هذه فقرات كتبتها منذ سنين عديدة، أنشرها الآن عسى أن يكون فيها فائدة.




بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
وبعدُ:
المنطق آلةٌ قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر.
وكلمة [المنطق] مصدرٌ ميميٌّ مقولٌ بالاشتراك على أمرين، الأول: النطق بمعنى التلفظ الثاني: الإدراك. وسُمِّيَ هذا العلم بهذا الاسم لأنه يسلك بالإدراك مسلك السداد، ويقوي صاحبه على النطق والتكلم.
والمنطق واسطة بين القوة العاقلة والمطالب الكسبية في الاكتساب، ولهذا أطلق عليه بأنه آلة، فالآلة هي: الواسطة بين الفاعل ومنفعله في وصول أثره إليه كالمنشار للنجار.
ومسائل المنطق قوانين، أي قواعد كلية منطبقة على سائر جزيئاتها.
والإنسان لا يمكن أن يستفيد من علم المنطق بمجرد تصور مسائله، بل الفائدة إنما تحصل عند مراعاة هذه القوانين في أثناء التفكير. فالذهن البشري الذي هو قوةٌ مهيأة لاقتناص صور الأشياء إذا لاحظ هذه القوانين والقواعد لم يخطئ في فكره، فهو عندما يفكر إنما يُرتِّب أموراً معلومة ليتوصل بها إلى مجهول، تصوري أو تصديقي، فإذا كان ترتيبه لهذه الأمور المعلومة متناغماً مع قواعد المنطق، فإنه قطعاً يصل إلى المقصود.
ولا ينبغي أن يغفل القارئ عن أن ما مضى من الكلام لم يكن المقصود منه بيان حقيقة وماهية علم المنطق، بل كان المراد هو رسمه وتمييزه عن غيره ببيان بعض العوارض التي تلزم عنه في نفسه، فالمنطق في حد ذاته علمٌ من العلوم، كما أنه بالنسبة إلى غيره آلة كما أن أصول الفقه علم بالنظر لذاته، وهو بالنظر إلى الفقه آلة كما لا يخفى. والتحقيق الذي أراه أنّ العلوم كلها آلات، فالعلم ليس مراداً لذاته قطعاً بل هو مطلوبٌ لغيره، ويدخل في هذا كل العلوم. ومنها المنطق، فهو علمٌ يعرف به الفكر الصحيح من الفاسد.
موضوع علم المنطق
لكل علم موضوع، والموضوع هو ما يبحث في ذلك العلم عن عوارضه الذاتية، كبدن الإنسان لعلم الطلب والكلمات العربية لعلم النحو، والمقصود بالعوارض الذاتية هي التي تلحق الشيء لذاته، كالتعجب اللاحق لذات الإنسان، أو تلحق الشيء لجزئه كالحركة بالإرادة؛ اللاحقة للإنسان بواسطة أنه حيوان، أو تلحقه لأمر خارج عنه مساوٍ له كالضحك للإنسان بواسطة التعجب. وهذه الأقسام الثلاثة سميت عوارض ذاتية لاستنادها إلى الذات في الجملة.
وقد تعرض بعض الأمور على الشيء لا لذاته بل لأمر خارج عنها. وتسمى هذه عوارض غريبة، وهي التي تعرض للشيء بواسطة أمرٍ خارجٍ أعمّ من المعروض كالحركة اللاحقة للأبيض بواسطة أنه جسمٌ؛ أو أخص كالضحك العارض للحيوان بواسطة أنه إنسان؛ أو مباين كالحرارة العارضة للماء بسبب النار.
وسميت عوارض غريبة لما فيها من الغرابة بالقياس إلى المعروض، فمثلا [الماء] إذا نظرنا فيه لا نجد بينه وبين الحرارة علاقة عقلية فلا الحرارة تستلزم الماء ولا الماء يستلزم الحرارة، ولكن نرى الماء حاراً ونراه بارداً، فالحرارة عرضٌ يعرض على الماء بواسطة أمر خارجٍ عن ماهية الماء وهو النار، والنار غريبة عن الماء.
واعلم أن هذه التقسيمات اصطلاحية وضعت لتسهيل الإدراك، والتعلم والتعليم ولها أيضاً حقائق خارجية من مستوى معين. وهذا التقسيم يعكس النظرة إلى الموجودات فإنه لاشك توجد علاقات التأثر والتأثير بين كلّ موجودين من العالم، وهذه الأفعال والانفعالات ندركها نحن بعقولنا، وإذا أردنا أن نعبر عنها لغيرنا أو نفكر فيها لنبني عليها، لابدّ أن يكون إدراكنا لها متناسباً مع وجودها الخارجي فالإنسان مثلاً، لنأخذ شخصاً كمثالٍ، رجل، هذا الرجل في زمانٍ معين قد لا يكون ضاحكاً، وقد ينفعل بأمر خارجي فيتعجب والتعجب عارضٌ ذاتي للإنسان وهو شعور ينتج عند رؤية أو الإحساس بأمر أو معرفة أمر لم يكن متوقعاً عند المدرك، وهذا الشعور ينتج عارضاً آخر وهو الضحك. فالضحك عارضٌ عرض على الإنسان، ومن المهم أن ندرك هذا التحليل للوجود الخارجي، لكي لا نفكر بعد هذا بأسلوب خاطئ فنقول مثلاً، بما أن هذا يضحك، وهو إنسان وذاك لا يضحك إذن فهو ليس إنساناً، هذا الحكم خاطئ، لأن الضحك فعلاً عارضٌ من عوارض الإنسان، لا جزء من أجزاء ماهيته.
إذا تحصل لدينا أمورٌ: الشيء وهو الماهية أي الصفات التي لا يمكن تصور الذات من دون تصورها، وعوارض تعرض على هذه الماهية نتيجة أفعالها وانفعالاتها وهذه العوارض إمّا ذاتية أو غريبة.
فاعلم أنّ
موضوع المنطق هو المعلومات التصورية والمعلومات التصديقية. فالمنطقي يبحث عن أعراضها الذاتية، إذ هو يبحث عنها من حيث أنها توصل لمجهول تصوري أو لمجهول تصديقي، ومن حيث يتوقف عليها الموصل إلى ما ذكر، ككون المعلوم التصوري كلياً وذاتياً وعرضياً وجنسياً وفصلاً..الخ، وسيأتي ذكر هذه الأمور، وكون المعلوم التصديقي قضية أو عكس قضية أو نقيض قضية إلى غير ذلك.
وسميت هذه المعلومات موضوعات لأنها توضع أي تؤخذ مسلمةً متفقاً عليها وإنما يقع الخلاف في أعراضها.

يتبع ......