النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: في المنطق - من وحي شرح إيساغوجي

  1. #1

    في المنطق - من وحي شرح إيساغوجي

    هذه فقرات كتبتها منذ سنين عديدة، أنشرها الآن عسى أن يكون فيها فائدة.




    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمدُ لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
    وبعدُ:
    المنطق آلةٌ قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر.
    وكلمة [المنطق] مصدرٌ ميميٌّ مقولٌ بالاشتراك على أمرين، الأول: النطق بمعنى التلفظ الثاني: الإدراك. وسُمِّيَ هذا العلم بهذا الاسم لأنه يسلك بالإدراك مسلك السداد، ويقوي صاحبه على النطق والتكلم.
    والمنطق واسطة بين القوة العاقلة والمطالب الكسبية في الاكتساب، ولهذا أطلق عليه بأنه آلة، فالآلة هي: الواسطة بين الفاعل ومنفعله في وصول أثره إليه كالمنشار للنجار.
    ومسائل المنطق قوانين، أي قواعد كلية منطبقة على سائر جزيئاتها.
    والإنسان لا يمكن أن يستفيد من علم المنطق بمجرد تصور مسائله، بل الفائدة إنما تحصل عند مراعاة هذه القوانين في أثناء التفكير. فالذهن البشري الذي هو قوةٌ مهيأة لاقتناص صور الأشياء إذا لاحظ هذه القوانين والقواعد لم يخطئ في فكره، فهو عندما يفكر إنما يُرتِّب أموراً معلومة ليتوصل بها إلى مجهول، تصوري أو تصديقي، فإذا كان ترتيبه لهذه الأمور المعلومة متناغماً مع قواعد المنطق، فإنه قطعاً يصل إلى المقصود.
    ولا ينبغي أن يغفل القارئ عن أن ما مضى من الكلام لم يكن المقصود منه بيان حقيقة وماهية علم المنطق، بل كان المراد هو رسمه وتمييزه عن غيره ببيان بعض العوارض التي تلزم عنه في نفسه، فالمنطق في حد ذاته علمٌ من العلوم، كما أنه بالنسبة إلى غيره آلة كما أن أصول الفقه علم بالنظر لذاته، وهو بالنظر إلى الفقه آلة كما لا يخفى. والتحقيق الذي أراه أنّ العلوم كلها آلات، فالعلم ليس مراداً لذاته قطعاً بل هو مطلوبٌ لغيره، ويدخل في هذا كل العلوم. ومنها المنطق، فهو علمٌ يعرف به الفكر الصحيح من الفاسد.
    موضوع علم المنطق
    لكل علم موضوع، والموضوع هو ما يبحث في ذلك العلم عن عوارضه الذاتية، كبدن الإنسان لعلم الطلب والكلمات العربية لعلم النحو، والمقصود بالعوارض الذاتية هي التي تلحق الشيء لذاته، كالتعجب اللاحق لذات الإنسان، أو تلحق الشيء لجزئه كالحركة بالإرادة؛ اللاحقة للإنسان بواسطة أنه حيوان، أو تلحقه لأمر خارج عنه مساوٍ له كالضحك للإنسان بواسطة التعجب. وهذه الأقسام الثلاثة سميت عوارض ذاتية لاستنادها إلى الذات في الجملة.
    وقد تعرض بعض الأمور على الشيء لا لذاته بل لأمر خارج عنها. وتسمى هذه عوارض غريبة، وهي التي تعرض للشيء بواسطة أمرٍ خارجٍ أعمّ من المعروض كالحركة اللاحقة للأبيض بواسطة أنه جسمٌ؛ أو أخص كالضحك العارض للحيوان بواسطة أنه إنسان؛ أو مباين كالحرارة العارضة للماء بسبب النار.
    وسميت عوارض غريبة لما فيها من الغرابة بالقياس إلى المعروض، فمثلا [الماء] إذا نظرنا فيه لا نجد بينه وبين الحرارة علاقة عقلية فلا الحرارة تستلزم الماء ولا الماء يستلزم الحرارة، ولكن نرى الماء حاراً ونراه بارداً، فالحرارة عرضٌ يعرض على الماء بواسطة أمر خارجٍ عن ماهية الماء وهو النار، والنار غريبة عن الماء.
    واعلم أن هذه التقسيمات اصطلاحية وضعت لتسهيل الإدراك، والتعلم والتعليم ولها أيضاً حقائق خارجية من مستوى معين. وهذا التقسيم يعكس النظرة إلى الموجودات فإنه لاشك توجد علاقات التأثر والتأثير بين كلّ موجودين من العالم، وهذه الأفعال والانفعالات ندركها نحن بعقولنا، وإذا أردنا أن نعبر عنها لغيرنا أو نفكر فيها لنبني عليها، لابدّ أن يكون إدراكنا لها متناسباً مع وجودها الخارجي فالإنسان مثلاً، لنأخذ شخصاً كمثالٍ، رجل، هذا الرجل في زمانٍ معين قد لا يكون ضاحكاً، وقد ينفعل بأمر خارجي فيتعجب والتعجب عارضٌ ذاتي للإنسان وهو شعور ينتج عند رؤية أو الإحساس بأمر أو معرفة أمر لم يكن متوقعاً عند المدرك، وهذا الشعور ينتج عارضاً آخر وهو الضحك. فالضحك عارضٌ عرض على الإنسان، ومن المهم أن ندرك هذا التحليل للوجود الخارجي، لكي لا نفكر بعد هذا بأسلوب خاطئ فنقول مثلاً، بما أن هذا يضحك، وهو إنسان وذاك لا يضحك إذن فهو ليس إنساناً، هذا الحكم خاطئ، لأن الضحك فعلاً عارضٌ من عوارض الإنسان، لا جزء من أجزاء ماهيته.
    إذا تحصل لدينا أمورٌ: الشيء وهو الماهية أي الصفات التي لا يمكن تصور الذات من دون تصورها، وعوارض تعرض على هذه الماهية نتيجة أفعالها وانفعالاتها وهذه العوارض إمّا ذاتية أو غريبة.
    فاعلم أنّ
    موضوع المنطق هو المعلومات التصورية والمعلومات التصديقية. فالمنطقي يبحث عن أعراضها الذاتية، إذ هو يبحث عنها من حيث أنها توصل لمجهول تصوري أو لمجهول تصديقي، ومن حيث يتوقف عليها الموصل إلى ما ذكر، ككون المعلوم التصوري كلياً وذاتياً وعرضياً وجنسياً وفصلاً..الخ، وسيأتي ذكر هذه الأمور، وكون المعلوم التصديقي قضية أو عكس قضية أو نقيض قضية إلى غير ذلك.
    وسميت هذه المعلومات موضوعات لأنها توضع أي تؤخذ مسلمةً متفقاً عليها وإنما يقع الخلاف في أعراضها.

    يتبع ......

    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. #2
    فائدة علم المنطق

    تتضح فائدة علم المنطق من معرفة أوصافه، فبما أنه آلة العلم إذن الفائدة المرجوة منه هي الاحتراز عن الخطأ في الفكر؛ والإنسان معرض للخطأ في فكره، لأن هذا الفكر عبارة عن فعل اختياري، وأفعال الإنسان غير كاملة من وجوهٍ عديدة، وأيضا فقد يتأثر الإنسان عند الفكر بالظروف التي يعيش فيها، والعواطف التي يشعر بها، فقد تحرفه الأمور التي اعتاد فعلها أو وجدانها وتكون مدخلاً للخطأ. وما دام هذا حاصلاً، فمن المهم أن يستعين الإنسان بآلة تجعل مجال فكره أقوى وأوسع وهي المنطق.

    حكم على المنطق

    يجب على الإنسان عقلاً وشرعاً أن يسعى لكي تكون أفعاله مطردة متناسبة مع الحق، وذلك لكي يُحصِّلَ كمال وجوده، والحق لا يدرك إلا بوسيلتين العقل والشرع ولا تعارض بين العقل والشرع بل هما منسجمان واردان على نفس المحل. ولا يمكن للإنسان مسايرة الحق إلا بعد العلم به. فمن هنا وجب معرفة حكم الفعل قبل التلبس به، وهذا مجمعٌ عليه.
    فاعلم أنّ المنطق على قسمين
    قسم خلا عن الفلسفة، وهذا ما سنوضحه في هذا الكتاب، والمقصود أنه لم تمزج مسائله بمسائل الفلسفة التي قد يكون فيها انحراف.
    وقسم لم يخلُ.
    وهذا القسم الثاني هو محل خلاف، بين العلماء في تحريمه وتجويزه، وأما الأول فلا خلاف في جواز الاشتغال به، بل هو فرضُ كفاية، لأن تحرير العقائد الإسلامية ودفع الشبه والشكوك عنها واجب على سبيل الكفاية، وذلك يتوقف على القوة في هذا الفنّ، وما يتوقف عليه الواجب فهو واجبٌ شرعاً.
    والعقل السليم يستحسن معرفة هذا العلم بهذه الصورة، وذلك لأن الإنسان مهما بلغ من قوة الذكاء الفطري وصفاء النفس، فإذا لم يكن معصوماً، فلا بدّ أن يحتاج إلى التعلم واكتساب المعرفة من غيره في سائر العلوم، ومنها علم المنطق. ولا يقال هنا إن الصحابة لم يتكلموا فيه، فلا حاجة لنا إليه لأننا نقول: إن الصحابة والتابعين وإن لم يصنعوا مفاهيم هذا العلم في كتب خاصة إلا أنهم كانوا يستعملونه، وكانوا يدركون أنه توجد قوانين عامة للتفكير لا يجوز للواحد أن يتجاوزها وإلا غلط، ولذلك كانوا يتحاورون ويردّ الواحدُ منهم على الآخر في فهمه، ولم يكن هذا الأمر ممكناً عندهم إلا لأنهم كانوا فعلاً مدركين قواعد التفكير، على الأقل بعضهم. ونحن لا نعني بالمنطق أكثر من هذا. ولكن الذي زدناه هو وضع المصطلحات والأسماء، وذلك تسهيلاً للتعلم والتعليم. وشأن المنطق في هذا شأن غيره من العلوم الإسلامية مثل الفقه والأصول وغيرها، فكأن الصحابة يعلمونها، بل وكذلك النحو والبيان، ولكن لم تدوَّنْ في كتب ويوضع لها مصطلحات خاصة إلا بعد ذلك. ومن هذا نعلم أنه لا يشترط للعلم بهذه القوانين الكلية معرفة المصطلحات والأسماء المخصوصة كما يتصور البعض، بل يكفي تصورها أي المعاني في الأذهان بشكل يمكن بناء العمل عليه. ولذا قال الإمام الغزالي [منْ لا معرفة له بالمنطق لا ثقة بعلمه] وسماه معيار العلوم. وكلامه في غاية القوة ويتضح بما ذكرناه.
    فالمنطق ميزان العلوم الذي يعلم به صحيح الفكر فيها من فاسدة كما يعلم بالميزان الحسي تمام الموزون من نقصه، فهو مستلزم لمعرفة العلوم وحصولها على الوجه الأكمل.
    وبعد توضيح هذه المقدمات يكون الوقت قد حان للشروع في علم المنطق؛ك وسنمهد لهذا ببيان مباحث المنطق على وجه كلي، وذلك لأن الذهن عندما ينحصر في مسألة معينة فإنه يزداد قوة، وفي هذا حفظ للقارئ عن التشتت والضياع، لئلا يهتم بمسائل يحسبها من المنطق وهي ليست كذلك، فتبين بهذا أهمية حصر المسائل والمباحث.
    فاعلم أنّ الحصر له ثلاثة أقسام.
    الأول: جعلي وهو الذي يجعلُ بجعل جاعلٍ، أي يكون تابعاً لإرادة، لا لأنه يجب عقلاً أو لذاته أن يكون هكذا محصوراً، وذلك مثل حصر الكلِّ في أجزائه. وأيضاً كما في حصر أبواب المنطق بما سنبينه.
    الثاني: استقرائي وهو تتبع أفراد الشيء بحيث لا يبقى منها غردٌ على حسب ما تقتضيه القوة البشرية، فهذا القسم تابع لمدى انتشار الحس وملاقاته للموجودات إمّا بواسطة أو غير واسطة، فدقته تعتمد على سعة اطلاع المستقرئ.
    الثالث: عقلي وهو الذي لا يجوز العقل خلافه كحصر العالم في الجوهر والعرض. وهذا النوع من الاستقراء يكون معتمداً على ضروريات عقلية قاطعة.
    إذن، يتحصل لدينا أنّ الحصر الذي سنسرده هنا إنما هو جعلي، فنقول:
    المعلومات تصوراتٌ وتصديقاتٌ، ولكلِّ منهما مبادئ ومقاصد. فهذه أربعة أبحاث. ثم احتاج العلماء إلى أن يبحثوا الألفاظ لأنها من أقوى الوسائل لإفادة تلك الأربعة واستفادتها، فجعلوها باباً خامساً.
    هذا هو الطريق الذي سنسير فيه لنصل إلى المقصود.



    يتبع ......
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  3. #3
    معنى الدلالة
    قبل أن نعرف كيفية دلالة الألفاظ على المعاني، الأصل أن نبيّن مفهوم الدلالة. فالدلالة هي كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر. والأول الدالُّ والثاني المدلول، فالدالُّ هو الذي يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، والمدلول هو الذي يلزم من العلم بشيء آخر العلم به.
    فمن المعلوم أنه توجد علاقات بين كل موجودٍ وآخر، والذهن قد تنطبع فيه صور بعض الموجودات، ويكون ثمة علاقة بين التصور الحاصل في الذهن وبين تصور شيء آخر، فقد يتم تنبه الذهن إلى أمر عند تنبهه إلى أمر آخر، ومن المعلوم أنه لابد من وجود تلازم من جهةٍ ما بين هذين الأمرين المتواردين على الذهن، وسواءً كان هذا التلازم مطلقاً بيناً أو غير بيِّن، فإن أصل التلازم موجود، والمقصود أنه إن التفت الإنسان إلى التصور الأول يمكن أن يكون هذا التصور ذا حالةٍ يتم بواسطتها تنبهه إلى تصورٍ آخر، ولا شك أن هذا التنبه إنما كان التصور الأول سبباً فيه.
    هذا وصف مجمل وعام لأصل معنى الدلالة، ومن المعلوم أنّ العلاقة بين هذين الأمرين يكون لها عدة أسباب، أي يمكن أن توجد هذه العلاقة بعدة وسائل سوف نشير إليها فيما يلي. فمثلاً اللفظ المعين يوضعُ وضعاً لكي يدلَّ على معنى معين في الذهن فإذا أطلق هذا اللفظ كان ممكناً أن يفهم منه المعنى الموضوع له. فالحالة التي اتصف بها هذا اللفظ هي كونه موضوعاً لذاك المعنى. وأما الوضع فيمكن أن يتم بأن يستجلب انتباه الإنسان إلى المعنى المعين بوسيلة معينة كلما ورد إلى سمعه لفظ معين، فيصبح مع تكرار هذه التجربة، من عادة هذا الإنسان أن يتبادر المعنى المعين إلى ذهنه كلما سمع ذلك اللفظ. وليس هذا موضع التفصيل في معنى الوضع، وإنما أردنا الإشارة إليه.
    أقسام الدلالة
    أقسام الدلالة ستة، لأن الدالّ لفظٌ وغيره، ودلالة كلّ منهما وضعية وعقلية وطبيعية.
    فدلالة اللفظ وضعاً كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق. وعقلاً كدلالة اللفظ على لافظه، وطبعاً كدلالة "أح" على وجع الصدر، ودلالة الأنين على الوجع.
    ودلالة غير اللفظ وضعاً كدلالة الإشارة بالرأس أو العين على معنى نعم أو لا. وعقلاً كدلالة الأثر على المؤثر، وطبعاً كدلالة الحمرة على الخجل والصفرة على الوجل.
    وتوجد نِسبٌ بين هذه الأقسام الستة نبينها بإجمال كما يلي:
    فأما النسب باعتبار المفهومات: فهي متباينة كما لا يخفى.
    وأمّا النسب باعتبار المصدقات: فالوضعية اللفظية مباينة للطبيعة اللفظية وكلاهما أخصُّ من العقلية اللفظية خصوصاً مطلقاً، فكلما وجد وجدت العقلية من غير عكس. وما قيل في أقسام اللفظية يقال في أقسام غيرها من غير فرق.
    واللفظيُّ بأقسامه مباين لغير اللفظي بأقسامه.
    فالدلالة اللفظية كون اللفظ بحيث متى أطلق فهم منه المعنى، والدلالة نسبة بين اللفظ والمعنى، بل بينهما وبين السامع، اعتبرت إضافتها تارةً إلى اللفظ فتفسّر بذلك، وتارة إلى المعنى فتفسر بفهم المعنى منه أي انفهامه، وتارة إلى السامع فتفسر بفهمه للمعنى، أي انتقال ذهنه إليه. فيمكن أن يقال: الدلالة متوقفة على السامع بالقوة أو الفعل.
    قال السيد الشريف الجرجاني في حواشيه على المفتاح
    كل هذه التفاسير من المساهلات التي لا تخلُّ بالمقصود، وذلك لأن الدلالة صفة للفظ قائمة به متعلقة بمعناه، كالأبوة القائمة بالأب المتعلقة بالابن، فإذا فسرت بالانتقال من اللفظ إلى المعنى، أو بأحد الفهمين لم يلتبس على ذي مسكة أن الانتقال وفهم السامع ومفهومية المعنى ليست صفات قائمة باللفظ، لكنها منبئة إنباء ظاهراً عن حالة قائمة به هي كون اللفظ بحيث يترتب عليه ما ذكر، وتلك الحيثية هي الدلالة.
    أقسام دلالة اللفظ على المعنى
    من المعلوم أن المنطقي اهتمامه منصبُّ على المعاني ابتداءً، ثم على كل ما يمكن أن يؤثر على المعاني بعد ذلك، فاهتمامه بالمعنى أصيل وباللفظ عارضٌ. فالمنطقي إنما يبحث عما يتعلق بالذهن لا باللسان، ولكن لما كانت المعاني المقصودة جلها تتوقف إفادتها واستفادتها على الألفاظ، فقد جرت عادة المصنفين في المنطق أن يبدؤوا ببيانها وقسموها إلى مفرد ومركب، ولما كان استفادة المعاني منها لا من حيث ذاتها بل من حيث دلالتها، تعرضوا لبحث الدلالة أولاً، كما رأيت.
    إذن، فالعلم بالمنطق يتوقف على العلم بدلالة الألفاظ.
    واعلم أن أنواع التوقف خمسة:الأول: توقف شروعٍ، كما فيما نحن فيه.
    الثاني: توقف شعور كتوقف المعرّف على تعريفه.
    الثالث: توقف وجود كتوقف الماهية على أجزائها.
    الرابع: توقف تأثير كتوقف المفعول على علته الفاعلية.
    الخامس: توقف اشتراط كتوقف الصلاة على الطهارة.
    وقد مرّ أنّ اللفظ منه ما يدل عقلاً ومنه ما يدل طبعاً، ومنه ما يدل وضعاً والوضعُ هو جعلُ اللفظ بإزاء المعنى. كما مرّ الإشارة إليه.
    وطرق دلالة اللفظ على المعنى ثلاثة، والمقصود هنا الدلالة الوضعية لأنها هي المقصودة.
    فدلالة اللفظ ما وضع، مطابقة، سميت كذلك لموافقته له.
    ودلالته على جزءٍ ما وضع له، تضمُّنُ، لتضمن المعنى لجزئه، هذا إن كان له جزء بخلاف البسيط كالنقطة. فدلالة المطابقة قد توجد بدون دلالة التضمن.
    ودلالته على ما يلازم ما وضع له في الذهن، التزامٌ، لاستلزامه للمعنى سواءً لازمه في الخارج أيضاً أو لا، مثال الأول الزوجية بالنسبة للأربعة مثلا والثاني: الملكاتُ بالنسبة للأعدام.
    مثالٌ:
    لفظ الإنسان يدلُّ على الحيوان الناطق، ودلالته بالمطابقة، وعلى الحيوان أو الناطق، بالتضمن، وعلى قابل العلمِ وصنعتهِ الكتابة، بالالتزام.
    تنبيه:
    تنازع العلماء في مسألة وهي: دلالة العامِّ على بعض أفراده، من أيِّ نوع من الدلالات هي:
    فقال الإمام القرافي: ليست هذه الدلالة داخلة تحت أي نوع من الأنواع المذكورة، فبطل إذن حصر الدلالة الوضعية في هذه الثلاثة. وأمّا بيان عدم دخولها تحت الثلاثة، فكما يلي:
    أولاً: هي ليست داخلة تحت المطابقة لأن البعض ليس تمام المعنى الموضوع له العام.
    ثانياً: ليست تضمناً: لأن التضمن ليس هو الدلالة على الجزء، والبعض الذي هو مدلول العام ليس جزءاً بل هو جزئي، فالجزء إنما يقابله الكل، ومسمى صيغة العموم ليس كُلاً وإلا لتعذر الاستدلال بها على ثبوت حكمها لفرد من أفرادها في النفي أو النهي، فإنه لا يلزم من نفي المجموع نفي جزئه، ولا من النهي عن المجموع النهي عن جزئه، فحينئذ مسمى العام كلية لا كل. فخرج عن دلالة التضمن.
    ثالثاً: ليست التزاماً لأن الالتزام هو الدلالة على الخارج اللازم، والبعضُ ليس خارجاً.
    هذا هو قول الإمام القرافي.
    وأجاب عنه العلماء:
    فقال الإمام الأصبهاني شارح المحصول، والشيخ زكريا شيخ الإسلام: دلالة العام على بعض أفراده، مطابقةٌ، لأنهُ في قوة قضايا بعدد أفراده: أي جاء فلانٌ وجاء فلان الخ وقال: ومدلول العام في التركيب من حيث الحكم عليه كلية أي محكوم فيه على كل فردٍ فردٍ مطابقة إثباتاً خبراً أو أمراً أو سلباً نفياً أو نهياً، نحو جاء عبيدي وما خالفوا فأكرمهم ولا تهنهم، لأنه في قوة قضايا بعدد أفراده أي جاء فلانٌ وجاء فلان وهكذا فيما مرّ إلى آخره، وكل منها محكومٌ فيه على فرده دال عليه مطابقة فما هو في قوتها محكوم فيه على كل فردٍ فردٍ دال عليه مطابقة. فقول القرافي إنّ دلالة العام على كل فرد فرد من أفراده خارجة عن الدلالات الثلاث، مردودٌ.
    ورُدَّ هذا الجواب كما ذكره الحفني فقال:
    إن هذا الجواب لا يفيدُ، لأنه لا يلزم من كوْنِ الشيء في قوة الشيء أنْ يكون مثله في الدلالة، وبيان هذا الكلام:
    إن قولهم في قوة قضايا إنما ينتج دلالته على جميع ما تدلُّ عليه تلك القضايا بالمطابقة لا على بعض ما تدل عليه، إذ هو ليس في قوة بعض القضايا الجزئية الدالة على الأبعاض. والحاصلُ أن كون دلالته على بعض الأفراد مطابقة فرع كونه في قوة القضية الدالة على ذلك الفرد، ولو كان في قوتها ومساوياً لها في دلالتها لما كان في قوة الجميع الشامل لها ولغيرها، إذ مُساواته للجميع تستلزم زيادته على البعض، فتبطل مساواته لذلك البعض، ودلالته على الجميع لا سبيل إلى إنكارها، فيكون مساوياً له، لا للبعض، فلا تكون دلالته على البعض مطابقة.
    قال الحفني:
    وذهب بعض مشايخنا إلى أن دلالة العام على ما ذكر، دلالة التزام، نظراً إلى أنها باعتبار الجزئية العارضة خارجة.
    ورُدَّ بأن كلامنا في دلالة العام على بعض أفراده، وتلك الجزئيات باعتبار الجزئية العارضة ليست من أفراد العام، لأن كونها أفراداً إنما هو باعتبار ذواتها على أنها لا تسلم أنه باعتبار الجزئية العارضة لازم للعامّ. فتدبَّرْ.
    وأجاب الحفني فقال:
    والحق أن دلالة العام على بعض أفراده تضمُّنٌ، لأنه جزءٌ بالنظر لدلالة العام على مجموع الأفراد. وقد يقال: هو جزئي في نفسه وجزءٌ باعتبار آخر وهو اعتبار مجموع الأفراد. والعامُّ كليُّ من حيث عموم الحكم لكل فردٍ مما صدق عليه العام، وكلُّ من حيث وضعُهُ للمجموع من حيث هو مجموع.
    هذا هو تلخيص الخلاف في هذه المسألة، ومعرفتها مفيدة. ولنا فيها كلام ندعو الله تعالى أن يمهد لنا لكتابته.
    واعلم أنه ليس متى تحققت المطابقة تحقق التضمن لجواز أن يكون اللفظ موضوعاً لمعنى بسيط، فتكون دلالته عليه مطابقة، ولا تضمن لأن المعنى لا جزء له. وكذا المطابقة لا تستلزم الالتزام، لتوقفه على أن يكون لمعنى اللفظ لازم يلزم منْ تصوّر المعنى تصوِّره، وليس كل ماهية كذلك لا مكان أن يكون من الماهيات ما لا يستلزم شيئاً كذلك. وخالف في هذا الإمام الفخر الرازي فقال أن المطابقة تستلزم الالتزام لأن تصور كلّ ماهية يستلزم تصور لازم من لوازمها، وأقله أنها ليست غيرها، ورُدَّ بأنّا لا نسلم أنّ تصور كل ماهية يستلزم تصور أنها ليست غيرها، لأنا نتصور كثيراً من الماهيات ولم يخطر ببالنا غيرها، فضلاً عن أنها ليست غيرها.
    وأما التضمن والالتزام فيستلزمان المطابقة ضرورة، لأنهما لا يوجدانِ إلا معها لكونهما تابعين لها. والتابع من حيث إنه تابع لا يوجدُ بدون المتبوع، وأما المطابقة فمع أنها متبوعة، فلا يقال أنها لا توجد إلا مع تابعها، لأن ذلك إنما يصح لو صدق أن المطابقة متبوعة دائماً، وهو ممنوع كما تقدم. فلا تغفل.
    واعلم أن دلالة المطابقة لفظية، تكون باللفظ الخالص من ضميمة أمرٍ عقلي إليه، وهو انتقال الذهن من المعنى الموضوع له إلى شيء آخر بخلاف الأمرين، وليس المراد بكونها بمحض اللفظ أنه ليس للعقل مدخل فيها، لأن العقل له مدخل في جميع الدلالات، فأما الدلالتان التضمن والالتزام فهما عقليتان لتوقفهما على انتقال الذهن من المعنى إلى جزئه أو لازمه، فهما منسوبتان إلى العقل بمعنى أنه محتاج فيهما مع الوضع إلى ضميمة أمر عقلي.
    وأكثر المناطقة على أنها وضعيتان أي منسوبتان إلى الوضع كالأولى لاستنادها إلى الوضع، لكن الاستناد في الأولى بلا واسطة، لأن المعنى المفهوم فيها من اللفظ هو عَيْنُ ما عُيِّن له اللفظ بالوضع الحقيقي كالإنسان للحيوان الناطق أو المجازي كالأسد للرجل الشجاع. وأما الاستناد في الآخرين فهو بواسطة، فليس الوضع سبباً تاماً لهما، بل سبب بخلاف الأولى؛ وبيان ذلك أن الوضع سببٌ في فهم معنى اللفظ، وفهم معناه سبب في فهم جزئه أو لازمه، فالوضعُ بالنسبة لفهم المعنى من اللفظ هو السبب المباشر، وبالنسبة لفهم الجزء أو اللازم، سبب سبب.
    والحاصل أن هناك مقدّمتين
    إحداهما وضعية وهي كلما أطلق اللفظ فهم مسماه
    والثانية عقلية وهي في التضمن، وكلما فهم المسمى فهم جزؤه، وفي الالتزام وكلما فهم المسمى فُهِمَ لازمه.
    فالمطابقة لما لم تستند إلا الأولى، اتفق المناطقة على أنها وضعية، والأخريان لما توقفتا عليهما اختلف فيهما، فَمَنْ نظر إلى استنادهما إلى الأولى قال إنهما وضعيتان، ومنْ نظر إلى استنادهما إلى الثانية قال إنهما عقليتان.
    وبقي مذهبٌ آخر وهو أنّ المطابقة والتضمن وضعيتان والالتزام عقلية وَوُجِّه: بأن أجزاء المسمى لما لم تكن خارجة عما وضع له اللفظ، كانت كأن اللفظ موضوع لها بخلاف المعنى الالتزامي.
    أقسام اللوازم ثلاثة:
    والمقصود أنها من حيث هي لا بقيد كونها ذهنية أو خارجية ولا بقيد كون اللزوم الذهني بيناً بالمعنى الأخص أو بيناً بالمعنى الأعم أو غير بين.
    واعلم أن النسبة بين اللزوم الذهني والخارجي، العموم والخصوص المطلق، والذهني هو الأعم لأنه كلما تحقق اللزوم الخارجي تحقق الذهني، ولا عكس كما في الأحكام المضاف إلى ملكاتها.
    القسم الأول: لازم ذهناً وخارجاً، كقابل العلم، وصنعة الكتابة للإنسان .
    القسم الثاني: لازم خارجاً فقط، كسواد الغراب والزنجي، وإنما لم يكن ذهنياً أيضاً لأن العقل لا يحيلُ غراباً أبيض. وهذا اللزوم لا يعتبره المنطق كما سيأتي بخلاف الأصولي والبياني، لأن المعتبر عندهما مطلق اللزوم على أي وجه أمكن، ولهذا كثرت الفوائد التي يستنبطونها من الكتاب والسنة.
    القسم الثالث: لازم ذهناً فقط، فإنه لا يمكن أن يتصور العمى في الذهن إلا ويتصور معه البصر، وهما في الخارج متنافيان كما سيأتي. والمعتبر في دلالة الالتزام، اللزوم الذهني البين بالمعنى الأخص، وهو الذي يكفي في الجزم بلزومه تصور الملزوم كالزوجية للاثنين. وأما البين بالمعنى الأعم فهو ما يكون تصور الملزوم واللازم كافياً في الجزم بلزومه، وقد ظهر بهذا التفسير معنى قولهم، بالمعنى الأخص، وبالمعنى الأعم، وذلك لأن كل ما كفى في الجزم باللزوم فيه تصوّر الملزوم كفى في الجزم باللزوم فيه تصوره مع اللازم ضرورة أن تصور الملزوم إذا كان كافياً زاده تصور اللازم قوة، ولا عكس بالمعنى اللغوي وهو ظاهر، وغير البين هو المحتاج لواسطة كالحدوث للعالم.
    وبهذا تتم أقسام اللازم الذهني الثلاثة.
    والمعتبر عند المناطقة هو اللزوم الذهني فقط، فالعمى يدل على البصر التزاماً مع أن بينهما في الخارج معاندة ومباينة لأنهما لا يجتمعان، فلا تلازم بينهما في الخارج بل في الذهن فقط.
    والعمى عند الفلاسفة هو عدم البصر عما من شأنه أو من شأن نوعه أو جنسه أن يكون مبصراً. وعند المتكلمين العمى هو معنى وجودي يضاد الإدراك بحاسة البصر، وعلى هذا فدال العدم كالعمى يدل على الملكة كالبصر التزاماً وليس نفس العدم.


    يتبع....
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  4. #4
    وبعد بيان أنواع الدلالة، لابدّ أن نبين أقسام اللفظ الدال على المعاني فاللفظ إما أن يراد بالجزء منه دلالة على جزء معناه أو لا، الأول: المفرد، والثاني: المؤلف.
    وظاهر التعريف السابق يدل على أن الإرادة شرط في الدولة، والمتأخرون من العلماء قالوا ليست الإرادة شرطاً في الدلالة لأن اللفظ يوصف بكونه دالاً في نفسه سواء استعمل أو لم يستعمل.
    والتحقيق أن الخلاف ليس في نفس الجهة فالدلالة إن أريد بها الدلالة بالقوة لم يشترط فيها الإرادة، وإن أريد بها الدلالة بالفعل كانت الإرادة شرطاً فيها.
    والمفرد لا يشترط لكي يكون مفرداً أن يكون له جزء غير دال على جزء معناه، بل يمكن أن لا يكون له جزء أصلاً، نحو الحرف، وقِ عَلَماً.
    ويمكن أن يكون له جزء له معنى لكن لا يدل على جزء معنى المجموع، مثل عبدالله اسماً لإنسان، لأن المراد منه ذاته لا العبودية.
    والذات الواجب الوجود، أوّله له جزء ذو معنى دال عليه لكن ليس مراداً.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  5. جزاكم الله خير الجزاء على هذا الجهد المبارك .
    سبحان الله العظيم

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •