صفحة 1 من 7 12345 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 97

الموضوع: نظم الايات من سورة الروم الى سورة الناس

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,708

    Cool نظم الايات من سورة الروم الى سورة الناس

    المناسبة بين سورة الروم والعنكبوت

    { الغ¤ـمغ¤ } * { غُلِبَتِ ظ±لرُّومُ } * { فِيغ¤ أَدْنَى ظ±لأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ } * { فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ ظ±لأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ظ±لْمُؤْمِنُونَ } * { بِنَصْرِ ظ±للَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ظ±لْعَزِيزُ ظ±لرَّحِيمُ }

    قال البقاعى فى نظم الدرر

    لما ختم سبحانه التي قبلها بأنه مع المحسنين قال: { الغ¤ـمغ¤* } مشيراً بألف القيام والعلو ولام الوصلة وميم التمام إلى أن الملك الأعلى القيوم أرسل جبرائيل عليه الصلاة والسلام - الذي هو وصلة بينه وبين أنبيائه عليهم الصلاة والسلام - إلى أشرف خلقه محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث لإتمام مكارم الأخلاق، يوحي إليه وحياً معلماً بالشاهد والغائب، فيأتي الأمر على ما أخبر به دليلاً على صحة رسالته، وكمال علم مرسله، وشمول قدرته، ووجوب وحدانيته.

    ولما أشير في آخر تلك بأمر الحرم إلى أنه سبحانه يعز من يشاء ويذل من يشاء، وختم بمدح المجاهدين فيه، وأنه سبحانه لا يزال مع المحسنين، وكانت قد افتتحت بأمر المفتونين، فكان كأنه قيل: لنفتننكم ولنعمين المفتين ولنهدين المجاهدين، وكان أهل فارس قد انتصروا على الروم، ففرح المشركون وقالوا للمسلمين: قد انتصر إخواننا الأميون على إخوانكم أهل الكتاب، فلننصرن عليكم، فأخبر الله تعالى بأن الأمر يكون على خلاف ما زعموا، فصدق مصدق وكذب مكذب، فكان في كل من ذلك من نصر أهل فارس وإخبار الله تعالى بإدالة الروم فتنة يعرف بها الثابت من المزلزل، وكان من له كتاب أحسن حالاً في الجملة ممن لا كتاب له، افتتحت هذه بتفصيل ذلك تصريحاً بعد أن أشار إليه بالأحرف المقطعة تلويحاً غيباً وشهادة، دلالة على وحدانيته وإبطال الشرك،فأثبت سبحانه أن له جميع الأمر وأنه يسرُّ المؤمنين بنصرة من له دين صحيح الأصل، وخذلان أهل العراقة في الباطل والجهل، وجعل ذلك على وجه يفيد نصر المؤمنين على المشركين، فقال مبتدئاً بما أفهمه كونه مع المحسنين مع أنه ليس مع المسيئين: { غلبت الروم* } أي لتبديلهم دينهم غلبهم - الفرس في زمن أنوشروان أو بعده { في أدنى الأرض } أي أقرب أرضهم إلى أرضكم أيها العرب، وهي في أطراف الشام، وفي تعيين مكان الغلب - على هذا الوجه - بشارة للعرب بأنهم يغلبونهم إذا وافقوهم، فإن موافقتهم لهم تكون في مثل ذلك المكان. وقد كان كذلك بما كشف عنه الزمان، فكأنه تعالى يقول لمن فرح من العرب بنصر أهل فارس على الروم لنكاية المسلمين: اتركوا هذا السرور الذي لا يصوب نحوه من له همة الرجال، وأجمعوا أمركم وأجمعوا شملكم، لتواقعوهم في مثل هذا الوضع فتنصروا عليهم، ثم لا يقاومونكم بعدها أبداً، فتغلبوا على بلادهم ومدنهم وحصونهم وأموالهم ونسائهم وأبنائهم.

    وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أعتب سبحانه أهل مكة، ونفى عليهم قبح صنيعهم في التغافل عن الاعتبار بحالهم، وكونهم - مع قلة عددهم - قد منع الله بلدهم عن قاصد نهبه، وكف أيدي العتاة والمتمردين عنهم مع (تعاور) أيدى المنتهين على من حولهم، وتكرر ذلك واطراده صوناً منه تعالى لحرمه وبيته، فقال تعالى:

    { أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم }
    [العنكبوت: 67] أي ولم يكفهم هذا في الاعتبار، وتبينوا أن ذلك ليس عن قوة منهم ولا حسن دفاع، وإنما هو بصون الله إياهم بمجاورة بيته وملازمة أمنه مع أنهم أقل العرب، أفلا يرون هذه النعمة ويقابلونها بالشكر والاستجابة قبل أن يحل بهم نقمة، ويسلبهم نعمه، فلما قدم تذكارهم بهذا، أعقب بذكر طائفة هم أكثر منهم وأشد قوة وأوسع بلاداً، وقد أيد عليهم غيرهم، ولم يغن عنهم انتشارهم وكثرتهم، فقالت: { الم غلبت الروم في أدنى الأرض } الآيات، فذكر تعالى غلبة غيرهم لهم، وأنهم ستكون لهم كرة، ثم يغلبون، وما ذلك إلا بنصر الله من شاء من عبيده { ينصر من يشاء } فلو كشف عن إبصار من كان بمكة من الكفار لرأوا أن اعتصام بلادهم وسلامة ذرياتهم وأولادهم مما سلط على من حولهم من الانتهاب والقتل وسبي الذراري والحرم إنما هو بمنع الله وكرم صونه لمن جاور حرمه وبيته، وإلا فالروم أكثر عدداً وأطول مدداً، ومع ذلك تتكرر عليهم الفتكات والغارات، وتتوالى عليهم الغلبات، أفلا يشكر أهل مكة من أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف؟ وأيضاً فإنه سبحانه لما قال:
    { وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان }
    [العنكبوت: 64] أتبع ذلك سبحانه بذكر تقلب حالها، وتبين اضمحلالها، وأنها لا تصفو ولا تتم، وإنما حالها أبداً التقلب وعدم الثبات، فأخبر بأمر هذه الطائفة التي هي من أكثر أهل الأرض وأمكنهم وهم الروم، وأنهم لا يزالون مرة عليهم وأخرى لهم، فأشبهت حالهم هذه حال اللهو واللعب، فوجب اعتبار العاقل بذلك وطلبه الحصول على تنعم دار لا ينقلب حالها، ولا يتوقع انقلابها وزوالها، { وإن الدار الآخرة لهي الحيوان } ومما يقوي هذا المأخذ قوله تعالى " يعلمون " ظاهراً من الحياة الدنيا أي لو علموا باطنها لتحققوا أنها لهو ولعب ولعرفوا أمر الآخرة " من عرف نفسه عرف ربه " ومما يشهد لكل من المقصدين ويعضد كلا الأمرين قوله سبحانه: { أولم يسيروا في الأرض } الآيات، أي لو فعلوا هذا وتأملوا لشاهدوا من تقلب أحوال الأمم وتغير الأزمنة والقرون ما بين لهم عدم إبقائها على أحد فتحققوا لهوها ولعبها وعلموا أن حالهم سيؤول إلى حال من ارتكب مرتكبهم في العناد والتكذيب وسوء البياد والهلاك - انتهى...


    ولما ابتدأ سبحانه بما أوجبه للروم من القهر بتبديلهم، معبراً عنهم بأداة التأنيث مناسبة لسفولهم، أتبعه ما صنعه معهم لتفريج المحسنين من عباده الذين ختم بهم الأمم ونسخ بملتهم الملل، وأدالهم على جميع الدول، فقال معبراً بما يقتضي الاستعلاء من ضمير الذكور العقلاء: { وهم } أي الروم، ودل على التبعيض وقرب الزمان بإثبات الجار فقال، معبراً بالجار إشارة إلى أن استعلاءهم إنما يكون في بعض زمان البعد ولا يدوم: { من بعد غلبهم } الذي تم عليهم من غلبة فارس إياهم، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول { سيغلبون* } فارساً، فأكد وعده بالسين - وهو غني عن التأكيد - جرياً على مناهيج القوم لما وقع في ذلك من إنكارهم { في بعض سنين* } وذلك من أدنى العدد لأنه في المرتبة الأولى، وهي مرتبة الآحاد، وعبر بالبضع ولم يعين إبقاء للعباد في ربقة نوع من الجهل، تعجيزاً لهم، وتحدياً لمن عاند بنفي ما أخبر به أو يعلم ما ستر منه، وتشريعاً للتعمية إذا قادت إليها مصلحة، وشرح ذلك أنه كان بين فارس والروم حروب متواصلة، وزحوف متكاثرة، في دهور متطاولة، إلى أن التقوا في السنة الثامنة من نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في زمن أبرويز بن هرمز بن أنوشروان، فظفرت فارس على الروم، أخرج سنيد بن داود في تفسيره والواحدي في أسباب النزول والترمذي في تفسير سورة الروم من جامعه وغيرهم، وقد جمعت ما ذكروه، وربما أدخلت حديث بعضهم في بعض...

    قال الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما: وكان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب - انتهى. فلقي المشركون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون وأهل فارس أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الروم، فإن قاتلتمونا لنظهرن عليكم. فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: " أما إنهم سيغلبون في بضع سنين "...

    قال الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما: فذكره أبو بكر رضي الله عنه لهم فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجل خمس سنين فلم يظهروا فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ألا جعلته إلى دون " يعني دون العشرة، فإن البضع ما بين ثلاث إلى تسع، ثم ظهرت الروم بعد ذلك، وروى الترمذي أيضاً عن نيار بن مكرم الأسلمي رضي الله تعالى عنه وقال: حديث حسن صحيح غريب، قال: لما نزلت: { الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين } وكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل الكتاب، وفي ذلك قول الله تعالى: { ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم } وكانت قريش " تحب " ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل الكتاب ولا إيمان ببعث، فلما نزلت هذه الآية خرج أبو بكر رضي الله عنه يصيح في نواحي مكة { الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين }! قال ناس من قريش لأبي بكر رضي الله عنه: فذلك بيننا وبينكم، زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارساً في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى، وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر رضي الله عنه: كم تجعل البضع من ثلاث سنين إلى تسع سنين، فسم بيننا وبينك وسطاً تنتهي إليه، فسموا بينهم ست سنين، فمضت الست سنون قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر رضي الله عنه، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر رضي الله عنه تسمية ست سنين، لأن الله تعالى قال: { في بضع سنين }. قال ابن الجوزي في زاد المسير: وقالوا: هلاّ أقررتها على ما أقرها الله، لو شاء أن يقول: ستاً، لقال. قال الترمذي في روايته: وأسلم عند ذلك ناس كثير. وروى الترمذي أيضاً والواحدي في أسباب النزول عن أبي سعيد رضي الله عنه أن ظهور الروم عليهم كان يوم بدر..

    ولما كان تغليب ملك على ملك من الأمور الهائلة، وكان الإخبار به قبل كونه أهول، ذكر علة ذلك فقال: { لله } أي وحده { الأمر } ولما أفهم السياق العناية بالروم، فكان ربما توهم أن غلب فارس لهم في تلك الواقعة وتأخير نصرهم إلى البضع ربما كان لمانع لم يقدر على إزالته، نفى ذلك بإثبات الجار المفيد لأن أمره تعالى مبتدىء من الزمن الذي كان قبل غلبهم حتى لم تغلبهم فارس إلا به، وهو مبتدىء من الزمن الذي بعده، فالتأخير به لا بغيره، لحكمة دبرها سبحانه فقال: { من قبل } أي قبل دولة أهل فارس على الروم ثم دولة الروم على فارس، لا إلى غاية تكون مبدأ لاختصاصه بالأمور فيه سبحانه غلبوهم { ومن بعد } أي بعد دولة الروم عليهم ودولتهم على الروم لا إلى غاية فيه أيضاً غلبهم الروم، فحذف المضاف إليه هو الذي أفهم أن زمن غلبة فارس لهم وما بعده من البضع مذكور دخوله في أمره مرتين.

    ولما أخبر بهذه المعجزة، تلاها بمعجزة أخرى، وهو أن أهل الإسلام لا يكون لهم ما يهمهم فيسرون بنصره فقال: { ويومئذ } أي إذ تغلب الروم على فارس { يفرح المؤمنون } أي العريقون في هذا الوصف من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم { بنصر الله } أي الذي لا رادّ لأمره، لأهل الكتاب عامة، نصرهم على المشركين في غزوة بدر وهو المقصود بالذات، ونصر الروم على فارس لتصديق موعود الله ونصر من سيصير من أهل الكتاب الخاتم من مشركي العرب على الفرس في وقعة ذي قار، فقد وقع الفرح بالنصر الذي ينبغي إضافته إلى الله تعالى وهو نصر أهل الدين الصحيح أصلاً وحالاً ومالاً، وسوق الكلام على هذا الوجه الذي يحتمل الثلاثة من بدائع الإعجاز،


    وقال الرازى:


    وجه تعلق أول هذه السورة بما قبلها يتبين منه سبب النزول، فنقول لما قال الله تعالى في السورة المتقدمة
    { وَلاَ تُجَـظ°دِلُواْ أَهْلَ ظ±لْكِتَـظ°بِ إِلاَّ بِظ±لَّتِى هِىَ أَحْسَنُ }
    [العنكبوت: 46] وكان يجادل المشركين بنسبتهم إلى عدم العقل كما في قوله:
    { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ }
    [البقرة: 171] وكان أهل الكتاب يوافقون النبـي في الإله كما قال:
    { وَإِلَـظ°هُنَا وَإِلَـظ°هُكُمْ وَاحِدٌ }
    [العنكبوت: 46] وكانوا يؤمنون بكثير مما يقوله بل كثير منهم كانوا مؤمنين به كما قال:
    { وَظ±لَّذِينَ ءاتَيْنَـظ°هُمُ ظ±لْكِتَـظ°بَ يُؤْمِنُونَ بِهِ }
    [العنكبوت: 47] أي أبغض المشركون أهل الكتاب وتركوا مراجعتهم وكانوا من قبل يراجعونهم في الأمور، فلما وقعت الكرة عليهم حين قاتلهم الفرس المجوس فرح المشركون بذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآيات لبيان أن الغلبة لا تدل على الحق، بل الله تعالى قد يريد مزيد ثواب في المحب فيبتليه ويسلط عليه الأعادي، وقد يختار تعجيل العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر قبل يوم الميعاد للمعادي

    وقال السيوطى فى تناسق الدرر

    لماختمت العنكبوت بقوله والذين جاهدوا فينا فافتتحت هذه بوعد من غلب من اهل الكتاب بالغلبة والنصر وفرح المؤمنين بذلك وان الدولة لاهل الجهاد فيهم

    النظم فى سورة الروم


    { وَعْدَ ظ±للَّهِ لاَ يُخْلِفُ ظ±للَّهُ وَعْدَهُ وَلَـظ°كِنَّ أَكْثَرَ ظ±لنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } * { يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ظ±لْحَيَاةِ ظ±لدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ظ±لآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } * { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيغ¤ أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ ظ±للَّهُ ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِظ±لْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ظ±لنَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ }

    قال البقاعى:

    ولما نزل هذا على قوم أكثرهم له منكر، أكده سبحانه بما يقوي قلوب أصفيائه بتبيين المراد، ويرد ألسنة أعدائه عن كثير من الناد، ويعرفهم أنه كما صدق في هذا الوعد لأجل تفريح أوليائه فهو يصدق في وعد الآخرة ليحكم بالعدل، ويأخذ لهم حقهم ممن عاداهم، ويفضل عليهم بعد ذلك بما يريد، فقال: { وعد الله } أي الذي له جميع صفات الكمال، وهو متعال عن كل شائبة نقص، فلذلك { لا يخلف } وأعاد ذكر الجلالة تنبيهاً على عظم الأمر فقال: { الله } أي الذي له الأمر كله. ولما كان لا يخلف شيئاً من الوعد، لا هذا الذي في أمر الروم ولا غيره، أظهر فقال: { وعده } كما يعلم ذلك أولياؤه { ولكن أكثر الناس } وهو أهل الاضطراب والنوس { لا يعلمون* } أي ليس لهم علم أصلاً، ولذلك لا نظر لهم يؤدي إلى أنه وعد وأنه لا بد من وقوع ما وعد به في الحال التي ذكرها لأنه قادر وحكيم.

    ولما كان من المشاهدة أن لهم عقولاً راجحة وأفكار صافية، وأنظار صائبة، فكانوا بصدد أن يقولوا: إن علمنا أكبر من علمكم، كان كأنه قيل بياناً لأنه يصح سلب ما ينفع من العلم بتأديته إلى السعادة الباقية، وتنبيهاً على أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا: نعم { يعلمون } ولكن { ظاهراً } أي واحداً { من } التقلب في { الحياة الدنيا } وهو ما أدتهم إليه حواسهم وتجاربهم إلى ما يكون سبباً للتمتع بزخارفها والتنعم بملاذها، قال الحسن: إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه ولا يخطىء وهو لا يحسن يصلي - انتهى. وأمثال هذا لهم كثير، وهو وإن كان عند أهل الدنيا عظيماً فهو عند الله حقير، فلذلك حقره لأنهم ما زادوا فيه على أن ساووا البهائم في إدراكها ما ينفعها فتستجلبه بضروب من الحيل، وما يضرها فتدفعه بأنواع من الخداع، وأما علم باطنها وهو أنها مجاز إلى الآخرة يتزود منها بالطاعة، فهو ممدوح منبه عليه بوصفها بما يفهم الأخرى.

    ولما ذكر حالهم في الدنيا، أتبعه ذكر اعتقادهم في الآخرة، مؤكداً إشارة إلى أن الحال يقتضي إنكار أن يغفل أحد عنها، لما لها من واضح الدلائل أقربه أن اسم ضدها يدل عليها، لأنه لا تكون إلا في مقابلة قصياً، ولا أولى إلا بالنسبة إلى أخرى، فقال: { وهم } أي هؤلاء الموصوفون خاصة { عن الآخرة } التي هي المقصود بالذات وما خلقت الدنيا إلا للتوصل بها إليها ليظهر الحكم بالقسط وجميع صفات العز والكبر والجلال والإكرام { هم غافلون* } أي في غاية الاستغراق والإضراب عنها بحيث لا يخطر في خواطرهم..

    ولما كان التقدير: أفلم يتدبروا القرآن وما كشف لهم عنه من الحكم والأمور التي وعد الله بها على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فيه أو في السنة، فكانت على حسب ما وعد، أو لم يتأملوا مصنوعات الله عموماً فتدلهم عقولهم منها على أنه لا يصلح للإلهية إلا من كان حكيماً، ولا يكون حكيماً إلا من صدق في وعده، و أنه لا تتم الحكمة إلا بإيجاد الآخرة، عطف عليه قوله منكراً عليهم موبخاً لهم: { أولم يتفكروا

    وقال ابن عاشور فى التحرير فى تفسير او لم يتفكروا

    عطف على جملة
    { وهُمْ عن الآخرةِ هم غَافِلون }
    [الروم: 7] لأنهم نفوا الحياة الآخرة فسيق إليهم هذا الدليل على أنها من مقتضى الحكمة.

    فضمير { يتفكروا } عائد إلى الغافلين عن الآخرة وفي مقدمتهم مشركو مكة. والاستفهام تعجيبي من غفلتهم وعدم تفكرهم. والتقدير: هم غافلون وعجيب عدم تفكرهم. ومناسبة هذا الانتقال أن لإحالتهم رجوع الدَّالة إلى الروم بعد انكسارهم سببين:

    أحدهما: اعتيادهم قصر أفكارهم على الجولان في المألوفات دون دائرة الممكنات، وذلك من أسباب إنكارهم البعث وهو أعظم ما أنكروه لهذا السبب.

    وثانيهما: تمردهم على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن شاهدوا معجزته فانتقل الكلام إلى نقض آرائهم في هذين السببين.

    { أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ظ±لأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ظ±لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوغ¤اْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ ظ±لأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِظ±لْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ ظ±للَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـظ°كِن كَانُوغ¤اْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }

    قال البقاعى

    ولما أقام عليهم الدليل، أتبعه التهديد والتهويل، فقال عاطفاً على " أولم يتفكروا " { أولم يسيروا }

    { ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ظ±لَّذِينَ أَسَاءُواْ ظ±لسُّوغ¤أَىظ° أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ظ±للَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ }

    قال ابن عاشور

    { ثم } للتراخي الرتبي لأن هذه العاقبة أعظم رتبة في السوء من عذاب الدنيا، فيجوز أن يكون هذا الكلام تذييلاً لحكاية ما حلّ بالأمم السالفة من قوله
    { كيف كان عاقبة الذين من قبلهم }
    [الروم: 9].

    والمعنى: ثم عاقبةُ كل من أساءوا السوأى مثلَهم، فيكون تعريضاً بالتهديد لمشركي العرب كقوله تعالى
    { دمّر الله عليهم وللكافرين أمثالها }
    [محمد: 10]، فالمراد بــــ { الذين أساءوا } كل مسيىء من جنس تلك الإساءة وهي الشرك. ويجوز أن يكون إنذاراً لمشركي العرب المتحدث عنهم من قوله
    { ولكن أكثر الناس لا يعلمون }
    [الروم: 6] فيكونوا المراد بــــ { الذين أساءوا } ، ويكون إظهاراً في مقام الإضمار على خلاف مقتضى الظاهر لقصد الإيماء بالصِلة، أي أن سبب عاقبتهم السوأى هو إساءتهم، وأصل الكلام: ثم كان عاقبتهم السوأى. وهذا إنذار بعد الموعظة ونص بعد القياس، فإن الله وعظ المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم بعواقب الأمم التي كذبت رسلها ليكونوا على حذر من مثل تلك العاقبة بحكم قياس التمثيل، ثم أعقب تلك الموعظة بالنذارة بأنهم ستكون لهم مثل تلك العاقبة، وأوقع فعل { كان } الماضي في موقع المضارع للتنبيه على تحقيق وقوعه مثل
    { أتى أمر الله }
    [النحل: 1] إتماماً للنذارة.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,708
    ٱللَّهُ يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }

    قال ابن عاشور

    استئناف ابتدائي، وهو شروع فيما أُقيمت عليه هذه السورة من بسط دلائل انفراد الله تعالى بالتصرف في الناس بإيجادهم وإعدامهم وبإمدادهم وأطوار حياتهم، لإبطال أن يكون لشركائهم شيء من التصرف في ذلك. فهي دلائل ساطعة على ثبوت الوحدانية التي عمُوا عنها.

    وإذا كان نزول أول السورة على سبب ابتهاج المشركين لتغلب الفرس على الروم فقطع الله تطاولهم على المسلمين بأن أخبر أن عاقبة النصر للروم على الفرس نصراً باقياً، وكان مثار التنازع بين المشركين والمؤمنين ميل كل فريق إلى مقاربه في الدين جُعل ذلك الحدثُ مناسبة لإفاضة الاستدلال في هذه السورة على إبطال دين الشرك.

    وقد فُصِّلت هذه الدلائل على أربعة استئنافات متماثلة الأسلوب، ابتُدىء كل واحد منها باسم الجلالة مُجْرى عليه أخبار عن حقائق لا قِبَل لهم بدحضها لأنهم لا يسعهم إلا الإقرار ببعضها أو العجز عن نقض دليلها.

    فالاستئناف الأول المبدوء بقوله { الله يبدأ الخلق ثم يعيده } ، والثاني المبدوء بقوله
    { الله الذي خلقكم ثم رزقكم }
    [الروم: 40]، والثالث المبدوء بقوله
    { الله الذي يرسل الرياح }
    [الروم: 48]، والرابع المبدوء بقوله:
    { الله الذي خلقكم من ضعف }
    [الروم: 54].

    وقال الرازى:

    لما ذكر أن عاقبتهم إلى الجحيم وكان في ذلك إشارة إلى الإعادة والحشر لم يتركه دعوى بلا بينة فقال يبدأ الخلق، يعني من خلق بالقدرة والإرادة لا يعجز عن الرجعة والإعادة فإليه ترجعون، ثم بين ما يكون وقت الرجوع إليه.

    { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ } * { وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ }

    قال ابن عاشور

    عطف على جملة
    { ثم إليه ترجعون }
    [الروم: 11] تبييناً لحال المشركين في وقت ذلك الإرجاع كأنه قيل: ثم إليه ترجعون ويومئذ يُبلس المجرمون. وله مزيد اتصال بجملة
    { ثم كان عاقبة الذين أساءوا السُّوأى }
    [الروم: 10]، وكان مقتضى الظاهر أن يقال ويومئذ يُبلس المجرمون أو يومئذ تُبلسون، أي ويوم ترجعون إليه يبلس المجرمون، فعدل عن تقدير الجملة المضاف إليها
    { يوم }
    [الروم: 11] التي يدل عليها
    { إليه ترجعون }
    [الروم: 11] بذكر جملة أخرى هي في معناها لتزيد الإرجاع بياناً أنه إرجاع الناس إليه يوم تقوم الساعة، فهو إطناب لأجل البيان وزيادة التهويل لما يقتضيه إسناد القيام إلى الساعة من المباغتة والرعب. ويدل لهذا القصد تكرير هذا الظرف في الآية بعدها بهذا الإطناب. وشاع إطلاق { الساعة } على وقت الحشر والحساب. وأصل الساعة: المقدار من الزمن، ويتعين تحديده بالإضافة أو التعريف.

    والإبلاس: سكون بحَيْرة. يقال: أبلس، إذا لم يجد مخرجاً من شدة هو فيها. وتقدم عند قوله تعالى
    { إذا هم فيه مبلسون }
    في سورة المؤمنين (77).

    { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ } * { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ } * { وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ }

    قال ابن عاشور

    أعيد { ويوم تقوم الساعة } لزيادة التهويل الذي تقدم بيانه آنفاً. وكرر { يومئذ } لتأكيد حقيقة الظرفية. ولما ذُكر إبلاس المشركين المشعر بتوقعهم السوء والعذاب أعقب بتفصيل أحوال الناس يومئذ مع بيان مغبة إبلاس الفريق الكافرين.

    والضمير في { يتفرقون } عائد إلى معلوم من المقام دل عليه ذكر المجرمين فعلم أن فريقاً آخر ضدهم لأن ذكر إبلاس المجرمين يومئذ يفهم أن غيرهم ليسوا كذلك على وجه الإجمال.

    والتفرق: انقسام الجمع وتشتت أجزاء الكل. وقد كني به هنا عن التباعد لأن التفرق يلازمه التباعد عرفاً. وقد فُصل التفرق هنا بقوله { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات } إلى آخره.

    والروضة: كل أرض ذات أشجار وماء وأزهار في البادية أو في الجنان. ومن أمثال العرب «أحسن من بيضة في روضة» يريدون بيضة النعامة. وقد جمع محاسن الروضة قول الأعشى:
    ما روضة من رياض الحَزن معشبة خضراءُ جاد عليها مُسبللٍ هَطِل
    يُضاحك الشمسَ منها كوكب شَرِق مُؤَزَّر بعميم النبت مكْتَهِلُ
    و { يحبرون }: يُسَرُّون من الحُبور، وهو السرور الشديد. يقال: حبره، إذا سره سروراً تهلل له وجهه وظهر فيه أثره...

    { فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } * { وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ } * { يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَيُحْي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ }

    قال الرازى:

    لما بين الله تعالى عظمته في الابتداء بقوله:
    { مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِٱلْحَقّ }
    [الروم: 8] وعظمته في الانتهاء، وهو حين تقوم الساعة ويفترق الناس فريقين، ويحكم على البعض بأن هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، أمر بتنزيهه عن كل سوء ويحمده على كل حال فقال: { فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ } أي سبحوا الله تسبيحاً..

    المسألة السادسة: في تعلق إخراج الحي من الميت والميت من الحي بما تقدم عليه هو أن عند الإصباح يخرج الإنسان من شبه الموت وهو النوم إلى شبه الوجود وهو اليقظة، وعند العشاء يخرج الإنسان من اليقظة إلى النوم، واختلف المفسرون في قوله: { يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } فقال أكثرهم: يخرج الدجاجة من البيضة والبيضة من الدجاجة، وكذلك الحيوان من النطفة والنطفة من الحيوان، وقال بعضهم المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، ويمكن أن يقال المراد: { يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } أي اليقظان من النائم والنائم من اليقظان، وهذا يكون قد ذكره للتمثيل أي إحياء الميت عنده وإماتة الحي كتنبيه النائم وتنويم المنتبه.

    ثم قال تعالى: { ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون } وفي هذا معنى لطيف وهو أن الإنسان بالموت تبطل حيوانيته وأما نفسه الناطقة فتفارقه وتبقى بعده كما قال تعالى:
    { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتاً }
    [آل عمران: 169] لكن الحيوان نام متحرك حساس لكن النائم لا يتحرك ولا يحس والأرض الميتة لا يكون فيها نماء، ثم إن النائم بالانتباه يتحرك ويحس والأرض الميتة بعد موتها تنمو بنباتها فكما أن تحريك ذلك الساكن وإنماء هذا الواقف سهل على الله تعالى كذلك إحياء الميت سهل عليه وإلى هذا أشار بقوله: { وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ }.

    وقال ابن عاشور فى تفسير ويخرج الحى:

    هذه الجملة بدل من جملة
    { الله يبدأ الخلق ثم يعيده }
    [الروم: 11]. ويجوز أيضاً أن تكون موقع العلة لجملة
    { فسبحان الله حين تمسون }
    [الروم: 17] وما عطف عليها، أي هو مستحق للتسبيح والحمد لتصرفه في المخلوقات بالإيجاد العجيب وبالإحياء بعد الموت. واختير من تصرفاته العظيمة تصرف الإحياء والإماتة في الحيوان والنبات لأنه تخلص للغرض المقصود من إثبات البعث رداً للكلام على ما تقدم من قوله
    { الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون }
    [الروم: 11].

    فتحصل من ذلك أن الأمر بتسبيحه وحمده معلول بأمرين: إيفاء حق شكره المفاد بفاء التفريع في قوله
    { فسبحان الله }
    [الروم: 17]، وإيفاء حق التعظيم والإجلال، والمقصود هو إخراج الحي من الميت. وأما عطف { ويخرج الميت من الحي } فللاحتراس من اقتصار قدرته على بعض التصرفات ولإظهار عجيب قدرته أنها تفعل الضدين. وفي الآية الطباق. وهذا الخطاب للمؤمنين تعريض بالرد على المشركين.

    وقال البقاعى

    ولما ذكر دلالة على البعث المستلزم للوحدانية مطلق التحويل الذي هو إحياء في المعنى بعد إماتة، أتبعه الإحياء والإماتة حقيقة، صاعداً من ذكر البعث تصريحاً بما كان ألقاه تلويحاً فقال: { يخرج الحي } كالإنسان والطائر { من الميت } كالنطفة والبيضة { ويخرج الميت } كالبيضة والنطفة { من الحي } عكس ذلك { ويحيي الأرض } باخضرار النبات..

    ولما كان من الأراضي ما لا ينبت إلا بعد مدة إنزال المطر، ومنها ما ينبت من حين إنزال المطر عقب تحطم ما كان بها من النبات سواء، أسقط الجار هنا تنبيهاً على الأمر الثاني لأنه أدل على القدرة، فهو أنسب لهذا السياق ولمقصود السورة، ولأنه جعل فيه قوة إحيائها على الدوام فقال: { بعد موتها } بيبسه وتهشمه. ولما كان التقدير: كذلك يفعل على سبيل التكرر وأنتم تنظرون، عطف عليه قوله: { وكذلك } أي ومثل فعله هذا الفعل البديع من إخراجه لهذا الحي حساً ومعنى من الميت { تخرجون } بأيسر أمر من الأرض بعد تفرق أجسامكم فيها من التراب الذي كان حياً بحياتكم - هذا على قراءة الجماعة البناء للمفعول. وبناه حمزة والكسائي وابن ذكوان بخلاف عنه للفاعل إشارة إلى أنهم لقوة تهيئهم لقبول البعث صاروا كأنهم يخرجون بأنفسهم - روى عبد الله ابن الإمام أحمد في زيادات المسند عن لقيط بن عامر رضي الله عنه أنه خرج وافداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه صاحب له يقال له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق رضي الله عنه، قال: فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لانسلاخ رجب، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من صلاة الغداة فقام في الغداة خطيباً إلى أن قال: " ألا اسمعوا تعيشوا ألا اجلسوا ألا اجلسوا، قال: فجلس الناس فقمت أنا وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلت: يا رسول الله! ما عندك من علم الغيب، فضحك لعمر الله وهز رأسه فقال: ضن ربك بمفاتيح الخمس من الغيب فذكره حتى ذكر البعث قال: فقلت: يا رسول الله، كيف يجمعنا بعد ما تفرقنا الرياح والبلى والسباع؟ قال: أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، الأرض أشرفت عليها وهي مدرة بالية فقلت: لا تحيا أبداً، ثم أرسل ربك عز وجل عليها السماء فلم تلبث عليك إلا أياماً حتى أشرقت عليها وهي شرفة واحدة، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء كما أنه يجمع نبات الأرض فتخرجون ". ولما كان التقدير: هذا من آيات الله التي تشاهدونها كل حين دلالة على بعثكم، عطف عليه التذكير بما هو أصعب منه في مجاري العادات فقال: { ومن آياته } أي على قدرته على بعثكم. ولما كان المراد إثبات قدرته سبحانه على بعثهم بعد أن صاروا تراباً بإيجاده لأصلهم من تراب يزيد على البعث في الإعجاب بأنه لم يكن له أصل في الحياة، وكان فعله لذلك إنما مكان مرة واحدة، قال معبراً بالماضي: { أن خلقكم } بخلق أبيكم آدم { من تراب } لم يكن له أصل اتصاف ما بحياة.


    { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ }

    قال الرازى:

    لما أمر الله تعالى بالتسبيح عن الأسواء وذكر أن الحمد له على خلق جميع الأشياء وبين قدرته على الإماتة والإحياء بقوله:
    { فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ }
    إلى قوله:
    { وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ }
    [الروم: 16 ـ 20] ذكر ما هو حجة ظاهرة وآية باهرة على ذلك ومن جملتها خلق الإنسان من تراب ...


    { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }

    قال البقاعى

    ولما كان أعجب من ذلك أن هذا الذي خلقه التراب ذكراً خلق منه أنثى، وجعلهما شبهي السماء والأرض ماء ونبتاً وطهارة وفضلاً، قال: { ومن آياته } أي على ذلك؛

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,708
    { وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضِ وَظ±خْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذظ°لِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ }

    قال الرازى

    لما بين دلائل الأنفس ذكر دلائل الآفاق وأظهرها خلق السموات والأرض،

    { وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِظ±لَّيلِ وَظ±لنَّهَارِ وَظ±بْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ }

    قال البقاعى

    ولما ذكر المقلة والمظلة ومن فيهما، وبعض صفاتهم اللازمة، ذكر ما ينشأ عن كل من ذلك من الصفات المفارقة فقال: { ومن آياته } أي على ذلك وغيره من أنواع القدرة والعلم { منامكم } أي نومكم ومكانه وزمانه الذي يغلبكم بحيث لا تستطيعون له دفعاً.

    ولما كان الليل محل السكن والراحة والنوم، ذكر ما جعل من نوم النهار أيضاً لأن ذلك أدل على الفعل بالاختبار فقال: { بالّيل والنهار } أي الناشئين عن السماوات والأرض باختلاف الحركات التي تنشأ إلا عن فاعل مختار وانقطاعكم بالنوم عن معاشكم وكل ما يهمكم وقيامكم بعد منامكم أمراً قهرياً لا تقدرون على الانفكاك عن واحد منهما أصلاً { وابتغاؤكم } أي طلبكم بالجد والاجتهاد { من فضله } بالمعاش فيهما، فالآية من الاحتباك: دل ذكر النوم على القيام منه، ودل الابتغاء على الانقطاع عنه، حذف نهاية الأول وبداية الثاني { إن في ذلك } أي الأمر العظيم العالي الرتبة من إيجاد النوم بعد النشاط، والنشاط بعد النوم الذي هو الموت الأصغر، وإيجاد كل من الملوين بعد إعدامهما، والجد في الابتغاء مع المفاوتة في التحصيل { لآيات } أي عديدة على القدرة والحكمة لا سيما البعث.


    { وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ظ±لْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ ظ±لسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْيِي بِهِ ظ±لأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }

    قال الرازى

    لما ذكر العرضيات التي للأنفس اللازمة والمفارقة ذكر العرضيات التي للآفاق، وقال: { يُرِيكُمُ ظ±لْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزّلُ مِنَ ظ±لسَّمَاء } وفي الآية مسائل:

    المسألة الأولى: لما قدم دلائل الأنفس ههنا قدم العرضيات التي للأنفس وأخر العرضيات التي للآفاق كما أخر دلائل الآفاق، بقوله:
    { وَمِنْ ءايَـظ°تِهِ خَلْقُ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ }
    [الروم: 22].

    وقال ابن كثير

    يقول تعالى: { وَمِنْ ءَايَـظ°تِهِ } الدالة على عظمته: أنه { يُرِيكُمُ ظ±لْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا } أي: تارة تخافون مما يحدث بعده من أمطار مزعجة وصواعق متلفة، وتارة ترجون وميضه وما يأتي بعده من المطر المحتاج إليه، ولهذا قال تعالى: { وَيُنَزِّلُ مِنَ ظ±لسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْىِ بِهِ ظ±لأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ } أي: بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء، فلما جاءها الماء،
    { ظ±هْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ }
    [الحج: 5] وفي ذلك عبرة ودلالة واضحة على المعاد وقيام الساعة، ولهذا قال: { إِنَّ فِى ذظ°لِكَ لآيَـظ°تٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }

    { وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ظ±لسَّمَآءُ وَظ±لأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ظ±لأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ }

    قال ابو حيان فى بحره

    وبدأ أولاً من الآيات بالنشأة الأولى، وهي خلق الإنسان من التراب، ثم كونه بشراً منتشراً، وهو خلق حي من جماد، ثم أتبعه بأن خلق له من نفسه زوجاً، وجعل بينهما تواد، وذلك خلق حي من عضو حي. وقال: { لقوم يتفكرون } ، لأن ذلك لا يدرك إلا بالفكر في تأليف بين شيئين لم يكن بينهما تعارف، ثم أتبعه بما هو مشاهد للعالم كلهم، وهو خلق السماوات والأرض، واختلاف اللغات والألوان، والاختلاف من لوازم الإنسان لا يفارقه. وقال: { للعالمين } ، لأنها آية مكشوفة للعالم، ثم أتبعه بالمنام والابتغاء، وهما من الأمور المفارقة في بعض الأوقات، بخلاف اختلاف الألسنة والألوان. وقال: { لقوم يسمعون } ، لأنه لما كان من أفعال العبادة قد يتوهم أنه لا يحتاج إلى مرشد، فنبه على السماع، وجعل البال من كلام المرشد. ولما ذكر عرضيات الأنفس اللازمة والمفارقة، ذكر عرضيات الآفاق المفارقة من إراءة البرق وإنزال المطر، وقدمها على ما هو من الأرض، وهو الإتيان والإحياء، كما قدم السماوات على الأرض، وقدم البرق على الإنزال، لأنه كالمبشر يجيء بين يدي القادم. والأعراب لا يعلمون البلاد المعشبة، إن لم يكونوا قد رأوا البروق اللائحة من جانب إلى جانب. وقال: { لقوم يعقلون } ، لأن البرق والإنزال ليس أمراً عادياً فيتوهم أنه طبيعة، إذ يقع ذلك ببلدة دون أخرى، ووقتاً دون وقت، وقوياً وضعيفاً، فهو أظهر في العقل دلالة على الفاعل المختار، فقال: هو آية لمن عقل بأن لم يتفكر تفكراً تاماً.

    ثم ختم هذه الآيات بقيام السماوات الأرض، وذلك من العوارض اللازمة، فإن كلاًّ من السماء والأرض لا يخرج عن مكانه، فيتعجب من وقوف الأرض وعدم نزولها، ومن علو السماء وثباتها من غير عمد. ثم أتبع ذلك بالنشأة الأخرى، وهي الخروج من الأرض، وذكر تعالى من كل باب أمرين: من الأنفس خلقكم وخلق لكم، ومن الآفاق السماء والأرض، ومن لوازم الإنسان اختلاف الألسنة واختلاف الألوان، ومن خواصه المنام والابتغاء، ومن عوارض الآفاق البرق والمطر، ومن لوازمه قيام السماء وقيام الأرض.

    { وَلَهُ مَن فِي ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ } * { وَهُوَ ظ±لَّذِي يَبْدَؤُاْ ظ±لْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ ظ±لْمَثَلُ ظ±لأَعْلَىظ° فِي ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضِ وَهُوَ ظ±لْعَزِيزُ ظ±لْحَكِيمُ }

    قال الرازى:

    لما ذكر الآيات وكان مدلولها القدرة على الحشر التي هي الأصل الآخر، والوحدانية التي هي الأصل الأول، أشار إليها بقوله: { وَلَهُ مَن فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ } يعني لا شريك له أصلاً لأن كل من في السموات وكل من في الأرض، ونفس السموات والأرض له وملكه، فكل له منقادون قانتون، والشريك يكون منازعاً مماثلاً، فلا شريك له أصلاً ثم ذكر المدلول الآخر، فقال تعالى: { وَهُوَ ظ±لَّذِى يَبْدَأُ ظ±لْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } أي في نظركم الإعادة أهون من الإبداء لأن من يفعل فعلاً أولاً يصعب عليه، ثم إذا فعل بعد ذلك مثله يكون أهون، وقيل المراد هو هين عليه كما قيل في قول القائل الله أكبر أي كبير، وقيل المراد هو أهون عليه أي الإعادة أهون على الخالق من الإبداء لأن في البدء يكون علقة ثم مضغة ثم لحماً ثم عظماً ثم يخلق بشراً ثم يخرج طفلاً يترعرع إلى غير ذلك فيصعب عليه ذلك كله، وأما في الإعادة فيخرج بشراً سوياً بكن فيكون أهون عليه، والوجه الأول أصح وعليه نتكلم فنقول هو أهون يحتمل أن يكون ذلك لأن في البدء خلق الأجزاء وتأليفها والإعادة تأليف ولا شك أن الأمر الواحد أهون من أمرين ولا يلزم من هذا أن يكون غيره فيه صعوبة، ولنبين هذا فنقول الهين هو ما لا يتعب فيه الفاعل، والأهون ما لا يتعب فيه الفاعل بالطريق الأولى، فإذا قال قائل إن الرجل القوي لا يتعب من نقل شعيرة من موضع إلى موضع وسلم السامع له ذلك، فإذا قال فكونه لا يتعب من نقل خردلة يكون ذلك كلاماً معقولاً مبقي على حقيقته.

    ثم قال تعالى: { وَلَهُ ظ±لْمَثَلُ ظ±لأَعْلَىظ° فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ وَهُوَ ظ±لْعَزِيزُ ظ±لْحَكِيمُ } أي قولنا هو أهون عليه يفهم منه أمران أحدهما: هو ما يكون في الآخر تعب كما يقال إن نقل الخفيف أهون من نقل الثقيل والآخر: هو ما ذكرنا من الأولوية من غير لزوم تعب في الآخر فقوله: { وَلَهُ ظ±لْمَثَلُ ظ±لأَعْلَىظ° } إشارة إلى أن كونه أهون بالمعنى الثاني لا يفهم منه الأول وههنا فائدة ذكرها صاحب «الكشاف» وهي أن الله تعالى قال في موضع آخر:
    { هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ }
    [مريم: 21] وقال ههنا: { وهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } فقدم هناك كلمة على وأخرها هنا، وذلك لأن المعنى الذي قال هناك إنه هين هو خلق الولد من العجوز وأنه صعب على غيره وليس بهين إلا عليه فقال: { هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } يعني لا على غيري، وأما ههنا المعنى الذي ذكر أنه أهون هو الإعادة والإعادة على كل مبدىء أهون فقال: وهو أهون عليه لا على سبيل الحصر، فالتقديم هناك كان للحصر، وقوله تعالى: { وَلَهُ ظ±لْمَثَلُ ظ±لأَعْلَىظ° فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ } على الوجه الأول وهو قولنا أهون عليه بالنسبة إليكم له معنى وعلى الوجه الذي ذكرناه له معنى أما على الوجه الأول فلما قال: { وَلَهُ ظ±لْمَثَلُ ظ±لأَعْلَىظ° } وكان ذلك مثلاً مضروباً لمن في الأرض من الناس فيفيد ذلك أن له المثل الأعلى من أمثلة الناس وهم أهل الأرض ولا يفيد أن له المثل الأعلى من أمثلة الملائكة فقال: { وَلَهُ ظ±لْمَثَلُ ظ±لأَعْلَىظ° فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لأَرْضَ } يعني هذا مثل مضروب لكم { وَلَهُ ظ±لْمَثَلُ ظ±لأَعْلَىظ° } من هذا المثل ومن كل مثل يضرب في السموات، وأما على الوجه الثاني فمعناه أن له المثل الأعلى أي فعله وإن شبهه بفعلكم ومثله به، لكن ذاته ليس كمثله شيء فله المثل الأعلى وهو منقول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

    وقال السمين فى دره

    قوله: { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ }: في " أَهْوَن " قولان،

    أحدهما: أنها للتفضيل على بابِها. وعلى هذا يُقال: كيف يُتَصَوَّرُ التفضيلُ، والإِعادةُ والبُداءة بالنسبةِ إلى اللَّهِ تعالى على حدٍّ سواء؟ في ذلك أجوبة، أحدها: أنَّ ذلك بالنسبةِ إلى اعتقاد البشرِ باعتبارِ المشاهَدَة: مِنْ أنَّ إعادَة الشيءِ أهونُ من اختراعِه لاحتياجِ الابتداءِ إلى إعمالِ فكر غالباً، وإن كان هذا منتفياً عن الباري سبحانَه وتعالى فخوطبوا بحسَبِ ما أَلِفوه.

    الثاني: أنَّ الضميرَ في " عليه " ليس عائداً على الله تعالى، إنما يعودُ على الخَلْقِ أي: والعَوْدُ أهونُ على الخَلْقِ أي أسرعُ؛ لأن البُداءةَ فيها تدريجٌ مِنْ طَوْرٍ إلى طَوْر، إلى أنْ صار إنساناً، وَالإِعادةُ لا تحتاجُ إلى هذه التدريجاتِ فكأنه قيل: وهو أقصرُ عليه وأَيْسَرُ وأقلُّ انتقالاً.

    الثالث: أنَّ الضميرَ في " عليه " يعودُ على المخلوق، بمعنى: والإِعادةُ أهونُ على المخلوقِ أي إعادتُه شيئاً بعدما أَنْشأه، هذا في عُرْفِ المخلوقين، فكيف يُنْكِرون ذلك في جانب اللَّهِ تعالى؟

    والثاني: أنَّ " أهونُ " ليسَتْ للتفضيل، بل هي صفةٌ بمعنى هَيِّن، كقولهم: اللَّهُ أكبرُ [أي]: الكبير. والظاهرُ عَوْدُ الضمير في " عليه " على الباري تعالى ليُوافِقَ الضميرَ في قوله: { وَلَهُ ظ±لْمَثَلُ ظ±لأَعْلَىظ° }. قال الزمخشري: " فإن قلتَ: لِمَ أُخِّرَتِ الصلةُ في قوله { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } وقُدِّمَتْ في قولِه
    { هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ }
    ؟ قلت: هنالك قُصِدَ الاختصاصُ، وهو مَحَزُّه فقيلِ: هو عليَّ هيِّنٌ وإن كان مُسْتَصعباً عندك أن يُوْلَدَ بين هِمٍّ وعاقِر، وأمَّا هنا فلا معنى للاختصاص. كيف والأمرُ مبنيٌّ على ما يعقلون من أنَّ الإِعادةَ أسهلُ من الابتداء؟ فلو قُدِّمَت الصلة لَتَغيَّر المعنى ". قال الشيخ: " ومبنى كلامِه على أنَّ التقديمَ يُفيد الاختصاصَ وقد تكلَّمْنا معه ولم نُسَلِّمه ". قلت: الصحيحُ أنه يُفيده، وقد تقدَّم جميعُ ذلك.

    قوله: { وَلَهُ ظ±لْمَثَلُ ظ±لأَعْلَىظ° } يجوز أَنْ يكونَ مرتبطاً بما قبلَه، وهو قولُه: { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } أي: قد ضَرَبه لكم مَثَلاً فيما يَسْهُل وفيما يَصْعُبُ. وإليه نحا الزجَّاج أو بما بعدَه مِنْ قولِه:
    { ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ }
    [الروم: 28] وقيل: المَثَلُ: الوصفُ. " وفي السماوات " يجوز أَنْ يتعلَّق بالأَعْلى أي: إنه علا في هاتين الجهتين، ويجوز أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ مِن الأعلى، أو مِن المَثَل، أو مِن الضمير في " الأَعْلى " فإنه يعودُ على المَثَل.

    وقال الالوسي

    ولما أخبر سبحانه بأن الإعادة أهون عليه على طريق التمثيل عقب ذلك بقوله تعالى: { وَلَهُ } تعالى شأنه خاصة { ظ±لْمَثَلُ } أي الوصف العجيب الشأن كالقدرة العامة والحكمة التامة وسائر صفات الكمال { ظ±لأَعْلَىظ° } الذي ليس لغيره ما يدانيه فضلاً عما يساويه فكأنه قيل هذا لتفهيم العقول القاصرة إذ صفاته تعالى عجيبة وقدرته جل شأنه عامة وحكمته سبحانه تامة فكل شيء بدأ وإعادة وإيجاداً وإعداماً على حد سواء ولا مثل له تعالى ولا ند. وعن قتادة ومجاهد أن { ظ±لْمَثَلُ ظ±لأَعْلَىظ° } لا إله إلا الله،

    { ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ظ±لآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }

    قال ابن عاشور

    أُتبع ضرب المثل لإمكان إعادة الخلق عَقِبَ دليل بدئه بضربِ مثل لإبطال الشرك عقب دليليه المتقدمين في قوله تعالى
    { يُخرج الحي من الميت }
    [الروم: 19] وقوله
    { ويحيي الأرض بعد موتها }
    [الروم: 19] لينتظم الدليل على هذين الأصلين المهمين: أصل الوحدانية، وأصل البعث، وينكشف بالتمثيل والتقريب بعد نهوضه بدليل العقل. والخطاب للمشركين.

    وقال القرطبي

    قال بعض العلماء: هذه الآية أصل في الشركة بين المخلوقين لافتقار بعضهم إلى بعض ونفيها عن الله سبحانه، وذلك أنه لما قال جل وعز: { ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } الآية، فيجب أن يقولوا: ليس عبيدنا شركاءنا فيما رزقتنا! فيقال لهم: فكيف يتصوّر أن تنزهوا نفوسكم عن مشاركة عبيدكم وتجعلوا عبيدي شركائي في خلقي؛ فهذا حكم فاسد وقلة نظر وعَمَى قلب! فإذا بطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة والخلق كلهم عبيد لله تعالى فيبطل أن يكون شيء من العالَم شريكاً لله تعالى في شيء من أفعاله؛ فلم يبق إلا أنه واحد يستحيل أن يكون له شريك، إذ الشركة تقتضي المعاونة، ونحن مفتقرون إلى معاونة بعضنا بعضاً بالمال والعمل؛ والقديمُ الأزلِيّ منزّه عن ذلك جلّ وعز.

    وقال ابن الجوزى فى زاده

    قوله تعالى: { ضَرَبَ لكم مَثَلاً } سبب نزولها أن أهل الجاهلية كانوا يلبُّون فيقولون: لبيك لا شريك لك إِلا شريكاً هو لك تملكُه وما ملك، فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير، ومقاتل. ومعنى الآية: بيَّن لكم أيها المشركون شَبَهاً، وذلك الشَّبه { من أنفُسكم } ، ثم بيَّنه فقال: { هل لكم ممَّا ملكت أيمانُكم } أي: من عبيدكم { من شركاءَ فيما رزقناكم } من المال والأهل والعبيد، أي: هل يشارككم عبيدكم في أموالكم { فأنتم فيه سواءٌ } أي: أنتم وشركاؤكم من عبيدكم سواءٌ { تخافونهم كخِيفتكم أنفُسكم } أي: كما تخافون أمثالكم من الأحرار، وأقرباءكم كالآباء والأبناء؟ قال ابن عباس: تخافونهم أن يَرِثوكم كما يَرِث بعضكم بعضاً؟ وقال غيره: تخافونهم أن يقاسموكم أموالكم كما يفعل الشركاء؟ والمعنى: هل يرضى أحدكم أن يكون عبده شريكه في ماله وأهله حتى يساويَه في التصرُّف في ذلك، فهو يخاف أن ينفرد في ماله بأمر يتصرف فيه كما يخاف غيرَه من الشركاء الأحرار؟! فاذا لم ترضَواْ ذلك لأنفسكم، فلم عَدَلتم بي من خَلْقي مَنْ هو مملوك لي؟! { كذلك } أي: كما بيَّنَّا هذا المَثَل { نفصِّل الآيات لقوم يَعْقِلون } عن الله. ثم بيَّن أنَّهم إِنَّما اتَّبعوا الهوى في إِشراكهم، فقال: { بل اتَّبع الذين ظلموا } أي: أشركوا بالله { أهواءهم بغير عِلْم فمن يَهدي مَن أضلَّ اللّهُ } وهذا يدل على أنهم إِنما أشركوا باضلال الله إِيَّاهم { وما لهم من ناصرين } أي: مانعين من عذاب الله.

    { بَلِ ظ±تَّبَعَ ظ±لَّذِينَ ظَلَمُوغ¤اْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ظ±للَّهُ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ }

    قال الرازى

    أي لا يجوز أن يشرك بالمالك مملوكه ولكن الذين أشركوا اتبعوا أهواءهم من غير علم وأثبتوا شركاء من غير دليل، ثم بين أن ذلك بإرادة الله بقوله: { فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ ظ±للَّهُ } أي هؤلاء أضلهم الله فلا هادي لهم، فينبغي أن لا يحزنك قولهم، وههنا لطيفة وهي أن قوله: { فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ ظ±للَّهُ } مقو لما تقدم وذلك لأنه لما قال لأن الله لا شريك له بوجه ما ثم قال تعالى بل المشركون يشركون من غير علم، يقال فيه أنت أثبت لهم تصرفاً على خلاف رضاه والسيد العزيز هو الذي لا يقدر عبده على تصرف يخالف رضاه، فقال: إن ذلك ليس باستقلاله بل بإرادة الله وما لهم من ناصرين، لما تركوا الله تركهم الله ومن أخذوه لا يغني عنهم شيئاً فلا ناصر لهم.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,708
    { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }

    قال الالوسي

    والكلام مسوق لتسلية رسوله صلى الله عليه وسلم وتوطئة لأمره عليه الصلاة والسلام بقوله سبحانه: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً } قال العلامة الطيبـي: إنه تعالى عقيب ما عدد الآيات البينات والشواهد الدالة على الوحدانية ونفي الشرك وإثبات القول بالمعاد وضرب سبحانه المثل وقال سبحانه:
    { كَذَلِكَ نُفَصّلُ ٱلأَيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }
    [الروم: 28] أراد جل شأنه أن يسلي حبيبه صلوات الله تعالى وسلامه عليه ويوطنه على اليأس من إيمانهم فأضرب تعالى عن ذلك وقال سبحانه: { بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَاءهُمْ } وجعل السبب في ذلك أنه عز وجل ما أراد هدايتهم وأنه مختوم على قلوبهم ولذلك رتب عليه قوله تعالى: { فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ } على التقريع والإنكار ثم ذيل سبحانه الكل بقوله تعالى:
    { وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ }
    [الروم: 29] يعني إذا أراد الله تعالى منهم ذلك فلا مخلص لهم منه ولا أحد ينقذهم لا أنت ولا غيرك فلا تذهب نفسك عليهم حسرات فاهتم بخاصة نفسك ومن تبعك وأقم وجهك الخ اهـ، ومنه يعلم حال الفاء في قوله تعالى: { فَمَنْ } وكذا في قوله سبحانه: { فَأَقِمْ } وقدر النيسابوري للثانية إذا تبين الحق وظهرت الوحدانية فأقم الخ، ولعل ما أشار إليه الطيبـي أولى، ثم إنه يلوح من كلامه احتمال أن يكون الموصول قائماً مقام ضمير { ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } فتدبر.

    { وَأَقِمِ } من أقام العدو ويقال قوم العود أيضاً إذا عدله، والمراد الأمر بالإقبال على دين الإسلام والاستقامة والثبات عليه والاهتمام بترتيب أسبابه على أن الكلام تمثيل لذلك فإن من اهتم بشيء محسوس بالبصر عقد إليه طرفه وسدد إليه نظره وأقبل عليه بوجه غير ملتفت عنه فكأنه قيل: فعدل وجهك للدين وأقبل عليه إقبالاً كاملاً غير ملتفت يميناً وشمالاً، وقال بعض الأجلة: إن إقامة الوجه للشيء كناية عن كمال الاهتمام به ولعله أراد بالكناية المجاز المتفرع على الكناية فإنه لا يشترط فيه إمكان إرادة المعنى الحقيقي، ونصب { حَنِيفاً } على الحال من الضمير في { أَقِمِ } أو من الدين، وجوز أبو حيان كونه حالاً من الوجه، وأصل الحنف الميل من الضلال إلى الاستقامة وضده الجنف بالجيم.

    { فِطْرَتَ ٱللَّهِ } نصب على الإغراء أي الزموا فطرة الله تعالى، ومن أجاز إضمار أسماء الأفعال جوز أن يقدر هنا عليكم اسم فعل، وقال مكي: هو نصب باضمار فعل أي اتبع فطرة الله ودل عليه قوله تعالى: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ } لأن معناه اتبع الدين، واختاره الطيبـي وقال: إنه أقرب في تأليف النظم لأنه موافق لقوله تعالى: { بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَاءهُمْ } ولترتب قوله تعالى: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ } عليه بالفاء..

    وقال ابن كثير

    وقوله تعالى: { لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ } قال بعضهم: معناه: لا تبدلوا خلق الله، فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فيكون خبراً بمعنى الطلب؛ كقوله تعالى:
    { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً }
    [آل عمران: 97] وهو معنى حسن صحيح، وقال آخرون: هو خبر على بابه، ومعناه: أنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة، لا يولد أحد إلا على ذلك، ولا تفاوت بين الناس في ذلك. ولهذا قال ابن عباس وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك وابن زيد في قوله: { لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ } أي: لدين الله، وقال البخاري: قوله: { لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ } لدين الله، خلق الأولين: دين الأولين، الدين والفطرة: الإسلام.

    حدثنا عبدان: أخبرنا عبد الله، أخبرنا يونس عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ " ثم يقول: " فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم " ورواه مسلم من حديث عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري به، وأخرجاه أيضاً من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي معنى هذا الحديث قد وردت أحاديث عن جماعة من الصحابة، فمنهم الأسود بن سريع التميمي.

    { مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }

    قال الالوسي

    { مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ } أي راجعين إليه تعالى بالتوبة وإخلاص العمل من ناب نوبة ونوباً إذا رجع مرة بعد أخرى، ومنه النوب أي النحل سميت بذلك لرجوعها إلى مقرها، وقيل: أي منقطعين إليه تعالى من الناب السن خلف الرباعية لما يكون بها من الانقطاع ما لا يكون بغيرها. وتعقب بأنه بعيد لأن الناب يائي وهذا واوي، وقد تقدم غير بعيد عدة أقوال في وجه نصبه، وزاد عليها في «البحر» القول بكونه نصباً على الحال من { ٱلنَّاسِ } في قوله تعالى:
    { فَطَرَ ٱلنَّاسَ }
    [الروم:30]

    { مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ }

    قال الالوسي

    وقوله تعالى: { مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } بدل من
    { ٱلْمُشْرِكِينَ }
    [الروم:31] بإعادة الجار، وتفريقهم لدينهم اختلافهم فيما يعبدونه على اختلاف أهوائهم، وقيل: اختلافهم في اعتقاداتهم مع اتحاد معبودهم، وفائدة الإبدال التحذير عن الانتماء إلى حزب من أحزاب المشركين ببيان أن الكل على الضلال المبين. وقرأ حمزة. والكسائي { فارقوا } أي تركوا دينهم الذي أمروا به أو الذي اقتضته فطرتهم { وَكَانُواْ شِيَعاً } أي فرقا تشايع كل فرقة أمامها الذي مهد لها دينها وقرره ووضع أصوله { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ } من الدين المعوج المؤسس على الرأس الزائغ والزعم الباطل { فَرِحُونَ } مسرورون ظناً منهم أنه حق،

    { وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ }

    قال الرازى

    لما بين التوحيد بالدليل وبالمثل، بين أن لهم حالة يعرفون بها، وإن كانوا ينكرونها في وقت وهي حالة الشدة، فإن عند انقطاع رجائه عن الكل يرجع إلى الله، ويجد نفسه محتاجة إلى شيء ليس كهذه الأشياء طالبة به النجاة { ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ } يعني إذا خلصناه يشرك بربه ويقول تخلصت بسبب اتصال الكوكب الفلاني بفلان، وبسبب الصنم الفلاني، لا، بل ينبغي أن لا يعتقد أنه تخلص بسبب فلان إذا كان ظاهراً فإنه شرك خفي، مثاله رجل في بحر أدركه الغرق فيهيىء له لوحاً يسوقه إليه ريح فيتعلق به وينجو، فيقول تخلصت بلوح، أو رجل أقبل عليه سبع فيرسل الله إليه رجلاً فيعينه فيقول خلصني زيد، فهذا إذا كان عن اعتقاد فهو شرك خفي، وإن كان بمعنى أن الله خلصني على يد زيد فهو أخفى،

    { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ }

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ } قيل: هي لام كي. وقيل: هي لام أمر فيه معنى التهديد؛ كما قال جل وعز:
    { فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ }
    [الكهف: 29]. { فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } تهديد ووعيد. وفي مصحف عبد الله «وَليتَمَتّعوا»؛ أي مكَّناهم من ذلك لكي يتمتعوا، فهو إخبار عن غائب؛ مثل: «لِيَكْفُرُوا». وهو على خط المصحف خطاب بعد الإخبار عن غائب؛ أي تمتعوا أيها الفاعلون لهذا.


    { أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ }

    قال ابن عاشور

    { أمْ } منقطعة، فهي مثل (بَل) للإضراب هو إضراب انتقالي. وإذ كان حرف { أم } حرفَ عطف فيجوز أن يكون ما بعدها إضراباً عن الكلام السابق فهو عطف قصة على قصة بمنزلة ابتداءٍ، والكلام توبيخ ولوم متصل بالتوبيخ الذي أفاده قوله
    { فتمتعوا فسوف تعلمون }
    [الروم: 34]. وفيه التفات من الخطاب إلى الغيبة إعراضاً عن مخاطبتكم إلى مخاطبة المسلمين تعجيباً من حال أهل الشرك. ويجوز أن يكون ما بعدها متصلاً بقوله
    { بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم }
    [الروم: 29] فهو عطف ذَم على ذم وما بينهما اعتراض.

    وحيثما وقعت { أمْ } فالاستفهام مقدَّر بعدها لأنها ملازمة لمعنى الاستفهام. فالتقدير: بل أأنزلنا عليهم سلطاناً وهو استفهام إنكاري، أي ما أنزلنا عليهم سلطاناً، ومعنى الاستفهام الإنكاري أنه تقرير على الإنكار كأن السائل يسأل المسؤول ليقر بنفي المسؤول عنه.

    والسلطان: الحجة. ولما جعل السلطان مفعولاً للإنزال من عند الله تعين أن المراد به كتاب كما قالوا
    { حتى تنزل علينا كتاباً نَقرؤه }
    [الإسراء: 93]. ويتعين أن المراد بالتكلم الدلالة بالكتابة كقوله تعالى
    { هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق }
    [الجاثية: 29]، أي تدل كتابته، أي كتب فيه بقلم القدرة أن الشرك حق كقوله تعالى
    { أم ءاتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون }
    [الزخرف: 21]. وقدم { به } على { يشركون } للاهتمام بالتنبيه على سبب إشراكهم الداخل في حيز الإنكار للرعاية على الفاصلة.

    وقال الالوسي


    وضمير { بِهِ } له تعالى أو بالأمر الذي يشركون بسببه وألوهيته على أن «ما» موصولة وضمير «به» لها والباء سببية، والمراد نفي أن يكون لهم مستمسك يعول عليه في شركهم.


    { وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } * { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }

    قال الرازى

    قوله تعالى: { وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا } لما بين حال المشرك الطاهر شركه بين حال المشرك الذي دونه وهو من تكون عبادته الله للدنيا، فإذا آتاه رضي وإذا منعه سخط وقنط ولا ينبغي أن يكون العبد كذلك، بل ينبغي أن يعبد الله في الشدة والرخاء، فمن الناس من يعبد الله في الشدة كما قال تعالى:
    { وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ }
    [الروم: 33] ومن الناس من يعبده إذا آتاه نعمة كما قال تعالى: { وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا } والأول كالذي يخدم مكرها مخافة العذاب والثاني كالذي يخدم أجيراً لتوقع الأجر وكلاهما لا يكون من الثبتين في ديوان المرتبين في الجرائد الذين يأخذون رزقهم سواء كان هناك شغل أو لم يكن، فكذلك القسمان لا يكونان من المؤمنين الذين لهم رزق عند ربهم، وفيه مسألة: وهي أن قوله تعالى: { فَرِحُواْ بِهَا } إشارة إلى دنو همتهم وقصور نظرهم فإن فرحهم يكون بما وصل إليهم لا بما وصل منه إليهم، فإن قال قائل الفرح بالرحمة مأمور به في قوله تعالى:
    { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فليفرحوا }
    [يونس: 58] وههنا ذمهم على الفرح بالرحمة، فكيف ذلك؟ فنقول هناك قال: فرحوا برحمة الله من حيث إنها مضافة إلى الله تعالى وههنا فرحوا بنفس الرحمة حتى لو كان المطر من غير الله لكان فرحهم به مثل فرحهم بما إذا كان من الله، وهو كما أن الملك لو حط عند أمير رغيفاً على السماط أو أمر الغلمان بأن يحطوا عنده زبدية طعام يفرح ذلك الأمير به، ولو أعطى الملك فقيراً غير ملتفت إليه رغيفاً أو زبدية طعام أيضاً يفرح لكن فرح الأمير بكون ذلك من الملك وفرح الفقير بكون ذلك رغيفاً وزبدية.

    ثم قال تعالى: { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } لم يذكر عند النعمة سبباً لها لتفضله بها وذكر عند العذاب سبباً لأن الأول يزيد في الإحسان والثاني يحقق العدل. قوله { إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } إذا للمفاجأة أي لا يصبرون على ذلك قليلاً لعل الله يفرج عنهم وإنه يذكرهم به.

    ثم قال تعالى: { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }. أي لم يعلموا أن الكل من الله فالمحقق ينبغي أن لا يكون نظره على ما يوجد بل إلى من يوجد وهو الله، فلا يكون له تبدل حال، وإنما يكون عنده الفرح الدائم، ولكن ذلك مرتبة المؤمن الموحد المحقق، ولذلك قال: { إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }.

    { فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ }

    قال ابن عاشور

    فاء التفريع تفيد أن الكلام بعدها مترتب على الكلام الذي قبلها، وقد اشتمل الكلام قبلها على لحاق آثار رحمة الله بالناس، وإصابة السوء إياهم، وعلى أن ما يصيبهم من السوء بما قدمت أيدي الناس، وذكر بسط الرزق وتقديره. وتضمن ذلك أن الفرح يُلْهِيهم عن الشكر، وأن القنوط يُلْهِيهم عن المحاسبة في الأسباب، فكان الأمر بإيتاء الضعفاء والمنكوبين إرشاداً إلى وسائل شكر النعمة عند حصولها شكراً من نوعها واستكشاف الضر عند نزوله، وإلى أن من الحق التوسعة على المضيَّق عليهم الرزق، كما يُحِب أن يوسع عليه رزقه؛ فالخطاب بالأمر للنبيء صلى الله عليه وسلم باعتبار من معه من المؤمنين ممن يحق عليه الإيتاء وهو الذي بسط له في الرزق، أي فآتوا ذا القربى حقه بقرينة قوله
    { ذلك خير للذين يريدون وجه الله }
    [الروم: 38] الآية، ويجوز أن يكون خطاباً لغير معيّن من المؤمنين.

    والإيتاء: الإعطاء. وهو مشعر بأن المعطَى مال، ويقوي ذلك وقوع الآية عقب قوله
    { أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء }
    [الروم: 37]. وصيغة الأمر من قوله { فئات } مُجمل. والأصل في محملها الوجوب مع أن المأمور بإيتائه عبر عنه بأنه حق والأصل في الحق الوجوب. وظاهر الآية يقتضي أن المراد حق في مال المؤتِي.

    وقال الالوسي


    { فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ } من الصلة والصدقة وسائر المبرات { وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } ما يستحقانه، والخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم على أنه عليه الصلاة والسلام المقصود أصالة وغيره من المؤمنين تبعاً، وقال الحسن / هو خطاب لكل سامع، وجوز غير واحد أن يكون لمن بسط له الرزق، ووجه تعلق هذا الأمر بما قبله واقترانه بالفاء على ما ذكره الزمخشري أنه تعالى لما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت أيديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك، وحاصله على ما في «الكشف» أن امتثال أوامره تعالى مجلبة رضاه والحياة الطيبة تتبعه كما أن عصيانه سبحانه مجلبة سخطه والجدب والضيقة من روادفه فإذا استبان ذلك فآت يا محمد ومن تبعه أو فآت يا من بسط له الرزق ذا القربـى حقه الخ، وذكر الإمام وجهاً آخر مبنياً على أن الأمر متفرع على حديث البسط والقدر وهو أنه تعالى لما بين أنه سبحانه يبسط ويقدر أمر جل وعلا بالإنفاق إيذاناً بأنه لا ينبغي أن يتوقف الإنسان في الإحسان فإن الله تعالى إذا بسط الرزق لا ينقص بالإنفاق وإذا قدر لا يزداد بالإمساك كما قيل:
    إذ جادت الدنيا عليك فجد بها على الناس طرا إنها تتقلب
    فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت ولا البخل يبقيها إذا هي تذهب
    قال صاحب «الكشف» روح الله تعالى روحه: إن ما ذكره الزمخشري أوفق لتأليف النظم الجليل فإن قوله تعالى:
    { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ }
    [الروم: 37] لتتميم الإنكار على فرح بالنعمة عن شكر المنعم ويئس عند زوالها عنه، والظاهر على ما ذكره الإمام أن المراد بالحق الحق المالي وكذا المراد به في جانب المسكين وابن السبيل، وحمل ذلك بعضهم على الزكاة المفروضة. وتعقب بأن السورة مكية والزكاة إنما فرضت بالمدينة واستثناء هذه الآية ودعوى أنها مدنية يحتاج إلى نقل صحيح، وسبق النزول على الحكم بعيد ولذا لم يذكر هنا بقية الأصناف.

    وقال ابو حيان فى بحره

    ومناسبة { فآت ذا القربى } لما قبله: أنه لما ذكر أنه تعالى هو الباسط القابض، وجعل في ذلك آية للمؤمن، ثم نبه بالإحسان لمن به فاقة واحتياج، لأن من الإيمان الشفقة على خلق الله، فخاطب من بسط له الرزق بأداء حق الله من المال، وصرفه إلى من يقرب منه من حج، وإلى غيره من مسكين وابن سبيل. وقال الحسن: هذا خطاب لكل سامع بصلة الرحم،

    { وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ }

    قال ابن عاشور

    لما جرى الترغيب والأمر ببذل المال لِذَوي الحاجة وصلة الرحم وما في ذلك من الفلاح أعقب بالتزهيد في ضرب آخر من إعطاء المال لا يرضَى الله تعالى به وكان الربا فاشياً في زمن الجاهلية وصدر الإسلام وخاصة في ثقيف وقريش. فلما أرشد الله المسلمين إلى مواساة أغنيائهم فقراءَهم أتبع ذلك بتهيئة نفوسهم للكف عن المعاملة بالربا للمقترضين منهم، فإن المعاملة بالربا تنافي المواساة لأن شأن المقترض أنه ذو خَلّة، وشأن المُقرِض أنه ذو جِدَة فمعاملته المقترِض منه بالربا افتراضٌ لحاجته واستغلال لاضطراره، وذلك لا يليق بالمؤمنين...


    وقوله { وما ءاتيتم من زكاة } الخ رجوع إلى قوله
    { فئاتِ ذا القربى حقه }
    [الروم: 38] الآية لأن ذلك الحق هو المسمى بالزكاة.

    وجملة { فأولئك هم المضعفون } جواب { وما ءاتيتم من زكاة } ، أي فمؤتوه المضعفون، أي أولئك الذين حصل لهم الإضعاف وهو إضعاف الثواب. وضمير الفصل لقصر جنس المضعفين على هؤلاء، وهو قصر ادعائي للمبالغة لعدم الاعتداد بإضعاف من عداهم لأن إضعاف من عداهم إضعاف دُنيوي زائل. واسم الإشارة في قوله { فأولئك هم المضعفون } للتنويه بهؤلاء والدلالة على أنهم أحرياء بالفلاح. واسم الإشارة إظهار في مقام الإضمار اقتضاه مقام اجتلاب اسم الإشارة.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,708
    { ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ }

    قال ابن عاشور

    هذا الاستئناف الثاني من الأربعة التي أقيمت عليها دلائل انفراد الله تعالى بالتصرف في الناس وإبطال ما زعموه من الإشراك في الإلهية كما أنبأ عنه قوله { هل مِن شركائكم مَن يفعل مِنْ ذَلكم مِنْ شيء، وإدماجاً للاستدلال على وقوع البعث. وقد جاء هذا الاستئناف على طريقة قوله:
    { الله يبدأ الخلق ثم يعيده }
    [يونس: 34] واطَّرد الافتتاح بمثله في الآيات التي أريد بها إثبات البعث كما تقدم عند قوله تعالى: { الله يبدأ الخلق ثم يعيده } ، وسيأتي في الآيتين بعد هذه.

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ } ابتداء وخبر. وعاد الكلام إلى الاحتجاج على المشركين وأنه الخالق الرازق المميت المحيي. ثم قال على جهة الاستفهام: { هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ } لا يفعل. ثم نزّه نفسه عن الأنداد والأضداد والصاحبة والأولاد بقوله الحق: { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } وأضاف الشركاء إليهم لأنهم كانوا يسمونهم بالآلهة والشركاء، ويجعلون لهم من أموالهم.

    { ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }

    قال الرازى

    وجه تعلق هذه الآية بما قبلها هو أن الشرك سبب الفساد كما قال تعالى:
    { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا }
    [الأنبياء: 22] وإذا كان الشرك سببه جعل الله إظهارهم الشرك مورثاً لظهور الفساد ولو فعل بهم ما يقتضيه قولهم:
    { لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ }
    [المؤمنون: 71] كما قال تعالى:
    { تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً }
    [مريم: 90] وإلى هذا أشار بقوله تعالى: { لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ }

    وقال ابن عاشور


    موقع هذه الآية ومعناها صالح لعدة وجوه من الموعظة، وهي من جوامع كلم القرآن. والمقصد منها هو الموعظة بالحوادث ماضيها وحاضرها للإقلاع عن الإشراك وعن تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم فأما موقعها فيجوز أن تكون متصلة بقوله قبلها
    { أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم }
    الآيات [الروم: 9]، فلما طولبوا بالإقرار على مَا رأوه من آثار الأمم الخالية، أو أُنكِرَ عليهم عدمُ النظر في تلك الآثار، أُتبع ذلك بما أدَّى إليه طريق الموعظة من قوله
    { هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده }
    [الروم: 27]، ومن ذكر الإنذار بعذاب الآخرة، والتذكير بدلائل الوحدانية ونِعَم الله تعالى، وتفريع استحقاقه تعالى الشكر لذاته ولأجل إنعامه استحقاقاً مستقراً إدراكه في الفطرة البشرية، وما تخلل ذلك من الإرشاد والموعظة، عاد الكلام إلى التذكير بأن ما حلّ بالأمم الماضية من المصائب ما كان إلا بما كسبت أيديهم، أي بأعمالهم، فيوشك أن يحلّ مثل ما حلّ بهم بالمخاطبين الذين كسبت أيديهم مثلَ ما كسبت أيدي أولئك.

    فموقع هذه الجملة على هذا الوجه موقع النتيجة من مجموع الاستدلال أو موقع الاستئناف البياني بتقدير سؤال عن سبب ما حلّ بأولئك الأمم. ويجوز أن تقع هذه الآية موقع التكملة لقوله
    { وإذا مسّ الناسَ ضُر دَعوا ربهم }
    [الروم: 33] الآية، فهي خبر مستعمل في التنديم على ما حلّ بالمكذبين المُخاطبين من ضرّ ليعلموا أن ذلك عقاب من الله تعالى فيقلعوا عنه خشية أن يحيط بهم ما هو أشد منه، كما يؤذن به قوله عقب ذلك { لعلهم يرجعون. } فالإتيان بلفظ الناس في قوله { بما كسبت أيدي الناس } إظهار في مقام الإضمار لزيادة إيضاح المقصود، ومقتضى الظاهر أن يقال «بما كسبت أيديهم». فالآية تشير إلى مصائب نزلت ببلاد المشركين وعطلت منافعها، ولعلها مما نشأ عن الحرب بين الروم وفارس، وكان العرب منقسمين بين أنصار هؤلاء وأنصارِ أولئك، فكان من جراء ذلك أن انقطعت سبل الأسفار في البر والبحر فتعطلت التجارة وقلّت الأقوات بمكة والحجاز كما يقتضيه سَوْق هذه الموعظة في هذه السورة المفتتحة بـ
    { غُلِبَتتِ الرومُ }
    [الروم: 2].

    فموقع هذه الجملة على هذا الوجه موقع الاستئناف البياني لسبب مسِّ الضر إياهم حتى لجأوا إلى الضراعة إلى الله، وما بينها وبين جملة
    { وإذا مسّ الناسَ ضرّ }
    [الروم: 33] إلى آخره اعتراض واستطراد تخلل في الاعتراض. ويجوز أن يكون موقعها موقع الاعتراض بين ذكر ابتهال الناس إلى الله إذا أحاط بهم ضر ثم إعراضهم عن عبادته إذا أذاقهم منه رحمةً وبين ذكر ما حلّ بالأمم الماضية اعتراضاً ينبىء أن الفساد الذي يظهر في العالم ما هو إلا من جراء اكتساب الناس وأن لو استقاموا لكان حالهم على صلاح.

    و { الفساد: سوء الحال، وهو ضد الصلاح، ودل قوله: { في البر والبحر } على أنه سوء الأحوال في ما ينتفع به الناس من خيرات الأرض برها وبحرها. ثم التعريف في { الفساد }: إما أن يكون تعريف العهد لفساد معهود لدى المخاطبين، وإما أن يكون تعريف الجنس الشامل لكل فساد ظهر في الأرض برِّها وبحرِها أنه فساد في أحوال البر والبحر، لا في أعمال الناس بدليل قوله { ليذيقهم بعضَ الذي عمِلوا لعلهم يرجعون }.

    وفساد البر يكون بفقدان منافعه وحدوث مضارّه، مثل حبس الأقوات من الزرع والثمار والكلأ، وفي مَوتان الحيوان المنتفع به، وفي انتقال الوحوش التي تصاد من جراء قحط الأرض إلى أرضين أخرى، وفي حدوث الجوائح من جراد وحشرات وأمراض.

    وفساد البحر كذلك يظهر في تعطيل منافعه من قلّة الحيتان واللؤلؤ والمرجان فقد كانا من أعظم موارد بلاد العرب وكثرة الزوابع الحائلة عن الأسفار في البحر، ونضوب مياه الأنهار وانحباس فيضانها الذي به يستقي الناس. وقيل: أريد بالبر البَوادي وأهل الغمور وبالبحر المدن والقرى، وهو عن مجاهد وعكرمة وقال: إن العرب تسمي الأمصار بحراً. قيل: ومنه قول سعد بن عبادة في شأن عبد الله بن أُبَيّ ابن سلول: «ولقد أجمع أهل هذه البحرة على أن يتوّجوه». يعني بالبحرة: مدينة يثرب وفيه بُعد. وكأنَّ الذي دعا إلى سلوك هذا الوجه في إطلاق البحر أنه لم يعرف أنه حدث اختلال في سير الناس في البحر وقلة فيما يخرج منه. وقد ذكر أهل السير أنَّ قريشاً أصيبوا بقحط وأكلوا الميتة والعِظام، ولم يذكروا أنهم تعطلت أسفارهم في البحر ولا انقطعت عنهم حيتان البحر، على أنهم ما كانوا يعرفون بالاقتيات من الحيتان.

    وعلى هذه الوجوه الثلاثة يكون الباء في قوله { بما كسبت أيدي الناس } للعوض، أي جزاء لهم بأعمالهم، كالباء في قوله تعالى:
    { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم }
    [الشورى: 30]، ويكون اللام في قوله { ليذيقهم } على حقيقة معنى التعليل.

    ويجوز أن يكون المراد بالفساد: الشرك قاله قتادة والسدّي فتكون هذه الآية متصلة بقوله
    { الله الذي خلقكم ثم رزقكم }
    إلى قوله:
    { هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء }
    [الروم: 40]، فتكون الجملة إتماماً للاستدلال على وحدانية الله تعالى تنبيهاً على أن الله خلق العالم سالماً من الإشراك، وأن الإشراك ظهر بما كسبت أيدي الناس من صنيعهم. وهذا معنى قوله في الحديث القدسي في «صحيح مسلم»: " إني خلقت عبادي حُنَفَاء كلَّهم، وأنهم أتتهم الشياطين فأجالتهم عن دينهم، وأمَرْتهم أن يشركوا بي " الحديث.

    فذكر البر والبحر لتعميم الجهات بمعنى: ظهر الفساد في جميع الأقطار الواقعة في البر والواقعة في الجزائر والشطوط، ويكون الباء في قوله { بما كسبت أيدي الناس } للسببية، ويكون اللام في قوله { ليذيقهم بعض الذي عملوا } لامَ العاقبة، والمعنى: فأذقناهم بعض الذي عملوا، فجُعلت لام العاقبة في موضع الفاء كما في قوله تعالى:{ فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوّاً وحزناً }
    [القصص: 8]، أي فأذقنا الذين أشركوا بعض ما استحقوه من العذاب لشركهم. ويجوز أن يكون المعنى أن الله تعالى خلق العالم على نظام مُحكم ملائم صالح للناس فأحدث الإنسان فيه أعمالاً سيئة مفسدة، فكانت وشائجَ لأمثالها:

    " وهل ينبت الخطيَّ إلا وشيجُه " ..

    وقال الالوسي

    ووجه تعلق الآية بما قبلها أن فيها نعي ما يعم الشرك وغيره من المعاصي / وفيما قبل نعى الشرك وفيها من تخويف المشركين ما فيها. وقال الإمام: في وجه التعلق هو أن الشرك سبب الفساد كما قال تعالى:
    { لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءالِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا }
    [الأنبياء: 22] وإذا كان الشرك سببه جعل الله تعالى إظهارهم الشرك مورثاً لظهور الفساد ولو فعل بهم ما يقتضيه قولهم لفسدت السماوات والأرض كما قال سبحانه:
    { تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً }
    [مريم: 90] وإلى هذا أشار عز وجل بقوله سبحانه: { وَلِنِذيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ } انتهى، فتأمل وأنصف.

    { قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ }

    قال الرازى

    لما بين حالهم بظهور الفساد في أحوالهم بسبب فساد أقوالهم بين لهم هلاك أمثالهم وأشكالهم الذين كانت أفعالهم كأفعالهم فقال: { قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ } أي قوم نوح وعاد وثمود، وهذا ترتيب في غاية الحسن وذلك لأنه في وقت الامتنان والإحسان قال:
    { ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ }
    [مريم: 40] أي آتاكم الوجود ثم البقاء ووقت الخذلان بالطغيان قال:
    { ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ }
    [الروم: 41] أي قلل رزقكم، ثم قال تعالى: { سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ } أي هو أعدمكم كم أعدم من قبلكم، فكأنه قال أعطاكم الوجود والبقاء، ويسلب منكم الوجود والبقاء، وأما سلب البقاء فبإظهار الفساد، وأما سلب الوجود فبالإهلاك، وعند الإعطاء قدم الوجود على البقاء، لأن الوجود أولاً ثم البقاء، وعند السلب قدم البقاء، وهو الاستمرار ثم الوجود.

    { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } * { مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ }

    قال الرازى

    لما نهى الكافر عما هو عليه، أمر المؤمن بما هو عليه وخاطب النبـي عليه السلام ليعلم المؤمن فضيلة ما هو مكلف به فإنه أمر به أشرف الأنبياء، وللمؤمنين في التكليف مقام الأنبياء كما قال عليه الصلاة والسلام: " إن الله أمر عباده المؤمنين بما أمر به عباده المرسلين " وقد ذكرنا معناه، وقوله: { مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ } يحتمل وجهين الأول: أن يكون قوله: { مِنَ ٱللَّهِ } متعلقاً بقوله: { يَأْتِىَ } والثاني: أن يكون المراد { لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ } أي الله لا يرد وغيره عاجز عن رده فلا بد من وقوعه { يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } أي يتفرقون. ثم أشار إلى التفرق بقوله: { مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ }

    { لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ }

    قال البقاعى فى نظم الدرر

    ولما فرغ من بيان تصدعهم، ذكر علته فقال: { ليجزي }

    { وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }

    قال الرازى

    قوله تعالى: { وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرّيَـٰحَ مُبَشّرٰتٍ } لما ذكر أن ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح ولم يذكر أنه بسبب العمل الصالح، لما ذكرنا غير مرة أن الكريم لا يذكر لإحسانه عوضاً، ويذكر لأضراره سبباً لئلا يتوهم به الظلم فقال: { يُرْسِلَ ٱلرّيَـٰحَ مُبَشّرٰتٍ } قيل بالمطر كما قال تعالى:
    { بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ }
    [الأعراف: 57] أي قبل المطر ويمكن أن يقال مبشرات بصلاح الأهوية والأحوال، فإن الرياح لو لم تهب لظهر الوباء والفساد.

    وقال ابن عاشور

    عود إلى تعداد الآيات الدالة على تفرده بالإلهية فهو عطف على جملة
    { ومن ءاياته أن تقوم السماء والأرض بأمره }
    [الروم: 25] وما تخلل بينهما من أفانين الاستدلال على الوحدانية والبعث ومن طرائق الموعظة كان لتطرية نشاط السامعين لهذه الدلائل الموضّحة المبينة. والإرسال مستعار لتقدير الوصول، أي يُقدر تكوين الرياح ونظامها الذي يوجهها إلى بلد محتاج إلى المطر.

    { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ }

    قال الرازى

    لما بين الأصلين ببراهين (يقصد التوحيد والبعث) ذكر الأصل الثالث وهو النبوة فقال: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً }

    { ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } * { وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ }

    قال ابن عاشور

    جاءت هذه الجملة على أسلوب أمثالها كما تقدم في قوله
    { هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده }
    [الروم: 27]، وجاءت المناسبة هنا لذكر الاستدلال بإرسال الرياح في قوله
    { ومن ءاياته أن يرسل الرياح مبشرات }
    [الروم: 46] استدلالاً على التفرّد بالتصرف وتصوير الصنع الحكيم الدال على سعة العلم، ثم أعقب بالاستدلال بإرسال الرياح توسلاً إلى ذكر إحياء الأرض بعد موتها المستدَلّ به على البعث، فقد أفادت صيغة الحصر بقوله { الله الذي يرسل الرياح } أنه هو المتصرف في هذا الشأن العجيب دون غيره، وكفى بهذا إبطالاً لإلهية الأصنام، لأنها لا تستطيع مثل هذا الصنع الذي هو أقرب التصرفات في شؤون نفع البشر. والتعبير بصيغة المضارع في: " يُرسل، وتُثير، ويَبسطه، ويَجعله " لاستحضار الصور العجيبة في تلك التصرفات حتى كأنَّ السامع يشاهد تكوينها مع الدلالة على تجدد ذلك.

    { فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

    قال ابن عاشور

    رتب على ما تقرر من استحضار صورة تكوين أسباب المطر واستبشار الناس بنزوله بعد الإبلاس، أن اعتُرض بذكر الأمر بالنظر إلى أثر الرحمة وإغاثة الله عباده حين يحيي لهم الأرض بعد موتها بالجفاف. والأمر بالنظر للاعتبار والاستدلال. والنظر: رؤية العين. وعبر عن الجفاف بالموت لأن قوام الحياة الرطوبة، وعبر عن ضده بالإحياء. والخطاب بــــ { انظر } لغير معين ليعم كل من يتأتى منه النظر مثل قوله
    { فترى الودق }
    [الروم: 48].


    { وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ }

    قال ابن عاشور

    عطف على جملة
    { وإن كانوا من قبل أن يُنزل عليهم من قبلِه لمُبْلسين }
    [الروم: 49] وما بينهما اعتراض واستطراد لغرض قد علمته آنفاً. وهذه الجملة سيقت للتنبيه على أن الكُفران مطبوع في نفوسهم بحيث يعاودهم بأدنى سبب فهم إذا أصابتهم النعمة استبشروا ولم يشكروا وإذا أصابتهم البأساء أسرعوا إلى الكفران فصُوّر لكفرهم أعجبُ صورة وهي إظهارهم إياه بحدثان ما كانوا مستبشرين منه إذ يكون الزرع أخضر والأمل في الارتزاق منه قريباً فيصيبه إعصار فيحترق فيضجّون من ذلك وتكون حالهم حالة من يكفر بالله وتجري على أقوالهم عبارات السخط والقنوط، كما قال بعض رجّاز الأعراب إذ أصاب قومَه قحط:
    ربَّ العباد ما لنا وما لكْ قد كنتَ تسقينا فما بدا لكْ
    أنزِل علينا الغيثَ لاَ أبا لكْ
    فالضمير المنصوب في { رأوه } عائد إلى
    { أثر رحمة الله }
    [الروم: 50] وهو الزرع والكلأ والشجر. والاصفرار في الزرع ونحوه مؤذن بيبسه، وسموا صُفَاراً بضم الصاد وتخفيف الفاء: داء يصيب الزرع.

    { فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ } * { وَمَآ أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُّسْلِمُونَ }

    قال ابن عاشور

    الفاء للترتيب على قوله
    { لظلوا من بعده يكفرون }
    [الروم: 51] المفيد أن الكفر غالب أحوالهم لأنهم بين كفر بالله وبين إعراض عن شكره، أو الفاء فصيحة تدل على كلام مقدر، أي إن كبر عليك إعراضهم وساءك استرسالهم على الكفر فإنهم كالموتى وإنك لا تسمع الموتى. وهذا معذرة للنبيء صلى الله عليه وسلم ونداء على أنه بذل الجهد في التبليغ. وفيما عدا الفاء فالآية نظير التي في آخر سورة النمل..

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,708
    { ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ }

    قال ابن عاشور

    هذا رابع استئناف من الأربعة المتقدمة رجوع إلى الاستدلال على عظيم القدرة في مختلف المصنوعات من العوالم لتقرير إمكانية البعث وتقريب حصوله إلى عقول منكريه لأن تعدد صور إيجاد المخلوقات وكيفياته من ابتدائها عن عدم أو من إعادتها بعد انعدامها وبتطور وبدونه مما يزيد إمكان البعث وضوحاً عند منكريه، فموقع هذه الآية كموقع قوله:
    { الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً }
    [الروم: 48] ونظائرها كما تقدم؛ ولذلك جاءت فاتحتها على أسلوب فواتح نظائرها وهذا ما يؤذن به تعقيبها بقوله
    { ويَوم تقوم الساعة يقسم المجرمون }
    [الروم: 55] الآية.

    وقال ابو حيان فى بحره


    لما ذكر دلائل الآفاق، ذكر شيئاً من دلائل الأنفس،

    { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ }

    قال ابن عاشور

    لما ذكر عدم انتفاع المشركين بآيات القرآن وشبهوا بالأموات والصم والعمي فظهرت فظاعة حالهم في العاجلة أتبع ذلك بوصف حالهم حين تقوم الساعة في استصحاب مكابرتهم التي عاشوا عليها في الدنيا، بأن الله حين يعيد خلقهم وينشىء لهم أجساماً كأجسامهم ويعيد إليهم عقولهم يكون تفكيرهم يومئذ على وفاق ما كانوا عليه في الدنيا من السفسطة والمغالطة والغرور، فإذا نُشروا من القبور وشعروا بصحة أجسامهم وعقولهم وكانوا قد علموا في آخر أوقات حياتهم أنهم ميتون خامرتهم حينئذ عقيدة إنكار البعث وحجتُهم السفسطائية من قولهم
    { هل نَدُلُّكم عَلى رَجُل يُنْبِئكُم إذَا مُزِقْتم كُلَّ مُمزق إنكُّم لَفِي خَلْقٍ جَدِيد }
    [سبأ: 7]، هنالك يريدون أن يقنعوا أنفسهم بصحة دليلهم القديم ويلتمسون اعتلالاً لتخلف المدلول بعلة أن بعثهم ما كان إلا بعد ساعة قليلة من وقت الدفن قبل أن تنعدم أجزاء أجسامهم فيخيل إليهم أنهم مُحِقُّون في إنكاره في الدنيا إذ كانوا قد أخبروا أن البعث يكون بعد فناء الأجسام، فهم أرادوا الاعتذار عن إنكارهم البعث حين تحققوه بما حاصله: أنهم لو علموا أن البعث يكون بعد ساعة من الحُلول في القبر لأقروا به. وقد أنبأ عن هذا تسمية كلامهم هذا معذرة بقوله عقبه:
    { فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم }
    [الروم: 57]. وهذه فتنة أصيبوا بها حين البعث جعلها الله لهم ليكونوا هُزأة لأهل النشور. ويتضح غلطهم وسوء فهمهم كما دل عليه قوله تعالى بعد ذلك:
    { وقال الذين أوتوا العلم والإيمان }
    الآية [الروم: 56] وقد أومأ إلى أن هذا هو المراد من الآية أنه قال عقب ذلك: { كذلك كانوا يؤفكون } أي كهذا الخطأ كانوا في الدنيا يُصرفون عن الحق بمثل هذه الترهات. وتقدم شيء من هذا في المعنى عند قوله تعالى:
    { يَتَخافتون بَيْنهُم إنْ لَبِثْتُم إلاَّ عَشراً نَحْنُ أعْلَم بِمَا يَقُولون إذْ يَقُول أمْثَلهم طَرِيقَة إنْ لَبِثْتُم إلاَّ يوماً }
    في سورة طه (103، 104)..

    وقال الالوسي

    { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ } أي القيامة سميت بها لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا، أو لأنها تقع بغتة وصارت علماً لها بالغلبة كالنجم للثريا والكوكب للزهرة، والمراد بقيامها وجودها أو قيام الخلائق فيها { يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ } أي ما أقاموا في القبور كما روي عن الكلبـي ومقاتل، والمراد به ما أقاموا بعد الموت { غَيْرَ سَاعَةٍ } أي قطعة من الزمان قليلة، وروى غير واحد عن قتادة أنهم يعنون ما لبثوا في الدنيا غير ساعة، ورجح الأول بأنه الأظهر لأن لبثهم مغيا بيوم البعث كما سيأتي إن شاء الله تعالى وليس لبثهم في الدنيا كذلك، وقيل: يعنون ما لبثوا فيما بين فناء الدنيا والبعث وهو ما بين النفختين، وفي الحديث الصحيح عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما بين النفختين أربعون قيل أربعون يوماً يا أبا هريرة قال أبيت قيل أربعون شهراً قال أبيت قيل أربعون سنة قال: أبيت " وعنى بقوله رضي الله تعالى عنه أبيت: امتنعت من بيان ذلك لكم أو أبيت أن أسأل النبـي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولهذا الحديث قيل لا يعلم أهي أربعون سنة أم أربعون ألف سنة. وحكى السفاريني في «البحور الزاخرة» عن بعضهم دعوى اتفاق الروايات على أن ما بين النفختين أربعون عاماً، وأنا أقول: الحق أنه لا يعلمه إلا الله تعالى ودعوى الاتفاق لم يقم عندي دليل عليها...

    وقال ابن كثير

    يخبر تعالى عن جهل الكفار في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا فعلوا ما فعلوا من عبادة الأوثان، وفي الآخرة يكون منهم جهل عظيم أيضاً، فمنه إقسامهم بالله أنهم ما لبثوا غير ساعة واحدة في الدنيا، ومقصودهم بذلك عدم قيام الحجة عليهم، وأنهم لم ينظروا حتى يعذر إليهم.

    { وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ }

    قال ابن عاشور

    جعل الله منكري البعث هدفاً لسهام التغليظ والافتضاح في وقت النشور، فلما سمع المؤمنون الذين أوتوا علم القرآن وأشرقت عقولهم في الحياة الدنيا بالعقائد الصحيحة وآثار الحكمة لم يتمالكوا أن لا يردوا عليهم غلطهم رداً يكون عليهم حسرات أن لا يكونوا قبلوا دعوة الحق كما قبلها المؤمنون. وهذه الجملة معترضة. وعطف الإيمان على العلم للاهتمام به لأن العلم بدون إيمان لا يرشد إلى العقائد الحق التي بها الفوز في الحياة الآخرة. والمعنى: وقال لهم المؤمنون إنكاراً عليهم وتحسيراً لهم.

    والظاهر أن المؤمنين يسمعون تَحَاجَّ المشركين بعضهم مع بعض فيبادرون بالإنكار عليهم لأن تغيير المنكر سجيتهم التي كانوا عليها. وفي هذا أدب إسلامي وهو أن الذي يسمع الخطأ في الدين والإيمان لا يقره ولو لم يكن هو المخاطَب به.

    وقال ابن الجوزى فى زاد مسيره

    وقال الذين أُوتوا العِلْم والإِيمانَ } وفيهم قولان.

    أحدهما: أنهم الملائكة.

    والثاني: المؤمنون.

    قوله تعالى: { لقد لَبِثتم في كتاب الله إِلى يوم البعث } فيه قولان.

    أحدهما: أن فيه تقديماً وتأخيراً، تقديره: وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإِيمان بالله، قاله ابن جريج في جماعة من المفسرين.

    والثاني: أنه على نظمه. ثم في معناه قولان.

    أحدهما: لقد لَبِثتم في عِلْم الله، قاله الفراء.

    والثاني: لقد لَبِثتم في خَبَر الكتاب، قاله ابن قتيبة.


    { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ }

    قال ابن عاشور

    تفريع على جملة
    { كذلك كانوا يؤفكون }
    [الروم: 55]. والذين ظلموا هم المشركون الذين أقسموا ما لبثوا غير ساعة، فالتعبير عنهم بالذين ظلموا إظهار في مقام الإضمار لغرض التسجيل عليهم بوصف الظلم وهو الإشراك بالله لأنه جامع لفنون الظلم، ففيه الاعتداء على حق الله، وظلم المشرك نفسه بتعريضها للعذاب، وظلمهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالتكذيب، وظلمهم المؤمنين بالاعتداء على أموالهم وأبشارهم.

    { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ } * { كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } * { فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ }

    قال البقاعى:

    ولما أبانت هذه السورة طرق الإيمان أيّ بيان، وألقت على وجوه أهل الطغيان غاية الخزي والهوان، وكان التقدير: لقد أتينا في هذه السورة خاصة بعد عموم ما في سائر القرآن بكل حجة لا تقوم لها الأمثال، ولم نبق لأحد عذراً ولا شيئاً من إشكال، لكونها ليس لها في وضوحها مثال، عطف عليه قوله صارفاً الكلام إلى مقام العظمة تقبيحاً لمخالفتهم لما يأتي من قبله وترهيباً من الأخذ مؤكداً لأنهم ينكرون أن يكون في القرآن دلالة، ومن أقر منهم مع الكفر فكفره قائم مقام إنكاره: { ولقد ضربنا }...


    ولما كان المختوم على مشاعرهم منهم لا يؤمنون بشيء. وكان ذلك من أدل دليل على علمه تعالى وقدرته، قال مقسماً تكذيباً لقولهم في الاقتراحات خاصاً من أهل العلم والإيمان رأسهم، دلالة على أن التصرف في القلوب من العظم بمكانة تجل عن الوصف، معبراً بالشرط إعلاماً بأنه سبحانه لا يجب عليه شيء، عاطفاً على نحو: فلم ينفعهم شيء من ذلك: { ولئن جئتهم }..


    ولما كان من أعجب العجب أن من يدعي العقل يصر على التكذيب بالحق، ولا يصغي لدليل، ولا يهتدي لسبيل، قال مستأنفاً في جواب من سأله: هل يكون مثل هذا الطبع؟ ومرغباً في العلم: { كذلك } أي مثل هذا الطبع العظيم جداً، ولما كان كون الشيء الواحد لناس هداية ولناس ضلالة جامعاً إلى العظمة تمام العلم والحكمة، صرف الخطاب عنها إلى الاسم الأعظم الجامع فقال: { يطبع الله } أي الذي لا كفوء له، فمهما أراد كان، عادة مستمرة،..

    ولما كان هذا مذكراً بعظيم قدرته بعد الإياس من إيمانهم، سبب عنه قوله: { فاصبر } أي على إنذارهم مع هذا الجفاء والرد بالباطل والأذى، فإن الكل فعلنا لم يخرج منه شيء عن إرادتنا..

    ولما كان التقدير: فلا تعجل، عطف عليه قوله: { ولا يستخفنك } أي يحملنك على الخفة ويطلب أن تخف باستعجال النصر خوفاً من عواقب تأخيره أو بتفتيرك عن التبليغ، بل كن بعيداً منهم بالغلظة والجفاء والصدع بمر الحق من غير محاباة ما، بعداً لا يطمعون معه أن يحتالوا في خفتك في ذلك بنوع احتيال، وقراءة " يستحقنك " من الحق معناها: أي لا يطلب منك الحق الذي هوالفصل العدل بينك وبينهم أي لا تطلبه أنت، فهو مثل: لا أرينك ههنا تنهى نفسك وأنت تريد نهيه عن الكون بحيث تراه،

    وقال ابن كثير

    (ما روي في فضل هذه السورة الشريفة واستحباب قراءتها في الفجر)

    قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن عبد الملك بن عمير، سمعت شبيب أبا روح يحدث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الصبح، فقرأ فيها الروم، فأوهم، فقال: " إنه يلبس علينا القرآن، فإن أقواماً منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا، فليحسن الوضوء " وهذا إسناد حسن، ومتن حسن، وفيه سر عجيب، ونبأ غريب، وهو أنه صلى الله عليه وسلم تأثر بنقصان وضوء من ائتم به، فدل ذلك على أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام. آخر تفسير سورة الروم. و لله الحمد والمنة.

    المناسبة بين اول السورة واخرها

    قال السيوطى فى مراصد المطالع


    { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ }


    وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ

    وقال البقاعى

    فإذا صدق الله وعده في ذلك بإظهار عن قريب علموا كذبهم عياناً، وعلموا - إن كان لهم علم - أن الوعد بالساعة لإقامة العدل على الظالم والعود بالفضل على المحسن كذلك يأتي وهو صاغرون، ويحشرون وهو داخرون،
    { وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون }
    [الشعراء: 227]، فقد انعطف آخرها على أولها عطف الحبيب على الحبيب، واتصل به اتصال القريب بالقريب، والتحم التحام النسيب بالنسيب.

    ملحوظة

    كما اشار البقاعى بدأت بوعد الله وانتهت بوعد الله

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,708
    المناسبة بين سورة لقمان والروم

    { الۤـمۤ } * { تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ }* { هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ } * { ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ }* { أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ }

    قال الرازى

    وجه ارتباط أول هذه السورة بآخر ما قبلها هو أن الله تعالى لما قال:
    { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ مِن كُلّ مَثَلٍ }
    [الروم: 58] إشارة إلى كونه معجزة وقال:
    { وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِـئَايَةٍ }
    [الروم: 58] إشارة إلى أنهم يكفرون بالآيات بين ذلك بقوله: { الم* تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ } ولم يؤمنوا بها، وإلى هذا أشار بعد هذا بقوله:
    { وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءايَـٰتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً }
    [لقمان: 7]..

    وقال البقاعى:

    ولما أثبت في آل عمران أنه أنزل بالحق، أثبتت في السجدة تنزيله ونفي الريب عن أنه من عنده، وأثبت أنه الحق، واستمر فيما بعد هذا من السور مناظراً في الأغلب لما مضى كما يعرف ذلك بالإمعان في التذكر والتأمل والتدبر: { بسم الله } الذي وسع رحمة وعلماً { الرحمن } الذي بث بعموم حكمته شامل نعمته في سائر بريته { الرحيم * } الذي أنار لخاصته طريق جنته، فداموا وهاموا في محبته.

    لما ختمت الروم بالحث على العلم، وهو ما تضمنه هذا الكتاب العظيم، والأمر بالصبر والتمسك بما فيه من وعد، والنهي عن الإطماع لأهل الاستخفاف في المقاربة لهم في شيء من الأوصاف، وكان ذلك هو الحكمة، قال أول هذه: { آلم } مشيراً بها إلى أن الله الملك الأعلى القيوم أرسل - لأنه ظاهر مع أن الباطن - جبرائيل عليه السلام إلا محمد عليه الصلاة والسلام بوحي ناطق من الحكم والأحكام بما لم ينطق به من قبله إمام، ولا يلحقه في ذلك شيء مدى الأيام، فهو المبدأ وهو الختام، وإلى ذلك أو ما تعبيره بإداة البعد في قوله: { تلك } أي الآيات التي هي من العلو والعظمة بمكان لا يناله إلا من جاهد نفسه حتى هذبها بالتخلي عن جميع الرذائل، والتحلي بسائر الفضائل { آيات الكتاب } الجامع لجميع أنواع الخير { الحكيم } بوضع الأشياء في حواق مراتبها فلا يستطاع نقض شيء من إبرامه، ولا معارضة شيء ومن كلامه، الدال ذلك على تمام علم منزله وخبرته، وشمول عظمته وقدرته، ودقيق صنائعه في بديع حكمته، فلا بد من نصر المؤمنين ومن داناهم في التمسك بكتاب له أصل من عند الله.

    وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لما تكرر الأمر بالاعتبار والحض عليه والتنبيه بعجائب المخلوقات في سورة الروم كقوله سبحانه:
    { أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق }
    [الروم: 8] وقوله:
    { أو لم يسيروا في الأرض }
    [الروم: 9] وقوله:
    { الله يبدؤا الخلق ثم يعيده }
    [الروم: 11] وقوله:
    { يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي }
    [الروم: 19] إلى قوله:
    { كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون }
    [الروم: 28] وهي عشر آيات تحملت من جليل الاعتبار والتنبيه ما لا يبقى معه شبهة ولا توقف لمن وفق إلى ما بعد هذا من آيات التنبيه وبسط الدلائل وذكر ما فطر عليه العباد وضرب الأمثال الموضحة سواء السبيل لمن عقل معانيها وتدبر حكمها إلى قوله:
    { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل }
    [الروم: 58] وهي إشارة إلى ما أودع الله كتابه المبين من مختلف الأمثال وشتى العظات وما تحملت هذه السورة من ذلك، أتبع سبحانه ذلك بقوله الحق: { الۤـمۤ تلك آيات الكتاب الحكيم } أي دلائله وبراهينه لمن وفق وسبقت له الحسنى وهو المحسنون الذين ذكرهم بعد، ووصف الكتاب بالحكيم يشهد لما مهدناه، ثم أشار سبحانه إلى من حرم منفعته والاعتبار به، واستبدل الضلالة بالهدى، وتنكب عن سنن فطرة الله التي فطر الناس عليها فقال: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } - الآيات، ثم أتبع ذلك بما يبكت كل معاند، ويقطع بكل جاحد، فذكر خلق السماوات بغير عمد مرئية مشاهدة لا يمكن في أمرها امتراء، ثم ذكر خلق الأرض وما أودع فيها، ثم قال سبحانه { هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه } ثم اتبع ذلك بذكر من هداه سبيل الفطرة فلم تزغ به الشبه ولا تنكب سواء السبيل فقال: { ولقد آتينا لقمان الحكمة } - الآية، لتأسيس من اتبع فطرة الله التي تقدم ذكرها في سورة الروم، ثم تناسق الكلام وتناسج - انتهى..

    ولما كانت هذه الخلال أمهات الأفعال، الموجبة للكمال، وكانت مساوية من وجه لآية البقرة ختمها بختامها، بعد أن زمها بزمامها، فقال: { أولئك } أي العالوا الرتبة الحائزون منازل القربة أعظم رتبة { على هدى } أي عظيم هم متمكنون منه تمكن المستعلي على الشيء، وقال: { من ربهم } تذكيرا لهم بأنه لولا إحسانه ما وصلوا إلى شيء. ليلزموا تمريغ الجباه على الأعتاب، خوفاً من الإعجاب { وأولئك هم } أي خاصة { المفلحون * } أي الظافرون بكل مراد.

    وقال السيوطى فى تناسق الدرر مامعناه:

    فى اول لقمان هدى ورحمة للمحسنين ..متعلق باخر الرومو قال الذين أوتوا العلم فهذا عين ايقانهم بالاخرة

    وفى الروم روضة يحبرون وفسر بالسماع وفى لقمان لهو الحديث وفسر بالغناء والات الملاهى

    النظم فى سورة لقمان

    { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } * { وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }

    قال ابن عاشور:

    عطف على جملة
    { تلك ءايات الكتاب الحكيم }
    [لقمان: 2]. والمعنى: أن حال الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين، وأن من الناس معرضين عنه يؤثرون لهو الحديث ليضلّوا عن سبيل الله الذي يهدي إليه الكتاب. وهذا من مقابلة الثناء على آيات الكتاب الحكيم بضد ذلك في ذم ما يأتي به بعض الناس، وهذا تخلّص من المقدمة إلى مَدخل للمقصود وهو تفظيع ما يدعو إليه النضر بن الحارث ومشايعوه من اللهو بأخبار الملوك التي لا تكسب صاحبها كمالاً ولا حكمة.

    وقال ابن كثير

    لما ذكر تعالى حال السعداء، وهم الذين يهتدون بكتاب الله، وينتفعون بسماعه، كما قال تعالى:
    { ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ }
    [الزمر: 23] الآية، عطف بذكر حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله، وأقبلوا على استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب؛ كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } قال: هو والله الغناء.

    روى ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب، أخبرني يزيد بن يونس عن أبي صخر عن أبي معاوية البجلي عن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري: أنه سمع عبد الله بن مسعود وهو يسأل عن هذه الآية: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } فقال عبد الله بن مسعود: الغناء والله الذي لا إله إلا هو يرددها ثلاث مرات. حدثنا عمرو بن علي، حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا حميد الخراط عن عمار عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء: أنه سأل ابن مسعود عن قول الله: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ } قال: الغناء، وكذا قال ابن عباس وجابر وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومكحول وعمرو بن شعيب وعلي بن بذيمة.

    وقال الحسن البصري: نزلت هذه الآية: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } في الغناء والمزامير. وقال قتادة: قوله: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } والله لعله لا ينفق فيه مالاً، ولكن شراؤه استحبابه، بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق، وما يضر على ما ينفع. وقيل: أراد بقوله: { يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ } اشتراء المغنيات من الجواري. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع عن خلاد الصفار عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يحل بيع المغنيات، ولا شراؤهن، وأكل أثمانهن حرام، وفيهن أنزل الله عز وجل علي: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } "

    { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ } * { خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }

    قال ابن عاشور

    لما ذكر عذاب من يُضل عن سبيل الله اتبع ببشارة المحسنين الذين وصفوا بأنهم يقيمون الصلاة إلى قوله


    { وأولئك هم المفلحون }
    [لقمان: 5].

    { خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ }* { هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ }

    قال البقاعى

    ولما ختم بصفتي العزة - وهي غاية القدرة - والحكمة - وهي ثمرة العلم - دل عليها باتقان أفعاله وإحكامها فقال: { خلق السماوات }

    وقال ابن عاشور

    استئناف للاستدلال على الذين دأبهم الإعراض عن آيات الله بأن الله هو خالق المخلوقات فلا يستحق غيرهُ أن تثبت له الإلهية فكان ادعاء الإلهية لغير الله هو العلة للإعْراض عن آيات الكتاب الحكيم، فهم لما أثبتوا الإلهية لما لا يخلق شيئاً كانوا كمن يزعم أن الأصنام مماثلة لله تعالى في أوصافه فذلك يقتضي انتفاء وصف الحكمة عنه كما هو منتف عنها. ولذا فإن موقع هذه الآيات موقع دليل الدليل، وهو المقام المعبر عنه في علم الاستدلال بالتدقيق، وهو ذكر الشيء بدليله ودليل دليله، فالخطاب في قوله { ترونها } و { بكم } للمشركين، ...

    وجملة { هذا خلق الله } إلى آخرها نتيجة الاستدلال بخلق السماء والأرض والجبال والدواب وإنزال المطر. واسم الإشارة إلى ما تضمنه قوله { خلق السماوات } إلى قوله { من كل زوج كريم }

    { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ }

    قال ابن عاشور

    الواو عاطفة قصة لقمان على قصة النضر بن الحارث المتقدمة في قوله تعالى
    { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله }
    [لقمان: 6] باعتبار كونها تضمنت عجيب حاله في الضلالة من عنايته بلهو الحديث ليضل عن سبيل الله ويتخذ سبيل الله هزؤاً، وباعتبار كون قصة لقمان متضمنة عجيب حال لقمان في الاهتداء والحكمة، فهما حالان متضادان؛ فقُطِع النظر عن كون قصة النضر سيقت مساق
    المقدمة والمدخل إلى المقصود لأن الكلام لما طال في المقدمة خرجت عن سَنن المقدمات إلى المقصودات بالذات فلذلك عطفت عطفَ القصص ولم تُفصل فَصْل النتائج عقب مقدماتها.

    وقال البقاعى

    ولما ثبتت حكمته سبحانه وأنه أبعدهم عنها بما قضى عليهم من الجهل وغباوة العقل وآتاها من تاب، واعتصم بآيات الكتاب، توقع السامع الإخبار عن بعض من آتاه الحكمة من المتقدمين الذين كانوا من المحسنين، فوضعوا الأشياء في مواضعها بأن آمنوا على قوله: " وهو العزيز الحكيم " أو على مقدر تقديره: لأنا أضللناهم بحكمتنا وآتينا الحكمة الذين قبلوا آياتنا وأحسنوا التعبد لنا فما عبدوا صمناً ولا مالوا إلى لهو، لأن ذلك عين الحكمة لكونه وضعاً للشيء في محله، فهو تقدير لتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم.
    بالرسالة: { ولقد آتينا }

    { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }

    قال الرازى

    عطف على معنى ما سبق وتقديره آتينا لقمان الحكمة حين جعلناه شاكراً في نفسه وحين جعلناه واعظاً لغيره وهذا لأن علو مرتبة الإنسان بأن يكون كاملاً في نفسه ومكملاً لغيره فقوله: { أَنِ ٱشْكُرْ } إشارة إلى الكمال وقوله: { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ } إشارة إلى التكميل، وفي هذا لطيفة وهي أن الله ذكر لقمان وشكر سعيه حيث أرشد ابنه ليعلم منه فضيلة النبـي عليه السلام الذي أرشد الأجانب والأقارب فإن إرشاد الولد أمر معتاد، وأما تحمل المشقة في تعليم الأباعد فلا، ثم إنه في الوعظ بدأ بالأهم وهو المنع من الإشراك وقال: { إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }

    { وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ } * { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }

    قال ابن عاشور

    إذا درجنا على أن لقمان لم يكن نبيئاً مبلغاً عن الله وإنما كان حكيماً مرشداً كان هذا الكلام اعتراضاً بين كلامي لقمان لأن صيغة هذا الكلام مصوغة على أسلوب الإبلاغ والحكاية لقول من أقوال الله. والضمائر ضمائر العظمة جرَّتْه مناسبة حكاية نهي لقمان لابنه عن الإشراك وتفظيعه بأنه ظلم عظيم. فذكر الله هذا لتأكيد ما في وصية لقمان من النهي عن الشرك بتعميم النهي في الأشخاص والأحوال لئلا يتوهم متوهم أن النهي خاص بابن لقمان أو ببعض الأحوال فحكى الله أن الله أوصى بذلك كل إنسان وأن لا هوادة فيه ولو في أحرج الأحوال وهي حال مجاهدة الوالدين أولادَهم على الإشراك.

    وأحسن من هذه المناسبة أن تجعل مناسبة هذا الكلام أنه لما حكى وصاية لقمان لابنه بما هو شكر الله بتنزيهه عن الشرك في الإلهية بيَّن الله أنه تعالى أسبق منَّة على عباده إذ أوصى الأبناء ببر الآباء فدخل في العموم المنة على لقمان جزاءً على رعيه لحق الله في ابتداء موعظة ابنه فالله أسبق بالإحسان إلى الذين أحسنوا برَعْي حقه. ويقوي هذا التفسير اقتران شكر الله وشكر الوالدين في الأمر.

    وإذا درجنا على أن لقمان كان نبيئاً فهذا الكلام مما أبلغه لقمان لابنه وهو مما أوتيه من الوحي ويكون قد حكي بالأسلوب الذي أوحي به إليه على نحو أسلوب قوله
    { أن اشكر لله }
    [لقمان: 12] وهذا الاحتمال أنسب بسياق الكلام، ويرجحه اختلاف الأسلوب بينها وبين آيتي سورة العنكبوت وسورة الأحقاف لأن ما هنا حكاية ما سبق في أمة أخرى والأخريين خطاب أنف لهذه الأمة. وقد روي أن لقمان لما أبلغ ابنه هذا قال له: إن الله رضيني لك فلم يوصِني بك ولم يرضَك لي فأوصاكَ بي.

    والمقصود من هذا الكلام هو قوله { وإن جاهداك على أن تشرك بي } إلى آخره... وما قبله تمهيد له وتقرير لواجب بر الوالدين ليكون النهي عن طاعتهما إذا أمرا بالإشراك بالله نهياً عنه في أوْلى الحالات بالطاعة حتى يكون النهي عن الشرك فيما دون ذلك من الأحوال مفهوماً بفحوى الخطاب مع ما في ذلك من حسن الإدماج المناسب لحكمة لقمان سواء كان هذا من كلام لقمان أو كان من جانب الله تعالى.

    وعلى كلا الاعتبارين لا يحسن ما ذهب إليه جمع من المفسرين أن هذه الآية نزلت في قضية إسلام سعد بن أبي وقاص وامتعاض أمه، لعدم مناسبته السياق، ولأنه قد تقدم أن نظير هذه الآية في سورة العنكبوت نزل في ذلك، وأنها المناسبة لسبب النزول فإنها أخلِيت عن الأوصاف التي فيها ترقيق على الأم بخلاف هذه، ولا وجه لنزول آيتين في غرض واحد ووقت مختلف وسيجيء بيان الموصَى به.

    وقال ابو حيان

    { ووصينا الإنسان بوالديه }: لما بين لقمان لابنه أن الشرك ظلم ونهاه عنه، كان ذلك حثاً على طاعة الله، ثم بين أن الطاعة تكون للأبوين، وبين السبب في ذلك، فهو من كلام لقمان مما وصى به ابنه، أخبر الله عنه بذلك.

    وقيل: هو من كلام الله، قاله للقمان، أي قلنا له اشكر. وقلنا له: { ووصينا }. وقيل: هذه الآية اعتراض بيّن أثناء وصيته للقمان، وفيها تشديد وتوكيد لاتباع الولد والده، وامتثال أمره في طاعة الله تعالى. وقال القرطبي: والصحيح أن هذه الآية وآية العنكبوت نزلتا في سعد بن أبي وقاص، وعليه جماعة من المفسرين. ولما خص الأم بالمشقات من الحمل والنفاس والرضاع والتربية، نبه على السبب الموجب للإيصاء، ولذلك جاء في الحديث الأمر ببرّ الأم ثلاث مرات، ثم ذكر الأب، فجعل له مرة الربع من المبرة.

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,708
    { يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } * { يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } * { وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ }

    قال البقاعى

    ولما فرغ من تأكيد ما قاله لقمان عليه السلام في الشكر والشرك فعلم ما أوتي من الحكمة، وختمه بعد الوصية بطاعة الوالد بذكر دقيق الأعمال وجليلها، وأنها في علم الله سواء، حسن جداً الرجوع إلى تمام بيان حكمته، فقال بادئاً بما يناسب ذلك من دقيق العلم ومحيطه المكمل لمقام التوحيد، وعبر بمثقال الحبة لأنه أقل ما يخطر غالباً بالبال، وهي من أعظم حاث على التوحيد الذي مضى تأسيسه: { يا بني } ..

    ولما نبهه على إحاطة علمه سبحانه وإقامته للحساب، أمره مما يدخره لذلك توسلاً إليه، وتخضعاً لديه، وهو رأس ما يصلح به العمل ويصحح التوحيد ويصدقه، فقال: { يا بني } ..

    ولما كان من آفات العبادة لا سيما الأمر والنهي - لتصورهما بصورة الاستعلاء - الإعجاب إلى الكبر، قال محذراً من ذلك معبراً عن الكبر بلازمه، لأن النفي الأعم نفي للأخص، منبهاً على أن المطلوب في الأمر والنهي اللين لا الفظاظة والغلظة الحاملان على النفور: { ولا تصعر خدك } أي لا تمله معتمداً إمالته بإمالة العنق متكلفاً لها صرفاً عن الحالة القاصدة، وأصل الصعر داء يصيب البعير يلوي منه عنقه، وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي: تصاعر، والمراد بالمفاعلة والتفعيل تعمد فعل ذلك لأجل الكبر حتى يصير خلقاً، والمراد النهي عما يفعله المصعر من الكبر - والله أعلم..

    وقال ابن عاشور

    انتقل من تعليمه أصول العقيدة إلى تعليمه أصول الأعمال الصالحة فابتدأها بإقامة الصلاة،...

    انتقل لقمان بابنه إلى الآداب في معاملة الناس فنهاه عن احتقار الناس وعن التفخر عليهم، وهذا يقتضي أمره بإظهار مساواته مع الناس وعدّ نفسه كواحد منهم.

    وقال الرازى


    لما أمره أمره بأن يكون كاملاً في نفسه مكملاً لغيره وكان يخشى بعدهما من أمرين أحدهما: التكبر على الغير بسبب كونه مكملاً له والثاني: التبختر في النفس بسبب كونه كاملاً في نفسه فقال: { وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ } تكبراً { وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحًا } تبختراً { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ } يعني من يكون به خيلاء وهو الذي يرى الناس عظمة نفسه وهو التكبر

    { وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ }

    قال القرطبي

    الأولى: قوله تعالى: { وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ } لما نهاه عن الخُلُق الذميم رسم له الخُلقَ الكريم

    وقال ابن عاشور

    بعد أن بيّن له آداب حسن المعاملة مع الناس قفَّاها بحسن الآداب في حالته الخاصة، وتلك حالتا المشي والتكلم، وهما أظهر ما يلوح على المرء من آدابه.

    { أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ } * { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ }

    قال ابن عاشور

    { أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَـٰهِرَةً وَبَاطِنَةً }

    رجوع إلى تعداد دلائل الوحدانية وما صحب ذلك من منة على الخلق، فالكلام استئناف ابتدائي عن الكلام السابق ورجوع إلى ما سلف في أول السورة في قوله تعالى:
    { خَلَق السَّماوات بِغَير عمد }
    [لقمان: 10] فإنه بعد الاستدلال بخلق السماوات والأرض والحيوان والأمطار عاد هنا الاستدلال والامتنان بأن سخر لنا ما في السماوات وما في الأرض. وقد مضى الكلام على هذا التسخير في تفسير قوله تعالى
    { الله الذي خلق السماوات والأرض }
    الآيات من سورة إبراهيم (32)، وكذلك في سورة النحل (3).

    وقال الرازى

    لما استدل بقوله تعالى: { خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ } على الوحدانية، وبين بحكاية لقمان أن معرفة ذلك غير مختصة بالنبوة بل ذلك موافق للحكمة، وما جاء به النبـي عليه السلام من التوحيد والصلاة ومكارم الأخلاق كلها حكمة بالغة، ولو كان تعبداً محضاً للزم قبوله، فضلاً عن أنه على وفق الحكمة، استدل على الوحدانية بالنعمة لأنا بينا مراراً أن الملك يخدم لعظمته، وإن لم ينعم ويخدم لنعمته أيضاً، فلما بين أنه المعبود لعظمته بخلقه السموات بلا عمد وإلقائه في الأرض الرواسي. وذكر بعض النعم بقوله:
    { وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء }
    [لقمان:10] ذكر بعده عامة النعم فقال: { سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ }

    { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } * { وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ }

    قال الرازى

    قوله تعالى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } بين أن مجادلتهم مع كونها من غير علم فهي في غاية القبح فإن النبـي عليه السلام يدعوهم إلى كلام الله، وهم يأخذون بكلام آبائهم، وبين كلام الله تعالى وكلام العلماء بون عظيم فكيف ما بين كلام الله وكلام الجهلاء ثم إن ههنا شيئاً آخر وهو أنهم قالوا: { بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } يعني نترك القول النازل من الله ونتبع الفعل، والقول أدل من الفعل لأن الفعل يحتمل أن يكون جائزاً، ويحتمل أن يكون حراماً، وهم تعاطوه، ويحتمل أن يكون واجباً في اعتقادهم والقول بين الدلالة، فلو سمعنا قول قائل افعل ورأينا فعله يدل على خلاف قوله، لكان الواجب الأخذ بالقول، فكيف والقول من الله والفعل من الجهال، ثم قال تعالى: { أَوْ لَّوْ كَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } استفهاماً على سبيل التعجب في الإنكار يعني الشيطان يدعوهم إلى العذاب والله يدعو إلى الثواب، وهم مع هذا يتبعون الشيطان. ثم قال تعالى: { وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلأُمُورِ } لما بين حال المشرك والمجادل في الله بين حال المسلم المستسلم لأمر الله فقوله: { وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ } إشارة إلى الإيمان وقوله: { وَهُوَ مُحْسِنٌ } إشارة إلى العمل الصالح فتكون الآية في معنى قوله تعالى:
    { مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً }
    [الكهف:88] وقوله: { فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ } أي تمسك بحبل لا انقطاع له وترقى بسببه إلى أعلى المقامات

    { وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } * { نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ }

    قال الرازى

    لما بين حال المسلم رجع إلى بيان حال الكافر فقال: { وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ }

    { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }

    قال ابن عاشور

    عطف على جملة
    { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا }
    [لقمان: 21] باعتبار أن ما وَجَدوا عليه آباءهم هو الإشراك مع الله في الإلهية، وإن سألهم سائل: مَن خلق السماوات والأرض يقولوا خلقهن الله، وذلك تسخيف لعقولهم التي تجمع بين الإقرار لله بالخلق وبين اعتقاد إلهية غيره.

    { لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ }

    قال ابن عاشور

    موقع هذه الجملة من التي قبلها موقع النتيجة من الدليل في قوله: { لله ما في السماوات } فلذلك فصلت ولم تعطف لأنها بمنزلة بدل الاشتمال من التي قبلها، كما تقدم آنفاً في قوله
    { يأت بها الله إن الله لطيف خبير }
    [لقمان: 16]؛ فإنه لما تقرر إقرارهم لله بخلق السماوات والأرض لزمهم إنتاج أن ما في السموات والأرض ملك لله ومن جملة ذلك أصنامهم. والتصريح بهذه النتيجة لقصد التهاون بهم في كفرهم بأن الله يملكهم ويملك ما في السماوات والأرض، فهو غني عن عبادتهم محمود من غيرهم.

    { وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }

    قال الرازى

    لما قال تعالى: { للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } وكان ذلك موهماً لتناهي ملكه لانحصار ما في السموات وما في الأرض فيهما، وحكم العقل الصريح بتناهيهما بين أن في قدرته وعلمه عجائب لا نهاية لها فقال: { وَلَوْ أَنَّ مَّا فِى ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ }

    وقال القرطبي

    لما احتجّ على المشركين بما احتجّ بيّن أن معاني كلامه سبحانه لا تنفد، وأنها لا نهاية لها. وقال القَفّال: لما ذكر أنه سخر لهم ما في السموات وما في الأرض وأنه أسبغ النعم نبّه على أن الأشجار لو كانت أقلاماً، والبحار مداداً فكتب بها عجائب صنع الله الدالة على قدرته ووحدانيته لم تنفد تلك العجائب. قال القُشَيْرِيّ: فردّ معنى تلك الكلمات إلى المقدورات، وحملُ الآية على الكلام القديم أوْلى؛ والمخلوق لا بدّ له من نهاية، فإذا نفيت النهاية عن مقدوراته فهو نفي النهاية عما يقدّر في المستقبل على إيجاده، فأما ما حصره الوجود وعدّه فلا بدّ من تناهيه، والقديمُ لا نهاية له على التحقيق.

    وقال ابن عاشور

    تكرر فيما سبق من هذه السورة وصف الله تعالى بإحاطة العلم بجميع الأشياء ظاهرةً وخفيةً فقال فيما حكى من وصية لقمان:
    { إنها إن تكُ مثقالُ حبة من خردل }
    [لقمان: 16] إلى قوله
    { لطيف خبير }
    [لقمان: 16]، وقال بعد ذلك
    { فنُنبئُهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور }
    [لقمان: 23] فعقب ذلك بإثبات أن لعلم الله تعالى مظاهرَ يبلّغ بعضها إلى من اصطفاه من رسله بالوحي مِما تقتضي الحكمة إبلاغه، وأنه يستأثر بعلم ما اقتضت حكمته عدم إبلاغه، وأنه لو شاء أن يبلغ ما في علمه لما وفّت به مخلوقاته الصالحة لتسجيل كلامه بالكتابة فضلاً على الوفاء بإبلاغ ذلك بواسطة القول. وقد سُلك في هذا مسلك التقريب بضرب هذا المثل؛ وقد كان ما قُصَّ من أخبار الماضين موطئاً لهذا فقد جرت قصة لقمان في هذه السورة كما جرت قصة أهل الكهف وذي القرنين في سورة الكهف (109) فعقبتا بقوله في آخر السورة:
    { قل لو كان البحر مِدَاداً لكلمات ربي لَنَفِد البحر قبل أن تَنْفَد كلماتُ ربي ولو جئنا بمثله مَدَداً }
    وهي مشابهة للآية التي في سورة لقمان. فهذا وجه اتصال هذه الآية بما قبلها من الآيات المتفرقة.

    ولما في اتصال الآية بما قبلها من الخفاء أخذ أصحاب التأويل من السلف من أصحاب ابن عباس في بيان إيقاع هذه الآية في هذا الموْقع. فقيل: سبب نزولها ما ذكره الطبري وابن عطية والواحدي عن سعيد بن جبير وعكرمة وعطاء بن يسار بروايات متقاربة: أن اليهود سألوا رسول الله أو أغَروا قريشاً بسؤاله لمَّا سمعوا قول الله تعالى في شأنهم:
    { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً }
    [الإسراء: 85] فقالوا: كيف وأنت تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن سألوه: هي في علم الله قليل، ثم أنزل الله { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام } الآيتين أو الآيات الثلاثَ.

    وعن السدّي قالت قريش: ما أكثر كلامَ محمدٍ فنزلت: { ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام } الآية.

    وعن قتادة قالت قريش: سيتِمّ هذا الكلام لمحمد وينحسِر ــــ أي محمد صلى الله عليه وسلم فلا يقول بعده كلاماً ــــ. وفي رواية: سينفَدُ هذا الكلام. وهذه يرجع بعضها إلى أن هذه الآية نزلت بالمدينة فيلزم أن يكون وضعها في هذا الموضع من السورة بتوقيف نبوي للمناسبة التي ذكرناها آنفاً، وبعضها يرجع إلى أنها مكية فيقتضي أن تكون نزلت في أثناء نزول سورة لقمان على أن توضع عقب الآيات التي نزلت قبلها.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,708
    { مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ ظ±للَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }

    قال ابن عاشور

    استئناف بياني متعلق بقوله
    { إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا }
    [لقمان: 23] لأنه كلما ذكر أمر البعث هجس في نفوس المشركين استحالة إعادة الأجسام بعد اضمحلالها فيكثر في القرآن تعقيب ذكر البعث بالإشارة إلى إمكانه وتقريبه

    { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ظ±للَّهَ يُولِجُ ظ±لْلَّيْلَ فِي ظ±لنَّهَارِ وَيُولِجُ ظ±لنَّهَارَ فِي ظ±لْلَّيْلِ وَسَخَّرَ ظ±لشَّمْسَ وَظ±لْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِيغ¤ إِلَىظ° أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ ظ±للَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }

    قال ابن عاشور

    استدلال على ما تضمنته الآية قبلَها من كون الخلق الثاني وهو البعث في متناول قدرة الله تعالى بأنه قادر على تغيير أحوال ما هو أعظم حالاً من الإنسان، وذلك بتغيير أحوال الأرض وأُفقها بين ليل ونهار في كل يوم وليلة تغييراً يشبه طُروّ الموت على الحياة في دخول الليل في النهار، وطروّ الحياة على الموت في دخول النهار على الليل، وبأنه قادر على أعظم من ذلك بما سخره من سير الشمس والقمر.

    فهذا الاستدلال على إمكان البعث بقياس التمثيل بإمكان ما هو أعظم منه من شؤون المخلوقات بعد أن استدل عليه بالقياس الكلي الذي اقتضاه قوله
    { إن الله سميع بصير }
    [لقمان: 28] من إحاطة العلم الإلهي بالمعلومات المقتضي إحاطة قدرته بالممكنات لأنها جزئيات المعلومات وفرعٌ عنها. والخطاب لغير معين، والمقصود به المشركون بقرينة { وأن الله بما تعملون خبير }. والرؤية علْمية، والاستفهام لإنكار عدم الرؤية بتنزيل العالمين منزلة غير عالمين لعدم انتفاعهم بعلمهم.

    وقال الرازى

    يحتمل أن يقال: إن وجه الترتيب هو أن الله تعالى لما قال:
    { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ظ±للَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَمَا فِي ظ±لأَرْضِ }
    [لقمان:20] على وجه العموم ذكر منها بعض ما هو فيهما على وجه الخصوص بقوله: { يُولِجُ ظ±لَّيْلَ فِى ظ±لنَّهَارِ } وقوله: { وَسَخَّرَ ظ±لشَّمْسَ وَظ±لْقَمَرَ } إشارة إلى ما في السموات، وقوله بعد هذا:
    { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ظ±لْفُلْكَ تَجْرِى فِى ظ±لْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ظ±للَّهِ }
    [لقمان:31] إشارة إلى ما في الأرض. ويحتمل أن يقال إن وجهه هو أن الله تعالى لما ذكر البعث وكان من الناس من يقول:
    { وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ ظ±لدَّهْرُ }
    [الجاثية: 24] والدهر هو الليالي والأيام، قال الله تعالى هذه الليالي والأيام التي تنسبون إليها الموت والحياة هي بقدرة الله تعالى فقال: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ظ±للَّهَ يُولِجُ ظ±لَّيْلَ فِى ظ±لنَّهَارِ وَيُولِجُ ظ±لنَّهَارَ فِى ظ±لَّيْلِ } ثم إن قائلاً لو قال إن ذلك اختلاف مسير الشمس تارة تكون القوس التي هي فوق الأرض أكثر من التي تحت الأرض فيكون الليل أقصر والنهار أطول وتارة تكون بالعكس وتارة يتساويان فيتساويان فقال تعالى: { وَسَخَّرَ ظ±لشَّمْسَ وَظ±لْقَمَرَ } يعني إن كنتم لا تعترفون بأن هذه الأشياء كلها في أوائلها من الله فلا بد من الاعتراف بأنها بأسرها عائدة إلى الله تعالى، فالآجال إن كانت بالمدد والمدد بسير الكواكب فسير الكواكب ليس إلا بالله وقدرته،

    { ذَلِكَ بِأَنَّ ظ±للَّهَ هُوَ ظ±لْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ظ±لْبَاطِلُ وَأَنَّ ظ±للَّهَ هُوَ ظ±لْعَلِيُّ ظ±لْكَبِيرُ }

    قال ابن عاشور

    كاف الخطاب المتصلُ باسم الإشارة موجه إلى غير معين، والمقصود به المشركون بقرينة قوله { وأن ما تدعون من دونه الباطل } بتاء الخطاب في قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي بكر عن عاصم. والمشار إليه هو المذكور آنفاً وهو الإيلاج والتسخير. وموقع هذه الجملة موقع النتيجة من الدليل فلها حكم بدل الاشتمال ولذلك فصلت ولم تعطف فإنهم معترفون بأن الله هو فاعل ذلك فلزمهم الدليل ونتيجته.

    والمعنى: أن إيلاج الليل في النهار وعكسه وتسخير الشمس والقمر مُسبب عن انفراد الله تعالى بالإلهية، فالباء للسببية، وهو ظرف مستقر خبر عن اسم الإشارة. وضمير الفصل مفيد للاختصاص، أي: هو الحق لا أصنامكم ولا غيرها مما يُدّعى إلهية غيره تعالى.

    { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ظ±لْفُلْكَ تَجْرِي فِي ظ±لْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ظ±للَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ }

    قال الرازى

    ثم قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ظ±لْفُلْكَ تَجْرِى فِى ظ±لْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ظ±للَّهِ لِيُرِيَكُمْ مّنْ ءايَـظ°تُهُ } لما ذكر آية سماوية بقوله:
    { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ظ±للَّهَ يُولِجُ ظ±لَّيْلَ فِى ظ±لنَّهَارِ وَيُولِجُ ظ±لنَّهَارَ فِى ظ±لَّيْلِ وَسَخَّرَ ظ±لشَّمْسَ وَظ±لْقَمَرَ }
    [لقمان: 29] وأشار إلى السبب والمسبب ذكر آية أرضية، وأشار إلى السبب والمسبب فقوله: { ظ±لْفُلْكَ تَجْرِى } إشارة إلى المسبب وقوله: { بِنِعْمَتِ ظ±للَّهِ } إشارة إلى السبب أي إلى الريح التي هي بأمر الله

    وقال ابن عاشور

    استئناف جاء على سنن الاستئنافين اللذين قبله في قوله
    { ألم تروا أن الله سخَّر لكم ما في السماوات وما في الأرض }
    [لقمان: 20] وقوله:
    { ألم تر أن الله يُولج الليل في النهار }
    [لقمان: 29]، وجيء بها غير متعاطفة لئلا يتوهم السامع أن العطف على ما تخلل بينها، وجاء هذا الاستئناف الثالث دليلاً ثالثاً على عظيم حكمة الله في نظام هذا العالم وتوفيق البشر للانتفاع بما هيّأه الله لانتفاعهم به. فلما أتى الاستئنافان الأولان على دلائل صنع الله في السماوات والأرض جاء في هذا الثالث دليل على بديع صنع الله بخلق البحر وتيسير الانتفاع به في إقامة نظام المجتمع البشري. وتخلص منه إلى اتخاذ فريق من الناس موجبات الشكر دواعي كفر.

    وقال البقاعى

    ولما تضمنت الآية ثلاثة أشياء، أتبعها دليلها، فقال منبهاً على أن سيرنا في الفلك مثل سير النجوم في الفلك، وسير أعمارنا في فلك الأيام حتى يولجنا في بحر الموت مثل سير كل من الليل والنهار في فلك الشمس حتى يولجه في الآخر فيذهب حتى كأنه ما كان، ولولا تفرده بالحقية والعلو والكبر ما استقام ذلك، خاصاً بالخطاب أعلى الناس، تنبيهاً على أن هذه لكثرة الألف لها أعرض عن تأملها، فهو في الحقيقة حث على تدبرها، ويؤيده الإقبال على الكل عند تعليلها: { ألم تر أن الفلك }

    { وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَظ±لظُّلَلِ دَعَوُاْ ظ±للَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ظ±لدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ظ±لْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ }

    قال الرازى

    لما ذكر الله أن في ذلك لآيات ذكر أن الكل معترفون به غير أن البصير يدركه أولا ومن في بصره ضعف لا يدركه أولا، فإذا غشيه موج ووقع في شدة اعترف بأن الكل من الله ودعاه مخلصاً أي يترك كل من عداه وينسى جميع من سواه، فإذا نجاه من تلك الشدة قد بقي على تلك الحالة وهو المراد بقوله: { فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } وقد يعود إلى الشرك وهو المراد بقوله: { وَمَا يَجْحَدُ بِـئَايَـظ°تِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ }

    وقال ابن عاشور

    وفي قوله { لكل صبّار شكور } حسن التخلص إلى التفصيل الذي عقبه في قوله { وإذا غشيهم موج كالظُّلَل } الآية، فعطف على آيات سير الفلك إشارة إلى أن الناس يذكرون الله عند تلك الآيات عند الاضطرار، وغفلتهم عنها في حال السلامة، وهو ما تقدم مثله في قوله في سورة العنكبوت (65):
    { فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون }
    وقوله في سورة يونس (22):
    { حتى إذا كنتم في الفلك وجرَيْنَ بهم بريح طيبة }
    الآيات.

    { يظ°أَيُّهَا ظ±لنَّاسُ ظ±تَّقُواْ رَبَّكُمْ وَظ±خْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ ظ±للَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ظ±لْحَيَاةُ ظ±لدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِظ±للَّهِ ظ±لْغَرُورُ }

    قال ابن عاشور

    إن لم يكن { يا أيها الناس } خطاباً خاصاً بالمشركين فهو عام لجميع الناس كما تقرر في أصول الفقه، فيعم المؤمن والمشرك والمعطل في ذلك الوقت وفي سائر الأزمان إذ الجميع مأمورون بتقوى الله وأن الخطوات الموصلة إلى التقوى متفاوتة على حسب تفاوت بُعد السائرين عنها، وقد كان فيما سبق من السورة حظوظ للمؤمنين وحظوظ للمشركين فلا يبعد أن تعقَّب بما يصلح لِكِلا الفريقين، وإن كان الخطاب خاصاً بالمشركين جرْياً على ما روي عن ابن عباس أن { يا أيها الناس } خطاب لأهل مكة، فالمراد بالتقوى: الإقلاع عن الشرك.

    وموقع هذه الآية بعد ما تقدمها من الآيات موقع مقصد الخُطبة بعد مقدماتها إذ كانت المقدمات الماضية قد هيّأت النفوس إلى قبول الهداية والتأثر بالموعظة الحسنة، وإن لاصطياد الحكماء فُرصاً يحرصون على عدم إضاعتها،

    { إِنَّ ظ±للَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ظ±لسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ظ±لْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ظ±لأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ظ±للَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ }

    قال الالوسي

    وقال الإمام: في وجه نظم الجمل الحق أنه تعالى لما قال:
    { وَظ±خْشَوْاْ يَوْماً }
    [لقمان: 33] الخ وذكر سبحانه أنه كائن بقوله عز وجل قائلاً: { إِنَّ وَعْدَ ظ±للَّهِ حَقٌّ } [لقمان: 33] فكأن قائلاً يقول: فمتى هذا اليوم؟ فأجيب بأن هذا العلم مما لم يحصل لغيره تعالى وذلك قوله سبحانه: { إِنَّ ظ±للَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ظ±لسَّاعَةِ } ثم ذكر جل وعلا الدليلين اللذين ذكرا مراراً على البعث: أحدهما إحياء الأرض بعد موتها المشار إليه بقوله تعالى: { وَيُنَزّلُ ظ±لْغَيْثَ } والثاني الخلق ابتداء المشار إليه بقوله سبحانه: { وَيَعْلَمُ مَا فِى ظ±لأَرْحَامِ } فكأنه قال عز وجل: يا أيها السائل إنك لا تعلم وقتها ولكنها كائنة والله تعالى قادر عليها كما هو سبحانه قادر على إحياء الأرض وعلى / الخلق في الأرحام ثم بعد جل شأنه له أن يعلم ذلك بقوله عز وجل { وما تدري } الخ فكأنه قال تعالى: يا أيها السائل إنك تسأل عن الساعة أيان مرساها وإن من الأشياء ما هو أهم منها لا تعلمه فإنك لا تعلم معاشك ومعادك فما تعلم ماذا تكسب غداً مع أنه فعلك وزمانك ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانك فكيف تعلم قيام الساعة متى يكون والله تعالى ما علمك كسب غدك ولا علمك أين تموت مع أن لك في ذلك فوائد شتى وإنما لم يعلمك لكي تكون في كل وقت بسبب الرزق راجعاً إلى الله تعالى متوكلاً عليه سبحانه ولكيلا تأمن الموت إذا كنت في غير الأرض التي أعلمك سبحانه أنك تموت فيها فإذا لم يعلمك ما تحتاج إليه كيف يعلمك ما لا حاجة لك إليه وهو وقت القيامة وإنما الحاجة إلى العلم بأنها تكون وقد أعلمك جل وعلا بذلك على ألسنة أنبيائه تعالى عليهم الصلاة والسلام انتهى، ولا يخفى أن الظاهر على ما ذكره أن يقال: ويخلق ما في الأرحام كما قال سبحانه: { وَيُنَزّلُ ظ±لْغَيْثَ } ووجه العدول عن ذلك إلى ما في النظم الجليل غير ظاهر على أن كلامه بعد لا يخلو عن شيء.

    المناسبة بين اول السورة واخرها

    قال البقاعى


    فقد انطبق آخر السورة - بإثباته الحكمة بإثبات العلم والخبر مع تقرير أمر الساعة التي هي مفتاح الدار الآخرة - على أولها المخبر بحكمة صفته التي من علمها حق علمها، وتخلق بما دعت إليه وحضت عليه لا سيما الإيقان بالآخرة، كان حكيماً خبيراً عليماً مهذباً مهدياً مقرباً علياً، فسبحانه من هذا كلامه، وتعالى كبرياؤه وعز مرامه، ولا إله غيره وهو اللطيف.

    وقال السيوطى فى مراصد المطالع

    فى اولها وانزلنا من السماء وفى اخرها ينزل الغيث

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,708
    المناسبة بين سورة لقمان والسجدة


    { الۤـمۤ } * { تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ }

    قال الرازى

    لما ذكر الله تعالى في السورة المتقدمة دليل الوحدانية وذكر الأصل وهو الحشر وختم السورة بهما بدأ ببيان الرسالة في هذه السورة فقال: { الم * تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ لاَ رَيْبَ فِيهِ }

    وقال ابو حيان

    ولما ذكر تعالى، فيما قبلها، دلائل التوحيد من بدء الخلق، وهو الأصل الأول؛ ثم ذكر المعاد والحشر، وهو الأصل الثاني، وختم به السورة، ذكر في بدء هذه السورة الأصل الثالث، وهو تبيين الرسالة.

    النظم فى سورة السجدة

    { أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ }

    قال البقاعى

    ولما كان هذا الذي قدمه أول السورة على هذا الوجه برهاناً ساطعاً ودليلاً قاطعاً على أن هذا الكتاب من عند الله، كان - كما حكاه البغوي والرازي في اللوامع - كأنه قيل: هل آمنوا به؟ { أم يقولون } مع ذلك الذي لا يمترئ فيه عاقل { افتراه } أي تعمد كذبه.

    ولما كان الجواب: إنهم ليقولون: افتراه، وكان جوابه: ليس هو مفتري لما هو مقارن له من الإعجاز، ترتب عليه قوله: { بل هو الحق } أي الثابت ثباتاً لا يضاهيه ثبات شيء من الكتب قبله، كائناً { من ربك } المحسن إليك بإنزاله وإحكامه، وخصه بالخطاب إشارة إلى أنه لا يفهم حقيقته حق الفهم سواه


    { ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ }

    قال البقاعى

    ولما تقرر بما سبق في التي قبلها من اتصافه تعالى بكمال العلم أنه من عنده وبعلمه لا محالة، وكان هذا أمراً يهتم بشأنه ويعتني بأمره، لأنه عين المقصود الذي ينبني عليه أمر الدين، وختم ما ذكره من أمره ههنا بإقامة اهتدائهم مقام الترجي بإنذاره صلى الله عليه وسلم، أتبعه بيان ذلك بإيجاد عالم الأشباح والخلق ثم عالم الأرواح والأمر، وإحاطة العلم بذلك كله على وجه يقود تأمله إلى الهدى، فقال مستأنفاً شارحاً لأمر يندرج فيه إنزاله معبراً بالاسم الأعظم لاقتضاء الإيجاد والتدبير على وجه الانفراد له: { الله } أي الحاوي لجميع صفات الكمال وحده: { الذي خلق السماوات } كلها { والأرض } بأسرها { وما بينهما } من المنافع العينية والمعنوية.

    وقال ابن عاشور

    لما كان الركن الأعظم من أركان هدى الكتاب هو إثبات الوحدانية للإله وإبطال الشرك عُقب الثناء على الكتاب بإثبات هذا الركن.


    { يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ } * { ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ } * { ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ }


    قال الرازى

    لما بين الله تعالى الخلق بين الأمر كما قال تعالى:
    { أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ }
    [الأعراف: 54] والعظمة تتبين بهما فإن من يملك مماليك كثيرين عظماء تكون له عظمة، ثم إذا كان أمره نافذاً فيهم يزداد في أعين الخلق، وإن لم يكن له نفاذ أمر ينقص من عظمته، وقوله تعالى: { ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ } معناه، والله أعلم أن أمره ينزل من السماء على عباده وتعرج إليه أعمالهم الصالحة الصادرة على موافقة ذلك الأمر، فإن العمل أثر الأمر. وقوله تعالى: { فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } فيه وجوه أحدها: أن نزول الأمر وعروج العمل في مسافة ألف سنة مما تعدون وهو في يوم فإن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة فينزل في مسيرة خمسمائة سنة، ويعرج في مسيرة خمسمائة سنة، فهو مقدار ألف سنة ثانيها: هو أن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر، وذلك لأن من نفذ أمره غاية النفاذ في يوم أو يومين وانقطع لا يكون مثل من ينفذ أمره في سنين متطاولة فقوله تعالى: { فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ } يعني يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة، فكم يكون شهر منه، وكم تكون سنة منه، وكم يكون دهر منه، وعلى هذا الوجه لا فرق بين هذا وبين قوله
    { مقداره خمسين ألف سنة }
    [المعارج:4] لأن تلك إذا كانت إشارة إلى دوام نفاذ الأمر، فسواء يعبر بالألف أو بالخمسين ألفاً لا يتفاوت إلا أن المبالغة تكون في الخمسين أكثر وتبين فائدتها في موضعها إن شاء الله تعالى: (وفي هذه لطيفة) وهو أن الله ذكر في الآية المتقدمة عالم الأجسام والخلق، وأشار إلى عظمة الملك، وذكر في هذه الآية عالم الأرواح والأمر بقوله: { يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ } والروح من عالم الأمر كما قال تعالى:
    { وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي }
    [الإسراء: 85]..

    ولما ذكر من قبل عالم الأشباح بقوله:{ خُلِقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ }
    [السجدة:4] وعالم الأرواح بقوله: { يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَاء إِلَى ٱلأَرْضِ } قال: { عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ } يعلم ما في الأرواح { وَٱلشَّهَـٰدَةِ } يعلم ما في الأجسام أو نقول قال: { عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ } إشارة إلى ما لم يكن بعد { وَٱلشَّهَـٰدَةِ } إشارة إلى ما وجد وكان وقدم العلم بالغيب لأنه أقوى وأشد إنباء عن كمال العلم، ثم قال تعالى: { ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ } لما بين أنه عالم ذكر أنه عزيز قادر على الانتقام من الكفرة رحيم واسع الرحمة على البررة، ثم قال تعالى: { ٱلَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَـٰنِ مِن طِينٍ } لما بين الدليل الدال على الوحدانية من الآفاق بقوله: { خُلِقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } وأتمه بتوابعه ومكملاته ذكر الدليل الدال عليها من الأنفس بقوله: { ٱلَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء } يعني أحسن كل شيء مما ذكره وبين أن الذي بين السموات والأرض خلقه وهو كذلك لأنك إذا نظرت إلى الأشياء رأيتها على ما ينبغي صلابة الأرض للنبات وسلاسة الهواء للاستنشاق وقبول الانشقاق لسهولة الاستطراق وسيلان الماء لنقدر عليه في كل موضع وحركة النار إلى فوق، لأنها لو كانت مثل الماء تتحرك يمنة ويسرة لاحترق العالم فخلقت طالبة لجهة فوق حيث لا شيء هناك يقبل الاحتراق وقوله: { وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَـٰنِ مِن طِينٍ } قيل المراد آدم عليه السلام فإنه خلق من طين، ويمكن أن يقال بأن الطين ماء وتراب مجتمعان والآدمي أصله منى والمنى أصله غذاء، والأغذية إما حيوانية، وإما نباتية، والحيوانية بالآخرة ترجع إلى النباتية والنبات وجوده بالماء والتراب الذي هو طين.

    وقال البقاعى

    ولما نفى أن يكون له شريك أو وزير في الخلق، ذكر كيف يفعل في هذا الملك العظيم الذي أبدعه في ستة أيام من عالم الأرواح والأمر، فقال مستأنفاً مفسراً للمراد بالاستواء: { يدبر الأمر }

    { ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ } * { ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ }

    قال البقاعى

    ولما كان قلب الطين إلى هذا الهيكل على هذه الصورة بهذه المعاني أمراً هائلاً، أشار إليه بأداة البعد في قوله: { ثم جعل نسله } أي ولده الذي ينسل أي يخرج { من سلالة } أي من شيء مسلول، أي منتزع منه { من ماء مهين } أي حقير وضعيف وقليل مراق مبذول، فعيل بمعنى مفعول، وأشار إلى عظمة ما بعد ذلك من خلقه وتطويره بقوله: { ثم سواه } أي عدله لما يراد منه بالتخطيط والتصوير وإبداع المعاني { ونفخ فيه من روحه } الروح ما يمتاز به الحي من الميت، والإضافة للتشريف، فيا له من شرف ما أعلاه إضافته إلى الله.

    ولما ألقى السامعون لهذا الحديث أسماعهم، فكانوا جديرين بأن يزيد المحدث لهم إقبالهم وانتفاعهم، لفت إليهم الخطاب قائلاً: { وجعل } أي بما ركب في البدن من الأسباب { لكم السمع } أي تدركون به المعاني المصوتة، ووحده لقلة التفاوت فيه إذا كان سالماً { والأبصار } تدركون بها المعاني والأعيان القابلة، ولعله قدمها لأنه ينتفع بهما حال الولادة، وقدم السمع لأنه يكون إذ ذاك أمتن من البصر...

    وقال الرازى

    وقوله تعالى: { ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مّن مَّاء مَّهِينٍ } على التفسير الأول ظاهر لأن آدم كان من طين ونسله من سلالة من ماء مهين هو النطفة، وعلى التفسير الثاني هو أن أصله من الطين، ثم يوجد من ذلك الأصل سلالة هي من ماء مهين، فإن قال قائل التفسير الثاني غير صحيح لأن قوله: { بدأ خلق الإنسان...ثم جعل نسله } دليل على أن جعل النسل بعد خلق الإنسان من طين فنقول لا بل التفسير الثاني أقرب إلى الترتيب اللفظي فإنه تعالى بدأ بذكر الأمر من الابتداء في خلق الإنسان فقال بدأه من طين ثم جعله سلالة ثم سواه ونفخ فيه من روحه وعلى ما ذكرتم يبعد أن يقال: { ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ } عائد إلى آدم أيضاً لأن كلمة ثم للتراخي فتكون التسوية بعد جعل النسل من سلالة، وذلك بعد خلق آدم، واعلم أن دلائل الآفاق أدل على كمال القدرة كما قال تعالى:
    { لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَكْبَرَ }
    [غافر: 57] ودلائل الأنفس أدل على نفاذ الإرادة فإن التغيرات فيها كثيرة وإليه الإشارة بقوله: { ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ... ثُمَّ سَوَّاهُ } أي كان طيناً فجعله منياً ثم جعله بشراً سوياً، ..

    { وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ }

    قال الرازى

    لما قال:
    { قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ }
    [السجدة:9] بين عدم شكرهم بإتيانهم بضده وهو الكفر وإنكار قدرته على إحياء الموتى وقد ذكرنا أن الله تعالى، في كلامه القديم، كلما ذكر أصلين من الأصول الثلاثة لم يترك الأصل الثالث وههنا كذلك لما ذكر الرسالة بقوله: { تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ } إلى قوله:
    { لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَـٰهُم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ }
    [السجدة:2، 3] الوحدانية بقوله:
    { ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ }
    إلى قوله:
    { وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ }
    [السجدة:4، 9] ذكر الأصل الثالث وهو الحشر بقوله تعالى: { وَقَالُواْ أَءذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ }

    { قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }

    قال ابن عاشور

    استئناف ابتدائي جار على طريقة حكاية المقاولات لأن جملة قل في معنى جواب لقولهم
    { أإذا ضللنا في الأرض أَإنّا لفي خلق جديد }
    [السجدة: 10]؛ أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يعيد إعلامهم بأنهم مبعوثون بعد الموت. فالمقصود من الجملة هو قوله { ثم إلى ربكم ترجعون } إذ هو مناط إنكارهم، وأما أنهم يتوفّاهم ملك الموت فذكره لتذكيرهم بالموت وهم لا ينكرون ذلك ولكنهم ألهتهم الحياة الدنيا عن النظر في إمكان البعث والاستعداد له فذكروا به ثم أدمج فيه ذكر ملك الموت لزيادة التخويف من الموت والتعريض بالوعيد من قوله { الذي وُكِّل بكم } فإنه موكل بكل ميت بما يناسب معاملته عند قبض روحه. وفيه إبطال لجهلهم بأن الموت بيد الله تعالى وأنه كما خلقهم يميتهم وكما يميتهم يحييهم، وأن الإماتة والإحياء بإذنه وتسخير ملائكته في الحالين. وذلك إبطال لقولهم
    { ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا }
    [الجاثية: 24]

    { وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ }

    قال ابن عاشور

    أردف ذكر إنكارهم البعث بتصوير حال المنكرين أثر البعث وذلك عند حشرهم إلى الحساب، وجيء في تصوير حالهم بطريقة حذف جواب { لو } حذفاً يرادفه أن تذهب نفس السامع كل مذهب من تصوير فظاعة حالهم وهول موقفهم بين يدي ربهم، وبتوجيه الخطاب إلى غير معيّن لإفادة تناهي حالهم في الظهور حتى لا يختصّ به مخاطب. والمعنى: لو ترى أيها الرائي لرأيت أمراً عظيماً.

    والمجرمون هم الذين قالوا
    { أإذا ضللنا في الأرض أَإنّا لفي خلق جديد }
    [السجدة: 10]،

    { وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ }

    قال الرازى

    جواباً عن قولهم:
    { رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا }
    [السجدة:12] وبيانه هو أنه تعالى قال: إني لو أرجعتكم إلى الإيمان لهديتكم في الدنيا ولما لم أهدكم تبين أني ما أردت وما شئت إيمانكم فلا أردكم، وقوله: { وَلَوْ شِئْنَا لأَتَيْنَا } صريح في أن مذهبنا صحيح حيث نقول إن الله ما أراد الإيمان من الكافر وما شاء منه إلا الكفر، ثم قال تعالى: { وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنْى لأَمْلانَّ جَهَنَّمَ } أي وقع القول وهو قوله تعالى لإبليس:
    { لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ }
    [صۤ: 85] هذا من حيث النقل وله وجه في العقل وهو أن الله تعالى لم يفعل فعلاً خالياً عن حكمة..

    وقال ابن عاشور

    ووجود الواو في أول هذا الكلام ينادي على أنه ليس جواباً لقول المشركين يومئذ فهم أقل من أن يجعلوا أهلاً لتلقي هذه الحكمة بل حقهم الإعراض عن جوابهم كما جاء في آية سورة المؤمنين (106 ــــ 108):
    { قالوا ربنا غَلَبَتْ علينا شقوتُنا وكنّا قوماً ضالّين ربنا أخرجنا منها فإنْ عدنا فإنّا ظالمون قال اخسأوا فيها ولا تُكَلّمون }
    ولأنه لا يلاقي سؤالهم لأنهم سألوا الرجوع ليعملوا صالحاً ولم يكن كلامهم اعتذاراً عن ضلالهم بأن الله لم يؤتهم الهدى في الحياة الدنيا، وإنما هذا بيان من الله ساقه للرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين ليحيطوا علماً بدقائق الحكمة الربانية.

    وقال القرطبي

    قال محمد بن كعب القُرَظيّ: لما قالوا: «رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ» ردّ عليهم بقوله: { وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } يقول: لو شئت لهديت الناس جميعاً فلم يختلف منهم أحد { وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي } الآية؛ ذكره ابن المبارك في «رقائقه» في حديث طويل. وقد ذكرناه في «التذكرة». النحاس: «وَلَوْ شِئْنَا لأتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا» في معناه قولان: أحدهما: أنه في الدنيا. والآخر: أن سياق الكلام يدلّ على أنه في الآخرة؛ أي لو شئنا لرددناهم إلى الدنيا والمحنة كما سألوا: { وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } أي حق القول مني لأعذّبن من عصاني بنار جهنم. وعلم الله تبارك وتعالى (أنه) لو ردهم لعادوا؛ كما قال تعالى: { وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ }.

    وقال البقاعى

    ولما كان ربما وقع في وهم أن ضلالهم مع الإمعان في البيان، لعجز عن هدايتهم أو توان، قال عاطفاً على ما تقديره: إني لا أردكم لأني لم أضلكم في الدنيا للعجز عن هدايتكم فيها، بل لأني لم أرد إسعادكم، ولو شئت لهديتكم، صارفاً القول إلى مظهر العظمة لاقتضاء المقام لها: { ولو شئنا }

    { فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }

    قال ابن عاشور

    هذا جواب عن قولهم
    { ربنا أبصرْنَا وسمِعنا }
    [السجدة: 12] الذي هو إقرار بصدق ما كانوا يكذّبون به، المؤذِن به قولهم { ربّنا أبصَرْنا وسمعنا }. فالفاء لتفريع جواب عن إقرارهم إلزاماً لهم بموجب إقرارهم، أي فيتفرع على اعترافكم بحقية ما كان الرسول يدعوكم إليه أن يلحقكم عذاب النار.

    { إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ }

    قال الالوسي

    وقوله تعالى: { إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـئَايَـٰتِنَا } استئناف مسوق لتقرير عدم استحقاقهم لإيتاء الهدى والإشعار بعدم إيمانهم لو أوتوه بتعيين من يستحقه بطريق القصر كأنه قيل: إنكم لا تؤمنون بآياتنا الدالة على شؤوننا ولا تعملون بموجبها عملاً صالحاً ولو أرجعناكم إلى الدنيا وإنما يؤمن { ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكّرُواْ بِهَا }

    وقال البقاعى

    ولما كان قوله تعالى: { بل هم بلقاء ربهم كافرون } قد أشار إلى أن الحامل لهم على الكفر الكبر، وذكر سبحانه أنه قسم الناس قسمين لأجل الدارين، تشوفت النفس إلى ذكر علامة أهل الإيمان كما ذكرت علامة أهل الكفران، فقال معرفاً أن المجرمين لا سبيل إلى إيمانهم
    { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه }
    [الأنعام: 28]: { إنما يؤمن بآياتنا }

    { تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } * { فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }

    قال البقاعى

    ولما كان المتواضع ربما نسب إلى الكسل، نفى ذلك عنهم بقوله مبيناً بما تضمنته الآية السالفة من خوفهم: { تتجافى } ..

    ولما كان هجران المضجع قد يكون لغير العبادة، بين أنه لها، فقال مبيناً لحالهم: { يدعون }..

    ولما كانت العبادة تقطع عن التوسع في الدنيا، فربما دعت نفس العابد إلى التسمك بما في يده خوفاً من نقص العبادة عن الحاجة لتشوش الفكر والحركة لطلب الرزق، حث على الإنفاق منه اعتماداً على الخلاق الرزاق الذي ضمن الخلف ليكونوا بما ضمن لهم أوثق منهم بما عندهم، وإيذاناً بأن الصلاة سبب للبركة في الرزق
    { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك }
    [طه: 132]، فقال لفتاً إلى مظهر العظمة تنبيهاً على أن الرزق منه وحده: { ومما رزقناهم } ..

    ولما ذكر جزاء المستكبرين، فتشوفت النفس إلى جزاء المتواضعين، أشار إلى جزائهم بفاء السبب، إشارة إلى أنه هو الذي وفقهم لهذه الأعمال برحمته، وجعلها سبباً إلى دخول جنته، ولو شاء لكان غير ذلك فقال: { فلا تعلم نفس }

    { أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ } * { أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } * { وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } * { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }

    قال البقاعى

    ولما كانوا أهل بلاغة ولسن، وبراعة: وجدل، فكان ربما قال متعنتهم: ما له إذا كان ما تزعمون من أنه لا يبالي بشيء ولا ينقص من خزائنه شيء وهو العزيز الرحيم، لا يسوي بين الكل في إدخال الجنة، والمن بالنعيم فيعمهم بالرحمة الظاهرة كما عمهم بها في الدينا كما هو دأب المحسنين؟ تسبب عن ذلك أن قال منكراً لذلك مشيراً إلى أن المانع منه خروجه عن الحكمة، فإن تلك دار الجزاء، وهذه دار العمل، فبينهما بون: { أفمن كان ..

    ولما نفى استواءهم، أتبعه حال كل على سبيل التفصيل معبراً بالجمع لأن الحكم بإرضائه وإسخاطه بفهم الحكم على الواحد منه من باب الأولى فقال: { أما الذين آمنوا وعملوا }..

    ولما كان المؤمنون الآن يتمنون إصابتهم بشيء من الهوان في هذه الدار، لأن نفوس البشر مطبوعة على العجلة، بشرهم بذلك على وجه يشمل عذاب القبر، فقال مؤكداً له لما عندهم من الإنكار لعذاب ما بعد الموت وللإصابة في الدنيا بما هم من الكثرة والقوة: { ولنذيقنهم } أي أجمعين بالمباشرة والتسبيب، بما لنا من العظمة التي تتلاشى عندها كثرتهم وقوتهم { من العذاب الأدنى } أي قبل يوم القيامة، بأيديكم وغيرها، وقد صدق الله قوله، وقد كانوا عند نزول هذه السورة بمكة المشرفة في غاية الكثرة والنعمة، فأذاقهم الجدب سنين متوالية، وفرق شملهم وقتلهم وأسرهم بأيدي المؤمنين إلى غير ذلك بما أراد سبحانه؛ ثم أكد الإرادة لما قبل الآخرة وحققها بقوله، معبراً بما يصلح للغيرية والسفول: { دون العذاب الأكبر } أي الذي مر ذكره في الآخرة { لعلهم يرجعون* } أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن فسقه عند من ينظره، وقد كان ذلك، رجع كثير منهم خوفاً من السيف، فلما رأوا محاسن الإسلام كانوا من أشد الناس فيه رغبة وله حباً.

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ } قال الحسن وأبو العالية والضحاك وأبَيّ بن كعب وإبراهيم النَّخَعِيّ: العذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها مما يُبْتَلَى به العبيد حتى يتوبوا؛ وقاله ابن عباس. وعنه أيضاً أنه الحدود. وقال ابن مسعود والحسين بن عليّ وعبد الله بن الحارث: هو القتل بالسيف يوم بدر. وقال مقاتل: الجوع سبع سنين بمكة حتى أكلوا الجِيف؛ وقاله مجاهد. وعنه أيضاً: العذاب الأدنى عذاب القبر؛ وقاله البراء بن عازب. قالوا: والأكبر عذاب يوم القيامة. قال القشيريّ: وقيل عذاب القبر. وفيه نظر؛ لقوله: { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }. قال: ومن حمل العذاب على القتل قال: { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } أي يرجع من بقي منهم. ولا خلاف أن العذاب الأكبر عذابُ جهنم؛ إلا ما روي عن جعفر بن محمد أنه خروج المهدي بالسيف. والأدنى غلاء السعر. وقد قيل: إن معنى قوله: { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } على قول مجاهد والبراء: أي لعلهم يريدون الرجوع ويطلبونه؛ كقوله:
    { فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً }
    [السجدة: 12]. وسُمِّيت إرادة الرجوع رجوعاً كما سُمّيت إرادة القيام قياماً في قوله تعالى:
    { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ }
    [المائدة: 6]. ويدلّ عليه قراءة من قرأ: «يُرْجَعُون» على البناء للمفعول؛ ذكره الزمخشري.

    وقال ابن الجوزى فى زاده

    { ولَنُذيقنَّهم مِنَ العذاب الأدنى } وفيه ستة أقوال.

    أحدها: أنه ما أصابهم يوم بدر، رواه مسروق عن ابن مسعود، وبه قال قتادة، والسدي.

    والثاني: سنون أُخذوا بها، رواه أبو عبيدة عن ابن مسعود، وبه قال النخعي. وقال مقاتل: أُخذوا بالجوع سبع سنين.

    والثالث: مصائب الدنيا، قاله أُبيُّ بن كعب، وابن عباس في رواية ابن أبي طلحة، وأبو العالية، والحسن، وقتادة، والضحاك.

    والرابع: الحدود، رواه عكرمة عن ابن عباس.

    والخامس: عذاب القبر، قاله البراء.

    والسادس: القتل والجوع، قاله مجاهد.

    قوله تعالى: { دون العذاب الأكبر } أي: قَبْل العذاب الأكبر؛ وفيه قولان.

    أحدهما: أنه عذاب يوم القيامة، قاله ابن مسعود.

    والثاني: أنه القتل ببدر، قاله مقاتل.

    قوله تعالى: { لعلَّهم يرجِعون } قال أبو العالية: لعلهم يتوبون. وقال ابن مسعود: لعلَّ مَنْ بقي منهم يتوب. وقال مقاتل: لكي يرجِعوا عن الكفر إِلى الإِيمان.

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,708
    { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ }

    قال ابن عاشور

    عطف على جملة
    { إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذُكِّروا بها }
    [السجدة: 15] إلى آخرها حيث اقتضت أن الذين قالوا:
    { أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد }
    [السجدة: 10] ليسوا كأولئك فانتُقل إلى الإخبار عنهم بأنهم أشد الناس ظلماً لأنهم يُذَكِّرون بآيات الله حين يتلى عليهم القرآن فيعرضون عن تدبرها ويَلْغون فيها، فآيات الله مراد بها القرآن.

    { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ } * { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ }

    قال الرازى

    ثم قال تعالى: { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ } لما قرر الأصول الثلاثة على ما بيناه عاد إلى الأصل الذي بدأ به وهو الرسالة المذكورة في قوله:
    { لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَـٰهُم مّن نَّذِيرٍ }
    [القصص: 46] وقال:
    { قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مّنَ ٱلرُّسُلِ }
    [الأحقاف: 9] بل كان قبلك رسل مثلك واختار من بينهم موسى لقربه من النبـي صلى الله عليه وسلم ووجود من كان على دينه إلزاماً لهم، وإنما لم يختر عيسى عليه السلام للذكر والاستدلال لأن اليهود ما كانوا يوافقون على نبوته، وأما النصارى فكانوا يعترفون بنبوة موسى عليه السلام فتمسك بالمجمع عليه

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ } أي فلا تكن يا محمد في شك من لقاء موسى؛ قاله ابن عباس. وقد لقِيه ليلة الإسراء. قتادة: المعنى فلا تكن في شك من أنك لقيته ليلة الإسراء. والمعنى واحد. وقيل: فلا تكن في شك من لقاء موسى في القيامة، وستلقاه فيها. وقيل: فلا تكن في شك من لقاء موسى الكتاب بالقبول؛ قاله مجاهد والزجاج. وعن الحسن أنه قال في معناه: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ } فأوذي وكُذّب، فلا تكن في شك من أنه سيلقاك ما لقِيَه من التكذيب والأذى؛ فالهاء عائدة على محذوف، والمعنى من لقاء ما لاقى. النحاس: وهذا قول غريب، إلا أنه من رواية عمرو بن عُبيد. وقيل في الكلام تقديم وتأخير؛ والمعنى: قل يتوفاكم مَلَك الموت الَّذِي وُكِّل بكم فلا تكن في مِرْية من لقائه؛ فجاء معترضاً بين { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ } وبين { وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ }. والضمير في «وَجَعَلْنَاهُ» فيه وجهان: أحدهما: جعلنا موسى؛ قاله قتادة. الثاني: جعلنا الكتاب؛ قاله الحسن.

    { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ }

    قال ابن عاشور

    أشير إلى ما مَنّ الله به على بني إسرائيل إذ جعل منهم أيمة يهدون بأمر الله والأمر يشمل الوحي بالشريعة لأنه أمر بها، ويشمل الانتصاب للإرشاد فإن الله أمر العلماء أن يبينوا الكتاب ويرشدوا إليه فإذا هدوا فإنما هدوا بأمره وبالعلم الذي آتاهم به أنبياؤهم وأحبارهم فأنعم الله عليهم بذلك لما صبروا وأيقنوا لما جاءهم من كتاب الله ومعجزات رسولهم فإن كان المراد من قوله { بآيٰتِنَا يُوقِنُونَ } دلائل صدق موسى عليه السلام، فالمعنى: أنهم صبروا على مشاق التكليف والخروج بهم من أرض مصر وما لقوه من فرعون وقومه من العذاب والاضطهاد وتيههم في البرية أربعين سنة وتدبروا في الآيات ونظروا حتى أيقنوا.

    { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } * { أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ }

    قال الرازى

    قوله: { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } هذا يصلح جواباً لسؤال: وهو أنه لما قال تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ } كان لقائل أن يقول كيف كانوا يهدون وهم اختلفوا وصاروا فرقاً وسبيل الحق واحد، فقال فيهم هداة والله بين المبتدع من المتبع كما يبين المؤمن من الكافر يوم القيامة، وفيه وجه آخر، وهو أن الله تعالى بين أنه يفصل بين المختلفين من أمة واحدة كما يفصل بين المختلفين من الأمم فينبغي أن لا يأمن من آمن وإن لم يجتهد، فإن المبتدع معذب كالكافر، غاية ما في الباب، أن عذاب الكافر أشد وآلم وأمد وأدوم.

    { أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ }

    قال ابن عاشور

    عطف على جملة
    { ومَن أظلم ممّن ذُكِّر بآيات ربه ثم أعرض عنها }
    [السجدة: 22]، ولما كان ذلك التذكير متصلاً كقوله
    { وقالوا أإذا ضَللنا أَإنّا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون }
    [السجدة: 10] كان الهدي، أي العلم المستفهم عنه بهذا الاستفهام شاملاً للهدي إلى دليل البعث وإلى دليل العقاب على الإعراض عن التذكير فأفاد قوله { كم أهلكنا من قبلهم من القرون } معنين: أحدهما: إهلاك أمم كانوا قبلهم فجاء هؤلاء المشركون بعدهم، وذلك تمثيل للبعث وتقريب لإمكانه. وثانيهما: إهلاك أمم كذبوا رسلهم ففيهم عبرة لهم أن يصيبهم مثل ما أصابهم.

    والاستفهام إنكاري، أي هم لم يهتدوا بدلائل النظر والاستدلال التي جاءهم بها القرآن فأعرضوا عنها ولا اتعظوا بمصَارع الأمم الذين كذبوا أنبياءهم وفي مهلكهم آيات تزجر أمثالهم عن السلوك فيما سلكوه. فضمير { لهم } عائد إلى المجرمين أو إلى من ذُكِّر بآيات ربه. و { يَهْدِ } من الهداية وهي الدلالة والإرشاد، يقال: هداه إلى كذا.

    وقال القرطبي

    الضمير في «يَمْشُونَ» أن يعود على الماشين في مساكن المهلكين؛ أي وهؤلاء يمشون ولا يعتبرون. ويحتمل أن يعود على المهلَكين فيكون حالاً؛ والمعنى: أهلكناهم ماشين في مساكنهم

    { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ }


    قال ابن عاشور

    عطف على
    { أو لم يَهْدِ لهم }
    [السجدة: 26]. ونيط الاستدلال هنا بالرؤية لأن إحياء الأرض بعد موتها ثم إخراج النبت منها دلالة مشاهدة. واختير المضارع في قوله { نسوق } لاستحضار الصورة العجيبة الدالة على القدرة الباهرة.

    { وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }

    قال الرازى

    ثم لما بين الرسالة والتوحيد بين الحشر بقوله تعالى: { وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } إلى آخر السورة، فصار ترتيب آخر السورة كترتيب أولها حيث ذكر الرسالة في أولها بقوله:
    { لِتُنذِرَ قَوْماً }
    [السجدة: 3] وفي آخرها بقوله:
    { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ }
    [السجدة:23] وذكر التوحيد بقوله:
    { ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ }
    [السجدة:4] وقوله:
    { ٱلَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَـٰنِ مِن طِينٍ }
    [السجدة:7] وفي آخر السورة ذكره بقوله:
    { أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ }
    [السجدة:26] وقوله: { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ } وذكر الحشر في أولها بقوله:
    { وَقَالُواْ أَءذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ }
    [السجدة: 10] وفي آخرها بقوله: { وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ }.

    وقال ابن عاشور

    يجوز أن يكون عطفاً على جملة
    { ثم أعرض عنها }
    [السجدة: 22]، أي: أعرضوا عن سماع الآيات والتدبر فيها وتجاوزوا ذلك إلى التكذيب والتهكم بها. ومناسبة ذكر ذلك هنا أنه وقع عقب الإشارة إلى دليل وقوع البعث وهو يوم الفصل. ويجوز أن يعطف على جملة
    { وقالوا أإذا ضَلَلْنا في الأرض أإنّا لفي خلق جديد }
    [السجدة: 10].

    والمعنى: أنهم كذبوا بالبعث وما معه من الوعيد في الآخرة وكذّبوا بوعيد عذاب الدنيا الذي منه قوله تعالى:
    { ولنُذِيقَنَّهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر }
    [السجدة: 21].

    وقال الالوسي

    { وَيَقُولُونَ } على وجه التكذيب والاستهزاء { مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ } أي الفصل للخصومة بينكم وبيننا، وكأن هذا متعلق بقوله تعالى:
    { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }
    [السجدة: 25] وقيل: أي النصر علينا، أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن قتادة قال: قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم إن لنا يوماً يوشك أن نستريح فيه وننتقم فيه فقال المشركون: متى هذا الفتح الخ فنزلت { وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ }

    { قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } * { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَٱنتَظِرْ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ }

    قال ابن عاشور

    فأمر الله الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يجيبهم على طريقة الأسلوب الحكيم بأن يومَ الفتح الحق هو يوم القيامة وهو يوم الفصل وحينئذ ينقطع أملَ الكفار في النجاة والاستفادة من الندامة والتوبة ولا يجدون إنظاراً لتدارك ما فاتهم، أي إفادتُهم هذه الموعظة خير لهم من تطلبهم معرفة وقت حلول يوم الفتح لأنهم يقولون يومئذ
    { ربنا أبصَرْنا وسمِعْنا فارجعنا نعملْ صالحاً إنّا موقنون }
    [السجدة: 12] مع ما في هذا الجواب من الإيماء إلى أن زمن حلوله غير معلوم للناس وأنه مما استأثر الله به فعلى من يحتاط لنجاة نفسه أن يعمل له من الآن فإنه لا يدري متى يحلّ به فـ
    { لا ينفعُ نفساً إيمانُها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً }
    [الأنعام: 158]. ففي هذا الجواب سلوك الأسلوب الحكيم من وجهين: من وجه العدول عن تعيين يوم الفتح، ومن وجه العدول بهم إلى يوم الفتح الحق، وهم إنما أرادوا بالفتح نصر المسلمين عليهم في الحياة الدنيا...

    وجملة { إنهم منتظرون } تعليل لما تضمنه الأمر بالانتظار من إضمار العذاب لهم. ومفعول { منتظرون } محذوف دل عليه السياق، أي منتظرون لكم الفرصة لحربكم أو لإخراجكم قال تعالى:
    { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون }
    [الطور: 30] وقال:
    { ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء }
    [التوبة: 98] أي لم نكن ظالمين في تقدير العذاب لهم لأنهم بدأوا بالظلم.

    وقال الالوسي

    هذا وتفسير { يَوْمَ ٱلْفَتْحِ } بيوم القيامة ظاهر على القول بأن المراد بالفتح الفصل للخصومة فقد قال سبحانه:
    { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَـٰمَةِ }
    [السجدة: 25] ولا يكاد يتسنى على القول بأن المراد به النصر على أولئك القائلين إذا كانوا عانين به النصر والغلبة عليهم في الدنيا كما هو ظاهر مما سمعت عن مجاهد، وعليه قيل: المراد بيوم الفتح يوم بدر، وأخرج ذلك الحاكم وصححه والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل: يوم فتح مكة، وحكى ذلك عن الحسن ومجاهد، واستشكل كلا القولين بأن قوله تعالى: { يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِيَمَـٰنُهُمْ } ظاهر في عدم قبول الإيمان من الكافر يومئذ مع أنه آمن ناس يوم بدر فقبل منهم وكذا يوم فتح مكة. وأجيب بأن الموصول على كل منهما عبارة عن المقتولين في ذلك اليوم على الكفر، فمعنى لا ينفعهم إيمانهم أنهم لا إيمان لهم حتى ينفعهم فهو على حد قوله:
    على لا حب لا يهتدي بمناره
    سواء أريد بهم قوم مخصوصون استهزؤوا أم لا وسواء عطف قوله تعالى: { وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } على المقيد أو على المجموع فتأمل. وتعقب بأن ذلك خلاف الظاهر، وأيضاً كون يوم الفتح يوم بدر بعيد عن كون السورة مكية وكذا كونه يوم فتح مكة، ويبعد هذا أيضاً قلة المقتولين في ذلك اليوم جداً تدبر.

    المناسبة بين اول السورة واخرها

    قال البقاعى


    وقد انطبق آخرها على أولها بالإنذار بهذا الكتاب، وأعلم بجلالته وجزالته وشدته وشجاعته أنه ليس فيه نوع ارتياب، وأيضاً فأولها في التذكيب بتنزيله، وآخرها في الاستهزاء بتأويله،
    { يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل }
    [الأعراف: 53] - الآية، وأيضاً فالأول في التكذيب بإنزال الروح المعنوي، والآخر في التكذيب بإعادة الروح العيني الحسي الذي ابتدأه أول مرة والله الهادي إلى الصواب.

    ولقد ذكرنا اخى الحبيب قول الرازى فى المناسبة بين اولها واخرها فى تفسير قوله ويقولون متى هذا الفتح

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,708
    المناسبة بين سورة السجدة والاحزاب

    { يَظ°أَيُّهَا ظ±لنَّبِيُّ ظ±تَّقِ ظ±للَّهَ وَلاَ تُطِعِ ظ±لْكَافِرِينَ وَظ±لْمُنَافِقِينَ إِنَّ ظ±للَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً } * { وَظ±تَّبِعْ مَا يُوحَىظ° إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ إِنَّ ظ±للَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً }

    قال البقاعى

    وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: افتتحها سبحانه بأمر نبيه باتقائه، ونهيه عن الصغو إلى الكافرين والمنافقين، واتباعه ما يوحي إليه، تنزيهاً لقدره عن محنة من سبق له الامتحان ممن قدم ذكره في سورة السجدة، وأمراً له بالتسليم لخالقه والتوكل عليه { والله يقول الحق وهو يهدي السبيل } ولما تحصل من السورتين من الإشارة إلى السوابق
    { ولو شئنا لأتـينا كل نفس هداها }
    [السجدة: 13] كان ذلك مظنة لتأنيس نبي الله صلى الله عليه وسلم وصالحي أتباعه، ولهذا أعقب سورة السجدة بهذه السورة المضمنة من التأنيس والبشارة ما يجري على المعهود من لطفه تعالى وسعة رحمته، فافتتح سبحانه السورة بخطاب نبيه صلى الله عليه وسلم بالتقوى، وإعلامه بما قد أعطاه قبل من سلوك سبيل النجاة وإن ورد على طريقة الأمر ليشعره باستقامة سبيله، وإيضاح دليله، وخاطبه بلفظ النبوة لأنه أمر عقب تخويف وإنذار وإن كان عليه السلام قد نزه الله قدره على أن يكون منه خلاف التقوى، وعصمه من كل ما ينافر نزاهة حاله وعلي منصبه، ولكن طريقة خطابه تعالى للعباد أنه تعالى متى جرد ذكرهم للمدح من غير أمر ولا نهي فهو موضع ذكرهم بالأخص الأمدح عن محمود صفاتهم، ومنه
    { محمد رسول الله والذين معه }
    [الفتح: 29] - الآيات، فذكر صلى الله عليه وسلم باسم الرسالة، ومهما كان الأمر والنهي، عدل في الغالب إلى الأعم، ومنه { يا أيها النبي اتق الله }
    { يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال }
    [الأنفال: 65]
    { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء }
    [الطلاق: 1]
    { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك }
    [التحريم: 1]
    { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين }
    [التوبة: 73]
    { يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات }
    [الممتحنة: 12] وقد تبين في غير هذا، وأن ما ورد على خلاف هذا القانون فلسبب خاص استدعى العدول عن المطرد كقوله:
    { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك }
    [المائدة: 67] فوجه هذا أن قوله سبحانه { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } موقعه شديد، فعودل بذكره صلى الله عليه وسلم باسم الرسالة لضرب من التلطف، فهو من باب

    { عفا الله عنك لم أذنت لهم }
    [التوبة: 43] وفيه بعض غموض، وأيضاً فإنه لما قيل له " بلغ " طابق هذا ذكره بالرسالة، فإن المبلغ رسول، والرسول مبلغ، ولا يلزم النبي أن يبلغ إلا أن يرسل، وأما قوله تعالى:
    { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر }
    [المائدة: 41] فأمره وإن كان نهياً أوضح من الأول، لأنه تسلية له عليه السلام وتأنيس وأمر بالصبر والرفق بنفسه، فبابه راجع إلى ما يرد مدحاً مجرداً عن الطلب، وعلى ما أشير إليه يخرج ما ورد من هذا. ولما افتتحت هذه السورة بما حاصله ما قدمناه من إعلامه عليه السلام من هذا الأمر بعلي حاله ومزية قدره، ناسب ذلك ما احتوت عليه السورة من باب التنزيه في مواضع منها إعلامه تعالى بأن أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين فنزهن عن أن يكون حكمهن حكم غيرهن من النساء مزية لهن وتخصيصاً وإجلالاً لنبيه صلى الله عليه وسلم، ومنها قوله تعالى: { ولما رأى المؤمنون الأحزاب } - الآية، فنزههم عن تطرق سوء أو دخول ارتياب على مصون معتقداتهم وجليل إيمانهم { قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً } والآية بعد ذلك، وهي قوله تعالى: { من المؤمنين رجال صدقوا } - الآية، ومنها { يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن } فنزههن سبحانه وبين شرفهن على من عداهن، ومنها تنزيه أهل البيت وتكرمتهم { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } الآية، ومنها الأمر بالحجاب { يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن } فنزه المؤمنات عن حالة الجاهلية من التبرج وعدم الحجاب، وصانهن عن التبذل والامتهان، ومنها قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى } فوصاهم جل وتعالى ونزههم بما نهاهم عنه أن يتشبهوا بمن استحق اللعن والغضب في سوء أدبهم وعظيم مرتكبهم، إلى ما تضمنت السورة من هذا القبيل، ثم أتبع سبحانه ما تقدم بالبشارة العامة واللطف الشامل كقوله تعالى: { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً } ثم قال تعالى: { وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً } وقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً } - إلى قوله تعالى: { أجراً كريماً } وقوله تعالى { إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً } وقوله تعالى: { إن المسلمين والمسلمات } - إلى قوله: { وأجراً عظيماً } وقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً } - إلى قوله: { عظيماً } وقوله تعالى: { ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات } إلى قوله: { وكان الله غفوراً رحيماً } وقوله تعالى مثنياً على المؤمنين بوفائهم وصدقهم { ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله } - إلى قوله: { وما بدلوا تبديلاً } وقوله: { وإثماً مبيناً } وفي هذه الآيات من تأنيس المؤمنين وبشارتهم وتعظيم حرمتهم ما يكسر سورة الخوف الحاصل من سورتي لقمان والسجدة ويسكن روعهم تأنيساً لا رفعاً, ومن هذا القبيل أيضاً ما تضمنت السورة من تعداد نعمه تعالى عليهم وتحسين خلاصهم كقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم } - إلى قوله: { هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً } وقوله تعالى: { ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال } إلى قوله: { وكان الله على كل شيء قديراً } وختم السورة بذكر التوبة والمغفرة أوضح شاهد لما تمهد من دليل قصدها وبيانها على ما وضح الحمد لله ولما كان حاصلها رحمة ولطفاً ونعمة، لا يقدر عظيم قدرها، وينقطع العالم دون الوفاء بشكرها، أعقب بما ينبغي من الحمد يعني أول سبأ - انتهى.

    وقال ابو حيان

    ومناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها واضحة، وهو أنه حكى أنهم يستعجلون الفتح، وهو الفصل بينهم، وأخبر تعالى أنه يوم الفتح لا ينفعهم إيمانهم، فأمره في أول هذه السورة بتقوى الله، ونهاه عن طاعة الكفار والمنافقين فيما أرادوا به

    وقال السيوطى فى تناسق الدرر

    وجه اتصالها تشابه مطلع هذه ومقطع تلك فتلك ختمت بامر النبي بالاعراض عن الكافرين و نتظار عذابهم ومطلع هذه بالامر بتقوى الله وعدم طاعىة الكافرين والمنافقين فصارت كالمتممة لما ختمت به تلك

    ملحوظة

    ذكر السيوطى فى وجه المناسبة بين السجدة ولقمان وجها جميلا فقال

    ان السجدة شرحت مفاتح الغيب الخمسة التى ذكرت فى خاتمة لقمان

    فقوله ثم يعرج اليه شرح لقوله ان الله عنده علم الساعة

    وقوله الم يروا انا نسوق الماء شرح لقوله وينزل الغيث

    وقوله الذى احسن كل شىء خلقه شرح لقوله ويعلم ما فى الارحام

    وقوله يدبر الامر من السماء شرح لقوله وماتدرى نفس ماذا تكسب غدا

    وقوله ائذا ضللنا فى الارض الى قوله قل يتوفاكم ملك الموت شرح لقوله وماتدرى نفس بأى ارض تموت

    النظم فى سورة الاحزاب


    { وَتَوَكَّلْ عَلَىظ° ظ±للَّهِ وَكَفَىظ° بِظ±للَّهِ وَكِيلاً }

    قال ابن عاشور

    زيادة تمهيد وتوطئة لتلقي تكليف يترقب منه أذى من المنافقين مثل قولهم: إن محمداً نهى عن تزوج نساء الأبناء وتزوج امرأة ابنه زيد بن حارثة، وهو ما يشير إليه قوله تعالى:
    { ودَعْ أذَاهُم وتوكَّلْ على الله وَكَفَىظ° بالله وَكِيلاً }
    [الأحزاب: 48]؛ فأمره بتقوى ربه دون غيره، وأتبعه بالأمر باتباع وحيه، وعززه بالأمر بما فيه تأييده وهو أن يفوّض أموره إلى الله.

    { مَّا جَعَلَ ظ±للَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ظ±للاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ذَظ°لِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَظ±للَّهُ يَقُولُ ظ±لْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي ظ±لسَّبِيلَ }

    قال الرازى

    ثم قال تعالى: { مَّا جَعَلَ ظ±للَّهُ لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ } قال بعض المفسرين الآية نزلت في أبـي معمر كان يقول لي قلبان أعلم وأفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد فرد الله عليه بقوله: { مَّا جَعَلَ ظ±للَّهُ لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ } ، وقال الزمخشري قوله: { وَمَا جَعَلَ أَزْوظ°جَكُمُ ظ±للاَّئِى تُظَـظ°هِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَـظ°تِكُمْ } أي ما جعل لرجل قلبين كما لم يجعل لرجل أمين ولا لابن أبوين، وكلاهما ضعيف بل الحق أن يقال إن الله لما أمر النبـي عليه الصلاة والسلام بالاتقاء بقوله: { يظ°أَيُّهَا ظ±لنَّبِىّ ظ±تَّقِ ظ±للَّهَ } فكان ذلك أمراً له بتقوى لا يكون فوقها تقوى ومن يتقي ويخاف شيئاً خوفاً شديداً لا يدخل في قلبه شيء آخر ألا ترى أن الخائف الشديد الخوف ينسى مهماته حالة الخوف فكأن الله تعالى قال يا أيها النبـي اتق الله حق تقاته، ومن حقها أن لا يكون في قلبك تقوى غير الله فإن المرء ليس له قلبان حى يتقي بأحدهما الله وبالآخرة غيره فإن اتقى غيره فلا يكون ذلك إلا بصرف القلب عن جهة الله إلى غيره وذلك لا يليق بالمتقي الذي يدعي أنه يتقي الله حق تقاته، ثم ذكر للنبـي عليه الصلاة والسلام أنه لا ينبغي أن يتقي أحداً ولا مثل ما اتقيت في حكاية زينب زوجة زيد حيث قال الله تعالى:
    { وَتَخْشَى ظ±لنَّاسَ وَظ±للَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَـظ°هُ }
    [الأحزاب: 37] يعني مثل تلك التقوى لا ينبغي أن تدخل في قلبك ثم لما ذكر النبـي عليه الصلاة والسلام بتلك الحالة ذكر ما يدفع عنه السوء. فقال: { وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ } أي وما جعل الله دعي المرء ابنه ثم قدم عليه ما هو دليل قوي على اندفاع القبح وهو قوله: { وَمَا جَعَلَ أَزْوظ°جَكُمُ ظ±للاَّئِى تُظَـظ°هِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَـظ°تِكُمْ } أي إنكم إذا قلتم لأزواجكم أنت علي كظهر أمي فلا تصير هي أماً بإجماع الكل، أما في الإسلام فلأنه ظهار لا يحرم الوطء، وأما في الجاهلية فلأنه كان طلاقاً حتى كان يجوز للزوج أن يتزوج بها من جديد، فإذا كان قول القائل لزوجته أنت أمي أو كظهر أمي لا يوجب صيرورة الزوجة أماً كذلك قول القائل للدعي أنت أبـي لا يوجب كونه ابناً فلا تصير زوجته زوجة الابن فلم يكن لأحد أن يقول في ذلك شيئاً فلم يكن خوفك من الناس له وجه كيف ولو كان أمراً مخوفاً ما كان يجوز أن تخاف غير الله أو ليس لك قلبان وقلبك مشغول بتقوى الله فما كان ينبغي أن تخاف أحداً.

    وقال القرطبي

    الثالثة: أعلم الله عز وجل في هذه الآية أنه لا أحد بقلبين، ويكون في هذا طعن على المنافقين الذين تقدّم ذكرهم؛ أي إنما هو قلب واحد، فإمّا فيه إيمان وإمّا فيه كفر؛ لأن درجة النفاق كأنها متوسطة، فنفاها الله تعالى وبيَّن أنه قلب واحد. وعلى هذا النحو يستشهد الإنسان بهذه الآية، متى نسي شيئاً أو وهم. يقول على جهة الاعتذار: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.

    وقال البقاعى

    ولما كان النازع إلى جهتين والمعالج لأمرين متباينين كأنه يتصرف بقلبين، أكد أمر الإخلاص في جعل الهم هماً واحداً فيما يكون من أمور الدين والدنيا، وفي المظاهرة والتبني وكل ما شابهها بضرب المثل بالقلبين - كما قال الزهري، فقال معللاً لما قبله بما فيه من الإشارة إلى أن الآدمي مع قطع النظر عن رتبة النبوة موضع لخفاء الأمور عليه: { ما جعل الله }..

    ولما كان كل من المظاهرة والتبني نازعاً إلى جهتين متنافيتين، وكان أهل الجاهلية يعدون الظهار طلاقاً مؤبداً لا رجعة فيه - كما نقله ابن الملقن في عمدة المنهاج عن صاحب الحاوي، وكان المخاطبون قد أعلاهم الوعظ السابق إلى التأهل للخطاب، لفت سبحانه القول إليه على قراءة الغيب في " يعلمون " لأبي عمرو فقال: { وما جعل أزواجكم } أي بما أباح لكم من الاستمتاع بهن من جهة الزوجية؛ ثم أشار إلى الجهة الأخرى بقوله: { اللائي تظاهرون منهن } أي كما يقول الإنسان للواحدة منهن: أنت عليّ كظهر أمي { أمهاتكم } بما حرم عليكم من الاستمتاع بهن حتى تجعلوا ذلك على التأييد وترتبوا على ذلك أحكام الأمهات كلها، لأنه لا يكون لرجل أمان، ولو جعل ذلك لضاق الأمر، واتسع الخرق، وامتنع الرتق { وما جعل أدعياءكم } بما جعل لهم من النسبة والانتساب إلى غيركم { أبناءكم } بما جعلتم لهم من الانتساب إليكم ليحل لهم إرثكم، وتحرم عليكم حلائلهم وغير ذلك من أحكام الأبناء، ولا يكون لابن أبوان، ولو جعل ذلك لضاعت الأنساب، وعم الارتياب، وانقلب كثير من الحقائق أيّ انقلاب، فانفتح بذلك من الفساد أبواب أيّ أبواب، فليس زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي الذي تبنيته ابناً لك أيها النبي بتبنيك له جزاء له باختياره لك على أبيه وأهله، وهذا توطئة لما يأتي من قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم لزينب بنت جحش مطلقة زيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه صلى الله عليه وسلم لما تزوجها قال المنافقون كما حكاه البغوي وغيره: تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية،

    وقال ابن كثير

    يقول تعالى موطئاً قبل المقصود المعنوي أمراً معروفاً حسياً، وهو أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه، ولاتصير زوجته التي يظاهر منها بقوله: أنت علي كظهر أمي، أماً له، كذلك لا يصير الدعي ولداً للرجل إِذا تبناه فدعاه ابناً له، فقال: { مَّا جَعَلَ ظ±للَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ظ±للاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ } كقوله عز وجل:
    { نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَـظ°تِهِمْ إِنْ أُمَّهَـظ°تُهُمْ إِلاَّ ظ±للاَّئِى وَلَدْنَهُمْ }
    [المجادلة: 2] الآية. وقوله تعالى: { مِنْهُنَّ أُمَّهَـظ°تِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ } هذا هو المقصود بالنفي، فإِنها نزلت في شأن زيد بن حارثة رضي الله عنه مولى النبي صلى الله عليه وسلم كان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبناه قبل النبوة، فكان يقال له: زيد بن محمد، فأراد الله تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله تعالى: { وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ } كما قال تعالى في أثناء السورة: { مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـظ°كِن رَّسُولَ ظ±للَّهِ وَخَاتَمَ ظ±لنَّبِيِّينَ وَكَانَ ظ±للَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً } وقال ههنا: { ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَظ°هِكُمْ } يعني: تبنيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابناً حقيقياً، فإِنه مخلوق من صلب رجل آخر، فما يمكن أن يكون أبوان، كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان { وَظ±للَّهُ يَقُولُ ظ±لْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي ظ±لسَّبِيلَ } قال سعيد بن جبير: { يَقُولُ ظ±لْحَقَّ } أي: العدل، وقال قتادة: { وَهُوَ يَهْدِي ظ±لسَّبِيلَ } أي: الصراط المستقيم.

    وقال الالوسي

    هذ ومناسبة قوله تعالى:
    { مَّا جَعَلَ ظ±للَّهُ }
    [الأحزاب: 4] الخ لما قبله أنه شروع في ذكر شيء من الوحي الذي أمر صلى الله عليه وسلم في اتباعه كذا قيل، وقيل: إنه تعالى لما أمر بالتقوى كان من حقها أن لا يكون في القلب تقوى غير الله تعالى فإن المرء ليس له قلبان يتقي بأحدهما الله تعالى وبالآخر غيره سبحانه إلا بصرف القلب عن جهة الله تعالى إلى غيره جل وعلا ولا يليق ذلك بمن يتقي الله تعالى حق تقاته، وعن أبـي مسلم أنه متصل بقوله تعالى:
    { وَلاَ تُطِعِ ظ±لْكَـظ°فِرِينَ وَظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ }
    [الأحزاب: 1] حيث جيء به للرد عليهم، والمعنى ليس لأحد قلبان يؤمن بأحدهما ويكفر بالآخر وإنما هو قلب واحد فإما أن يؤمن وإما أن يكفر، وقيل هو متصل ـ بلا تطع واتبع والمعنى أنه لا يمكن الجمع بين اتباعين متضادين اتباع الوحي والقرآن / واتباع أهل الكفر والطغيان فكنى عن ذلك بذكر القلبين لأن الاتباع يصدر عن الاعتقاد وهو من أفعال القلوب فكما لا يجمع قلبان في جوف واحد لا يجمع اعتقادان متضادان في قلب واحد، وقيل: هو متصل بقوله تعالى:

    { وَتَوَكَّلْ عَلَى ظ±للَّهِ وَكَفَىظ° بِظ±للَّهِ وَكِيلاً }
    [الأحزاب: 3] من حيث إنه مشعر بوحدته عز وجل فكأنه قيل: وتوكل على الله وكفى به تعالى وكيلاً فإنه سبحانه وتعالى وحده المدبر لأمور العالم، ثم أشار سبحانه وتعالى إلى أن أمر الرجل الواحد لا ينتظم ومعه قلبان فكيف تنتظم أمور العالم وله إلهان، وقيل: إن ذاك مسوق للتنفير عن إطاعة الكفرة والمنافقين بحكاية أباطيلهم، وذكر أن قوله تعالى: { مَّا جَعَلَ } الخ ضرب مثلاً للظهار والتبني أي كما لا يكون لرجل قلبان لا تكون المظاهرة أماً والمتبنى ابناً، وجعل المذكورات الثلاث بجملتها مثلاً فيما لا حقيقة له وارتضى ذلك غير واحد، وقال الطيبـي: إن هذا أنسب لنظم القرآن لأنه تعالى نسق المنفيات الثلاث عن ترتيب واحد، وجعل سبحانه قوله جل وعلا: { ذظ°لِكُمْ } فذلكة لها ثم حكم تعالى بأن ذلك قول لا حقيقة له، ثم ذيل سبحانه وتعالى الكل بقوله تعالى:
    { وَظ±للَّهُ يَقُولُ ظ±لْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى ظ±لسَّبِيلَ }
    [الأحزاب: 4] وتعقبه في «الكشف» بأن سبب النزول وقوله سبحانه بعد التذييل { ظ±دْعُوهُمْ لأِبَائِهِمْ } الآية شاهدا صدق بأن الأول مضروب للتبني ثم إنهم ما كانوا يجعلون الأزواج أمهات بل كانوا يجعلون اللفظ طلاقاً فإدخاله في قرن مسألة التبني استطراداً هو الوجه لا أنه قول لا حقيقة له كالأول. وانتصر الخفاجي للجماعة فقال: لو كان مثلاً للتبني فقط لم يفصل منه، وكون القلبين لرجل وجعل المتبني ابناً في جميع الأحكام مما لا حقيقة له في نفس الأمر ولا في شرع ظاهر، وكذا جعل الأزواج كالأمهات في الحرمة المؤبدة مطلقاً من مخترعاتهم التي لم يستندوا فيها إلى مستند شرعي فلا حقيقة له أيضاً فما ادعاه غير وارد عليهم لا سيما مع مخالفته لما روى عنهم انتهى، ويد الله تعالى مع الجماعة.

    وبين الطيبـي نظم الآيات من مفتتح السورة إلى هظ°هنا فقال: إن الاستهلال بقوله تعالى:
    { يظ°أَيُّهَا ظ±لنَّبِىّ ظ±تَّقِ ظ±للَّهَ }
    [الأحزاب: 1] دال على أن الخطاب مشتمل على التبنية على أمر معتنى بشأنه لائح فيه معنى التهييج والإلهاب، ومن ثم عطف عليه { وَلاَ تُطِعِ } كما يعطف الخاص على العام وأردف النهي بالأمر على نحو قولك لا تطع من يخذلك واتبع ناصرك، ولا يبعد أن يسمى بالطرد والعكس، ثم أمر بالتوكل تشجيعاً على مخالفة أعداء الدين والالتجاء إلى حريم جلال الله تعالى ليكفيه شرورهم، ثم عقب سبحانه كلا من تلك الأوامر على سبيل التتميم والتذييل بما يطابقه، وعلل قوله تعالى: { وَلاَ تُطِعِ ظ±لْكَـظ°فِرِينَ وَظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ } بقوله سبحانه وتعالى

    { إِنَّ ظ±للَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً }
    [الأحزاب: 1] تتميماً للارتداع أي اتق الله فيما تأتي وتذر في سرك وعلانيتك لأنه تعالى عليم بالأحوال كلها يجب أن يحذر من سخطه حكيم لا يحب متابعة حبيبه أعداءه، وعلل قوله تعالى:
    { وَظ±تَّبِعْ مَا يُوحَىظ° إِلَـيْكَ مِن رَبّكَ }
    [الأحزاب: 2] بقوله تعالى:
    { إِنَّ ظ±للَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً }
    [الأحزاب: 2] تتميماً أيضاً أي اتبع الحق ولا تتبع أهواءهم الباطلة وآراءهم الرائغة لأن الله تعالى يعلم عملك وعملهم فيكافىء كلاً ما يستحقه، وذيل سبحانه وتعالى قوله تبارك وتعالى: { وَتَوَكَّلْ عَلَى ظ±للَّهِ } بقوله تعالى:
    { وَكَفَىظ° بِظ±للَّهِ وَكِيلاً }
    [الأحزاب: 3] تقريراً وتوكيداً على منوال فلان ينطق والحق أبلج يعني من حق من يكون كافياً لكل الأمور أن تفوض الأمور إليه وتوكل عليه، وفصل قوله تعالى:
    { مَّا جَعَلَ ظ±للَّهُ لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ }
    [الأحزاب: 4] على سبيل الاستئناف تنبيهاً على بعض من أباطيلهم وتمحلاتهم، وقوله تعالى: { ذَلِكُمْ قَوْلُكُم } الخ فذلكة لتلك الأقوال آذنت بأنها جديرة بأن يحكم عليها بالبطلان وحقيق بأن يذم قائلها فضلاً عن أن يطاع، ثم وصل تعالى:
    { وَظ±للَّهُ يَقُولُ ظ±لْحَقَّ }
    [الأحزاب: 4] الخ على هذه الفذلكة بجامع التضاد على منوال ما سبق في { وَلاَ تُطِعِ } { واتبع } وفصل قوله تعالى: { ظ±دْعُوهُمْ لأِبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ظ±للَّهِ } وقوله تعالى: { ظ±لنَّبِىّ } [الأحزاب: 6] الخ وهلم جرا إلى آخر السورة تفصيلاً لقول الحق والاهتداء إلى / السبيل القويم انتهى فتأمل ولا تغفل.

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,708
    { ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }

    قال البقاعى

    ولما كان كأنه قيل: فما تقول؟ اهدنا إلى سبيل الحق في ذلك، أرشد إلى أمر التبني إشارة إلى أنه هو المقصود في هذه السورة لما يأتي بعد من آثاره التي هي المقصودة بالذات بقوله: { ادعوهم } أي الأدعياء { لآبائهم } أي إن علموا ولداً قالوا: زيد بن حارثة؛ ثم علله بقوله: { هو } أي هذا الدعاء { أقسط } أي أقرب إلى العدل من التبني وإن كان إنما هو لمزيد الشفقة على المتبني والإحسان إليه { عند الله } أي الجامع لجميع صفات الكمال، فلا ينبغي أن يفعل في ملكه إلا ما هو أقرب إلى الكمال، وفي هذا النسبة إلى ما مضى بعض التنفيس عنهم، وإشارة إلى أن ذلك التغليظ بالنسبة إلى مجموع القولين المتقدمين.

    { ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً }

    قال الرازى

    قوله تعالى: { ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } تقرير لصحة ما صدر منه عليه الصلاة والسلام من التزوج بزينب وكأن هذا جواب عن سؤال وهو أن قائلاً لو قال هب أن الأدعياء ليسوا بأبناء كما قلت لكن من سماه غيره ابناً إذا كان لدعيه شيء حسن لا يليق بمروءته أن يأخذه منه ويطعن فيه عرفاً فقال الله تعالى { ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ } جواباً عن ذلك السؤال وتقريره هو أن دفع الحاجات على مراتب؛ دفع حاجة الأجانب ثم دفع حاجة الأقارب الذين على حواشي النسب ثم دفع حاجة الأصول والفصول ثم دفع حاجة النفس، والأول عرفاً دون الثاني وكذلك شرعاً فإن العاقلة تتحمل الدية عنهم ولا تتحملها عن الأجانب والثاني دون الثالث أيضاً وهو ظاهر بدليل النفقة والثالث دون الرابع فإن النفس تقدم على الغير وإليه أشار النبـي عليه الصلاة والسلام بقوله: " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " إذا علمت هذا فالإنسان إذا كان معه ما يغطي به إحدى الرجلين أو يدفع به حاجة عن أحد شقي بدنه، فلو أخذ الغطاء من أحدهما وغطى به الآخر لا يكون لأحد أن يقول له لم فعلت فضلاً عن أن يقول بئسما فعلت، اللهم إلا أن يكون أحد العضوين أشرف من الآخر مثل ما إذا وقى الإنسان عينه بيده ويدفع البرد عن رأسه الذي هو معدن حواسه ويترك رجله تبرد فإنه الواجب عقلاً، فمن يعكس الأمر يقال له لم فعلت، وإذا تبين هذا فالنبـي صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمن من نفسه فلو دفع المؤمن حاجة نفسه دون حاجة نبيه يكون مثله مثل من يدهن شعره ويكشف رأسه في برد مفرط قاصداً به تربية شعره ولا يعلم أنه يؤذي رأسه الذي لا نبات لشعره إلا منه، فكذلك دفع حاجة النفس فراغها إلى عبادة الله تعالى ولا علم بكيفية العبادة إلا من الرسول عليه الصلاة والسلام، فلو دفع الإنسان حاجته لا للعبادة فهو ليس دفعاً للحاجة لأن دفع الحاجة ما هو فوق تحصيل المصلحة وهذا ليس فيه مصلحة فضلاً عن أن يكون حاجة وإذا كان للعبادة فترك النبـي الذي منه يتعلم كيفية العبادة في الحاجة ودفع حاجة النفس مثل تربية الشعر مع إهمال أمر الرأس، فتبين أن النبـي صلى الله عليه وسلم إذا أراد شيئاً حرم على الأمة التعرض إليه في الحكمة الواضحة.

    ثم قال تعالى: { وَأَزْوٰجُهُ أُمَّهَـٰتُهُمْ } تقريراً آخر، وذلك لأن زوجة النبـي صلى الله عليه وسلم ما جعلها الله تعالى في حكم الأم إلا لقطع نظر الأمة عما تعلق به غرض النبـي عليه الصلاة والسلام، فإذا تعلق خاطره بامرأة شاركت الزوجات في التعلق فحرمت مثل ما حرمت أزواجه على غيره، فلو قال قائل كيف قال: { وَأَزْوٰجُهُ أُمَّهَـٰتُهُمْ } وقال من قبل: { وَمَا جَعَلَ أَزْوٰجَكُمُ ٱللاَّئِى تُظَـٰهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَـٰتِكُمْ } إشارة إلى أن غير من ولدت لا تصير أماً بوجه، ولذلك قال تعالى في موضع آخر:{ إِنْ أُمَّهَـٰتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِى وَلَدْنَهُمْ }
    [المجادلة: 2]...


    ثم قال تعالى: { وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُوراً } إشارة إلى الميراث، وقوله: { إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً } إشارة إلى الوصية، يعني إن أوصيتم فغير الوارثين أولى، وإن لم توصوا فالوارثون أولى بميراثكم وبما تركتم، فإن قيل فعلى هذا أي تعلق للميراث والوصية بما ذكرت نقول تعلق قوي خفي لا يتبين إلا لمن هداه الله بنوره، وهو أن غير النبـي عليه الصلاة والسلام في حال حياته لا يصير له مال الغير، وبعد وفاته لا يصير ماله لغير ورثته، والنبـي عليه الصلاة والسلام في حال حياته كان يصير له مال الغير إذا أراده ولا يصير ماله لورثته بعد وفاته كأن الله تعالى عوض النبـي عليه الصلاة والسلام عن قطع ميراثه بقدرته على تملك مال الغير وعوض المؤمنين بأن ما تركه يرجع إليهم، حتى لا يكون حرج على المؤمنين في أن النبـي صلى الله عليه وسلم إذا أراد شيئاً يصير له ثم يموت ويبقى لورثته فيفوت عليهم ولا يرجع إليهم فقال تعالى: { وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ } يعني بينكم التوارث فيصير مال أحدكم لغيره بالإرث والنبـي لا توارث بينه وبين أقاربه فينبغي أن يكون له بدل هذا أنه أولى في حياته بما في أيديكم الثاني: هو أن الله تعالى ذكر دليلاً على أن النبـي عليه الصلاة والسلام أولي بالمؤمنين وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، ثم إذا أراد أحد براً مع صديق فيوصي له بشيء فيصير أولى من قريبه وكأنه بالوصية قطع الإرث وقال هذا مالي لا ينتقل عني إلا إلى من أريده، فكذلك الله تعالى جعل لصديقه من الدنيا ما أراده ثم ما يفضل منه يكون لغيره وقوله: { كان ذلك في الكتاب مسطوراً } فيه وجهان أحدهما: في القرآن وهو آية المواريث والوصية والثاني: في اللوح المحفوظ.

    وقال ابن عاشور

    { ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ }

    استئناف بياني أن قوله تعالى:
    { وما جعل أدعياءكم أبناءكم }
    [الأحزاب: 4] وقوله
    { ادعوهم لآبائهم }
    [الأحزاب: 5] كان قد شمل في أول ما شمله إبطال بنوّة زيد بن حارثة للنبيء صلى الله عليه وسلم فكان بحيث يثير سؤالاً في نفوس الناس عن مدى صلة المؤمنين بنبيئهم صلى الله عليه وسلم وهل هي علاقة الأجانب من المؤمنين بعضهم ببعض سواء فلأجل تعليم المؤمنين حقوق النبي وحرمته جاءت هذه الآية مبينة أن النبي أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم. والمعنى: أنه أولى بكل مؤمن من أنفس المؤمنين...

    { وَأُوْلُوا ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِى الكِتَابِ مَسْطُوراً }

    أعقب نسخ أحكام التبنّي التي منها ميراث المتبنِّي مَن تبناه والعكس بإبطال نظيره وهو المَواخاة التي كانت بين رجال من المهاجرين مع رجال من الأنصار وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا نزل بالمدينة مع من هاجر معه، جعل لكل رجل من المهاجرين رجلاً أخاً له من الأنصار فآخى بين أبي بكر الصديق وبين خارجة بن زيد، وبين الزبير وكعب بن مالك، وبين عبد الرحمان بن عوف وسعد بن الربيع، وبين سلمان وأبي الدرداء، وبين عثمان بن مظعون وأبي قتادة الأنصاري؛ فتوارث المتآخون منهم بتلك المؤاخاة زماناً كما يرث الإخوة ثم نسخ ذلك بهذه الآية، كما نسخ التوارث بالتبنّي بآية
    { ادعوهم لآبائهم }
    [الأحزاب: 5]، فبينت هذه الآية أن القرابة هي سبب الإرث إلا الانتساب الجعلي.

    فالمراد بأولي الأرحام: الإخوة الحقيقيون

    وقال البقاعى


    ولما نهى سبحانه عن التبني، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد بن حارثة مولاه لما اختاره على أبيه وأمه، علل سبحانه النهي فيه بالخصوص بقوله دالاً على أن الأمر أعظم من ذلك: { النبي } أي الذي ينبئه الله بدقائق الأحوال في بدائع الأقوال، ويرفعه دائماً في مراقي الكمال، ولا يريد أن يشغله بولد ولا مال { أولى بالمؤمنين } ..

    ولما رد الله سبحانه الأشياء إلى أصولها، ونهى عن التشتت والتشعب، وكان من ذلك أمر التبني، وكان من المتفرع عليه الميراث بما كان قديماً من الهجرة والنصرة والأخوة التي قررها النبي صلى الله عليه وسلم لما كان الأمر محتاجاً إليها، وكان ذلك قد نسخ بالآية التي في آخر الأنفال، وهي قبل هذه السورة ترتيباً ونزولاً، وكان ما ذكر هنا فرداً داخلاً في عموم العبارة في تلك الآية، أعادها منا تأكيداً وتنصيصاً على هذا الفرد للاهتمام به مع ما فيها من تفصيل وزيادة فقال: { وأولوا الأرحام }

    { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً }* { لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً }

    قال الرازى

    وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى لما أمر النبـي عليه الصلاة والسلام بالاتقاء بقوله:
    { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ }
    [الأحزاب: 1] وأكده بالحكاية التي خشى فيها الناس لكي لا يخشى فيها أحداً غيره وبين أنه لم يرتكب أمراً يوجب الخشية بقوله:
    { ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ }
    [الأحزاب: 6] أكده بوجه آخر وقال: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ } كأنه قال اتق الله ولا تخف أحداً واذكر أن الله أخذ ميثاق النبيين في أنهم يبلغون رسالات الله ولا يمنعهم من ذلك خوف ولا طمع

    وقال ابن عاشور

    عطف على قوله
    { يا أيها النبي اتق الله ولا تُطِع الكافرين والمنافقين }
    [الأحزاب: 1] إلى قوله:
    { وكفى بالله وكيلاً }
    [الأحزاب: 3] فلذلك تضمن الأمر بإقامة الدين على ما أراده الله تعالى وأوحى به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى نبذ سنن الكافرين الصرحاء والمنافقين من أحكام الهوى والأوهام.

    فلما ذكر ذلك وعقب بمثل ثلاثة من أحكام جاهليتهم الضالة بما طال من الكلام إلى هنا ثُني عنان الكلام إلى الإعلام بأن الذي أمره الله به هو من عهود أخذها الله على النبيئين والمرسلين من أول عهود الشرائع. وتربط هذا الكلام بالكلام الذي عطف هو عليه مناسبة قوله:
    { كان ذلك في الكتاب مسطوراً }
    [الأحزاب: 6]. وبهذا الارتباط بين الكلامين لم يُحتج إلى بيان الميثاق الذي أخذه الله تعالى على النبيئين، فعُلم أن المعنى: وإذا أخذنا من النبيئين ميثاقهم بتقوى الله وبنبذ طاعة الكافرين والمنافقين وباتباع ما أوحى الله به. وقوله
    { إن الله كان عليماً حكيماً }
    [الأحزاب: 1] { ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذاباً أليماً } فلما أمر النبي بالاقتصار على تقوى الله وبالإعراض عن دعوى الكافرين والمنافقين، أُعلم بأن ذلك شأن النبيئين من قبله، ولذلك عطف قوله { ومنك } عقب ذكر النبيئين تنبيهاً على أن شأن الرسل واحد وأن سنة الله فيهم متحدة، فهذه الآية لها معنى التذييل لآية
    { يا أيها النبي اتق الله ولا تُطع الكافرين والمنافقين }
    [الأحزاب: 1] الآيات الثلاث ولكنها جاءت معطوفة بالواو لبعد ما بينها وما بين الآيات الثلاث المتقدمة...

    واللام في قوله { ليسأل الصادقين عن صدقهم } لام كي، أي: أخذنا منهم ميثاقاً غليظاً لنعظّم جزاءً للذين يُوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ولنُشدِّد العذاب جزاءً للذين يكفرون بما جاءتهم به رسل الله، فيكون من دواعي ذكر هذا الميثاق هنا أنه توطئة لذكر جزاء الصادقين وعذاب الكافرين زيادة على ما ذكرنا من دواعي ذلك آنفاً. وهذه علة من علل أخذ الميثاق من النبيين وهي آخر العِلل حصولاً فأشعر ذكرُها بأن لهذا الميثاق عِللاً تحصل قبل أن يُسْأل الصادقون عن صدقهم، وهي ما في الأعمال المأخوذ ميثاقهم عليها من جلب المصالح ودرء المفاسد، وذلك هو ما يُسأل العاملون عن عمله من خير وشرٍ.

    { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً }

    قال ابن عاشور

    ابتداء لغرض عظيم من أغراض نزول هذه السورة والذي حفّ بآيات وعِبَر من ابتدائه ومن عواقبه تعليماً للمؤمنين وتذكيراً ليزيدهم يقيناً وتبصيراً. فافتتح الكلام بتوجيه الخطاب إليهم لأنهم أهله وأحقّاءُ به، ولأن فيه تخليد كرامتهم ويقينهم وعناية الله بهم ولطفَه لهم وتحقيراً لعدوّهم ومن يكيد لهم، وأمروا أن يذكروا هذه النعمة ولا ينسوها لأن في ذكرها تجديداً للاعتزاز بدينهم والثقة بربهم والتصديق لنبيهم صلى الله عليه وسلم.

    واختيرت للتذكير بهذا اليوم مناسبةُ الأمر بعدم طاعة الكافرين والمنافقين لأن من النِعم التي حفّت بالمؤمنين في يوم الأحزاب أن الله ردّ كيد الكافرين والمنافقين فذُكِّر المؤمنون بسابق كيد المنافقين في تلك الأزمة ليحذروا مكائدهم وأراجيفهم في قضية التبنّي وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم مطلَّقة متبناه، ولذلك خصّ المنافقون بقوله:
    { وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض }
    [الأحزاب: 12] الآيات؛ على أن قضية إبطال التبنّي وإباحة تزوّج مطلق الأدعياء كان بقرب وقعة الأحزاب.

    { إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ } * { هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً }

    قال ابن عاشور

    { إذ جاءوكم } بدل من
    { إذ جاءتكم جنود }
    [الأحزاب: 9] بدلَ مفصَّل من مجمل. والمراد بــــ(فوق) و { أسفل } فوق جهة المدينة وأسفلها.

    { وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً } * { وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ وَيَسْتَئْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً }

    قال ابن عاشور

    عطف على
    { وإذْ زاغتْ الأبصار }
    [الأحزاب: 10] فإن ذلك كله مما ألحَق بالمسلمين ابتلاء فبعضه من حال الحرب وبعضه من أذى المنافقين، ليحذروا المنافقين فيما يحدث من بعد، ولئلا يخشوا كيدهم فإن الله يصرفه كما صرف أشدَّه يوم الأحزاب.

    وقال ابن كثير

    وقوله: { يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ } أي: ههنا، يعنون: عند النبي صلى الله عليه وسلم في مقام المرابطة، { فَٱرْجِعُواْ } أي: إِلى بيوتكم ومنازلكم، { وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ } قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا نخاف عليها السراق، وكذا قال غير واحد، وذكر ابن إِسحاق أن القائل لذلك هو أوس بن قيظي، يعني اعتذروا في الرجوع إِلى منازلهم بأنها عورة، أي: ليس دونها ما يحجبها من العدو، فهم يخشون عليها منهم، قال الله تعالى: { وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ } أي: ليست كما يزعمون، { إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً } أي: هرباً من الزحف.

    وقال ابن الجوزى فى زاده

    قوله تعالى: { فارجِعوا } أي: إِلى المدينة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بالمسلمين حتى عسكروا بـ «سَلْعِ»، وجعلوا الخندق بينهم وبين القوم، فقال المنافقون للناس: ليس لكم هاهنا مُقام، لكثرة العدوِّ، وهذا قول الجمهور. وحكى الماوردي قولَين [آخرَين].

    أحدهما: لا مُقام لكم على دين محمد فارجِعوا إِلى دين مشركي العرب، قاله الحسن.

    والثاني: لا مُقام لكم على القتال، فارجعوا إِلى طلب الأمان، قاله الكلبي.

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,708
    وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ظ±لْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً } * { وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ظ±للَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ظ±لأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ ظ±للَّهِ مَسْئُولاً }

    قال البقاعى

    ولما كانت عنايتهم مشتدة بملازمة دورهم. فأظهروا اشتداد العناية بحمايتها زوراً, بين الله ذلك ودل عليه بالإسناد إلى الدور تنبيهاً على أنها ربة الحماية والعمدة فقال: { ولو دخلت } أي بيوتهم من أيّ داخل كان من هؤلاء الأحزاب أو غيرهم، وأنث الفعل نصاً على المراد وإشارة إلى أن ما ينسب إليهم جدير بالضعف، وعبر بأداة الاستعلاء فقال: { عليهم } إشارة إلى أنه دخول غلبة { من أقطارها } أي جوانبها كلها بحيث لا يكون لهم مكان للهرب.

    ولما كان قصد الفرار مع الإحاطة بالدار، من جميع الأقطار، دون الاستقتال للدفع عن الأهل والمال، بعيداً عن أفعال الرجال؛ عبر بأداة التراخي فقال: { ثم سئلوا } أي من أيّ سائل كان { الفتنة } أي الخروج منها فارّين، وكأنه سماه بها لأنه لما كان أشد الفتنة من حيث أنه لا يخرج الإنسان من بيته إلا الموت أو ما يقاربه كان كأنه لا فتنة سواه { لأتوها } أي الفتنة بالخروج فراراً، إجابة لسؤال من سألهم مع غلبة الظن بالدخول على صفة الإحاطة أن لا نجاة، فهم أبداً يعولون على الفرار من غير قتال حماية لذمار او دفعاً لعار، أو ذباً عن أهل أو جار، وهذا المعنى ينتظم قراءة أهل الحجاز بالقصر وغيرهم بالمد، فإن من أجاب إلى الفرار فقد أعطى ما كأنه كان في يده منه غلبة وجبناً وقد جأءه وفعله.

    ولما كان هذا عند العرب - مع ما لهم من النجدة والخوف من السبة - لا يكاد يصدق، أشار إلى ذلك بتأكيده في زيادة تصويره فقال: { وما تلبثوا بها } أي البيوت { إلا يسيراً * } فصح بهذا أنهم لا يقصدون إلا الفرار، لا حفظ البيوت من المضار، ويدلك على هذا المعنى إتباعه بقوله مؤكداً لأجل ما لهم من الإنكار والحلف بالكذب: { ولقد كانوا } أي هؤلاء الذين أسرعوا الإجابة إلى الفرار مع الدخول عليهم على تلك الصفة من سبي حريمهم واجتياح بيضتهم { عاهدوا الله } أي الذي لا أجلّ منه.

    وقال ابن عاشور

    موقع هذه الآية زيادة تقرير لمضمون جملة
    { وما هي بعورة إنْ يريدون إلا فراراً }
    [الأحزاب: 13] فإنها لتكذيبهم في إظهارهم التخوف على بيوتهم، ومرادهم خذل المسلمين. ولم أجد فيما رأيت من كلام المفسرين ولا من أهل اللغة مَن أفصَحَ عن معنى (الدُخول) في مثل هذه الآية وما ذكروا إلاّ معنى الولوج إلى المكان مثل ولوج البيوت أو المدن، وهو الحقيقة. والذي أراه أن الدخول كثر إطلاقه على دخول خاص وهو اقتحام الجيش أو المغيرين أرضاً أو بلداً لغزْو أهله، قال تعالى: { وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا } إلى قوله:
    { يا قوم ادخلوا الأرض المقدَّسة التي كتب الله لكم ولا ترتدُّوا على أدباركم }
    [المائدة: 21]، وأنه يُعدّى غالباً إلى المغزوِّين بحرف (على). ومنه قوله تعالى: { قال رجلان من الذين يخافون أنعَمَ الله عليهما ادْخُلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون } إلى قوله:
    { قالوا يا موسى إنّا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا }
    [المائدة: 24] فإنه ما يصلح إلا معنى دخول القتال والحرب لقوله: { فإذا دخلتموه فإنكم غالبون } لظهور أنه لا يراد: إذا دخلتم دخول ضيافة أو تَجول أو تجسس، فيفهم من الدخول في مثل هذا المقام معنى الغزو والفتح كما نقول: عام دخول التتار بغداد، ولذلك فالدخول في قوله: { ولو دُخِلت عليهم } هو دخول الغزو فيتعين أن يكون ضمير { دُخلت } عائداً إلى مدينة يثرب لا إلى البيوت من قولهم
    { إن بيوتنا عورة }
    [الأحزاب: 13]، والمعنى: لو غُزِيت المدينة من جوانبها الخ...

    وقوله { عليهم } يتعلق بــــ { دُخلت } لأن بناء { دُخلت } للنائب مقتض فاعلاً محذوفاً. فالمراد: دخول الداخلين على أهل المدينة كما جاء على الأصل في قوله
    { ادخلوا عليهم الباب }
    في سورة العقود (23).

    والأقطار: جمع قُطر بضم القاف وسكون الطاء وهو الناحية من المكان. وإضافة (أقطار) وهو جمع تفيد العموم، أي: من جميع جوانب المدينة وذلك أشد هجوم العدوّ على المدينة كقوله تعالى:
    { إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفلَ منكم }
    [الأحزاب: 10]. وأسند فعل { دُخلت } إلى المجهول لظهور أن فاعل الدخول قوم غزاة. وقد أبدى المفسرون في كيفية نظم هذه الآية احتمالات متفاوتة في معاني الكلمات وفي حاصل المعنى المراد، وأقربها ما قاله ابن عطية على غموض فيه، ويليه ما في «الكشاف». والذي ينبغي التفسير به أن تكون جملة { ولو دُخلت عليهم } في موضع الحال من ضمير
    { يريدون }
    [الأحزاب: 13] أو من ضمير { وما هي بعورة } زيادة في تكذيب قولهم
    { إن بيوتنا عورة }
    [الأحزاب: 13].

    والضمير المستتر في { دُخلت } عائد إلى المدينة لأن إضافة الأقطار يناسب المدن والمواطن ولا يناسب البيوت. فيصير المعنى: لو دَخَل الغزاة عليهم المدينة وهم قاطنون فيها.

    و { ثم } للترتيب الرتبي، وكان مقتضى الظاهر أن يعطف بالواو لا بــــ { ثم } لأن المذكور بعد { ثم } هنا داخل في فعل شرط { لو } ووارد عليه جوابها، فعدل عن الواو إلى { ثم } للتنبيه على أن ما بعد { ثم } أهم من الذي قبلها كشأن { ثم } في عطف الجُمل، أي: أنهم مع ذلك يأتون الفتنة، و { الفتنة } هي أن يفتنوا المسلمين، أي: الكيد لهم وإلقاء التخاذل في جيش المسلمين. ومن المفسرين من فسَّر الفتنة بالشرك ولا وجه له ومنهم من فسرها بالقتال وهو بعيد.

    والإتيان: القدوم إلى مكان. وقد أشعر هذا الفعل بأنهم يخرجون من المدينة التي كانوا فيها ليفتنوا المسلمين، وضمير النصب في { أتوها } عائد إلى { الفتنة } والمراد مكانها وهو مكان المسلمين، أي لأتوا مكانها ومظنتها. وضمير { بها } للفتنة، والباء للتعدية.

    وجملة { وما تلبثوا بها } عطف على جملة { لأتوها }. والتلبُّث: اللبث، أي: الاستقرار في المكان وهو هنا مستعار للإبطاء، أي ما أبطأوا بالسعي في الفتنة ولا خافوا أن تؤخذ بيوتهم. والمعنى: لو دَخلت جيوش الأحزاب المدينة وبقي جيش المسلمين خارجها (أي مثلاً لأن الكلام على الفرض والتقدير) وسأل الجيشُ الداخلُ الفريقَ المستأذنين أن يُلقوا الفتنة في المسلمين بالتفريق والتخذيل لخرجوا لذلك القصد مُسرعين ولم يثبطهم الخوف على بيوتهم أن يدخلها اللصوص أو ينهبها الجيش: إما لأنهم آمنون من أن يلقَوا سوءاً من الجيش الداخل لأنهم أولياء له ومعاونون، فهم منهم وإليهم، وإما لأن كراهتهم الإسلام تجعلهم لا يكترثون بنهب بيوتهم.

    والاستثناء في قوله { إلا يسيراً } يظهر أنه تهكم بهم فيكون المقصود تأكيد النفي بصورة الاستثناء. ويحتمل أنه على ظاهره، أي إلا ريثما يتأملون فلا يطيلون التأمل فيكون المقصود من ذكره تأكيد قلة التلبّث، فهذا هو التفسير المنسجم مع نظم القرآن أحسن انسجام.

    وقرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر { لأتوها } بهمزة تليها مثناة فوقية، وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف { لآتوها } بألف بعد الهمزة على معنى: لأعطوها، أي: لأعطوا الفتنة سائليها، فإطلاق فعل { أتوها } مشاكلة لفعل { سُئِلوا }.

    وقال ابن الجوزى فى زاد المسير

    قوله تعالى: { وما تَلَبَّثوا بها إِلاَّ يسيراً } فيه قولان.

    أحدهما: وما احتَبَسوا عن الإِجابة إِلى الكفر إِلا قليلاً، قاله قتادة.

    والثاني: وما تلبَّثوا بالمدينة بعد الإِجابة إِلاَّ يسيراً حتى يعذَّبوا، قاله السدي، وحكى أبو سليمان الدمشقي في الآية قولاً عجيباً، وهو أن الفتنة هاهنا: الحرب، والمعنى: ولو دُخلت المدينةُ على أهلها من أقطارها، ثم سُئل هؤلاء المنافقون الحرب لأتوها مبادِرين، وما تلبْثوا ـ يعني الجيوش الداخلة عليهم بها - إِلاَّ قليلاً حتى يُخرجوهم منها؛ وإِنَّما منعهم من القتال معك ما قد تداخلهم من الشكِّ في دينك؛ قال: وهذا المعنى حَفِظتُه من كتاب الواقدي.

    وقال الرازى

    إشارة إلى أن ذلك الفرار والرجوع ليس لحفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض، فإذا فاته الغرض لا يفعله، كمن يبذل المال لكي لا يؤخذ منه بيته فإذا أخذ منه البيت لا يبذله فقال الله تعالى هم قالوا بأن رجوعنا عنك لحفظ بيوتنا ولو دخلها الأحزاب وأخذوها منهم لرجعوا أيضاً، وليس رجوعهم عنك إلا بسبب كفرهم وحبهم الفتنة، وقوله: { وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ } احتمل أن يكون المراد المدينة واحتمل أن يكون البيوت، وقوله: { وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَا } يحتمل أن يكون المراد الفتنة { إِلاَّ يَسِيراً } فإنها تزول وتكون العاقبة للمتقين، ويحتمل أن يكون المراد المدينة أو البيوت أي ما تلبثوا بالمدينة إلا يسيراً فإن المؤمنين يخرجونهم.

    وقال ابن كثير

    يخبر تعالى عن هؤلاء الذين { مِّنْهُمُ ظ±لنَّبِىَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً } أنهم لو دخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة، وقطر من أقطارها، ثم سئلوا الفتنة، وهي الدخول في الكفر، لكفروا سريعاً، وهم لا يحافظون على الإيمان، ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع، هكذا فسرها قتادة وعبد الرحمن بن زيد وابن جرير، وهذا ذم لهم في غاية الذم، ثم قال تعالى يذكرهم بما كانوا عاهدوا الله من قبل هذا الخوف: أن لا يولوا الأدبار، ولا يفرون من الزحف، { وَكَانَ عَهْدُ مَسْئُولاً } أي: وإِن الله تعالى سيسألهم عن ذلك العهد، لا بد من ذلك،

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,708
    { قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً }

    قال ابن عاشور

    جواب عن قولهم
    { إن بيوتنا عورة }
    [الأحزاب: 13] ولذلك فصِّلت لأنها جرت على أسلوب التقاول والتجاوب، وما بين الجملتين من قوله
    { ولو دُخِلت عليهم }
    [الأحزاب: 14] إلى قوله
    { مسؤولاً }
    [الأحزاب: 15] اعتراض كما تقدم. وهذا يرجح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن لهم بالرجوع إلى المدينة وأنه ردّ عليهم بما أمره الله أن يقوله لهم، أي: قد علم الله أنكم ما أردتم إلا الفرار جبناً والفرار لا يدفع عنكم الموت أو القتل، فمعنى نفي نفعه: نفيُ ما يقصد منه لأن نفع الشيء هو أن يحصل منه ما يقصد له.

    { قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوۤءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً }

    قال ابن عاشور

    يظهر أن هذه الجملة واقعة موقع التعليل لجملة
    { لن ينفعكم الفرار إن فررتم }
    الآية [الأحزاب: 16]، فكأنه قيل: فمن ذا الذي يعصمكم من الله، أي: فلا عاصم لكم من نفوذ مراده فيكم. وإعادة فعل { قل } تكرير لأجل الاهتمام بمضمون الجملة.

    { قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً } * { أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً }

    قال البقاعى

    ولما أخبرهم سبحانه بما علم مما أوقعوه من أسرارهم، وأمره صلى الله عليه وسلم بوعظهم، حذرهم بدوام علمه لمن يخون منهم، فقال محققاً مقرباً من الماضي ومؤذناً بدوام هذا الوصف له: { قد يعلم } ولعله عبر بـ " قد " التي ربما أفهمت في هذه العبارة التقليل، إشارة إلى أنه يكفي من له أدنى عقل في الخوف من سطوة المتهدد احتمال علمه، وعبر بالاسم الأعظم فقال: { الله } إشارة إلى إحاطة الجلال والجمال { المعوقين } أي المثبطين تثبيط تكرية وعقوق، يسرعون فيه إسراع الواقع بغير اختياره { منكم } أي أيها الذين أقروا بالإيمان للناس قاطبة عن إتيان حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم { والقائلين لإخوانهم هلم } أي ائتوا وأقبلوا { إلينا } موهمين أن ناحيتهم مما يقام فيه القتال، ويواظب على صالح الأعمال { ولا } أي والحال أنهم لا { يأتون البأس } أي الحرب أو مكانها { إلا قليلاً } للرياء والسمعة بقدر ما يراهم المخلصون، فإذا اشتغلوا بالمعاركة وكفى كل منهم ما إليه تسللوا عنهم لواذاً، وعاذوا بمن لا ينفعهم من الخلق عياذاً.

    ولما كانوا يوجهون لكل من أفعالهم هذه وجهاً صالحاً، بين فساد قصدهم بقوله ذاماً غاية الذم بالتعبير الشح الذي هو التناهي في البخل، فهو بخل بما في اليد وأمر للغيب بالبخل فهو بخل إلى بخل خبيث قذر متمادى فيه مسارع إليه { أشحة } أي يفعلون ما تقدم والحال أن كلاً منهم شحيح { عليكم } أي بحصول نفع منهم أو من غيرهم بنفس أو مال.

    ولما كان التقدير: في حال الأمن، أتبعه بيان حالهم في الخوف فقال: { فإذا جاء الخوف } أي لمجيء أسبابه من الحرب ومقدماتها { رأيتهم } أي أيها المخاطب { وينظرون } وبين بعدهم حساً ومعنى بحرف الغاية فقال: { إليك } أي حال كونهم { تدور } يميناً وشمالاً بإدارة الطرف { أعينهم } أي زائغة رعباً وخوراً، تم شبهها في سرعة تقلبها لغير قصد صحيح فقال: { كالذي } أي كدوران عين الذي، وبين شدة العناية بتصوير ذلك بجعل المفعول عمدة ببناء الفعل له فقال: { يغشى عليه } مبتدئاً غشيانه { من الموت } سنة الله في أن كل من عامل الناس بالخداع، كان قليل الثبات عند القراع؛ ثم ذكر خاصة أخرى لبيان جبنهم فقال: { فإذا ذهب الخوف } أي بذهاب أسبابه { سلقوكم } أي تناولوكم تناولاً صعباً جرأة ووقاحة، ناسين ما وقع منهم عن قرب من الجبن والخور { بألسنة حداد } ذربة قاطعة فصيحة بعد أن كانت عند الخوف في غاية اللجلجة لا تقدر على الحركة من قلة الريق ويبس الشفاه، وهذا لطلب العرض الفاني من الغنيمة أو غيرها؛ ثم بين المراد بقوله: { أشحة } أي شحاً مستعلياً { على الخير } أي المال الذي عندهم، وفي اعتقادهم أنه لا خير غيره، شحاً لا يريدون أن يصل شيء منه إليكم ولا يفوتهم شيء منه، وهذه سنة أخرى في أن من كان صلباً في الرخاء كان رخواً حال الشدة وعند اللقاء،

    { يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً }

    قال البقاعى

    وكأنهم لما ذهب استمرو خاضعين لم يطلقوا ألسنتهم ولا أعلو كلمتهم، فأخبر تعالى تحقيقاً لقوله الماضي في جبنهم أن المانع الذي ذكره لم يزل من عندهم لفرط جبنهم، فقال تحقيقاً لذلك وجواباً لمن ربما قال: قد ذهب الخوف فما لهم ما سلقوا؟: { يحسبون } أي يظنون لضعف عقولهم في هذا الحال، وقد ذهب الخوف، لشدة جبنهم وما رسخ عندهم من الخوف { الأحزاب } وقد علمتم أنهم ذهبوا { لم يذهبوا } بل غابوا خداعاً، وعبر بالحسبان لأنه - كما مضى عن الحرالي في البقرة - ما تقع غلبته فيما هو من نوع ما فطر الإنسان عليه واستقر عادة له، والظن فيما هو من المعلوم المأخوذ بالدليل والعلم، قال: فكان ضعف علم العالم ظن، وضعف عقل العاقل حسبان.

    ولما أخبر عن حالهم في ذهابهم، أخبر عن حالهم لو وقع ما يتخوفونه من رجوعهم، فقال معبراً بأداة الشك بشارة لأهل البصائر أنه في عداد المحال: { وإن يأتِ الأحزاب } أي بعد ما ذهبوا { يودّوا } أي يتجدد لهم غاية الرغبة من الجبن وشدة الخوف { لو أنهم بادون } أي فاعلون للبدو وهو الإقامة في البادية على حالة الحل والارتحال { في الأعراب } الذين هم عندهم في محل النقص، وممن تكره مخالطته ولو كان تمنيهم في ذلك الحين محالاً؛ ثم ذكر حال فاعل " بادون " فقال: { يسألون } كل وقت { عن أنبائكم } العظيمة معهم جرياً على ما هم عليه من النفاق ليبقوا لهم عندكم وجهاً، كأنهم مهتمون بكم، يظهرون بذلك تحرقاً على غيبتهم عن هذه الحرب أو ليخفوا غيبتهم ويظهروا أنهم كانوا بينكم في الحرب بأمارة أنه وقع لكم في وقت كذا أو مكان كذا كذا، ويكابروا على ذلك من غير استحياء لأن النفاق صار لهم خلقاً لا يقدرون على الانفكاك عنه، ويرشد إلى هذا المعنى قراءة يعقوب " يسالون " بالتشديد { ولو } أي والحال أنهم لو { كانوا فيكم } أي حاضرين لحربهم { ما قاتلوا } أي معكم { إلا قليلاً } نفاقاً كما فعلوا قبل ذهاب الأحزاب من حضورهم معكم تارة واستئذانهم في الرجوع إلى منازلهم أخرى، والتعويق لغيرهم بالفعل كرة، والتصريح بالقول أخرى.

    وقال ابن عاشور

    لما ذُكر حال المنافقين والذين في قلوبهم مرض من فتنتهم في المسلمين وإذا هم حين مجيء جنود الأحزاب وحين زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ثُني عنان الكلام الآن إلى حالهم حين أنعم الله على المسلمين بانكشاف جنود الأحزاب عنهم، فأفاد بأن انكشاف الأحزاب حصل على حين غفلة من المنافقين فلذلك كانوا يشتدّون في ملام المسلمين ويسلِقُونَهم بألسنة حِدَادٍ على أن تَعرضوا للعدوّ الكثير، وكان الله ساعتئذ قد هزم الأحزاب فانصرفوا وكفى الله المؤمنين شرهم، وليس للمنافقين وساطة في ذلك. ولعلهم كانوا لا يودّون رجوع الأحزاب دون أن يأخذوا المدينة، فتكون جملة { يحسبون } استئنافاً ابتدائياً مرتبطاً بقوله
    { اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً }
    [الأحزاب: 9] الخ... جاء عوْداً على بدْءٍ بمناسبة ذكر أحوال المنافقين، فإن قوله: { يحسبون الأحزاب لم يذهبوا } يؤذن بانهزام الأحزاب ورجوعهم على أعقابهم، أي: وقع ذلك ولم يشعر به المنافقون. ويجوز أن يكون المعنى: أنهم كانوا يسلقون المؤمنين اعتزازاً بالأحزاب لأن الأحزاب حلفاء لقريظة وكان المنافقون أخلاّء لليهود فكان سلقُهم المسلمين في وقت ذهاب الأحزاب وهم لا يعلمون ذلك ولو علموه لخفَّضوا من شدتهم على المسلمين، فتكون جملة { يحسبون } حالاً من ضمير الرفع في
    { سلقوكم }
    [الأحزاب: 19] أي: فعلوا ذلك حاسبين الأحزاب محيطين بالمدينة ومعتزين بهم فظهرت خيبتهم فيما قدروا.

    وأما قوله { وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب } فهو وصف لِجبن المنافقين، أي: لو جاء الأحزاب كَرَّة أخرى لأخذ المنافقون حيطتهم فخرجوا إلى البادية بين الأعراب القاطنين حول المدينة وهم غفار وأسلَمُ وغيرهم، قال تعالى:
    { ما كان لأهل المدينة ومَن حولهم من الأعراب }
    [التوبة: 120] الآية.

    { لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً }

    قال ابن عاشور

    بعد توبيخ المنافقين والذين في قلوبهم مرض أقبل الكلام على خطاب المؤمنين في عموم جماعتهم ثناء على ثباتهم وتأسّيهم بالرسول صلى الله عليه وسلم على تفاوت درجاتهم في ذلك الائتساء، فالكلام خبر ولكن اقترانه بحرفي التوكيد في { لقد

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } هذا عتاب للمتخلفين عن القتال؛ أي كان لكم قدوة في النبي صلى الله عليه وسلم حيث بذل نفسه لنصرة دين الله في خروجه إلى الخندق. والأسوة القدوة.

    وقال ابو حيان

    الظاهر أن الخطاب في قوله: { لقد كان لكم } ، للمؤمنين، لقوله قبل: { ولو كانوا فيكم } ، وقوله بعد: { لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر }. والمعنى: أنه، صلى الله عليه وسلم، لكم فيه الاقتداء. فكما نصركم ووازركم حتى قاتل بنفسه عدوكم، فكسرت رباعيته الكريمة، وشج وجهه الكريم، وقتل عمر، وأوذي ضروباً من الإيذاء؛ يجب عليكم أن تنصروه وتوازروه، ولا ترغبوا بأنفسكم عن نفسه، ولا عن مكان هو فيه، وتبذلوا أنفسكم دونه؛ فما حصل لكم من الهداية للإسلام أعظم من كل ما تفعلونه معه، صلى الله عليه وسلم، من النصرة والجهاد في سبيل الله، ويبعد قول من قال: إن خطاب للمنافقين

    { وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً }

    قال ابن عاشور

    لما ذكرت أقوال المنافقين والذين في قلوبهم مرض المؤذنة بما يداخل قلوبهم من الخوف وقلة الإيمان والشك فيما وعد الله به رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من النصر ابتداء من قوله
    { وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض }
    [الأحزاب: 12] قوبلت أقوال أولئك بأقوال المؤمنين حينما نزلت بهم الأحزاب ورأوا كثرتهم وعددهم وكانوا على بصيرة من تفوقهم عليهم في القوة والعدد أضعافاً وعلموا أنهم قد ابتلوا وزلزلوا، كل ذلك لم يُخِرْ عزائمهم ولا أدخل عليهم شكاً فيما وعدهم الله من النصر.

    { مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً }

    قال ابن عاشور

    أعقب الثناء على جميع المؤمنين الخلص على ثباتهم ويقينهم واستعدادهم للقاء العدوّ الكثير يومئذ وعزمهم على بذل أنفسهم ولم يقدر لهم لقاؤه كما يأتي في قوله
    { وكفى الله المؤمنين القتال }
    [الأحزاب: 25] بالثناء على فريق منهم كانوا وَفَّوْا بما عاهدوا الله عليه وفاءً بالعمل والنية، ليحصل بالثناء عليهم بذلك ثناء على إخوانهم الذين لم يتمكنوا من لقاء العدوّ يومئذ ليعلم أن صدق أولئك يؤذن بصدق هؤلاء لأن المؤمنين يدٌ واحدة.

    وقال البقاعى

    ولما ذكر الصادقين، وكان ربما فهم أن الصدق لا يكون إلا بالقتل، قسمهم قسمين مشيراً إلى خلاف ذلك بقوله: { فمنهم من قضى } أي أعطى { نحبه } أي نذره في معاهدته، أنه ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويموت دونه، وفرغ من ذلك وخرج من عهدته بأن قتل شهيداً، فلم يبق عليه نذر كحمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش وسعد بن الربيع وأنس بن النضر الذي غاب عن غزوة بدر فقال: غبت عن أول قتال قاتل فيه النبي صلى الله عليه وسلم، لئن أشهدني الله قتالاً ليرين الله ما أصنع، فلما انهزم من انهزم في غزوة أحد قال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركين - ومما صنع هؤلاء - يعني المنهزمين من المسلمين. وقاتل حتى قتل بعد بضع وثمانين جراحة من ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وروى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: " نرى هذه الآيات نزلت في أنس بن النضر { من المؤمنين رجال } " - انتهى، وغير هؤلاء ممن قتل قبل هذا في غزوة أحد وغيرها، وسعد بن معاذ ممن جرح في هذه الغزوة وحكم في بني قريظة بالقتل والسبي، ولم يرع لهم حلفهم لقومه، ولا أطاع قومه في الإشارة عليه باستبقائهم كما استبقى عبد الله بن أبي المنافق بني قينقاع ولا أخذته بهم رأفة غضباً لله ولرسوله رضي الله عنه، وممن لم يقتل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله أحد العشرة رضي الله عنهم ثبت في أحد وفعل ما لم يفعله غيره، لزم النبي صلى الله عليه وسلم فلم يفارقه، وذب عنه ووقاه بيده حتى شلت إصبعه النبي صلى الله عليه وسلم أنه ممن قضى نحبه، فالمراد بالنحب هنا العهد الذي هو كالنذر المفضي إلى الموت، وأصل النحب الاجتهاد في العمل، ومن هنا استعمل في النذر لأنه الحامل على ذلك { ومنهم } أي الصادقين { من ينتظر } قضاء النحب إما بالنصرة، أو الموت على الشهادة، أو مطلق المتابعة الكاملة.

    { لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً }

    قال السمين الحلبي

    قوله: { لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ }: في اللام وجهان، أحدهما: أنها لامُ العلة. الثاني: أنها لامُ الصيرورةِ. وفي ما تتعلَّقُ به أوجهٌ: إمَّا بـ " صَدَقوا " ، وإمَّا بـ " زادهم " ، وإما بـ " ما بَدَّلُوا " وعلى هذا قال الزمخشري: " جُعِل المنافقون كأنهم قَصَدوا عاقبةَ السوءِ، وأرادُوها بتبديلهم، كما قَصَدَ الصادقون عاقبةَ الصدقِ بوفائِهم؛ لأنَّ كلا الفريقَيْنِ مَسُوقٌ إلى عاقبتِه من الثوابِ والعقاب، فكأنَّهما اسْتَوَيا في طلبهما والسَّعْيِ لتحصيلهما ".

    { وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً }

    قال الالوسي

    وقوله سبحانه: { وَرَدَّ ٱللَّهُ } الخ رجوع إلى حكاية بقية القصة وتفصيل لتتمة النعمة المشار إليها إجمالاً بقوله تعالى:
    { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا }
    [الأحزاب: 9] وهو معطوف على { أَرْسَلْنَا } وقد وسط بينهما بيان كون ما نزل بهم واقعة طامة تحيرت بها العقول والأفهام وداهية تحاكت فيها الركب وزلت الأقدام، وتفصيل ما صدر عن فريقي أهل الإيمان وأهل الكفر والنفاق من الأحوال والأقوال لإظهار عظم النعمة وإبانة خطرها الجليل ببيان وصولها إليهم عند غاية احتياجهم إليها أي فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها ورددنا بذلك { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال الروعة، وجوز شيخ الإسلام - ولعل صنيعه يشير إلى أولويته حيث بدأ به - كونه معطوفاً على المقدر قبل:
    { لّيَجْزِىَ ٱللَّهُ }
    [الأحزاب: 24] كأنه قيل إثر حكاية الأمور المذكورة وقع ما وقع من الحوادث ورد الله الذين كفروا وقيل هو معطوف من حيث المعنى على قوله تعالى: { لِيَجْزِىَ } كأنه قيل فكان عاقبة الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه أن جزاهم الله تعالى بصدقهم ورد أعدائهم وهذا الرد من جملة جزائهم على صدقهم وهو كما ترى، والمراد بالذين كفروا الأحزاب على ما روي غير واحد عن مجاهد، والظاهر أنه عنى المشركين واليهود الذين تحزبوا..

    وقال ابن عاشور

    عطف على جملة
    { فأرسلنا عليهم ريحاً }
    [الأحزاب: 9] وهو الأنسب بسياق الآيات بعدها، أي أرسل الله عليهم ريحاً وردّهم، أو حال من ضمير
    { يحسبون الأحزاب لم يذهبوا }
    [الأحزاب: 20]، أي: يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وقد رد الله الأحزاب فذهبوا.

    { وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً } * { وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً }

    قال ابن عاشور

    كان يهود قريظة قد أعانوا الأحزاب وحاصروا المدينة معهم وكان حُيَيّ بنُ أخطب من بني النضير منضماً إليهم وهو الذي حرّض أبا سفيان على غزو المدينة. فلما صرف الله الأحزاب أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يغزو قريظة وهم فريق من اليهود يعرفون ببني قريظة وكانت منازلهم وحُصونهم بالجَنوب الشرقي من المدينة تعرف قريتهم باسمهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عاد إلى المدينة من الخندق ظُهراً وكان بصدد أن يغتسل ويَستقر فلما جاءه الوحي بأن يغزو قريظة نادى في الناس أنْ لا يصليَنَّ أحدُكم العصر إلا في بني قريظة. وخرج الجيش الذي كان بالخندق معه فنزلوا على قرية قريظة واستعصم أهل القرية بحصونهم فحاصرهم المسلمون نحواً من عشرين ليلة، فلما جهدهم الحصار وخامرهم الرعب من أن يفتح المسلمون بلادهم فيستأصلوهم طمِعوا أن يطلبوا أن يسلموا بلادهم على أن يحكّم حكَم في صفة ذلك التسليم. ويقال لهذا النوع من المصالحة: النزول على حُكم حَكَم، فأرسلوا شَاس بن قيس إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعرضون أن ينزلوا على مثل ما نزلت عليه بنو النضير من الجَلاء على أن لهم ما حَملَتْ الإبلُ إلا الحَلَقة، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبول ذلك وبعد مداولات نزلوا على حكم سَعْد بن معاذ، فحكم سعد أن تقتل المقَاتِلة وتُسبَى النساء والذَّراري وأن تكون ديارهم للمهاجرين دون الأنصار فأمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حكم به سعد كما هو مفصل في السيرة...

    وقوله { وأرضاً لم تطؤوها } أي: تنزلوا بها غزاةً وهي أرض أُخرى غير أرض قريظة وصفت بجملة { لم تَطَؤُوها } أي: لم تمشوا فيها. فقيل: إن الله بشرهم بأرض أخرى يرثونها من بعد. قال قتادة: كنا نحدث أنها مكة. وقال مقاتل وابن رومان: هي خيبر، وقيل: أرض فارس والروم. وعلى هذه التفاسير يتعين أن يكون فعل { أورثكم } مستعملاً في حقيقته ومجازه؛ فأما في حقيقته فبالنسبة إلى مفعوله وهو { أرضهم وديارهم وأموالهم } ، وأما استعماله في مجازه فبالنسبة إلى تعديته إلى { أرضاً لم تطؤوها } ، أي: أن يورثكم أرضاً أخرى لم تطؤوها، من باب:
    { أتى أمر الله }
    [النحل: 1] أو يُؤوَّل فعل { أورثكم } بمعنى: قَدَّر أن يُوَرِّثكم. وأظهر هذه الأقوال أنها أرض خيبر فإن المسلمين فتحوها بعد غزوة قريظة بعام وشهر. ولعلّ المخاطبين بضمير { أورثكم } هم الذين فتحوا خيبر لم ينقص منهم أحد أو فقد منه القليل ولأن خيبر من أرض أهل الكتاب وهم ممن ظاهروا المشركين فيكون قصدُها من قوله { وأرضاً } مناسباً تمام المناسبة.

    وفي التذييل بقوله { وكان الله على كل شيء قديراً } إيماء إلى البشارة بفتح عظيم يأتي من بعده.

    وعندي: أن المراد بالأرض التي لم يَطؤوها أرض بني النضير وأن معنى { لم تطؤوها } لم تفتحوها عنوة، فإن الوطء يطلق على معنى الأخذ الشديد، قال الحارث بن وَعْلَة الذهلي:
    وطَأَتَنا وَطْئاً على حَنَق وَطْءَ المقيَّد نابت الهَرْم
    ومنه قوله تعالى:
    { ولولا رجالٌ مؤمنون ونساءٌ مؤمناتٌ لم تعلموهم أن تطؤوهم }
    [الفتح: 25]، فإن أرض بني النضير كانت مما أفاء الله على رسوله من غير إيجاف.

صفحة 1 من 7 12345 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •