النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: القواطع العقليَّة

العرض المتطور

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. #1

    القواطع العقليَّة

    الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا ومولانا محمَّد خاتم النَّبيِّين وعلى آله وأصحابه أجمعين.
    وبعدُ فهذا تقرير لمسألة القواطع العقليَّة بياناً لها ولمأخذها ولإفادتها اليقين.
    ااااااااااااااااااااااااا

    1- أقسام الحكم
    أيُّ نسبة بين شيئين يُحكم عليها إمَّا بالوجوب أو الإمكان أو الامتناع، ولا رابع.
    ومن حيث مصدر الحكم فإنَّه إمَّا عقليٌّ أو عاديُّ أو وضعيٌّ.
    الحكم العاديُّ هو الذي بحسب الواقع، ويُدرك بالتَّكرُّر لوقوع النِّسبة ومشاهدتنا لوقوعها وتجربتنا له. كإدراكنا وجوب احتراق القطَّة في النَّار وامتناع طيران القطط وجواز وجود القطط السَّوداء.
    والحكم الوضعيُّ ما كان إنشاء من فاعل مختار، ويدخل في ذلك المسائل الشَّرعيَّة الفرعيَّة،كوجوب الصَّلاة وحرمة السَّرقة وجواز الزواج. ويدخل فيه القوانين الوضعيَّة كقوانين المرور للسَّيَّارات. ويدخل فيه أحكام اللُّغات، كدلالة لفظ (قطَّة) على ذلك النوع المعهود من الحيوان، وكون الفاعل المفرد مرفوعاً بالضَّمَّة وكون الحال منصوباً*.
    ااااااااااااااااااااااااااا
    2- الحكم العقليُّ
    أمَّا الحكم العقليُّ فقد عرَّفه بعض العلماء كالإمام السَّنوسيِّ رحمه الله بأنَّه الحكم غير المتوقِّف على التَّكرُّر ولا وضع واضع ( الإمام السَّنوسيُّ، شرح صغرى الصغرى، وكذا متن ابن عاشر).
    فهو تمييز للحكم العقليِّ بالسَّلب، بأنَّه ليس حكماً عاديّاً ولا وضعيّاً. وهذا ليس تعريفاً للحكم العقليِّ في ذاته، فهو غير مفيد لتعيين درجة الحكم العقليِّ. وكذلك يردُ عليه دخول الحكم الباطل ودخول الكشف، لأنَّهما حكمان غير متوقِّفين على تكرّر ولا وضع واضع.
    وفي تعريف الواجب العقليِّ قال الإمام السَّنوسيُّ إنَّه ما لا يُتصوَّر في العقل عدمه. وفي تعريف الممتنع بأنَّه ما لا يُتصوَّر في العقل ثبوته. وفي تعريف الممكن بأنَّه ما يصحُّ في العقل ثبوته ونفيه.
    فيكون الحكم العقليُّ في هذا راجعاً إلى كون وقوع النِّسبة متصوَّر الثبوت أو الانتفاء في العقل، فالمرجع هنا العقل.
    أمَّا الشيخ الدَّردير رحمه الله فيُعرِّف الواجب العقليَّ بأنَّه ما لا يقبل الانتفاء في ذاته، والممتنع العقليَّ بأنَّه ما لا يقبل الثبوت في ذاته، والممكن العقليَّ ما يقبل الثبوت والانتفاء.
    فيكون الحكم العقليَّ في هذا راجعاً إلى النِّسبة في ذاتها، أي إلى كون الشَّيء هو هو، أي إلى مبدأ الهويَّة، وكذا مبدأ منع التناقض، وعلى هذا فكلُّ القواطع العقليَّة (الحقيقيَّة، لا المدَّعاة من كلِّ أحد) لا بدَّ من كونها راجعة إلى مبدأ الهويَّة ومبدأ منع التناقض..
    فكون الشَّيء هو هو يقتضي أن يُحكم عليه بأحكام معيَّنة هي متضمَّنة لكونه هو هو أو لازمة له، فهذه هي حقيقة ما نسمِّيه الحكم العقليَّ، أو ما يُسمَّى في المعاصرين (الحكم المنطقيَّ).
    ولمَّا كان الحكم ذاتيّاً للشَّيء كان مدركاً في العقل بحسب ذاته.
    ولمَّا كان الحكم العقليُّ راجعاً إلى مبدأ الهويَّة ومبدأ منع التناقض فمهما فرضنا شيئاً ما (س) فهو ليس غير (س)، وإلا لما كان كلامنا على (س) أصلاً. ومهما فرضنا لـ (س) وصفاً ما (ع) فما دام مفروضاً له فليس موصوفاً بنقيض (ع) وإلا لكان قولنا إنَّ (س) متَّصف بـ (ع) لا معنى له.
    مثال الحكم الذَّاتيِّ العقليِّ أنَّ الشَّجرة لها طول، فهذا راجع لكون الشَّجرة شجرة.
    أي إنَّ فرض شجرة ما ليس لها طول نقضٌ لكونها شجرة.
    فإنَّ كلَّ شجرة جسم، وكلُّ جسم ذو طول، فكلُّ شجرة ذات طول.
    ومن فرض شجرة ليس لها طول فهو لا يتكلَّم على شجرة أصلاً، فقد يكون غير فاهم لما يقول، وربما يكون مغالطاً في اللَّفظ فقط.
    وكذلك حكمنا ببطلان فرض قطَّة داخل البيت وخارجه معاً، وبطلان فرض قطة لا داخل البيت ولا خارجه ذاتيٌّ، فإنَّ القطَّة جسم واحد، والمكان تابع للجسم، فللقطَّة مكان واحد. وفرضُ كون القطَّة داخل البيت خارجه معاً يعني أنَّ الواحد اثنان، لكنَّ مفهوم (واحد) غير مفهوم (اثنين)، فيلزم كون الواحد ليس بواحد، وهذا ليس بشيء ولا معنى له ولا حقيقة له. وكذا فرضُ كون القطَّة لا داخل البيت ولا خارجه، فإنَّ للقطَّة مكاناً، ونفيُّ الدُّخول والخروج نفيٌّ لكلِّ مكان، فتكون القطَّة على هذا الفرض ذات مكان ولا مكان لها، وهذا تناقض.
    وكذا لو قيل إنَّ جسماً ما متحرِّك عن مكانه ساكن فيه معاً (بعد آن وجوده الأوَّل)، فإنَّ كونه متحرِّكاً عن مكانه يعني أنَّه صار في غير مكانه، وسكونه في مكانه يعني أنَّه باقٍ في مكانه. فيلزم كونه في مكانه وليس في مكانه معاً.
    وعلى هذا فإنَّ فرض انخراق الحكم الذَّاتيِّ للشَّيء يعني الحكم عليه وعدم الحكم عليه أصلاً معاً، بل لا يكون هناك محكوم عليه في هذه الحال. فالفرض في نفسه باطل.
    فإذا ما عرفنا أنَّ من الأحكام راجع إلى كون الشَّيء هو هو فمن نازع فيها فهو منازع في مبدأ الهويَّة، ولا ينازع في مبدأ الهويَّة عاقل غير مكابر...!
    فإنَّه لو قال قائل: (القلم هو الكرسيُّ). فنحن نعلم أنَّ مفهوم (قلم) غير مفهوم (كرسي)، فيكون كلامه أنَّ القلم ليس بقلم أصلاً.
    لكنَّ عبارته في ذاتها إثبات لحكم ما للقلم، فلو لم يكن مبدأ الهويَّة صحيحاً لكانت عبارته (القلم هو الكرسيُّ) لا يفيد إثبات حكمه، بل قد يكون حاكماً في هذا على غير القلم!
    وعليه فأيُّ حكم -بإيقاع نسبة أو نفيها- لا يكون إلا منبنياً إلا على مبدأ الهويَّة، فمن شكَّك في مبدأ الهويَّة فهو يحكم بمبدأ الهويَّة على مبدأ الهويَّة، فيناقض نفسه*.
    اااااااااااااااااااااااااااا
    3- طرد الحكم العقليِّ
    فإذا ما عُرِفَ حقيقة الحكم العقليِّ فإنَّه لا بدَّ أن يكون مطَّرداً في كلِّ عالم مفروض، وفي كلِّ حالة شاهداً وغائباً، فإنَّ الشيء المفروض مهما كان ليس غيره، في عالمنا وفي غيره، وإلا لما كان هو هو.
    فإنَّ قولنا: 1+1=2 تعبير رمزي بالأرقام عن أنَّ مجموع فرد وفرد هو هو الاثنان. أي: الفردان هما اثنان. فلو فُرِض خلاف هذا مثل 1+1=3 لكان الفردان ثلاثة أفراد، لكنَّ 2 ليس هو 3. ومهما فُرِضَ في أيِّ عالم أنَّ 1+1=3 فهو يعني أنَّ 2=3، فهو باطل من حيث إنَّ 2 هي 2 ولزوم كونها ليست هي 3. فيكون الحاصل بالفرض أنَّ 2 هي 2 وليست هي 2. فهنا ليس هناك حكم في الحقيقة أصلاً.
    وكذا لو فُرِضَ عالم تجتمع فيه الأضداد، فإنَّ الضِّدَّين ضدّان لأنَّهما لا يجتمعان (بحسب التَّعريف لهما)، فلو فرضنا اجتماع شيئين فهما لا يكونان ضدَّين. وعليه فلو فُرِضَ اجتماع الضِّدَّين في أيِّ حالة فهذا معناه أنَّهما يجتمعان ولا يجتمعان معاً، وهذا هجر في القول لا معنى له!
    ولمَّا كان بطلان هذا الفرض ذاتيّاً لأيِّ شيئين قلنا إنَّهما ضدَّان فمهما فرضنا ضدَّين في أيِّ عالم فلا يجتمعان. فليس الحكم بعدم اجتماع الضِّدَّين راجعاً لكونهما في هذا العالم أو ذاك، بل هو راجع إلى كونهما ضدَّين.
    فالأحمر ضدٌّ للأخضر، وكون جسم ما أحمر فهذا يعني أنَّه ليس بأخضر.
    ملحوظة: إن تشدَّق الجاهل بجواز اجتماع الأضداد بمعنى تعاقبها سريعاً فليس هذا بالاجتماع الممنوع منطقيّاً، فليس الكلام عليه أصلاً.
    ااااااااااااااااااااااااااااااااااا
    4- خرق الحكم العقليِّ
    ثمَّ إنَّ الحكم الذَّاتيَّ يُدرك بالعقل بالإرجاع إلى مبدأ الهويَّة ومبدأ منع التَّناقض، ولذلك فإنَّه لا يُتصوَّر في العقل خلافه، ولهذا كان تعريف الإمام السَّنوسيِّ للواجب العقليِّ راجعاً إلى تعريف الشيخ الدردير رحمهما الله. فإنَّ الواجب العقليَّ لا يُتصوَّر في العقل عدمه لأنَّه في ذاته لا يصحُّ عدمه.
    وعلى هذا فلا يصحُّ قول من يقول إنَّ الحكم العقليَّ يمكن خرقه لأنَّ المرجع فيه العقل، ويمكن لله تعالى أن يخلق عقولاً غير هذه العقول فندرك بها خلاف ما تدركه عقولنا!
    فإنَّ الحكم العقليَّ ليس راجعاً إلى العقل حتَّى يُتصوَّر عقل يوافقه وعقل يخالفه، بل هو راجع إلى المحكوم عليه في ذاته.

    ثمَّ إنَّ اللَّازم من هذا أنَّ من صحَّح خرق المبدأ العقليَّ الذَّاتيَّ في أيِّ حالة أن ينخرق الحكم في ذاته، فلا يكون واجباً في أيِّ حالة أخرى، فإنَّ إثبات حالة واحدة فيها خرق لمبدأ الهويَّة إبطالٌ لحقيقة كون الشَّيء هو هو، فيكون أيُ حكم على أيِّ شيء بأنَّه هو هو غير لازم لذاته، وعليه فهذا المبدأ قابل للانخراق في ذاته، فلا يثبت أيُّ شيء.
    وعلى هذا فمن يسفسط في الفيزياء أو الرياضيات يلزمه السَّفسطة في كلِّ معلوم، فيلزمه السَّفسطة في وجود الله تعالى.
    وعلى هذا فتخصيص الحكم العقليِّ ممتنع لذاته، لأنَّه راجع إلى مبدأ الهويَّة، ولو كان الحكم العقليُّ مخصَّصاً في عالم ما أو حالة ما للزم أنَّ حكمنا بوجود الله تعالى غير لازم، لأنَّه لو لم يكن الحكم العقليُّ ثابتاً لله تعالى لكان قولنا: الله تعالى موجود. لا ينافي القول: الله معدوم. ولكان قولنا: الإله تعالى واحد، لا ينافي القول: الآلهة متعدِّدون.
    فلا يثبت شيء ولا يُنفى شيء في حقِّ الله تعالى! وهذا منافٍ للإيمان.
    ااااااااااااااااااااااااااااا

    5- هل الله تعالى محكوم بالعقل؟
    هنا يُذكر سؤال مشكل، جوابه منبنٍ على ما سبق...
    هل نحن نحكم على الله تعالى بالقواطع العقليَّة؟ فيلزم من هذا أنَّ الله تعالى محكوم لعقولنا، ومحكوم للمنطق؟
    أوإنَّ الله تعالى غير محكوم بالعقل والمنطق؟ فيجوز خرق القواطع العقليَّة في حقِّه تعالى؟

    فالجواب أنَّه لمَّا كان الحكم العقليُّ تابعاً لكونه حكماً ذاتياً فإنَّ الحكم بالقواطع العقليَّة على الله تعالى بوصف ما إثباتاً أو نفياً راجع لكون الله تعالى هو الله تعالى...

    مثلاً لو جاء سؤال (هل يمكن لله تعالى أن يفني نفسه)؟
    أجيب: هذا ممتنع لأنَّ السُّؤال في نفسه متضمِّن للتَّناقض، لكون وصف الله تعالى بالفناء ينافي كونه هو الله تعالى، فإنَّ من حقيقة الألوهيَّة وجوب الوجود، أي أنَّ الإله لا يصحُّ عدمه لذاته، ففرض الفناء له ينافي كونه إلهاً.
    وكذلك لو كان هناك سؤال (هل يقدر الله تعالى على خلق إله آخر)؟
    أجيب: هذا ممتنع لتضمنه التناقض، من حيث إنَّ مفهوم (الإله) يعني أنَّه مستغنٍ عن غيره، والمفروض هنا كون الإله مخلوقاً، فيكون محتاجاً إلى الخالق. فيلزم كون المستغني مفتقراً، وهو تناقض.
    وكذلك لو ضُرِبَ مثل في حقِّك أنت أخي القارئ، فسأحكم عليك بأنَّك إذ تقرأ هذا المقال فأنت موجود. فهذا الحكم لا بدَّ صحيح قاطع، فإنَّ كونك تقرأ متضمِّن لكونك موجوداً، وإلا لما كنت قارئاً لما أكتب. فهل بهذا الحكم تكون محكوماً عليك تابعاً لشيء؟! لا، بل هو حكم عليك من حيث إنَّك قارئ، أي إنِّي استفدتُ شيئاً من العلم بكونك قارئاً في العلم بكونك موجوداً. فالحكم عليك راجع إلى كونك أنت.
    فكذا وصفنا الله تعالى بكل ما نصفه به تعالى ليست أحكاماً عليه تعالى إلا من حيث هو الله تعالى.
    ااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا

    6- القواطع النَّظريَّة
    إذ ثبت ما سبق فإنَّ بعض القواطع العقليَّة يكون منبنياً على قواطع أخرى مركَّباً منها أو لازماً عنها، فبعض القواطع نظريٌّ يكون الوصول إليه بالنَّظر والفكر، لكنَّه لا بدَّ من رجوعه انتهاء إلى ما يكون ضروريّاً في ذاته، أي مبدأ الهويَّة ومبدأ منع التَّناقض.
    وعلى هذا فلا فرق بين كون حكم عقليٍّ ما ضروريّاً أو نظريّاً في امتناع انخراقه، فمن قال إنَّ حكماً عقليّاً يمكن أن ينخرق فهو عائد بالسَّفسطة على الضَّروريَّات، لأنَّ النَّظريَّات راجعة إليها بطريق ضروريٍّ، كالاندراج مثلاً بالتَّلازم الذَّاتيِّ. مثل أن يقال: كلُّ إنسان ذو طول، وكلُّ ذي طول فمقدَّر الوجود مخصَّصه، لينتج أنَّ كلَّ إنسان مقدَّر الوجود مخصَّصه.
    فمن أنكر لزوم النَّتيجة مع التزامه بالمقدِّمتين فهو مسفسط لظهور اندراج المقدِّمة الأولى في الثَّانية، فإنكاره لها إنكار لكون المحكوم عليه في المقدِّمة الأولى هو هو المحكوم عليه في الثَّانية، فهو خرق لمبدأ الهويَّة.
    ولذا يظهر بطلان قول ابن حزم رحمه الله في التَّفريق بين ما هو ممتنع عقليٌّ نظريٌّ وما هو ممتنع عقليٌّ ظاهر الامتناع، وحاصل وهمه هو أنَّ ما هو ممتنع عقليٌّ نظريٌّ فهو ممتنع في نظرنا بحسب عقولنا لا في الأمر في نفسه.
    وقد وقع في هذا الوهم من ليس متحقِّقاً في كون النَّظريَّات عائدة بالضَّرورة إلى الضَّروريَّات، لقصوره في فهم المنطق.
    اااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا

    7- معقوليَّة المعجزات
    فإن قيل: أنتم أيُّها المسلمون تثبتون المعجزات، وهي تخرق القوانين، فأنتم تثبتون حتميَّة القوانين وتجيزون خرقها، وهذا تناقض.
    أجيب: المعجزات والكرامات تخرق قوانين العالم الطَّبيعيَّة، التي نسمِّيها "الأحكام العاديَّة" (فهي أحكام واقعية منبنية على كون الواقع هكذا)، ولذا تُسمَّى المعجزات والكرامات "خارقة للعادة"، أي خارقة للانتظام الطَّبيعيِّ الذي عليه الكون، وإنَّ الانتظامات التي في الكون هي التي تُنتزع منها القوانين التي نعمِّمها بحسب ما نشاهد في الكون، وهذا لا يعني أنَّ كلَّ هذه الانتظامات واجبة منطقيّاً. بل نحن نثبت بطريق منطقيٍّ أن لا خالق إلا الله تعالى، وعليه فإنَّ من القوانين الطَّبيعيَّة المعلومة لنا بالمشاهدة والاستقراء والتَّجارب ما ليس بمنطقيٍّ، فلا يلزم دوامه، بل يجوز انخراقه منطقياً.
    ومن تبيَّن له الفرق بين الحكم العقليِّ والحكم العاديِّ عرف عدم التَّلازم بينهما، وعرف أنَّ ما يخرق القوانين الواقعيَّة لا يكون خارقاً للقواطع العقليَّة*.

    اااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا

    8- طور وراء طور العقل
    بعد ما سبق تقريره في النُّطقة الثَّالثة في تقرير اطِّراد القواطع العقليَّة لاطِّراد مبدأ الهويَّة يلزم أنَّه مهما فرضنا من عالم فإنَّ القوانين الذَّاتيَّة فيه هي هي.
    ثمَّ إنَّنا نجد في كلام بعض العلماء وغيرهم القول بطور وراء طور العقل، يمكن في ذلك الطَّور إدراك ما لا يُدرك بالعقل نفسه، فهذا الإطلاقُ قد يراد به أحد أمرين:
    الأوَّل: أن يظهر ما يقصر العقل عنه، أي ما لا يدركه العقل بمجرَّده.
    الثَّاني: أن يظهر ما يقضي العقل باستحالته.
    والفرق بين هذين الأمرين هائل، يجب على كلِّ عاقل أن يتنبه إليه...
    أمَّا الأمر الأول فهو ممكن، فمن الممكن أن يكون هناك أشياء لا تُدرك بمطلق العقل من حيث القصور عن إدراك بعض اللَّوازم الذَّاتيَّة وعدم إدراك بعض الاقترانات العقليَّة والعاديَّة.
    أمَّا الأمر الثَّاني فهو فرض باطل في ذاته لاستلزامه بطلان مبدأ الهويَّة كما سبق.
    فمن قال بطور وراء طور العقل قاصداً أنَّ ما نعرفه ممتنعاً بعقولنا قد يكون ممكناً أو واجباً فهو مسفسط.
    وقد قرَّر الإمام الغزاليُّ رضي الله عنه في كتاب المقصد الأسنى أنَّه لا يجوز أن يظهر في طور الولاية ما يقضي العقل باستحالته، أمَّا ما يقصر العقل عنه بان لا يُدرك بمجرَّد العقل فيجوز.
    وعليه فكلام الإمام الغزالي رضي الله عنه عن طور وراء طور العقل بإدراك بالكشف مثلاً يصحُّ على المعنى الذي قرَّر هو، ولا يصحُّ حمله على تجويز انقلاب الحقائق وانخراق القواطع العقليَّة.

    وهذا مقال في هذا:
    بيان المراد بـ ( طور وراء طور العقل ) لحجة الإسلام الغزالي
    http://www.aslein.net/showthread.php?t=18391
    اااااااااااااااااااااااااا

    9- تجويز خرق القواطع العقليَّة لقصور العقل
    جرى بعض من يتضمَّن اعتقادُه التَّناقضَ في تصحيح معتقده بالقول بقصور العقل وأنَّه يجوز أن يكون الإله تعالى على خلاف ما نعقل.
    والقائلون بهذا فرق:
    أ‌- فقال مثلِّثو النَّصارى إنَّ الإله الواحد يمكن أن يكون ثلاثة، وإنَّما هذا أمر فوق العقل فلا تدركه عقولنا.
    مع أنَّ هذا الأمر ليس فوق نظر العقل، بل نظر العقل يدلُّ على امتناعه، وفرقٌ بين أن يكون قولٌ ما يقصر العقل عن فهمه وأن يكون القول ممتنعاً بحسب حكم العقل.
    ب‌- وقال بعض الحشويَّة إنَّ اختلاف عقول العقلاء في المسألة الواحدة لدليل على أنَّ نظر القعل قاصر فلا يمكن أن نصل به إلى اليقين وحده مستقلّاً.
    وجوابه بأنَّ اختلاف العقلاء ليس لاختلال النَّظر العقليِّ في ذاته، بل قد يكون عن كِبر أو شهوة أو شبهة في مادَّة النَّظر أو صورته. فلا يدلُّ اختلاف العقلاء على اختلال النَّظر العقليِّ في نفسه.
    والله تعالى قد أمرنا بالنَّظر والتَّفكُّر في القرآن الكريم مراراً في نصوص شريفة كثيرة، فلو لم يكن النَّظر العقليُّ مفيداً اليقين لما كان في النَّظر تلك الفائدة في الإيمان بالله تعالى الذي لا يصحُّ إلا بالجزم. وكذلك قال الله تعالى "قالت لهم رسلهم أفي الله شكٌّ فاطرِ السموات والأرض"، فيدلُّ على أنَّ النَّظر في مفطوريَّة السموات والأرض في الدَّلالة على وجود الله تعالى يقينيَّة لا شكَّ فيها، أي إنَّه لا شكَّ في وجود الله تعالى من حيث إنَّه فاطر السَّموات والأرض. فيدلُّ هذا على يقينيَّة النَّظر العقليِّ الصَّحيح.
    جـ - وقال بعض الصُّوفيَّة إنَّ الكشف قد يدلُّ على ما يناقض القواطع العقليَّة، ويدَّعون قصور العقل في ذلك، ثمَّ يأتي بعدهم من يقول إنَّه يجب تسليم هذا القول لهؤلاء (الأولياء) ويجب عدم تكذيب ما قالوا لأنَّ فيه عداوة لأولياء الله تعالى، ثمَّ إمَّا أن نتأوَّل ما قالوا أو أن نكفَّ عنه.
    وهؤلاء اللَّاحقون منهم من يقول بترك الخوض فيما قال الأولياء بما يظهر تناقضه لأنَّه تناقض باطل، ثمَّ نتأدَّب مع الأولياء بعدم إظهار خطئهم محبَّة لهم مع القول بإمكان خطأ الوليِّ في كشفه على ما قرَّر العلماء، أو من حيث إنَّهم قد يقصدون معنى صحيحاً.
    ومن هؤلاء اللَّاحقين من يُظهر لعلماء الشَّريعة السُّكوت عن هذه الأقوال وتأويلها، لكنَّه يعتقدها في باطنها لأنَّه قد قالها الوليُّ الفلانيُّ الذي لا ينطق عن الهوى!
    فهؤلاء في حقائقهم باطنيَّة لا يجرون على معتقد أهل السُّنَّة أصلاً.
    والحقُّ الذي يجب على كلِّ مسلم اعتقاده أنَّ الذي عُلِمَ عصمته إنَّما هم الأنبياء عليهم صلوات الله تعالى وسلامه، وليس هناك أيُّ دليل يدلُّ على عصمة الوليِّ في كلِّ أقواله وأفعاله. فضلاً عن أنَّ كلَّ ما يقول وإن تضمَّن مخالفة قطعيَّات الشَّرع الشَّريف وقطعيَّات العقول صحيحاً.
    فمن اعتقد صحَّة قول الوليِّ لأنَّه وليٌّ وإن خالف الشرع وأصله العقليَّ فهو ليس تابعاً إلا بهواه في تعظيم الوليِّ لا بأنَّ الوليَّ على الحقِّ، فهذا الشخص يكون عنده الحقُّ تابعاً لمعظَّمه الوليِّ، لا عارفاً بولاية الوليِّ بكونه تابعاً للحقِّ.
    وقد قال الإمام الجنيد رضي الله عنه: "الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول" صلى الله عليه وسلَّم.
    وقال الإمام الرِّفاعيُّ رضي الله عنه: "لا تعجب للمرء طار في الهواء أو سار على وجه الماء، ولكن اعرض كلامه على الشَّرع، فان وافقه فخذ به وإلا اضرب به عُرض الحائط".
    فلا يصحُّ الوقل بأنَّ فلاناً وليٌّ لظهور الكشوف الكثيرة على يديه ومعرفته بغيب كثير ما لم يكن متَّبعاً لظاهر الشَّرع الشَّريف وباطنه، ولو كان مبطناً خلاف الشَّرع الشَّريف فهو كافر لا مؤمن.
    ومن قال إنَّ الإنسان قد يكون مخالفاً للشَّرع في الظَّاهر مع كونه موافقاً للحقيقة في الباطن فهذا القول ظاهره مستلزم أنَّ الشَّرع الذي شرع الله تعالى لنا ليس بحقٍّ في ذاته، فهو قول خطير جداً.
    د- ومن النَّاس من يعتدُّ ببعض ظواهر في العلوم الحديثة ليقول إنَّه يثبت بها انتقاض القواطع العقليَّة، فيستدلُّون ببعض التَّحارب الفيزيائيَّة كتجربة الشِّقِّ المزدوج أو التَّشابكيَّة. ويستندون إلى بعض المبادئ الفيزيائيَّة كمبدأ عدم التَّحديد، بل بعضهم يستند إلى فرضيَّات ليس عليها أيُّ دليل حقيقيٍّ لا تعدو كونها أوهاماً كفرض زمان تخيُّليٍّ لا بداية له! أو فرض عوالم موازية متعدِّدة متداخلة مع عالمنا.

    فهؤلاء إن استندوا للفيزياء في نقض القواطع القعليَّة فإنَّ الفيزياء نفسها لا تقوم إلا على ثبوت القواطع القعليَّة، فإنَّ كلَّ وصف فيزيائيٍّ ومعادلة فيزيائيَّة ستتضمَّن مبدأ الهويَّة، كأن نقول: أ = ب+2ج د. فهنا إثبات أنَّ (أ) هو كذا وكذا ، فلو لم يثبت مبدأ الهويَّة فلا معنى للمعادلة أصلاً! وعليه فالفيزياء كلُّها منبنية هذا البناء، فهي وصف كلِّيٌّ للانتظامات في الطَّبيعة، فهي أحكام لا تكون إلا منبنية على مبدأ الهويَّة، فالقول بانتقاض المبدأ قولٌ بانتقاض كلِّ العلوم فضلاً عن الفيزياء.
    وما يستدلُّون به جزئيّاً فليس الأمر أنَّ التَّجارب والمبادئ والنَّظريَّات الفيزيائيَّة تفيد انتقاض المنطق، بل إنَّ تفسير هؤلاء لهذه التَّجارب والمبادئ والنَّظريَّات هو المناقض للمنطق. ويوهمون النَّاس بأنَّ تفسيراتهم للتجارب والمبادئ والنَّظريَّات داخلة في المشاهدات الفيزيائيَّة نفسها. مع أنَّ الفرق بين التَّجربة وتفسير التَّجربة هائل.
    فمن ينخدع بمثل هذه المغالطات فهو منخدع بأنَّ هذا كلام العلماء فهو حقٌّ، يكون معياره لكون شيء ما حقاً أو باطلاً كون فلان قاله، لا أنَّه يعرف الحقَّ بنظره وفكره.
    ااااااااااااااااااااااااااااااا

    يتبع...

  2. #2
    10- مذهب الشَّيخ ابن عربي في القواطع العقليَّة
    يقرِّّر الشَّيخ ابن عربي رحمه الله جواز انخراق القواطع العقليَّة في كتاب [الفتوحات المكيَّة] في مواضع عدَّة –وفي غير هذا الكتاب كالرِّسالة إلى الإمام الفخر الرَّازيِّ رحمه الله-، لكنِّي سأهتمُّ بموضع واحد، هو الباب الثَّامن والخمسون، بعنوان (في معرفة أسرار أهل الإلهام المستدلِّين ومعرفة علم إلهيّ فاض على القلب ففرّق خواطره وشتتها)، لأنَّه يقرِّر فيه مطلوبه بوضوح بما يكفي ليُفهم انتقاله فيه ومقصوده.
    وسأنقل بعضه وألخِّص بعضه ممَّا هو الأهمُّ لكون الباب طويلاً، ويمكن مراجعة كامل الباب للتوكُّد من صحَّة النَّقل وصحَّة فهم النَّقل.

    يقول رحمه الله إنَّ الله تعالى قد أمرنا بالعلم بوحدانيته في ألوهيَّته تعالى، والنُّفوس قد نظرت بفكرها وعلمت وجوده تعالى بدلالة الأدلَّة العقليَّة "بل بضرورة العقل"، ثمَّ دلَّت على وحدانيته تعالى. "ثم استدلوا على ما ينبغي أن يكون عليه مَن هو واجب الوجود لنفسه من النسب التي ظهر عنه بها ما ظهر من الممكنات. ودلَّ على إمكان الرسالة. ثم جاء الرسول وأظهر من الدَّلائل على صدقه أنه رسول من الله إلينا، فعرفنا بالأدلَّة العقليَّة أنَّه رسول الله. فلم نشكَّ وقام لنا الدليل العقليُّ على صدق ما يخبر به فيما ينسب إليه".
    فهنا يقرِّر ابن عربي أنَّنا عرفنا بالاستدلال بعقولنا وجود الإله تعالى وأنَّه واحد في ألوهيَّته، وكذلك عرفنا بالاستدلال العقليِّ ما نسمِّيه الصفات التي نعرفها من حيث إنَّ الله تعالى مصدر للمخلوقات، كالقدرة والإرادة والعلم. وعرفنا بالاستدلال العقليِّ إمكان بعثة الرسل، وعرفنا بالأدلة العقليَّة أنَّ محمَّد بن عبد الله صلى الله عليه وسلَّم تسليما رسولُ الله تعالى، وأنَّ ما جاء به صدق ثابت عن الله تعالى.

    ثمَّ يقول ابن عربي: "ورآه قد أتى في أخباره عنه تعالى بنسب وأمور كان الدليل العقليّ يحيلها ويرمي بها فتوقف العقل واتَّهم معرفته وقدح في دليله هذا الإنباء الإلهي بما نسبه لنفسه ولا يقدر على تكذيب المخبر".
    هنا يدَّعي ابن عربي ما يفيد أنَّه قد حصل قاطع نقليٍّ معارض لما يكون قاطعاً عقليّاً، في إثبات النَّقل الشَّريف شيئاً لله تعالى يمتنع عقلاً.
    وليست دعوى ابن عربي هنا أنَّ بعض العقول تخطئ في الاستدلال العقليِّ، ودلَّ على خطئها الدَّليل النَّقليُّ القطعيُّ، بل هو يريد أنَّ الدَّليل العقليَّ من حيث هو عقليٌّ قطعيٌّ في المعقوليَّة قد ناقضه دليل نقليٌّ قاطع ثبوتاً ودلالة. وما سيأتي سيزيدك توكُّداً من أنَّ هذا مقصود ابن عربي.

    فيقول: "ثمَّ كان من بعض ما قال له هذا الشارع: اعرف ربك. وهذا العاقل لو لم يعلم ربه الذي هو الأصل المعوّل عليه ما صدق هذا الرسول. فلا بد أن يكون العلم الذي طلب منه الرسول أن يعلم به ربه غير العلم الذي أعطاه دليله".

    فهنا يقول إنَّ العلم بصدق الرَّسول صلى الله عليه وسلَّم تسليماً فرع العلم بالله تعالى. فلمَّا كان الدَّليل العقليُّ مُبطلاً بالدَّليل النَّقليِّ، وكان إثبات وجود الله تعالى بغير الدَّليل النَّقليِّ كان هناك علمان مختلفان، واحد ممَّا جاء به الرَّسول الصَّادق صلى الله عليه وسلَّم تسليماً، وواحد سيقول لنا ابن عربي ما هو، فيقول: "وهو أن يتعمل في تحصيل علم من الله بالله يقبل به على بصيرة هذه الأمور التي نسبها الله إلى نفسه ووصف نفسه بها التي أحالها العقل بدليله".

    فهناك علم من الله بالله مصدره ليس النَّقل الشَّريف وليس العقل، يكون تحصيله بطريق مختلف –لاحقاً يقول ابن عربي إنَّ تحصيل هذا الطَّريق بقوله: "فاستعملت الرياضات والخلوات والمجاهدات وقطع العلائق والانفراد والجلوس مع الله بتفريغ المحل وتقديس القلب عن شوائب الأفكار"-.
    والآن يذكر لنا نتيجة ما سبق: "فانقدح له بتصديقه الرَّسولَ أن ثَمَّ وراء العقل وما يعطيه بفكرِه أمراً آخر يعطي من العلم بالله ما لا تعطيه الأدلَّة العقلية بل تُحيله قولاً واحداً".

    إذن: يقول ابن عربي إنَّ هناك تناقضاً بين الدَّليل العقليِّ والنَّقليِّ، ونحن مطالبون بالعلم بشيء هو أصل لثبوت الدَّليل النَّقليِّ، فلا يكون العلم به بالدَّليل النَّقليِّ، ولمَّا كان هذا الذي يجب أن نعلمه ممَّا أثبته النِّقل مخالفاً للدَّليل العقليِّ فلزم أن يكون العلم به بشيء وراء العقل.
    وليس كونه في طور وراء العقل يعني قصور العقل عنه فقط، بل هو قد يكون ممَّا يحيله نظر العقل مطلقاً –فهو يقول بما ينصُّ الإمام الغزالي على امتناعه-.

    أي: إنَّ ابن عربي يستدلُّ على وجود طريق يقينيٍّ للعلم بالله تعالى في طور وراء طور العقل بدلالة حصول التَّناقض بين الدَّليل العقليِّ والدَّليل النَّقليِّ، مع كوننا مأمورين بالعلم بالله تعالى بغير الطَّريق النَّقليِّ فيه –لاستناد ثبوت الطَّريق النَّقليِّ إليه، فلا يستند هو إلى النَّقليِّ وإلا للزم الدَّور-، وبغير الطَّريق العقليِّ لثبوت نقض الدَّليل النَّقليِّ له.

    فهنا دعوى لابن عربي هي وقوع التَّناقض بين الدَّليل العقليِّ (التَّامِّ في عقليَّته) والدَّليل النَّقليِّ، ومذهب أهل السُّنَّة في هذا امتناع التَّناقض بين الدَّليلين العقليِّ والنَّقليِّ القطعيَّين، فلا تعارض في القطعيَّات [انظر مقدِّمة الاقتصاد في الاعتقاد والمحصول في أصول الفقه]، وإنَّما التعارض الذي ذكر العلماء بين القواطع العقليَّة وبعض ظواهر النُّصوص النَّقليَّة (وهذا ليس بمشكل بإرجاع المتشابه إلى المحكم النقليِّ والعقليِّ كما أخبر الله تعالى). وسيأتي ذكر ابن عربي لمثال لحصول هذا التَّعارض بحسب دعواه لاحقاً بإذن الله.

    نكمل ما يقول: "فإذا علمه بهذه القوَّة التي عرف أنها وراء طور العقل هل يبقى له الحكم فيما كان يحيله العقل من حيث فكره أولا على ما كان عليه أم لا يبقى؟ فإن لم يبق له الحكم بأن ذلك محال فلابد أن يعثر على الوجه الذي وقع له منه الغلط بلا شك وإن ذلك الذي اتخذه دليلاً على إحالة ذلك على الله لم يكن دليلاً في نفس الأمر".

    أقول: فالدليل العقليُّ في حقيقة الأمر لم يكن دليلاً أصلاً.

    يقول: "وإذا كان هذا فما الذي نسبه الله لنفسه ووصف به نفسه وقبلته عقول الأنبياء وقبله عقل هذا المكاشف بلا شك ولا ريب ومع هذا فإنه يحكم على الله بأن ذلك الأمر محال عقلاً من حيث فكره لا من حيث قبوله وحينئذ يصح أن يكون ذلك المقام وراء طور العقل من جهة أخذه عن الفكر لا من جهة أخذه عن الله".

    فهنا تصريح بأنَّ الدَّليل العقليَّ مع كونه عقليّاً (تامَّاً في عقليَّته) ليس هو الدَّالَّ على الأمر في ذاته، فيكون الدَّليل العقليُّ باطلاً مع صحَّته في طور العقل.

    ثمَّ يقول: "هذا ومن أعجب الأمور عندنا أن يكون الإنسان يقلد فكره ونظره وهو محدث مثله وقوّة من قوى الإنسان التي خلقها الله فيه وجعل تلك القوة خديمة للعقل ويقلدها العقل فيما تعطيه هذه القوّة ويعلم أنها لا تتعدى مرتبتها وأنها تعجز في نفسها عن أن يكون لها حكم قوّة أخرى مثل القوّة الحافظة معرفة ربه ولا يقلد ربه فيما يخبر به عن نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. فهذا من أعجب ما طرأ في العالم من الغلط".

    أقول: هنا يُرجع ابن عربي الدَّليل العقليَّ إلى العقل نفسه، وقد عرفتَ أخي أنَّما مرجع الدَّليل العقليَّّ مبدأ الهويَّة بما يمتنع به خرقه مطلقاً.
    ولو كان الدَّليل العقليُّ راجعاً إلى قوَّة للعقل لكان لتصويره هذا بالقوَّة الحافظة القاصرة مجال. لكنَّ هذا باطل قطعاً في ذاته، لأنَّ الحكم العقليَّ هو العائدُ إلى مبدأ الهويَّة وإلا لما كان عقليّاً. وعليه فلا قصور ولا صحَّة لخرقه.
    ويدَّعي ابن عربي هنا أنَّ في القرآن الكريم ما يناقض الدَّليل العقليَّ... لا يقول إنَّ الدَّليل العقليَّ يعارض الظَّواهر النَّقليَّة، بل يقول إنَّه يناقض عين ما أخبر الله تعالى عن نفسه، وما أخبر عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم تسليماً.
    ثمَّ يتعجَّب ابن عربي من أخذنا بالدَّليل العقليِّ مع مناقضته الدَّليل النَّقليَّ، مع كون العجب من الوهم بالتَّناقض بينهما.
    والذي يقال بناء على مذهب أهل السُّنَّة أنَّه لو حصل تناقض بين الدَّليلين العقليِّ والنَّقليِّ القطعيَّين للزم بطلان كليهما، فإنَّ الدَّليل النَّقليَّ مستند إلى العقليِّ، فلو كذب العقليُّ لما ثبت النَّقليُّ، ولو كذب النَّقليُّ لكان العقليُّ الذي صدَّقه كاذباً.
    فيخرج ابن عربي بقول آخر هو أنَّ التناقض حاصل وأنَّه لا يلزم منه بطلان الدَّليل النَّقليِّ، لاستناده إلى طريق آخر –هو الكشف-.

    ثمَّ يقول ابن عربي: "وكل صاحب فكر تحت حكم هذا الغلط بلا شك إلا من نوّر الله بصيرته فعرف أن الله قد أعطى كل شيء خلقه فأعطى السمع خلقه فلا يتعدى إدراكه وجعل العقل فقيراً إليه يستمد منه معرفة الأصوات وتقطيع الحروف... يتكلم على ما يدرَك بالسَّمع ثمَّ ما بالبصر وكون العقل مفتقراً إليها وإلى الحواسِّ، وافتقار الخيال إلى هذه وإلى القوة الحافظة والقوة المذكرة ثمَّ إذا جاءت القوَّة المفكِّرة إلى الخيال افتقرت إلى القوة المصوِّرة كذلك ثمَّ يحصل الدَّليل. فيقول على هذا: "وما من قوّة إلا ولها موانع وأغاليط فيحتاج إلى فصلها من الصحيح الثابت فانظر يا أخي ما أفقر العقل حيث لا يعرف شيئاً مما ذكرناه إلا بوساطة هذه القوى وفيها من العلل ما فيها".

    أقول: إذ عرفتَ ممَّا سبق انبناء الحكم العقليِّ على مبدأ الهويَّة نفسه فلن يفوت عليك خطأ هذا الكلام. وإنَّ ما يأتي من الحواسِّ لهو مادَّة نظر العقل، لا أنَّ العقل يحتاج في التَّفكير عينه (التَّرتيب الفكريِّ) إلى الحواسِّ. وعليه فالغلط في الحواسِّ والحافظة لا يُنتج الغلط في الفكر إلا بسوء التَّفسير، وذلك كتفسير أحدنا رؤيته لصورة القلم المنكسر من قلم موضوع في كأس ماء إلى نصفه بأنَّ القلم في ذاته منكسر. فهنا قياس خفيٌّ توسَّطت فيه مقدِّمة عاديَّة غير منطقيَّة (ليست ضروريَّة منطقيّاً) تعوَّدت عليها النَّفس لاطِّرادها بالتَّجارب. ولو تجرَّدت النَّفس بالنَّظر العقليِّ لما وقعت بمثل هذا الخطأ.

    ثمَّ يقول ابن عربي مكرِّراً دعواه: "فإذا اتفق للعقل أن يحصل شيئاً من هذه الأمور بهذه الطرق ثم أخبره الله بأمر مّا توقف في قبوله وقال إن الفكر يردّه. فما أجهل هذا العقل بقدر ربِّه! كيف قلَّد فكره وجرَّح ربَّه. فقد علمنا أنَّ العقل ما عنده شيء من حيث نفسه، وأنَّ الذي يكتسبه من العلوم إنَّما هو من كونه عنده صفة القبول. فإذا كان بهذه المثابة فقبوله من ربِّه لما يخبر عنه نفسه تعالى أولى من قبوله من فكره".

    أقول: برجوع حكم العقل إلى الأمر في ذاته (المعبَّر عنه بمبدأ الهويَّة) يثبت أنَّ العقل ما عنده شيء من حيث نفسه، وأنَّ اكتسابه للعلم من حيث انفعاله واستقباله للمدرَك. وليس فعله في النَّظر من ذاته، بل ليست حقيقة النَّظر في القياس الاقترانيِّ مثلاً إلا ملاحظة اندراج الصغرى في الكبرى، وهذه الملاحظة في الحقيقة انفعال بعد توجيه العقل بالترتيب.
    إذن: نحن نقول بيقينيَّة الحكم العقليِّ لا بأنَّه راجع إلى العقل، بل بأنَّه راجع إلى الأمر في ذاته.

    ثمَّ يقول ابن عربي إنَّ الطَّريقَ الذي وراء طورِ العقلِ المفيدَ العلم بالله تعالى طريقه الخلوات والمجاهدات والرِّياضات وقطع العلائق وغير ذلك. ويقول إنَّ القلب هو القوَّة التي وراء طور العقل، "فلا تكون معرفة الحق من الحق إلا بالقلب لا بالعقل".
    ثمَّ يقول: "فإن ذات الحقِّ وإنِّيَّته مجهولة عند الكون، ولا سيما وقد أخبر جلّ جلاله عن نفسه بالنَّقيضين في الكتاب والسنة فشبَّه في موضع ونزَّه في موضع بـ "ليس كمثله شيء" وشبَّه بقوله "وهو السميع البصير".

    أقول: يرى ابن عربي هذين القسمين من الآية الكريمة جمعاً لنقيضين، وأنَّ الله تعالى قد جمع بين التَّشبيه والتَّنزيه.
    وهذا باطل ظاهر البطلان عند أهل السُّنَّة.
    ثمَّ يختم بما حاصله أنَّ الصواب عنده الجمع بين التَّشبيه والتَّنزيه لأنَّ المنزِّه من غير تشبيه مقيِّد، والمشبِّه من غير تنزيه مقيِّد. فالحقُّ عنده أنَّ الحقَّ مطلق عن التَّقييد، حتَّى عن قيد الإطلاق –وهذا وفق مذهبه في وحدة الوجود-.

    اااااااااااااااااااااااااااااا

    والحاصل من هذا الذي قرأنا من كلام ابن عربي رحمه الله أنَّ القواطع العقليَّة يجوز خرقها من حيث كونها راجعة إلى العقل المحصور القاصر الضعيف.

    فلمَّا كان الحقُّ كونها راجعة إلى الأمر في ذاته -لا العقل عينه- كان قول ابن عربي باطلاً في ذاته، وكان فرضه طوراً وراء طور العقل -بالمعنى الذي ذكر هو- مناقضاً لما يثبت العقل من أحكام باطلاً كذلك، لما سبق من التَّقرير.

    اااااااااااااااااااااااااااااا

    تنبيهات:
    1- ليس كلام ابن عربي رحمه الله السَّابق شطحاً غير مقصود، وليس ممَّا لا يفهمه إلا الصوفي العارف لأنَّه منظوم نظماً واضحاً بيِّناً متَّسقاً. وليس متأوَّلاً لأنَّه صريح واضح.
    2- ليس كلام ابن عربي مدسوساً عليه لأنه قد ذكره مراراً.
    3- ليس يصحُّ القول إنَّ ما قرَّره ابن عربي هنا معارض لمعتقده هو من مقدمة كتابه من عقيدة العوام أو عقيدة الخواص، فلا تعارض أصلاً، ولو فرضنا التَّعارض فهو نفسه قد قال إن عقيدة خاصَّة الخاصَّة مبثوثة في الكتاب لا في المقدمة، وهذا في باطن الكتاب. ويقيناً هو يجعل اعتقاده اعتقاد خاصَّة الخاصَّة.
    4- إن قيل: إنَّ ابن عربي نفسه في كتاب الفتوحات عينه يقول مراراً بأنَّ الحقائق لا تنقلب.
    أجيب: ليس حكم ابن عربي بامتناع انقلابها بناء على القواطع العقليَّة عنده، بل يلزم أن يكون بالكشف. فلا تناقض بين قوله بكون الحقائق لا تنقلب وقوله بصحَّة خرق القواطع العقليَّة عنده بناء على تفسيره الحكم العقليَّ. فهو مع قوله بعدم يقينيَّة القواطع العقليَّة يقول بيقينيَّة امتناع انقلاب الحقائق، لكن يلزم أن يكون هذا بطريق الكشف.
    أما وقد عرفتَ رجوع الحكم العقليِّ إلى مبدأ الهويَّة فالقول بامتناع انقلاب الحقائق موجب يقينيَّة الحكم العقليِّ مطلقاً.
    5- كون الكشف موصلاً لليقين بحاجة إلى دليل، فإنَّ الكشف يخطئ أحياناً بدلالة التَّجربة، فبعض الصُّوفيَّة ينكشف له شيء ويكون خطأ. فالدَّلالة على صدق الكشف ليست ذاتيَّة. فإن كانت بغيره فلا تصحُّ بالنَّقل للزوم الدَّور. ولا تصحُّ بالعقل لأنَّه مخروم عند هؤلاء!
    وعلى كلِّ حال فلو فرضنا صحَّة قول ابن عربي في أنَّ الكشف هو الموصل إلى اليقين دون الدَّليل العقليِّ لما كان واصلاً اليقين إلا المنكشف له، ومن لم يحصل له الكشف لم يكن عنده أيُّ طريق يقينيٍّ للحقِّ، ومعلوم أنَّ هؤلاء أكثر الخلق، فإنَّ أكثر الخلق ليسوا من أهل المجاهدات ليحصل لهم الكشف، فيلزم أنَّ أكثر الخلق ليسوا بمكلفين بهذا لكونهم غير مؤهَّلين له. وهذا باطل بالنَّقل الشَّريف عينه. وعلى كلِّ حال يلزم كون من يقلِّد الأولياء فيما يُظهرون على أنَّها كشوفات لهم ليس إلا تقليداً أعمى بلا دليل حقيقيٍّ.

    اااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا ااااااااااااااااااااااااااااااااااااا


    * للتَّحقُّق في فهم الأحكام وأقسامها وتأسيسها وفهم الفروق بينها وإرجاع القواطع العقليَّة إلى مبدأ الهوية ومبدأ منع التناقض يُرجى النَّظر في هذين الدَّرسين في المقدمات العقليَّة:
    https://www.youtube.com/watch?v=RDdSunBYL5I
    https://www.youtube.com/watch?v=khGLkf7RLQg

    اااااااااااااااااااااااااااااااااا

    ولله الحمد في بدء وفي ختم

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    May 2013
    الدولة
    المنيعة - الجزائر
    المشاركات
    795
    مقالات المدونة
    19
    شكرا على هذه العرض الجيد يا شيخ محمد .

    ألا يمكن أن يكون ابن عربي قد قصد بالمستحيلات العقلية ظواهر بعض النصوص ، كالاستواء على العرش و النزول و المجيء ، ... ؟

    و بالتالي فابن عربي يحكم على الذي يأخذ بظواهر هذه النصوص أن القرآن سيظهر متناقضا في فهمه له .

    هل يمكن توجيه كلام ابن عربي على هذا النحو ؟

  4. #4
    ولك أخي الكريم، وليس مقصود ابن عربي ما ذكرتَ، أراه بعيداً عنه كثيراً.

    وإنَّ ابن عربي يُثبت التناقض في النَّقل الشَّريف. لا أنَّه يذكر أنَّه سيظهر متناقضاً للبعض.
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    May 2013
    الدولة
    المنيعة - الجزائر
    المشاركات
    795
    مقالات المدونة
    19
    لكن ابن عربي يتهم العقل بأنه لعجزه و قصوره يظهر له النص الشريف متناقضا .

    فهو لا يُثبت وجود تناقض في النَّقل الشَّريف إلا من حيث الفهم القاصر للعقل .

    و ربما هذا تعبير عن مذهب ابن عربي في أن الحصول على العلم الحقيقي إنما يكون عن طريق الخلوة و المجاهدات و الكشف ، كما هو معروف عند الصوفية .

  6. في غاية الأهمية .. جزاك الله خيرا شيخنا .. فتح الله عليك ونفعنا بعلمك
    {واتقوا الله ويعلمكم الله}

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •