الطرح التبشيري الثوري للإسلام "عند المفكر الاسلامى السوداني الأستاذ / بابكر كرار
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
السيرة الذاتية للأستاذ/ بابكر كرار: ولد الأستاذ بابكر كرار في 7 فبراير 1930 بمدينه ود مدني ، وتوفى في يوليو 1981 ، بدا الخلوة مبكرا ، حيث تلقى علوم القران على يد الشيخ البوشى ، أما تعليمه الأولى فقد كان بمدرسه النهر بمدني عام 1937 ، ثم قرء المرحلة الابتدائية بالمدرسة الاميريه عام 1941 ، وفى عام 1945 ذهب إلى امدرمان لاكتمال دراسته الثانوية ، وفى السنة الثانية من دخوله مدرسه امدرمان الثانوية قسم الطلاب إلى مدرستين، وكان بابكر كرار من طلاب مدرسه حنتوب الثانوية، وفى عام 1948 جلس لامتحان شهادة كامبردج البريطانية بكلية الخرطوم الجامعية، وقبل بكلية الآداب، وانتقل الى دراسة القانون في العام الثاني ، فصل من جامعه الخرطوم في السنة النهائية لمده عام لأسباب سياسيه ، فواصل دراسة القانون بجامعه القاهرة فرع الخرطوم ونال درجه القانون فيها .( بابكر كرار: سيرته وفكره/ ناديه يس عبد الرحيم/مركز البحوث والدراسات الافريقيه – جامعه أفريقيا العالمية / الخرطوم/ 2006/ ص 74-77).
نشاطه العام والسياسي : أسس مع آخرون حركه التحرير الاسلامى عام 1949 ، ورغم توثق صله الحركة بجماعه الإخوان المسلمين، إلا انه اعتبر أن حركه التحرير الاسلامى متمايزة عن جماعه الأخوان المسلمين ، لان حركه التحرير الاسلامى تدعو إلى العدالة الاجتماعية والاشتراكية من منطلق اسلامى وتؤمن بالعمل السياسي السلمي الديموقراطى ، في حيث تتبنى جماعه الأخوان المسلمين- فعليا- الراسماليه، رغم رفعها لشعار الاقتصاد الاسلامى – ولا تؤمن بالديموقراطيه وتجنح للعنف والأساليب الانقلابية ، (للمزيد عن بابكر كرار و حركه التحرير الاسلامى انظر :بابكر كرار: سيرته وفكره/ ناديه يس عبد الرحيم ص 104)، وحين انتهى مؤتمر الحركه 1954 إلى اختبار اسم الإخوان المسلمين، اعترض بابكر كرار وانسحب من المؤتمر مع آخرون ، وكون مع آخرون الجماعة الاسلاميه، التي أصدرت ميثاقها 1945 ، وبعد ثوره أكتوبر غيرت الجماعة الاسلاميه اسمها ليصبح الحزب الاشتراكي الاسلامى . أيد الأستاذ / بابكر كرار الرئيس جعفر محمد نميرى في بداية عهده ، ولكن سرعان ما اختلف معه، فسافر إلى مصر وغادرها لاحقا إلى ليبيا ، و رغم دعوته للمعارضة السودانية للعمل من ليبيا، إلا انه كان يعارض استخدام العنف والعمل المسلح، وعارض العملية العسكرية التي قامت بها للجبهة الوطنية السودانية عام 1976، عاد إلى السودان فى نوفمبر 1978بعدالمصالحه الوطنية، وواصل عمله السياسي معارضا لنظام نميرى حتى توفى 8/7/ 1981 .رثاه الشاعر السوداني الكبير محمد الفيتورى فى قصيده بعنوان "العودة من المنفى" جاء فيها (اعرف معنى حزنك الجليل يا كرار * حزن الفارس المطعون بين الصدر والعينين والجبين *الفارس الصارخ في مقبرة تركية* يصدا نقش المجد فوق سيفها الدفين ).كما رثاه الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب فى قصيده بعنوان "مرثية للشهيد المناضل / بابكر كرار"، جاء فيها(..لم يجد التشريح سوى طلقات الانظمه العربية في راسك.. لم يلوكك هذا الموت، بقيت مديدا ليس تناسب قامتك الأكفان....لا أرثيك فما يرثى السيف إذا استهلك حربا وأزل لقناه السلطان... تعتزل الناس لفرط العفة ثم تعود إليهم وهم الماء مشوق هيمان... اشهد لم تقتل برصاص الاعداء مواجهه طعنتك من الخلف الأوطان...)
مؤلفاته: ومن مؤلفات الأستاذ بابكر كرار : الجماعة الاسلاميه: دعوه ومنهاج/ الفلسفة السياسية ألاقتصاديه / الجبهة الاستقلالية / ميثاقنا والنهوض الثوري ببلادنا / حسم عروبة السودان/ الاختلافات الاساسيه بين الاشتراكية الديموقراطيه والشيوعية / نظرات فى التنظيم العمالي الجديد /الحلول الاشتراكية لمشكلاتنا الاساسيه/ الارضيه التي تتحرك منها الثورة العربية / السودان وانفصام الشخصية/ الإسلام والفكر الاشتراكي العلمي / الأسس الفكرية للثورة الشعبية السودانية/ من التحالف إلى وحده قوه الشعب العاملة (بابكر كرار: سيرته وفكره/ ناديه يس عبد الرحيم ص80-81).
الإسلام هو الأساس الجوهري في حياتنا اليومية وصياغة مفاهيمنا: يرى الأستاذ بابكر كرار أن الأساس الأعمق والجوهري، والأكثر حيوية وفعالية في حياتنا اليومية ، وفى صياغة مفاهيمنا، وتصوراتنا لواقعنا ، والحلول التي تأخذ بها ، ونجدد حياتنا على مقتضاها هو الإسلام.
عدم طرح الأحزاب ذات المنطلق الإسلامي للإسلام في صفته التبشيرية والثورية: ثم يرى الأستاذ بابكر كرار أن في بلادنا أحزاب ومؤسسات وجمعيات تتخذ من الإسلام منطلقا وتطلعا لها في الجهود السياسية والاجتماعية..وقد أسهمت هذه الأحزاب في حركه التقدم العام إسهاما كبيرا ، إلا أنها لم تستطع أن تطرح الإسلام طرحا شموليا في صفاته التبشيرية والثورية، بحيث يكون هو العمل الأول والمحرك الاساسى في استنهاض الجماهير .
الطرح التبشيري الثوري للإسلام واتساقه مع التاريخ والتراث القومي والوطني: ويرى الأستاذ بابكر كرار ان الطرح التبشيري الثوري للإسلام هو الذي وصلت إليه الثورة العربية في علاقتها العضوية والجدلية بالثورة العالمية (اى حركه التحرر العربي من الاستعمار القديم والجديد"الامبريالي " والاستيطاني "الصهيوني، وتأكيدها لمركز الدين في الثوره ،خلافا للماركسية التي استبعدت الدين من منطلق مادي – الحادي) ، وهو الطرح الذي استنهض الجماهير السودانية في ثورتنا الكبرى (الثورة المهدية)، وهو الطرح الذي يتسق مع تراثنا القومي وتقاليدنا الثورية ( ميثاقنا والنهوض الثوري ببلادنا، ص 17 ).
تعريف الطرح التبشيري الثوري للإسلام:
مصطلح "طرح":استخدام الأستاذ بابكر كرار لمصطلح " طرح" يعنى انه حديثه عن الإسلام على مستوى فروعه الاجتهادية المتغيرة، وليس على مستوى أصوله النصية الثابتة. بعبارة أخرى انه حديث عن المذاهب الاسلاميه الاجتهادية ، وليس عن الإسلام كدين.
مصطلح "التبشير":
الدلالة القرانيه لمصطلح "التبشير" : التبشير لغه من الجذر (بشر) الذي يدل على ظهور الشيء مع حسن وجمال. ومصطلح التبشير مصطلح قرانى أصيل، فقد ورد الجذر (بشر ) ومشتقاته أكثر من مائه مره في القران الكريم ، والدلالة القرانيه للمصطلح تخاطب في الأغلب المؤمنين الذين يعملون الصالحات، وتدل على وَعْدٍ بالخير،ومن أمثله هذه الدلالة: تبشير الذين امنوا وعملوا الصالحات بالجنة (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات) (البقرة:25) ، تبشير الذين استقاموا بالتأييد والتثبيت الالهى والجنة (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون ) (فصلت:30)، تبشير الصابرين بالرحمة (وبشر الصابرين) (البقرة:155)، تبشير المخبتين بالحفظ والرعاية (وبشر المخبتين) (الحج:34) ، واتساقا مع هذه الدلالة ورد لفظ التبشير وصفا للقران الكريم قال تعالى( كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيراً وَنَذِيراً ) ( فصلت)، وقال تعالى (طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ * هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ )، كما ورد وصفا للرسول (صلى الله عليه وسلم ) (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً ) .
دلاله المصطلح عند الأستاذ / بابكر كرار:وقد استخدم الأستاذ بابكر كرار مصطلح " التبشير "بدلاله تقارب دلالته ألقرانيه ،ومضمونها قيام المسلمين بدورهم في الدعوة إلى الإسلام، على المستويين العملي(بتحولهم على المستوى السلوكي العملي إلى قدوه ) والنظري(بنشرهم للدعوة الاسلاميه بين القبائل والشعوب والأمم غير المسلمة) .فهو استخدام لا صله له بالدلالة الغربية للمصطلح ، الذي شاع في الفترة الاستعمارية،و الذي يخلط بينه وبين مصطلح التنصير اى نشر النصرانية بواسطة الكنيسة .
مصطلح " الثوره ":
"التغيير الجذري الشامل ":كما استخدم الأستاذ / بابكر كرار مصطلح الثوره للتعبير عن التغيير الجذري الشامل "، يقول الأستاذ بابكر كرار في كتاب الجماعة الاسلاميه دعوه ومنهاج( ومن هنا تكون الجماعة الاسلاميه ثوره كاملة، ضد النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والتعليمي والقضائي .. وذلك لان اى حركه اصلاحيه لا تجتث هذه الدعائم من أساسها اجتثاثا كاملا فهي حركه ترقيع للمجتمع وحركه تشويه للاتجاهات الثورية المسددة إلى غاياتها). مع ملاحظه ان هذا التغيير الجذري الكامل هو ضد الأوضاع الاستعمارية السائدة.
رفض العنف: غير أن الأستاذ/ بابكر كرار يرفض الربط بين الثوره والعنف – كما في الماركسية – لذا يقرر في موضع آخر الالتزام بأساليب التغير السياسي السلمي الديمقراطي ورفض العنف والأساليب الانقلابية ، ورد في كتاب( ميثاقنا والنهوض الثوري ببلادنا : ص 214) ( إننا نرفض بكل قوه ...وبكل وضوح طريق المغامرات العسكرية، وننبذ في شرف وبسالة استخدام العنف والإرهاب داخل بلادنا ، ونعتمد على قوه شعبنا العريضة وتضحياته التاريخية الجبارة في تأييد حقوقه في الاستقلال الوطني والسيادة القومية، وفى الديموقراطيه والتقدم والوحدة، طريقنا هو الطريق الديموقراطى .. طريق دعم وتطوير وتثوير الحركة الجماهيرية،بكافه منظماتها الديموقراطيه و السياسية، وتشديد النضال الجماهيري الصلب بالمظاهرات والإضرابات والاعتصامات السياسية، وفرض أراده الشعب السوداني بكل الوسائل الشرعية المتاحة لدينا ).
الحوار الايجابي المفتوح: وتأكيدا لنبذ الأستاذ/ بابكر كرار للعنف يركز على "الحوار الايجابي المفتوح" ، كاداه للتغيير الفكري السابق على التغيير السياسي .
خصائص الطرح التبشيري للإسلام :ويحدد الأستاذ / بابكر كرار خصائص الطرح التبشيري للإسلام كالاتى: أولا : نبذ الطرح الذرائعى والتبريري والاعتذارى والطائفي والرجعى للدين، ثانيا: طرح الدين في صفاته الموضوعية باعتباره حاجه إنسانيه يستمد أهميته وفاعليته من فطره الإنسان ومن شريعته العالمية للبشرية جمعاء، ثالثا : هذا الطرح يحدد رسالة الامه العربية، رابعا : هذا الطرح يخترق الطائفية ويزيل حواجزها " حيث تكمن أهميه الطرح التبشيري في اختراق الحواجز الطائفية الضارة، وتحرير الفكر من الانغلاق وضيق الأفق السياسي والاجتماعي" ، خامسا: وهو المنطلق لفتح باب الاجتهاد.
خصائص الطرح الثوري للاسلام: وفى الاجابه على السؤال : ماذا يعنى الطرح الثوري الإسلام، يقول: الإسلام انجاز ، بعبارة أخرى إن الإسلام عندما نطرحه ثوريا فإنما نطرحه في صوره مهام بغرض العمل على انجازها ، ثم يحدد خصائص الطرح الثوري للاسلام فيقول : ان الطرح الثوري للاسلام هو الذي يكشف لنا الآثار الكبيرة والمعاني العميقة التي تحتويها ميدا الاخوه بين الناس في خطط التنمية ألاقتصاديه والاجتماعية، وفى تحقيق الانفتاح الروحي والاخلاقى فى المجتمع . و الطرح الثوري هو الذي يكشف لنا الأبعاد الفكرية لنظريه الاستخلاف في الأموال العامة والخاصة فى الإسلام، ونبذ كل النظريات التاريخية والمعاصرة فى الملكية الراسماليه. و الطرح الثوري هو الذي يكشف لنا عن المعنى الأوسع للجهاد في الحياة، من اجل الصعود المتصل للفرد والمجتمع فكريا وماديا بلا انقطاع، ودفع حركه التطور والتقدم..
الموقف النقدي من القضايا الفكرية: استنادا إلى الطرح التبشيري الثوري للاسلام ، نتناول فيما يلي موقف الأستاذ بابكر كرار النقدي من العديد من القضايا الفكرية، والقائم على تجاوز كل موقفي القبول والرفض المطلق، إلى موقف قائم على اخذ الايجابيات ورفض السلبيات :
القومية العربية: حيث برفض الأستاذ بابكر كرار موقف القبول المطلق للقومبه العربية والعروبة كما في المذهب العلماني في القومية، والذي يجعلها قائمه بذاتها ومستقلة عن الإسلام، كما يرفض موقف الرفض المطلق للقومية العربية، كما في مذهب إنكار وحدات وأطوار التكوين الاجتماعى وعلاقات الانتماء إليها ، والذي يتعارض مع إقرار القران الكريم لأطوار التكوين الاجتماعي المتعددة " كالاسره والعشيرة والقبيلة والشعب ..." ،وعدم إنكار لعلاقات الانتماء إليها، ما لم تقم على العصبية والعنصرية ، ويبنى موقفا نقديا من القومية العربية والعروبة مضمونه تأكيد التمازج العضوي بين العروبة والإسلام ،حيث يرى الأستاذ/ بابكر كرار أن العلاقة بين العروبة والإسلام هي علاقة تمازح عضوي واندماج موضوعي لا فكاك فيه ، وأن الأمة التي كرمها الله بالإسلام لا يمكن ألا تنهض بمهمتها أو تخرج عن مضامين الإسلام، كما أن المسلمين مندوبون لاحترام العروبة ولو لم يكونوا عربا لما في ذلك من تأكيد لمفاهيم الإسلام الذي جاءت اللغة العربية ناطقة به وكما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ( إذا ذل العرب ذل الإسلام ) . كما يرى الاستاذ / بابكر كرار أن القومية العربية تمتاز عن سائر القوميات أنها ذات حدود متحركة أو ديناميكيه ، فهي القومية الوحيدة التي تتحدى حاجز الجنس واللون والحدود الجغرافية ..
الموقف النقدي من الماركسية : يرى الأستاذ/ بابكر كرار أن الثوره العربية لم ترفض الماركسية جمله واحده ، وإنما تجاوزتها ، وكشفت عن عيوبها النظرية، والنقص الذي يعتريها عند التطبيق ( ميثاقنا: ص 32)