السلفية المنهجية: أصولها وتطبيقاتها
د.صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم

ج/ قاعدة شمول القران: ومن القواعد الاصوليه المقررة قاعدة شمول القران التي أشار إليها القران في عده مواضع منها قوله تعالى (وما فرطنا في الكتاب من شيء والى ربهم يرجعون)(الأنعام :38) ، غير أن هناك تفسيرين لهذه القاعدة:
التفسير الأول: أن القران تضمن أصول الأحكام وفروعها، وقال به أهل الظاهر، وهو تفسير يؤدى إلى التقليد وقفل باب الاجتهاد.
التفسير الثاني: أن القران تضمن أصول الأحكام، وترك للمسلمين الاجتهاد في فروعها، وقال به الكثير من علماء أهل السنة يقول ابن تيميه (إن الله بعث محمدا بجوامع الكلم ، فيتكلم بالكلمة الجامعة العامة، التي هي قاعدة عامه ، تتناول أنواعا كثيرة ، وتلك الأنواع تتناول أحيانا جزئيات، فبهذا الوجه تكون النصوص محيطه بأحكام أفعال العباد ) (الفتاوى، المجلد الأول، ص 410) ، ويقول ابن القيم (الأحكام على نوعان نوع لا يتغير عن حاله واحده هو عليها... والثاني ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة زمانا ومكانا وحالا) (أعلام الموقعين) ، وهذا التفسير لا يؤدى إلى التقليد ولا يلغى الاجتهاد.
د/ مفهوم البدعة: البدعة لغة: إحداث شيء أو صفه بدون إقتداء بأصل أو مثال سابق (العين ، للفراهيدي،ج 2 ، ص54 و معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم ، للراغب الأصفهاني، ص36 )، أما البدعة اصطلاحا: فهي الاضافه إلى الدين، والمقصود بالدين أصوله وليس فروعه، دون الاستناد إلى نص يقيني الورود قطعي الدلالة: يقول تعالى (... ورَهبَانِيَّةً ابتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيهِمْ إلاّ ابتغاء رِضوَانِ اللهِ ....). ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد " صلى الله عليه وسلم" وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) (رواه مسلم ومعناه عند البخاري من حديث ابن مسعود)..يقول ابن رجب الحنبلي: (ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدّل عليه ، أما ما كان له أصل من الشرع يدّل عليه فليس ببدعة شرعاً وإنْ كان بدعة لغةً)( جامع العلوم والحكم ، ص 160 ، طبع الهند).ويقول ابن حجر العسقلاني (أصلها ما أُحدِثَ على غير مثال سابق ، وتطلق في الشرع في مقابل السُنّة فتكون مذمومة...) ( فتح الباري ،ص 5 ، ص 156) ، ويقول ألشاطبي (البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يُقصد بالسلوك عليها ما يُقصد بالطريقة الشرعية ـ وقال في مكان آخر ـ يُقصد بالسلوك عليها : المبالغة في التعبّد لله تعالى) ( الاعتصام ،ج 1 ، ص375)، إذا رفض ألبدعه لا يؤدى إلى التقليد ولا يلغى للاجتهاد ، لأنها متعلقة بأصول الدين النصية الثابتة ،وليس فروعه الاجتهادية المتغيرة.
خامسا: السلفية اقتداء بحقبه تاريخيه مباركه فى كل زمان ومكان مع التمييز بين السلف والسلفية: والسلفية اقتداء بحقبه تاريخيه مباركه فى كل زمان ومكان ،مع وجوب التمييز – وليس الفصل - بين السلف الصالح الذين شكلوا حقبه تاريخيه مباركه، والسلفية كمنهج قائم على الاقتداء بالسلف الصالح في كل زمان ومكان،لان الخلط بينهما يؤدى إما إلى المساواة بين السلف الصالح وغيرهم من المسلمين في المرتبة، أو اعتبار السلفية مرحله تاريخيه ونفى كونها منهج صالح لكل زمان ومكان.
سادسا: الجمع بين الظاهر والباطن: المنهج السلفي – كجزء من المنهج الاسلامى- يقوم على التلازم بين الظاهر "الذي يعبر عن الأبعاد الموضوعية للإنسان"، والباطن "الذي يعبر عن الإبعاد الذاتية للإنسان" ،والذي أشارت إليه الكثير من النصوص ،كقوله تعالى الله ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً) ، وقول الرسول (صلى الله عليه ونسلم )( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم لسانه ، ولا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبه ) ، واتساقا مع هذه النصوص قرر علماء أهل السنه هذا التلازم،وعلى سبيل المثال يقول الامام ابن تيمية في معرض كلامه عن كفر تارك الصلاة وقتله كفراً وردة ( فهذا الموضع ينبغي تدبره ، فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب وعلم أن من قال من الفقهاء أنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يُقتل أو يُقتل مع إسلامه ، فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية ، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل ، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان وأن الأعمال ليست من الإيمان ، وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب ، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان أو جزءاً من الإيمان )ارتباط . وكذلك اتفق علماء أهل السنة على أن الإيمان قول وعمل ، أو قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان ، وهو تأكيد لربط مذهب أهل السنة بين الابعاد الذاتيه " الايمان" والموضوعية للإنسان " الأقوال والاعمال" يقول ابن تيمية ( فإذا كان القلب صالحا بما فيه من الإيمان علما وعملا قلبيا لزم ضرورةً صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق ، كما قال أئمة أهل الحديث : قول وعمل ، قول باطن وظاهر ، وعمل باطن وظاهر ، والظاهر تابع للباطن لازم له ، متى صلح الباطن صلح الظاهر ، وإذا فسد فسد ، ولهذا قال من قال من الصحابة عن المصلى العابث : لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه )(مجموع الفتاوى :7/187).
تطبيقات:
رفض الاهتمام بالمظهر" الظاهر" مع إهمال المخبر"الباطن": ويترتب على تقرير أن المنهج السلفي – كجزء من المنهج الاسلامى- يقوم على التلازم بين الظاهر والباطن ، رفض الاهتمام بالمظهر" الظاهر" مع إهمال المخبر"الباطن"، والذي يأخذ أشكال متعددة منها:
ا/ التركيز على بعض القضايا – اغلبها متعلقة بالمظهر- بما يوحى بوجوبها أو حرمتها ، بينما حكمها لا يتجاوز الاستحباب- أو الكراه :
مثال:
الزى: فعلى سبيل المثال يركز على زى معين للرجال "الجلباب مثلا " ولون معين " الأبيض مثلا" بحجه التاسى بالرسول (صلى الله عليه وسلم) ، في حين انه من الثابت أن صفه زى الرسول(صلى الله عليه وسلم) انه غير مقصور على ملابس معينه "حين انه (صلى الله عليه وسلم|) لبس العديد من الملابس" وغير مقصور على لون واحد" فرغم تفضيله (صلى الله عليه وسلم ) للون الابيض الا انه لبس ملابس بالوان اخرى " يقول ابن القيم ( كانت له عمامة تُسمى : السحاب ، كساها علياً ، وكان يلبَسُها ويلْبَسُ تحتها القَلَنسُوة ، وكان يلبَس القلنسُوة بغير عمامة ، ويلبَسُ العِمامة بغير قلنسُوة ، وكان إذا اعتمَّ أرخى عِمامته بين كتفيه ... ولبس صلى الله عليه وسلم القميص... ولبس الجُبَّةَ والفَرّوج ، وهو شبه القَباء.والفرجية ...ولبس في السفر جُبة ضَيِّقَةَ الكُمَّين ... ولبس الإِزار والرداء... ولبس حُلة حمراء ... . ولبس الفَروة المكفوفة بالسندس ...و لبس السراويل ولبس الخفين ... ولبس النعل الذي يسمى التَّاسُومة ...وكان له بردان أخضران. وكِساء أسود ، وكساء أحمر ملبَّد ، وكساء من شعر.. . ولبس الشعر الأسود .والبرد الأخضر)( زاد المعاد : 1/135-145) .
القول بالوجوب او الحرمة دون اعتبار للكيفية المتضمنة للنية :القول بوجوب أو حرمه بعض الأفعال، دون اعتبار لكيفيتها ، المتضمنة لجمله من الضوابط الموضوعية ، والذاتية " ومنها النية " -
أمثله:
ا/ مسالة إعفاء اللحية: فعلى سبيل المثال هناك من يقصر إيجاب إعفاء اللحية-على درجه الوجوب، ومن ثم يقصر منع حلقها على درجه التحريم ، في حين انه من الثابت في الفقه الاسلامى انه رغم اتفاق الفقهاء على إيجاب(طلب) إعفاء اللحية لورود العديد من النصوص الدالة على ذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم( أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى )[ رواه مسلم ]، الا أنهم اختلفوا في درجه الإيجاب إلى مذهبين: المذهب الاول يحمل هذه النصوص على الوجوب – وبالتالي تحريم مخالفتها – وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة وقول عند الشافعيه، و المذهب الثاني يرى ان الأمر فى هذه النصوص محمول على الاستحباب لا الوجوب ( و كراهية- وليس تحريم- مخالفتها)؛ لأن الأمر الوارد على الشيء التحسيني ، والتزييني يحمل على الندب والاستحباب، ويستدل هذا المذهب على سنية"استحباب" -وليس وجوب- إعفاء اللحية بقوله الله صلى الله عليه وسلم: ( عشر من الفطرة: منها إعفاء اللحية )، والمراد بالفطرة: السنة، لورود تعبير سنة بدلاً من الفطرة فى حديث أخر هو قوله صلى الله عليه وسلم ( من السنة قص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظفار )(صحيح بخارى) .وهذا المذهب هو المعتمد عند الشافعية، يقول ابن حجر الهيتمي (فَرْعٌ: ذَكَرُوا هُنَا فِي اللِّحْيَةِ وَنَحْوِهَا خِصَالًا مَكْرُوهَةً مِنْهَا نَتْفُهَا وَحَلْقُهَا … لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَئِمَّتِنَا كَرَاهَةُ الْأَخْذِ مِنْهَا مُطْلَقًا… ) ( تحفة المحتاج) ، ويقول الرملي (( باب العقيقة ) ( سئل ) هل يحرم حلق الذقن ونتفها أو لا ؟ ( فأجاب ) بأن حلق لحية الرجل ونتفها مكروه لا حرام , وقول الحليمي ‏في منهاجه لا يحل لأحد أن يحلق لحيته ولا حاجبيه ضعيف )( الفتاوى المطبوعة بهامش فتاوى ابن حجر 4/ 69)،‏ويقول القاضي عياض ( شرح مسلم (1/154)( يكره حلقها وقصها وتحريقها أما الأخذ من طولها وعرضها فحسن) ،ويقول شطا الدمياطي في حاشيته النفيسة في المذهب “إعانة الطالبين” 2 / 240 عند قول الشارح (ويحرم حلق اللحية) ( المعتمد عند الغزالي وشيخ الإسلام _ أي القاضي زكريا الأنصاري كما هو اصطلاح المتأخرين _ وابن حجر في التحفة والرملي والخطيب _ أي الشربيني _ وغيرهم الكراهة ). كما ان القول بوجوب إعفاء اللحية وحرمه حلقها ، يقوم على تجاهل ان درجه إيجاب اى فعل (من وجوب او ندب) متوقفه على كيفيه الفعل المتصلة بمدى خضوعه لجمله من الضوابط منها القصد والنية من الفعل لقوله صلى الله عليه وسلم ” إنما الأعمال بالنيات”، فالنصوص تربط الحكم بمقصد شرعي معين هو مخالفه المشركين( خالفوا المشركين ، وفروا اللحى وأحفوا الشوارب)، لذا يمكن القول بان الفعل المخالف بنيه مشابهه المشركين لا خلاف فى ان حكمه التحريم،أما الفعل المخالف بدون نية مشابهه المشركين فيرجح ان يكون حكمه الكراهة. ويدل على هذا ايراد بعض العلماء الذين قالوا بان حكم نتف اللحيه مكروه وليس محرم عددا من المقاصد من وراء ذلك ليس بينها مشابهه المشركين، يقول زكريا الأنصاري ( ويكره نَتْفُهَا أَيْ اللِّحْيَةِ أَوَّلَ طُلُوعِهَا إيثَارًا لِلْمُرُودَةِ وَحُسْنِ الصُّورَةِ وَنَتْفُ الشَّيْبِ لِمَا مَرَّ في شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَاسْتِعْجَالُهُ أَيْ الشَّيْبِ بِالْكِبْرِيتِ أو غَيْرِهِ طَلَبًا لِلشَّيْخُوخَةِ وَإِظْهَارًا لِعُلُوِّ السِّنِّ لِأَجْلٍ الرِّيَاسَةِ)( أسنى المطالب 1/551 طبعة دار الكتب العلمية )،ويقول الخطيب الشربيني(ويكره نَتْفُ اللِّحْيَةِ أَوَّلَ طُلُوعِهَا إيثَارًا لِلْمُرُودَةِ وَنَتْفُ الشَّيْبِةِ وَاسْتِعْجَالُ الشَّيْبِ بِالْكِبْرِيتِ أو غَيْرِهِ طَلَبًا لِلشَّيْخُوخَةِ. )( مغني المحتاج 6/186 طبعة دار إحياء التراث العربي).
ب/ منع إسبال الثوب:كما يقول البعض بالمنع المطلق لإسبال الثوب" اى تحريمه"، دون تمييز بين كيفياته ، وهو يستدل بتقرير بعض العلماء تحريم إسبال الثوب كابن العربي والذهبي و ابن حجر العسقلاني ، واستنادا إلى النصوص الدالة عن النهى عن اسبال الازار . غير ان هذا القول لا يميز بين كيفيتين للإسبال: الأولى الإسبال بقصد الخيلاء وحكمها التحريم ، والثانية الإسبال بدون قصد الخيلاء وحكمها الكراهة ،ويمكن الاستئناس في هذا التمييز إلى أقوال كثير من العلماء الذين قرروا ان أحاديث النهي عن الإسبال مقيدة بالخيلاء، فإذا انتفى الخيلاء لم يكن الإسبال محرماً، واختلفوا بعد ذلك في الكراهة وعدمها، وممن ذهب إلى عدم التحريم إذا لم يكن للخيلاء: الشافعي وأحمد، وممن ذكر ذلك من المالكية: الباجي في كتابه المنتقى شرح الموطأ ،ومن الشافعية: النووي و زكريا الأنصاري و ابن حجر الهيتمي ….وممن نص على ذلك من الحنابلة: ابن قدامة في المغني و ابن تيمية في شرح العمدة والمرداوي في الإنصاف.يقول الباجي في المنتقى( وقوله صلى الله عليه وسلم الذي يجر ثوبه خيلاء يقتضي تعليق هذا الحكم بمن جره خيلاء، أما من جره لطول ثوب لا يجد غيره، أو عذر من الأعذار، فإنه لا يتناوله الوعيد) ويقول ابن قدامة ( ويكره إسبال القميص والإزار والسراويل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برفع الإزار، فإن فعل ذلك على وجه الخيلاء حرام)،ويقول ابن تيمية رحمه الله في شرح العمدة 4/363 ( وهذه نصوص صريحة في تحريم الإسبال على وجه المخيلة، والمطلق منها محمول على المقيد، وإنما أطلق ذلك ؛ لأن الغالب أن ذلك إنما يكون مخيلة… ولأن الأحاديث أكثرها مقيدة بالخيلاء فيحمل المطلق عليه، وما سوى ذلك فهو باقٍ على الإباحة، وأحاديث النهي مبنية على الغالب والمظنة….وبكل حال فالسنة تقصير الثياب، وحدِّ ذلك ما بين نصف الساق إلى الكعب، فما كان فوق الكعب فلا بأس به، وما تحت الكعب في النار).
سابعا: العلاقة بين الدعوة والجهاد علاقة تكامل وليست علاقة تناقض : والعلاقة بين الدعوة والجهاد- كفرضين شرعيين- هي علاقة تكامل وليست علاقة تناقض، بالتالي فان التزام بأحدهما لا يلزم منه إلغاء الالتزام بالأخر،فلا يجوز الاقتصار على احدهما والقصور عن الأخر والاستغناء به عنه. وهنا يتضح لنا خطا تقسيم السلفية إلى : سلفيه دعوية وسلفيه جهادية،لان هذا التقسيم يوحي بامكانيه اتخاذ موقف "سلفي" يستغنى عن الجهاد أو الدعوة، فمثل هذا الموقف هو موقف بدعي- وليس سلفي – كمذهبي المرجئة"الذي يلزم منه الاستغناء عن الأول" والخوارج "الذي يلزم منه الاستغناء عن الثاني " – فضلا عن عدم الالتزامهما بالضوابط الشرعية لكلا الفرضين "اى الجهاد والدعوة".. و منهج التغير الاسلامى يقوم على تعدد أساليب التغيير (كأساليب التغيير الفكري أو السياسي أو الاجتماعي أو التربوي...)، وبالتالي فان التزام جماعه معينه بأسلوب تغيير معين، يجب ان يكون من باب التخصص لا الانفراد، ،اى دون إنكارها لأساليب التغيير الأخرى التي قد تلتزم بها جماعات أخرى، قال تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(التوبة:122).
تطبيقات:
السياسة الشرعية: يترتب على الأصل السابق وجوب الالتزام بالسياسة الشرعية ،التي تجعل الدين هو الأصل – والسياسة هي الفرع، اى أن يكون الدين ” ممثلا في مفاهيمه قيمه وقواعده الكليه ” بالنسبة للسياسة بمثابة الكل للجزء، يحده فيكمله ولكن لا يلغيه . ويترتب على هذا ان النشاط السياسى يجب ان يلتزم بجمله من الضوابط ، التي تهدف إلى تحقيق اكبر قدر ممكن من الاتساق- وليس التطابق- مع الشرع ، ومن هذه الضوابط :
أولا:الامامه"بمعنى السلطة" من فروع الدين وليست من أصوله: حيث يقوم مذهب أهل السنه بتفريعاته الكلامية والفقهية المتعددة ،على أساس أن الامامه"بمعنى السلطة" هى فرع من فروع الدين ، وليست أصل من أصوله كما يقول المذهب الشيعي - يقول الآمدي ( واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات ، ولا من الأُمور اللابدِّيَّات .. ) (غاية المرام في علم الكلام : ص 363) ، ويقول الإيجي ( وهي عندنا من الفروع ، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا ) (المواقف : ص 395) ، ويقول الإمام الغزالي ( اعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليس من المهمات ، وليس أيضاً من فنّ المعقولات ، بل من الفقهيات ... )، ويترتب على هذا الأصل ان النشاط السياسي هو شكل من أشكال الاجتهاد ،ولا يجوز فيه تكفير المخالف.
التمييز بين الدولة والسلطة : أما الأقوال الواردة عن علماء أهل السنة عن وجوب نصب إمام فتتعلق بالدولة وليس بالسلطة ، فمفهوم الدولة اشمل من مفهوم السلطة ، ذلك أن أركان الدولة هي الشعب والأرض والسلطة، فهذه الأقوال تتعلق بالدولة كضرورة اجتماعيه، ويمكن التحقق من صحة ذلك ، من خلال استقراء هذه الأقوال ، ودراسة السياق الذي ورد فيه القول بوجوب نصب الإمام ، فعلى سبيل المثال يقول الإيجي ( نَصْبُ الإمام عندنا واجبٌ علينا سمعاً…وقال : انه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة النبي ? على امتناع خلو الوقت عن إمام، حتى قال أبو بكر ” رضى اله عنه ” في خطبته” ألا إن محمداً قد مات، ولا بدَّ لهذا الدين ممن يقوم به ” ، فبادر الكل إلى قبوله، وتركوا له أهم الأشياء، وهو دفن رسول الله ، ولم يزل الناس على ذلك في كل عصر إلى زماننا هذا مِنْ نَصْب إمام متَّبَع في كل عصر…)(المواقف ، ص 395 ). فهذا النص يتحدث عن نصب الأمام في كل زمان ، وليس نصب الإمام في زمان معين، كما تفيد العبارات( تواتر إجماع المسلمين … على امتناع خلو الوقت عن إمام) ، و (لم يزل الناس على ذلك … مِنْ نَصْب إمام متَّبَع في كل عصر…).
نصب الإمام فرض كفاية لا فرض عين: اتساقا مع ما سبق ، من تقرير علماء أهل السنة أن الامامه – بمعنى السلطة – هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله ، وأن قولهم بوجوب نصب إمام يتصل بالدولة وضرورتها الاجتماعية، ولا يتعلق بالسلطة، فقد قرر علماء أهل السنة أن الوجوب هنا هو وجوب كفائي لا عيني، اى أن نصب الإمام فرض كفاية لا فرض عين ، يقول الماوردي ( فإذا ثبت وجوبها ففرضها على الكفاية كالجهاد وطلب العلم..) ( الأحكام السلطانية: ص 5) .
ثانيا: السياسة الشرعية ما يحقق مصلحه الجماعة ولو لم يرد في نص (اتساق – وليس تطابق- مع النص) : و يتسق مع الضابط السابق تقرير علماء أهل السنة أن السياسة الشرعية هي ما كل يحقق مصلحه الجماعة ولو لم يرد فيه نص- وبالتالي فان السياسة الشرعية هي اتساق – وليس تطابق- مع النص- يقول ابْنُ عَقِيلٍ(السِّيَاسَةُ مَا كَانَ فِعْلاً يَكُونُ مَعَهُ النَّاسُ أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ، وَأَبْعَدَ عَنْ الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَزَلَ بِهِ وَحْيٌ.) ويقول ابن القيم(إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَرْسَلَ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ، لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وَهُوَ الْعَدْلُ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الْأَرْضُ وَالسَّمَوَاتُ فَإِذَا ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْعَدْلِ وَأَسْفَرَ وَجْهُهُ بِأَيْ طَرِيقٍ كَانَ، فَثَمَّ شَرْعُ اللهِ وَدِينُهُ، وَاَللهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَأَعْدَلُ أَنْ يَخُصَّ طُرُقَ الْعَدْلِ وَأَمَارَاتِهِ وَأَعْلَامَهُ بِشَيْءٍ، ثُمَّ يَنْفِي مَا هُوَ أَظْهَرُ مِنْهَا وَأَقْوَى دَلَالَةً، وَأَبْيَنُ أَمَارَةً. فَلَا يَجْعَلُهُ مِنْهَا، وَلَا يَحْكُمُ عِنْدَ وُجُودِهَا وَقِيَامِهَا بِمُوجِبِهَا، بَلْ قَدْ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ بِمَا شَرَعَهُ مِنْ الطُّرُقِ، أَنَّ مَقْصُودَهُ إقَامَةُ الْعَدْلِ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَقِيَامُ النَّاسِ بِالْقِسْطِ، فَأَيُّ طَرِيقٍ اُسْتُخْرِجَ بِهَا الْعَدْلُ وَالْقِسْطُ فَهِيَ مِنْ الدِّينِ، وَلَيْسَتْ مُخَالِفَةً لَهُ.فَلَا يُقَالُ: إنَّ السِّيَاسَةَ الْعَادِلَةَ مُخَالِفَةٌ لِمَا نَطَقَ بِهِ الشَّرْعُ، بَلْ هِيَ مُوَافِقَةٌ لِمَا جَاءَ بِهِ، بَلْ هِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَنَحْنُ نُسَمِّيهَا سِيَاسَةً تَبَعًا لِمُصْطَلَحِهِمْ، وَإِنَّمَا هِيَ عَدْلُ اللهِ وَرَسُولِهِ، ظَهَرَ بِهَذِهِ الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ) (الأحكام السلطانية،أبي يعلى الفراء).