك : أن تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وتوحيد الوهيه،أو تقرير إنكار الكفار والمشركين لتوحيد الالوهيه- وإنهم اقروا بربوبية الله - وليس توحيد الربوبية - لا يجوز إن يترتب عليه وصف بعض أفعال المسلمين، التي اختلفت المذاهب في حكمها ،كالاستغاثة والتوسل وزيارة وبناء الاضرحه والقبور ... بأنها شرك في الالوهيه لأنها- فضلا عن كونها متعلقة بمسائل خلافيه وليست محل إجماع - خاضعة لمعيار النية لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم ) (إنما الأعمال بالنيات)، كما انه لا يجوز جعل الآيات التي نزلت فى الكفار على المسلمين - بما فيها الآيات التي تصف إنكار الكفار لتوحيد الالوهيه - . ثانيا:التمييز وليس الفصل بين الربوبية والالوهيه : أن تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وتوحيد الوهيه يجب أن يقوم على التمييز بين الربوبية والالوهيه ، وليس الفصل بينهما ،فقد ربطت النصوص بين الربوبية والالوهيه كقوله تعالى (رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً) ، وقوله تعالى(ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض) .ثالثا:تقسيم التوحيد اصطلاحي وليست توقيفي: أن تقسيم التوحيد هو مسالة اصطلاحيه وليست توقيفيه ، ويدل على هذا: ا/ اختلاف العلماء في صيغ تقسيم التوحيد :أن العلماء – حتى داخل المذهب الحنبلي - لم يتفقوا صيغه واحده لتقسم التوحيد، له بل قررو صيغ مختلفة له ، فقسمه ابن تيميه إلى توحيد الربوبية وتوحيد الالهيه، وقرر أن إثبات الأسماء والصفات متضمن في الأخير، وقام تلميذه ابن أبى العز استنادا الى ذلك بتقسيمه إلى ثلاثة أقسام هى توحيد الربوبية وتوحيد الالهيه وتوحيد الأسماء والصفات، وقسم ابن القيم ا التوحيد الى توحيد فى المعرفة والإثبات ، وتوحيد فى الطلاب والقصد . ب/ تقرير العلماء أن تقسيم التوحيد تقريبي وتعليمي واستقرائي: وقد قرر كثير من العلماء المعاصرين، الذين قالوا بالصيغة الثلاثية لتقسيم التوحيد (توحيد ربوبية وألوهيه وأسماء وصفات ) أن تقسيم التوحيد من باب الوسائل والتقريب للتفهيم والتعليم وانه محصله استقراء النصوص- وكلها أوصاف تدل على انه اصطلاحي وليس توقيفي- يقول الشيخ ابن عثيمين (...فالصواب -بلا شك-: إن تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، وذكر الشروط والأركان والواجبات والمفسدات في العبادات؛ كل هذا جائز؛ لأنه من باب الوسائل والتقريب وحصر الأشياء لطالب العلم. )( شرح عقيدة أهل السنة والجماعة، للشيخ ابن عثيمين - الشريط الأول/الوجه الأول). رابعا:تقسيم التوحيد مسالة فرعيه اجتهادية: ويترتب على كون تقسيم التوحيد مسالة اصطلاحيه وليست توقيفيه، أنها مسالة فرعيه اجتهادية وليست مسالة أصليه نصيه .وبالتالي لا يجوز وصف تقسيم التوحيد أو اى صيغه من صيغه بأنه بدعه- كما يرى منكري تقسيم التوحيد عامه، أو صيغته الثلاثية السابقة الذكر خاصة- إلا في حاله القول بأنها مسالة توقيفيه وبالتالي أصليه نصيه.كما انه لا يجوز تكفير من أنكر تقسيم التوحيد أو أنكر اى من صيغه . إقرار الشيخ محمد بن عبد الوهاب بمذهب الشمول الشرعي لمصطلح أهل السنة : ورغم اخذ بعض متاخرى المنتسبين إلى المذهب الوهابي بمذهب التضييق المذهبي لمصطلح " أهل السنة " وذلك بالقول بان المصطلح مقصور على المذهب الحنبلي أو حتى المذهب الوهابي، الا أن هناك العديد من النصوص التي كتبها الشيخ محمد ابن عبد الوهاب، و التي تفيد انه يأخذ بمذهب الشمول الشرعي لمصطلح " أهل السنة " –على المستوى الفقهى – حيث يقول مثلا في رسالته إلى عبد الرحمن بن عبد الله السويدي أحد علماء العراق(أخبرك أني ولله الحمد متبع ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة، لكني بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين وعن إشراكهم فيما يعبد الله به، مما هو من حق الله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل)وهو هنا يقارب موقف بعض اعلام المذهب الحنبلي الذين قالوا بمذهب الشمول الشرعي لمصطلح أهل السنة على المستويين الفقهي والاعتقادى ومنهم الإمام ابن تيميه ، الذي أورد تعريفا عاما لمصطلح أهل السنة،يمكن ان ينطبق على العديد من المذاهب حيث يقول فى تعريف أهل السنه (هم المتمسكون بكتاب الله وسنة رسول الله وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان)(جموع الفتاوى (3/375). ويقول(فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى (3/346). كما يورد دلالتين للمصطلح ،الأولى هي الدلالة العامة له ويمكن ان يندرج تحتها المذاهب الفقهية : الحنبلي والشافعي والمالكي…والمذاهب ألاعتقاديه الكلامية: الاشعرى والماتريدي والطحاوي وأهل الظاهر حيث يقول ابن تيمية ( فلفظ السنة يراد به من أثبت الخلفاء الثلاثة ، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلاّ الرافضة )(منهاج السنة/ 2/ ص 221)، أما الدلالة الثانية فهي الدلالة الخاصة لمصطلح أهل السنة كما فى قوله ( وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة ، فلا يدخل فيه إلا من أثبت الصفات لله تعالى، ويقول : إن القرآن غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة ، ويثبت القدر وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنة). اتساقا مع ما سبق فان الإمام ابن تيميه يعتبر أن المذهب الاشعرى هو احد مذاهب أهل السنه ،طبقا لمعيار نسبى مضمونه أن الاشاعره هم أهل السنه في البلاد التي يكون فيها أهل البدع هم المعتزلة والرافضة حيث يقول (… فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث، وهو يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم )(نقض تأسيس المطبوع/2/87). .).ويذكر عن الاشاعره أنهم من المتكلمين (المنتسبين إلى السنة )( الجواب الصحيح /1/252) .وممن قال بمذهب الشمول الشرعي لمصطلح أهل السنه العلامة السفاريني الحنبلي من خلال تقريره أن مصطلح أهل السنه يشمل ثلاثة فرق : الاثريه ” الحنابله” والاشعريه والماتريديه ، حيث يقول ( أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: الأثرية، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه ، والأشعرية، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله ، والماتريدية، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) (لوامع الأنوار البهية 1 / 73) . وكذلك العـلامة ابن الشطي الحنبلي (تبصير القانع في الجمع بين شرحي ابن شطي وابن مانع على العقيدة السفارينية، الصفحة / 73) . والعلامة المواهبى الحنبلي (العين والأثر ص/53).
ثانيا: الضبط الشرعي لمفهوم التكفير عند علماء المذهب :
نفى علماء المذهب ادعاء تنظيمات الغلو في التكفير انتسابها إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
أما الضبط الشرعي لمفهوم التكفير عند علماء المذهب المعاصرين فيتضمن نفى هؤلاء العلماء ادعاء تنظيمات الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة ، انتسابها إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو السلفية أو الإسلام ، وتقريرهم أنها إحياء لمذهب الخوارج البدعى:
يقول الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ - مفتي المملكة العربية السعودية – عن تنظيمي القاعدة والدولة الاسلاميه في العراق والشام ( داعش) في بيان نشرته الصحف بعنوان ( تبصره وذكرى - )(... واستقراء الشريعة يدل على أن السماحة واليسر من مقاصد هذا الدين. وظهر للسماحة أثرٌ عظيم في انتشار الإسلام ودوامه, فعلم أن اليسر من الفطرة, لأن في فطرة الناس حب الرفق. وحقيقة السماحة التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط, والوسطية بهذا المعنى هي منبع الكمالات, وقد قال الله تعالى في وصف هذه الأمة: (وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) البقرة:143 ). في ضوء هذه المقاصد العظيمة, تتجلى حقيقة الوسطية والاعتدال, وأنها كمال وجمال هذا الإسلام، وأن أفكار التطرُّف والتشدُّد والإرهاب الذي يفسد في الأرض ويهلك الحرث والنسل ليس من الإسلام في شيء, بل هو عدو الإسلام الأول, والمسلمون هم أول ضحاياه, كما هو مشاهد في جرائم ما يسمّى بـ "داعش" و"القاعدة" وما تفرع عنهما من جماعات, وفيهم يصدق قوله - صلى الله عليه وسلم: "سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان, سفهاء الأحلام, يقولون من خير قول البرية, يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم, يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية, فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة".وهذه الجماعات الخارجية لا تُحسب على الإسلام, ولا على أهله المتمسكين بهديه, بل هي امتداد للخوارج الذين هم أول فرقة مرقت من الدين بسبب تكفيرها المسلمين بالذنوب, فاستحلت دماءهم وأموالهم ). ويقول الشيخ الدكتور/ صالح الفوزان - في جواب عن سؤال طُرح عليه في التلفزيون السعودي، تنظيم الدولة الاسلاميه في العراق والشام (داعش) وممارساته فأجاب ( أن هذا إفساد وليس جهاد وأن هؤلاء خوارج ). ويقول الشيخ الدكتور/ صالح السحيمي- المدرس في المسجد النبوي الشريف – عن ذات التنظيم ( جماعة خارجية تكفيرية ... لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة .). ويقول الفقيه الشيخ / مشهور ابن حسن عن ذات التنظيم (داعش حرب شعواء على السلفية!! بل يكفرون أو يضللون علماءنا! ونحن السلفيون ربانا وأصلنا علماءنا على أن نجبُن في الدماء والأموال كما قال الإمام أحمد ابن حنبل أنا أجبن عن الدماء ).
الضوابط الشرعية لمفهومي التكفير والقتال: ورغم نفى علماء المذهب المعاصرين ادعاء تنظيمات الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة ، انتسابها إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وتقريرهم أنها إحياء لمذهب الخوارج البدعى، الا أن هذه التنظيمات ظلت على ادعاءها ، وهو ما أدى استمرار اتهام المذهب بعدم الالتزام بالضوابط الشرعية لمفهوم التكفير والمفاهيم ذات الصلة كمفهوم القتال،وهو ما يفرض إجراء مزيد من الضبط الشرعي لمفهومي التكفير والقتال والذي يتضمن: أولا:النفي التفصيلي لصله تنظيمات الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمه بالمذهب والسلفية والإسلام، ثانيا: إلزام المنتسبين للمذهب بالالتزام بالضوابط الشرعية لمفهومي التكفير والقتال .
أولا: الضوابط الشرعية للتكفير:ا/ لا تكفير إلا بإنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة: لا يجوز تكفير احد إلا في حاله إنكاره ما هو معلوم من الدين بالضرورة ، والمقصود بالمعلوم من الدين بالضرورة النص يقيني الورود ( من الله تعالى أو الرسول"صلى الله عليه وسلم") ، القطعي الدلالة (لا يحتمل التأويل) ، يقول الاما الشوكاني ( اعلم أن الحكم على المسلم بخروجه من دين الإسلام، ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار (. .ب/ التكفير على العموم أما المعين فيتوقف تكفيره على استيفاء الشروط وانتفاء الموانع: جواز التكفير على العموم، بمعنى جواز القول بان المذهب المعين أو القول المعين هو كفر، أما الشخص المعين فلا يجوز القول بكفره إلا بعد استيفائه شروط التكفير وانتفاء موانعه عنه، والدليل على ذلك أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) لعن شارب الخمر على العموم، ولما جلد رجلاً شرب الخمر قام رجل فلعنه فقال (صلى الله عليه وسلم) (لا تلعنوه فو الله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله) (رواه البخاري(، فوجد الرسول(صلى الله عليه وسلم) مانع من اللعن العام وهو محبته لله والرسول .يقول ابن تيمية ( إن التكفير العام يجب القول بإطلاقه وعمومه، وأما الحكم على المعين بأنه كافراً أو مشهود له بالنار، فهذا يقف على الدليل المعين، فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه) (ابن تيمية، الفتاوى، الفتاوى ،مجلد 12، ص22.(ج/ التمييز بين الكفر الأكبر" الاعتقادى" والكفر الأصغر" العملي" : التمييز بين الكفر الأكبر"الاعتقادى" وهو إنكار أصل من أصول الدين ، والكفر الأصغر" العملي" وهو المعصية، كقوله ( صلى الله عليه وسلم) (لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن) ، فالأول يوجب الخروج من الملة ، والثاني لا يوجب ذلك. يقول بن عباس (رضي الله عنه ) في تفسير قوله تعالى( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)( كفر دون كفر ) و يقول ابن القيم (فأما الكفر فنوعان :كفر اكبر وكفر اصغر..فالكفر الأكبر :هو الموجب للخلود في النار.والأصغر:موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود) (مدارج السالكين :1/364 (. . د/العذر بالجهل : عدم تكفير من جهل ان قوله هو كفر، ودليل ذلك في السنة قوله (صلى الله عليه وسلم) (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون). نقل الذهبي في الموقظة عن ابن تيمية (كنت أقول للجهنمية من الحلولية والنفاه ، الذين نفوا أن الله فوق العرش لما وقعت محنتهم ، أنا لو وافقتكم كنت كافراً لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال) وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم. و/ عدم جواز جعل الآيات التي نزلت فى الكفار على المسلمين: قال البخاري في صحيحة في ( كتاب إستتابة المرتدين ) : ( باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم وقول الله تعالى " وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون " وكان ابن عمر رضي الله عنهما يراهم شرار خلق الله وقال إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين.
ثانيا: الضوابط والشروط الشرعية للقتال:ا/ النية : عنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ".ب/ وجوب استئذان الوالدين : عن عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) يَقُولُ(جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ! قَالَ: فِيهِمَا فَجَاهِدْ).، يقول الإمام الشوكاني ( يجب استئذان الأبوين في الجهاد وبذلك قال الجمهور ، وجزموا بتحريم الجهاد إذا منع منه الأبوان أو أحدهما، لأن برّهما فرض عين والجهاد فرض كفاية، فإذا تعين الجهاد فلا إذن .(|. .ج/أن الجهاد يكون مع جماعة المسلمين، وليس مع آحاد الناس أو جماعه من المسلمين: قال تعالى(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا ) ( التوبة :38)، وقال الرسول(صلى الله عليه وسلم)(إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَعَدَلَ، كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ، وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ) ، وقال الإمام أحمد بن حنبل(والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة – البر والفاجر – لا يترك).د/ لا قتال لمن يقيم الصلاة ويؤذن لها: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ النَّبِيَّ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِم . ه/ حرمه قتل المعاهدين والمستأمنين: قال الرسول(صلى الله عليه وسلم)(مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا)(رواه البخاري في صحيحة) ، و/عدم جواز نقض العهود والمواثيق: قال تعالى (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاق)، ى/عدم جواز قتل المدنيين: روى عن أنس بن مالك ( رضي الله عنه ): أن الرسول صلى الله عليه و سلم كان إذا بعث جيشاً قال : ( انطلقوا باسم الله لا تقتلوا شيخاً فانياً و لا طفلاً صغيراً ولا امرأة ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)( رواه أبو داود في السنن. ز/ إجماع أهل السنة على تحريم الخروج بالسيف(التغيير المسلح): اجمع علماء أهل السنة على قاعدة تحريم الخروج بالسيف، اى تغيير الحاكم باستخدام القوه المسلحة ، يقول الإمام ابن تيمية (وأما أهل العلم والدين والفضل؛ فلا يرخّصون لأحدٍ فيما نهى الله عنه:من معصية ولاة الأمور، وغشهم، والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما قد عُرِف من عادات أهل السنة والدين قديمًا وحديثًا، ومن سيرة غيرهم) (مجموع الفتاوى:35/12)، ويقول الإمام النووي (وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرام بإجماع المسلمين – وإن كانوا فسقة ظلمة – وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق) (شرح مسلم:12/432-433)
.