صفحة 7 من 7 الأولىالأولى ... 34567
النتائج 91 إلى 97 من 97

الموضوع: نظم الايات من سورة الروم الى سورة الناس

  1. #91
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,906
    { وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ } * { أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ }

    قال الرازى

    وفي القرين وجهان أحدهما الشيطان الذي زين الكفر له والعصيان وهو الذي قال تعالى فيه
    { وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء }
    [فصلت: 25] وقال تعالى:
    { نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ }
    [الزخرف: 36] وقال تعالى:
    { فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ }
    [الزخرف: 38] فالإشارة بهذا المسوق إلى المرتكب الفجور والفسوق، والعتيد معناه المعد للنار وجملة الآية معناها أن الشيطان يقول هذا العاصي شيء هو عندي معد لجهنم أعددته بالإغواء والإضلال،

    والوجه الثاني { وَقَالَ قَرِينُهُ } أي القعيد الشهيد الذي سبق ذكره وهو الملك وهذا إشارة إلى كتاب أعماله، وذلك لأن الشيطان في ذلك الوقت لا يكون له من المكانة أن يقول ذلك القول، ولأن قوله { هَـٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ } فيكون عتيد صفته، وثانيهما أن تكون موصولة، فيكون عتيد محتملاً الثلاثة أوجه أحدها: أن يكون خبراً بعد خبر والخبر الأول { مَا لَدَىَّ } معناه هذا الذي هو لدي وهو عتيد وثانيها: أن يكون عتيد هو الخبر لا غير، و { مَا لَدَىَّ } يقع كالوصف المميز للعتيد عن غيره كما تقول هذا الذي عند زيد وهذا الذي يجيئني عمرو فيكون الذي عندي والذي يجيئني لتمييز المشار إليه عن غيره ثم يخبر عنه بما بعده ثم يقال للسائق أو الشهيد { أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ } فيكون هو أمراً لواحد، وفيه وجهان أحدهما أنه ثنى تكرار الأمر كما ألق ألق، وثانيهما عادة العرب ذلك.

    وقال ابن عاشور


    واختلف المفسرون في المراد بالقرين في هذه الآية على ثلاثة أقوال: فقال قتادة والحسن والضحاك وابن زيد ومجاهد في أحد قوليه هو المَلَك الموكل بالإنسان الذي يسوقه إلى المحشر (أي هو السائق الشهيد). وهذا يقتضي أن يكون القرين في قوله الآتي
    { قال قرينه ربنا ما أطغيته }
    [ق: 27] بمعنى غير معنى القرين في قوله: { وقال قرينه هذا ما لدي عتيد }.

    وعن مجاهد أيضاً: أن القرين شيطان الكافر الذي كان يزين له الكفر في الدنيا أي الذي ورد في قوله تعالى:
    { وقيّضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم }
    [فصلت: 25]. وعن ابن زيد أيضاً: أن قرينه صاحبه من الإنس، أي الذي كان قرينَه في الدنيا.

    وعلى الاختلاف في المراد بالقرين يختلف تفسير قوله: { هذا ما لدي عتيد } فإن كان القرين الملَكَ كانت الإشارة بقوله { هذا } إلى العذاب الموكَّل به ذلك المَلكُ؛ وإن كان القرين شيطاناً أو إنساناً كانت الإشارة محتمِلة لأن تعود إلى العذاب كما في الوجه الأول، أو أن تعود إلى معاد ضمير الغيبة في قوله: { قرينه } وهو نفس الكافِر، أي هذا الذي معي، فيكون { لديَّ } بمعنى: معي، إذ لا يخلو أحد من صاحبٍ يأنس بمحادثته والمراد به قرين الشرك المماثل.

    وقد ذكر الله من كان قريناً للمؤمن من المشركين واختلاف حاليهما يوم الجزاء بقوله
    { قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول أئِنّك لمن المصدقين }
    الآية في سورة الصافات (51، 52). وقول القرين { هذا ما لدي عتيد } مستعمل في التلهف والتحسر والإشفاق، لأنه لما رأى ما به العذاب علم أنه قد هُيّىء له، أو لمَّا رأى ما قدم إليه قرينه علم أنه لاحِق على أثره كقصة الثورين الأبيض والأحمر اللذين استعان الأسد بالأحمر منهما على أكل الثور الأبيض ثم جاء الأسد بعد يوم ليأكل الثور الأحمر فَعَلا الأحمر ربوة " وصاح ألا إنما أكلت يومَ أكل الثور الأبيض ".

    وتقدم معنى { عَتيد } عند قوله تعالى:
    { إلا لديه رقيب عتيد }
    [ق: 18]، وهو هنا متعيّن للمعنى الذي فسر عليه المفسرون، أي مُعَدٌّ ومهيَّأ.

    وقال الالوسي


    { وَقَالَ قَرِينُهُ } / أي شيطانه المقيض له في الدنيا كما قال مجاهد، وفي الحديث " ما من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير " { هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ } إشارة إلى الشخص الكافر نفسه أي هذا ما عندي وفي ملكتي عتيد لجهنم قد هيأته لها بإغوائي وإضلالي، ولا ينافي هذا ما حكاه سبحانه عن القرين في قوله تعالى الآتي:
    { قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ }
    [ق: 27] لأن هذا نظير قول الشيطان:
    { وَلأَضِلَّنَّهُمْ }
    [النساء: 119] وقوله:
    { وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ }
    [إبراهيم: 22] وذاك نظير قوله:
    { وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ }
    [إبراهيم: 22]. وقال قتادة وابن زيد: قرينه الملك الموكل بسوقه يقول مشيراً إليه: هذا ما لدي حاضر، وقال الحسن: هو كاتب سيئاته يقول مشيراً إلى ما في صحيفته أي هذا مكتوب عندي عتيد مهيأ للعرض، وقيل: قرينه هنا عمله قلباً وجوارح وليس بشيء.

    وقال الماتريدى فى تاويلات اهل السنة

    وقوله - عز وجل -: { أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ }.

    يحتمل أن يكون الخطاب بقوله - تعالى -: { أَلْقِيَا } لاثنين؛ على ما هو ظاهر الصيغة، الذي يسوقه والذي يشهد عليه، حيث قال: { وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ } كأن الأمر بذلك لهما.

    ويحتمل أن يكون المراد بالخطاب هو القرين الذي سبق ذكره: { وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ } لكن قال: { أَلْقِيَا } لوجهين:

    أحدهما: ما قيل: إن العرب قد تذكر حرف التثنية على إرادة الواحد والجماعة.

    والثاني: ما قال بعضهم: إن المراد من قوله { أَلْقِيَا } أي: ألق ألق، على التأكيد؛ كقوله - تعالى -:
    { هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ }
    [المؤمنون: 36] على الوعيد في الذم، ويقال في المدح: بخ بخ، ونحو ذلك، على التأكيد، والله أعلم.


    { مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ }

    قال الرازى

    فيه وجهان أحدهما: كثير المنع للمال الواجب، وإن كان من الكفر، فهو أنكر دلائل وحدانية الله مع قوتها وظهورها، فكان شديد الكفر عنيداً حيث أنكر الأمر اللائح والحق الواضح، وكان كثير الكفران لوجود الكفران منه عند كل نعمة عنيد ينكرها مع كثرتها عن المستحق الطالب، والخير هو المال، فيكون كقوله تعالى:
    { وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ }
    [فصلت: 6، 7] حيث بدأ ببيان الشرك، وثنى بالامتناع من إيتاء الزكاة، وعلى هذا ففيه مناسبة شديدة إذا جعلنا الكفار من الكفران، كأنه يقول: كفر أنعم الله تعالى، ولم يؤد منها شيئاً لشكر أنعمه ثانيهما: شديد المنع من الإيمان فهو مناع للخير وهو الإيمان الذي هو خير محض من أن يدخل في قلوب العباد، وعلى هذا ففيه مناسبة شديدة إذا جعلنا الكفار من الكفر، كأنه يقول: كفر بالله، ولم يقتنع بكفره حتى منع الخير من الغير.

    وقوله تعالى: { مُعْتَدٍ }.

    فيه وجهان أحدهما: أن يكون قوله { مُعْتَدٍ } مرتباً على { مَّنَّاعٍ } بمعنى مناع الزكاة، فيكون معناه لم يؤد الواجب، وتعدى ذلك حتى أخذ الحرام أيضاً بالربا والسرقة، كما كان عادة المشركين وثانيهما: أن يكون قوله { مُعْتَدٍ } مرتباً على { مَّنَّاعٍ } بمعنى منع الإيمان، كأنه يقول: منع الإيمان ولم يقنع به حتى تعداه، وأهان من آمن وآذاه، وأعان من كفر وآواه.

    وقوله تعالى: { مُرِيبٍ }.

    فيه وجهان أحدهما: ذو ريب، وهذا على قولنا: الكفار كثير الكفران، والمناع مانع الزكاة، كأنه يقول: لا يعطي الزكاة لأنه في ريب من الآخرة، والثواب فيقول: لا أقرب مالاً من غير عوض وثانيهما: { مُرِيبٍ } يوقع الغير في الريب بإلقاء الشبهة، والإرابة جاءت بالمعنيين جميعاً،

    وفي الآية ترتيب آخر غير ما ذكرناه، وهو أن يقال: هذا بيان أحوال الكفر بالنسبة إلى الله، وإلى رسول الله، وإلى اليوم الآخر، فقوله { كَفَّارٍ عَنِيدٍ } إشارة إلى حاله مع الله يكفر بعد ويعاند آياته، وقوله { مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ } إشارة إلى حاله مع رسول الله، فيمنع الناس من اتباعه، ومن الإنفاق على من عنده، ويتعدى بالإيذاء وكثرة الهذاء، وقوله { مُرِيبٍ } إشارة إلى حاله بالنسبة إلى اليوم الآخر يريب فيه ويرتاب، ولا يظن أن الساعة قائمة، ..

    { ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ }

    قال الرازى

    فيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه بدل من قوله
    { كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ }
    [قۤ: 24] ثانيها: أنه عطف على { كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ } ثالثها: أن يكون عطفاً على قوله { أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ } كأنه قال: (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد) أي والذي جعل مع الله إلٰهاً آخر فألقياه بعد ما ألقيتموه في جهنم في عذاب شديد من عذاب جهنم.

    { قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ }

    قال الرازى

    وهو جواب لكلام مقدر، كأن الكافر حينما يلقى في النار يقول: ربنا أطغاني شيطاني، فيقول الشيطان: ربنا ما أطغيته، يدل عليه قوله تعالى بعد هذا
    { قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ }
    [قۤ: 28] لأن الاختصام يستدعي كلاماً من الجانبين وحينئذ هذا، كما قال الله تعالى في هذه السورة وفي ص
    { قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ }
    [صۤ: 60] وقوله تعالى:
    { قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ }
    إلى أن قال:
    { إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ }
    [صۤ: 61، 64] وفيه مسائل:

    المسألة الأولى: قال الزمخشري: المراد بالقرين في الآية المتقدمة هو الشيطان لا الملك الذي هو شهيد وقعيد، واستدل عليه بهذا. وقال غيره، المراد الملك لا الشيطان، وهذا يصلح دليلاً لمن قال ذلك، وبيانه هو أنه في الأول لو كان المراد الشيطان، فيكون قوله
    { هَـٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ }
    [قۤ: 23] معناه هذا الشخص عندي عتيد متعد للنار اعتدته بإغوائي، فإن الزمخشري صرّح في تفسير تلك بهذه، وعلى هذا فيكون قوله { رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ } مناقضاً لقوله اعتدته وللزمخشري أن يقول الجواب: عنه من وجهين أحدهما: أن يقول إن الشيطان يقول اعتدته بمعنى زينت له الأمر وما ألجأته فيصح القولان من الشيطان وثانيهما: أن تكون الإشارة إلى حالين: ففي الحالة الأولى إنما فعلت به ذلك إظهاراً للانتقام من بني آدم، وتصحيحاً لما قال:
    { فَبِعِزَّتِكَ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }
    [صۤ: 82] ثم إذا رأى العذاب وأنه معه مشترك وله على الإغواء عذاب، كما قال تعالى:
    { فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ * لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ }
    [ص: 84، 85] فيقول { رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ } فيرجع عن مقالته عند ظهور العذاب.

    المسألة الثانية: قال ههنا { قَالَ قرِينُهُ } من غير واو، وقال في الآية الأولى
    { وَقَالَ قَرِينُهُ }
    [قۤ: 23] بالواو العاطفة، وذلك لأن في الأول الإشارة وقعت إلى معنيين مجتمعين، وأن كل نفس في ذلك الوقت تجيء ومعها سائق، ويقول الشهيد ذلك القول، وفي الثاني لم يوجد هناك معنيان مجتمعان حتى يذكر بالواو، والفاء في قوله
    { فَأَلْقِيَـٰهُ فِى ٱلْعَذَابِ }
    [قۤ: 26] لا يناسب قوله تعالى: { قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ } مناسبة مقتضية للعطف بالواو.

    وقال القرطبي

    { قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ } يعني الشيطان الذي قيض لهذا الكافر العنيد تبرأ منه وكذّبه. { وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ } عن الحق وكان طاغياً بٱختياره وإنما دعوته فاستجاب لي. وقرينه هنا هو شيطانه بغير ٱختلاف. حكاه المهدوي. وحكى الثعلبي قال ٱبن عباس ومقاتل: قرينه الملك؛ وذلك أن الوليد بن المغيرة يقول للملَك الذي كان يكتب سيئاته: ربِّ إنه أعجلني، فيقول الملَك: ربنا ما أطغيته أي ما أعجلته.

    وقال سعيد بن جبير: يقول الكافر ربّ إنه زاد عليّ في الكتابة، فيقول الملَك: ربنا ما أطغيته أي ما زدت عليه في الكتابة؛ فحينئذ يقول الله تعالى: { لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ } يعني الكافرين وقرناءهم من الشياطين. قال القشيري: وهذا يدل على أن القرين الشيطان

    { قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ } * { مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ }

    قال ابن الجوزى

    فيقول الله تعالى: { لا تختصموا لديَّ }. في هذا الخصام قولان.

    أحدهما: أنه اعتذارهم بغير عذر، قاله ابن عباس.

    والثاني: أنه خصامهم مع قرنائهم الذين أغوَوْهم، قاله أبو العالية. فأما اختصامهم فيما كان بينهم من المظالم في الدنيا، فلا يجوز أن يُهمَل، لأنه يوم التناصف.

    قوله تعالى: { وقد قدَّمتُ إليكم بالوعيد } أي: قد أخبرتُكم على ألسُن الرُّسل بعذابي في الآخرة لمن كفر.

    { ما يُبَدَّلُ القولُ لديَّ } فيه قولان.

    أحدهما: ما يبدَّل [القول] فيما وعدتُه من ثواب وعقاب، قاله الأكثرون.

    والثاني: ما يُكذَّب عندي ولا يغيَّر القول عن جهته، لأنِّي أعْلَمُ الغيب وأعْلَمُ كيف ضلُّوا وكيف أضللتموهم، هذا قول ابن السائب واختيار الفراء وابن قتيبة، ويدل عليه أنه قال تعالى: { ما يُبَدَّل القول لديَّ } ولم يقل: ما يُبَدَّل قولي { وما أنا بظلاّمٍ للعبيدِ } فأَزيدَ على إساءة المُسيء، أو أنقص من إحسان المُحسن.

    وقال القرطبي

    { مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ } قيل هو قوله:
    { مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا }
    [الأنعام: 160] وقيل هو قوله:
    { لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ }
    [السجدة: 13]. وقال الفرّاء: ما يكذب عندي أي ما يزاد في القول ولا ينقص لعلمي بالغيب. { وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } أي ما أنا بمعذِّب من لم يُجرم، قاله ٱبن عباس.

    { يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ } * { وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ } * { هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ } * { مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ } * { ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ } * { لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ }

    قال ابن كثير

    يخبر تعالى أنه يقول لجهنم يوم القيامة: هل امتلأت؟ وذلك أنه تبارك وتعالى وعدها أن سيملؤها من الجنة والناس أجمعين، فهو سبحانه وتعالى يأمر بمن يأمر به إليها ويلقى وهي تقول: هل من مزيد، أي هل بقي شيء تزيدوني؟ هذا هو الظاهر من سياق الآية، وعليه تدل الأحاديث. قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، حدثنا حرمى بن عمارة، حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يلقى في النار، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه فيها فتقول: قط قط " وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة قدمه فيها، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط وعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله لها خلقاً آخر فيسكنهم الله تعالى في فضول الجنة " ثم رواه مسلم من حديث قتادة بنحوه، ورواه أبان العطار وسليمان التيمي عن قتادة بنحوه..

    وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى الحمامي عن نصر الجزار عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: { يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلاََتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ } قال: ما امتلأت قال: تقول: وهل فيَّ من مكان يزاد في؟ وكذا رواه الحاكم بن أبان عن عكرمة: { وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ } وهل فيَّ مدخل واحد؟ قد امتلأت.

    قال الوليد بن مسلم عن يزيد بن أبي مريم: أنه سمع مجاهداً يقول: لا يزال يقذف فيها حتى تقول: امتلأت، فتقول: هل من مزيد؟ وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو هذا، فعند هؤلاء أن قوله تعالى: { هَلِ ٱمْتَلاََتِ } إنما هو بعدما يضع عليها قدمه، فتنزوي وتقول حينئذ: هل بقي فيَّ مزيد يسع شيئاً؟ قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: وذلك حين لا يبقى فيها موضع يسع إبرة، والله أعلم.

    وقوله تعالى: { وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } كقوله عز وجل:
    { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ }
    [يونس: 26] وقد تقدم في صحيح مسلم عن صهيب بن سنان الرومي: أنها النظر إلى وجه الله الكريم

    وقال ابن عاشور

    { يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ }

    ظرف متعلق بــ
    { قال لا تختصموا لدي }
    [ق: 28]. والتقدير: قال لهم في ذلك القول يوم يقول قولاً آخر لجهنم { هل امتلأت }. ومناسبته تعليقه به أن هذا القول لجهنم مقصود به ترويع المدفوعين إلى جهنم أن لا يطمعوا في أن كثرتهم يضيق بها سعة جهنم فيطمع بعضهم أن يكون ممن لا يوجد له مكان فيها، فحكاه الله في القرآن عبرة لمن يسمعه من المشركين وتعليماً لأهل القرآن المؤمنين

    وقال الالوسي


    { وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ } أخذ في بيان حال المؤمنين بعد بيان حال الكافرين. وهو عطف على
    { نُفِخَ }
    [قۤ: 20] أي قربت للمتقين عن الكفر والمعاصي { غَيْرَ بَعِيدٍ } أي في مكان غير بعيد بمرأى منهم بين يديهم
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  2. #92
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,906
    { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ }

    قال الرازى

    ثم قال تعالى: { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً }.

    لما أنذرهم بما بين أيديهم من اليوم العظيم والعذاب الأليم، أنذرهم بما يعجل لهم من العذاب المهلك والإهلاك المدرك، وبين لهم حال من تقدمهم،

    قوله تعالى: { فَنَقَّبُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ }.

    في معناه وجوه. أحدها: هو ما قاله تعالى في حق ثمود:
    { ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ }
    [الفجر: 9] من قوتهم خرق الطرق ونقبوها، وقطعوا الصخور وثقبوها. ثانيها: نقبوا، أي ساروا في الأسفار ولم يجدوا ملجأً ومهرباً، وعلى هذا يحتمل أن يكون المراد أهل مكة، أي هم ساروا في الأسفار، ورأوا ما فيها من الآثار. ثالثها: { فَنَقَّبُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ } أي صاروا نقباء في الأرض أراد ما أفادهم بطشهم وقوتهم، ويدل على هذا الفاء، لأنها تصير حينئذ مفيدة ترتب الأمر على مقتضاه، تقول كان زيد أقوى من عمرو فغلبه، وكان عمرو مريضاً فغلبه زيد، كذلك ههنا قال تعالى: { هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً } فصاروا نقباء في الأرض، وقرىء: { فَنَقَّبُواْ } بالتشديد، وهو أيضاً يدل على ما ذكرنا في الوجه الثالث، لأن التنقيب البحث، وهو من نقب بمعنى صار نقيباً.

    { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ }

    قال الرازى

    الإشارة إلى الإهلاك ويحتمل أن يقال هو إشارة إلى ما قاله من إزلاف الجنة وملء جهنم وغيرهما، ..

    فإن قيل فقوله تعالى: { وَهُوَ شَهِيدٌ } للحال وهو يدل على أن إلقاء السمع بمجرده غير كاف، نقول هذا يصحح ما ذكرناه لأنا قلنا بأن الذكرى حاصلة لمن له قلب ما، فإن لم تحصل له فتحصل له إذا ألقى السمع وهو حاضر بباله من القلب، وأما على الأول فمعناه من ليسه له قلب واع، يحصل له الذكر إذا ألقى السمع وهو حاضر بقلبه فيكون عند الحضور بقلبه يكون له قلب واع، وقد فرض عدمه هذا إذا قلنا بأن قوله: { وَهُوَ شَهِيدٌ } بمعنى الحال، وإذا لم نقل به فلا يرد ما ذكر وهو يحتمل غير ذلك بيانه هو أن يقال ذلك إشارة إلى القرآن وتقريره هو أن الله تعالى لما قال في أول السورة:{ ق وَٱلْقُرْءانِ ٱلْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُواْ أَن جَاءهُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ }
    [قۤ: 1، 2] وذكر ما يدفع تعجبهم وبين كونه منذراً صادقاً وكون الحشر أمراً واقعاً ورغب وأرهب بالثواب والعذاب آجلاً وعاجلاً وأتم الكلام قال: { إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي القرآن الذي سبق ذكره { لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ } أو لمن يستمع، ثم قال: { وَهُوَ شَهِيدٌ } أي المنذر الذي تعجبتم منه شهيد كما قال تعالى:
    { إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً }
    [الفتح: 8] وقال تعالى:
    { لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ }
    [الحج: 78].

    { وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ }

    قال ابن عاشور

    مناسبة اتصال هذه الآية بما قبلها أنه لما نزل قوله تعالى:
    { أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها }
    [ق: 6] إلى قوله:
    { لها طلع نضيد }
    [ق: 10]، وكان ذلك قريباً مما وصف في التوراة من ترتيب المخلوقات إجمالاً ثم نزل قوله بعد ذلك
    { أفَعَيِينَا بالخلْق الأول }
    [ق: 15] كان بعض اليهود بمكة يقولون إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام واستراح في اليوم السابع، وهذا مكتوب في سفر التكوين من «التوراة».

    والاستراحة تؤذن بالنَصَب والإعياء فلما فرغت الآية من تكذيب المشركين في أقوالهم عَطفت إلى تكذيب الذين كانوا يحدثونهم بحديث الاستراحة، فهذا تأويل موقع هذه الآية في هذا المحل مع ما حكَى ابن عطية من الإجماع على أن هذه السورة كلها مكية وقد أشرنا إلى ذلك في الكلام على طليعة السورة فقول من قال نزلت في يهود المدينة تكلّف إذ لم يكن اليهود مقصورين على المدينة من بلاد العرب وكانوا يترددون إلى مكة.

    فقوله: { ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام } تكملة لما وَصف من خلق السماوات في قوله:
    { أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها }
    [ق: 6] إلى قوله:
    { من كل زوج بهيج }
    [ق: 7] ليتوصل به إلى قوله: { وما مسنا من لغوب } إبطالاً لمقالة اليهود، ..

    واللغوب: الإعياء من الجري والعمل الشديد.

    { فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ } * { وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ }

    قال القرطبي

    الأولى ـ قوله تعالى: { فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ } خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أمره بالصبر على ما يقوله المشركون؛ أي هَوِّن أَمرَهم عليك. ونزلت قبل الأمر بالقتال فهي منسوخة. وقيل: هو ثابت للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته. وقيل معناه: فاصبر على ما يقوله اليهود من قولهم: إن الله ٱستراح يوم السبت.

    الثانية ـ قوله تعالى: { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ } قيل: إنه أراد به الصلوات الخمس. قال أبو صالح: قبل طلوع الشمس صلاة الصبح، وقبل الغروب صلاة العصر. ورواه جرير بن عبد الله مرفوعاً؛ قال: كنا جلوساً عند النبيّ صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: " أَمَا إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تُضامون في رؤيته فإن ٱستطعتم ألا تُغْلَبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ـ يعني العصر والفجر ثم قرأ جرير ـ { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } " متفق عليه واللفظ لمسلم. وقال ابن عباس: «قَبْلَ الْغُرُوبِ» الظهر والعصر. { وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ } يعني صلاة العشاءين. وقيل: المراد تسبيحه بالقول تنزيهاً قبل طلوع الشمس وقبل الغروب؛ قاله عطاء الخراسانيّ وأبو الأحوص. وقال بعض العلماء في قوله: { قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ } قال ركعتي الفجر { وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ } الركعتين قبل المغرب؛

    وقال ابن كثير

    { وَأَدْبَـٰرَ ٱلسُّجُودِ } قال ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما: هو التسبيح بعد الصلاة. ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: جاء فقراء المهاجرين فقالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " وما ذاك؟ " قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. قال صلى الله عليه وسلم: " أفلا أعلمكم شيئاً إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من فعل مثل ما فعلتم؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين " قال: فقالوا: يا رسول الله سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله، فقال صلى الله عليه وسلم: " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء "

    والقول الثاني: أن المراد بقوله تعالى: { وَأَدْبَـٰرَ ٱلسُّجُودِ } هما الركعتان بعد المغرب، وروي ذلك عن عمر وعلي وابنه الحسن وابن عباس وأبي هريرة وأبي أمامة رضي الله عنهم، وبه يقول مجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي والحسن وقتادة وغيرهم.

    وقال ابن عاشور

    { فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ }.

    تفريع على ما تقدم كله من قوله:
    { بل عجبوا أن جاءهم منذر }
    [ق: 2] الآيات، ومناسبة وقعه هذا الموقع ما تضمنه قوله:
    { وكم أهلكنا قبلهم من قرن }
    [مريم: 74] الآية من التعريض بتسلية النبي صلى الله عليه وسلم أي فاصبر على ما يقول المشركون من التكذيب بما أخبرتهم من البعث وبالرسالة وقد جمع ذلك كله الموصول وهو { ما يقولون }.

    { وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } * { يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ } * { إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ }

    قال ابن عاشور

    لا محالة أن جملة { استمع } عطف على جملة
    { سَبح بحمد ربك }
    [ق: 39]، فالأمر بالاستماع مفرع بالفاء التي فرع بها الأمر بالصبر على ما يقولون. فهو لاحق بتسلية النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون المسموع إلا من نوع ما فيه عناية به وعقوبة لمكذبيه.

    وقال البقاعى

    ولما سلاه سبحانه عما يسمع منهم من التكذيب وغيره من الأذى بالإقبال على عليّ حضرته والانتظار لنصرته، أتبعه تعزية الإشارة فيها أظهر بما صوره يوم مصيبتهم وقربه حتى أنه يسمع في وقت نزول هذه الآية ما فيه لهم من المثلات وقوارع المصيبات، تحذيراً لهم وبشرى لأوليائه بتمام تأييده عليهم ونصره لهم في الدنيا والآخرة فقال: { واستمع } أي اسمع بتعمدك للسمع بغاية جهدك بإصغاء سمعك وإقبال قلبك بعد تسبيحك بالحمد ما يقال لهم { يوم يناد المناد } لهم في الدنيا يوم بدر أول الأيام التي أظهر الله فيها لأوليائه مجده بالانتقام من أعدائه، وفي الآخرة يوم القيامة في صورة النفخة الثانية وما بعده.

    ولما كان المراد إظهار العظمة بتصوير تمام القدرة، وكان ذلك يتحقق بإسماع البعيد من محل المنادي كما يسمع القريب سواء، وكان القرب ملزوماً للسماع، قال مصوراً لذلك: { من مكان } هو صخرة بيت المقدس { قريب } أي يسمع الصوت من بعد كما يسمعه من قرب، يكونون في البقاع سواء لا تفاوت بينهم أصلاً.

    ولما عظم هذا المقام بما كساه من ثوب الإجمال أبدل منه إيضاحاً وزيادة في التعظيم قوله: { يوم يسمعون } أي الذين ينادون { الصيحة } أي صيحة أصمتهم المستنفر لهم إلى بدر في الدنيا، فكانت صيحة قاضية بصممهم عن جميع تصرفاتهم، وصيحة النفخة الثانية في الصورة في الآخرة فهما نفختا حشر إلى القضاء بين المحق والمبطل { بالحق } أي لأمر الثابت الذي كانوا يسمونه سحراً، ويعدونه خيالاً، فيعلمون حينئذ أن الواقع قد يطابقه، فكان حقاً فإنه قد طابقه الواقع، فكان الإخبار به صدقاً.

    ولما عظمه سبحانه باجمال بعد إجمال، إشارة إلى أن ما فيه من شديد الأهوال، يطول شرحه بالمقال، زاده تعظيماً بما أنتجه الكلام فقال: { ذلك } أي اليوم العظيم الذي يظهر به المجد ويعلو بضعفاء المؤمنين المجد { يوم الخروج } أي الذي لا خروج أعظم منه وهو خروجهم من بيوتهم في الدنيا إلى مصارعهم ببدر، ومن قبورهم من الأرض التي خلقوا منها إلى مقامعهم في النار.

    ولما بنيت دعائم القدرة ودقت بشائر النصرة وختم بما يصدق على البعث الذي هو الإحياء الأعظم دالاً بما هو مشاهد من أفعاله، وأكده لإنكارهم البعث، فقال: { إنا } أي بما لنا من العظمة { نحن }

    { يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ }

    قال الرازى

    وقوله تعالى: { يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً } العامل فيه هو ما في قوله
    { يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ }
    [قۤ: 42] من الفعل أي يخرجون يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً وقوله: { سِرَاعاً } حال للخارجين لأن قوله تعالى: { عَنْهُمْ } يفيد كونهم مفعولين بالتشقق فكان التشقق عند الخروج من القبر كما يقال كشف عنه فهو مكشوف عنه فيصير سراعاً هيئة المفعول كأنه قال مسرعين والسراع جمع سريع كالكرام جمع كريم.

    قوله: { ذَلِكَ حَشْرٌ } يحتمل أن يكون إشارة إلى التشقق عنهم، ويحتمل أن يكون إشارة إلى الإخراج المدلول عليه بقوله سراعاً، ويحتمل أن يكون معناه ذلك الحشر حشر يسير، لأن الحشر علم مما تقدم من الألفاظ.

    وقوله تعالى: { عَلَيْنَا يَسِيرٌ } بتقديم الظرف يدل على الاختصاص، أي هو علينا هين لا على غيرنا وهو إعادة جواب قولهم:
    { ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ }
    [قۤ: 3]

    { نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ }

    قال الالوسي

    { نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ } من نفي البعث وتكذيب الآيات الناطقة وغير ذلك مما لا خير فيه. وهذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتهديد لهم.

    { وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ } أي ما أنت مسلط عليهم تقسرهم على الإيمان أو تفعل بهم ما تريد وإنما أنت منذر، فالباء زائدة في الخبر و { عَلَيْهِمْ } متعلق به. ويفهم من كلام بعض الأجلة جواز كون { جَبَّارٍ } من جبره على الأمر قهره عليه بمعنى أجبره لا من أجبره إذ لم يجيء فَعَّال بمعنى مفعل من أفعل إلا فيما قل كدراك وسراع، وقال علي بن عيسى: لم يسمع ذلك إلا في دراك. وقيل: جبار من جبر بمعنى أجبر لغة كنانة وإن { عَلَيْهِمْ } متعلق بمحذوف وقع حالاً، أي ما أنت جبار تجبرهم على الإيمان والياً عليهم، وهو محتمل للتضمين وعدمه فلا تغفل. وقيل: أريد التحلم عنهم وترك الغلظة عليهم، وعليه قيل: الآية منسوخة، وقيل: هي منسوخة على غيره أيضاً بآية السيف.

    { فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ } فإنه لا ينتفع به غيره. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: «قالوا يا رسول الله لوخوفتنا فنزلت { فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ } » وما أنسب هذا الاختتام بالافتتاح بقوله سبحانه:
    { قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ }
    [قۤ: 1].


    المناسبة بين اولها واخرها

    قال السيوطى فى المراصد

    بدئت بذكر البعث وختمت به
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  3. #93
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,906
    المناسبة بين سورة ق والذاريات

    { وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً } * { فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً } * { فَٱلْجَارِيَاتِ يُسْراً } * { فَٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً } * { إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ } * { وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٱقِعٌ } * { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ } * { إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ }

    قال البقاعى

    لما ختم سبحانه ق بالتذكير بالوعيد، افتتح هذه بالقسم البالغ على صدقه، فقال مناسباً بين القسم والمقسم عليه: { والذاريات } أي الرياح التي من شأنها الإطارة والرمي والتفريق والإذهاب، وأكد ذلك بقوله: { ذرواً * } أي بما تصرفها فيه الملائكة، قال الأصبهاني: الرياح تحت أجنحة الكروبيين حملة العرش، فتهيج من ثم فتقع بعجلة الشمس ثم تهيج عن عجلة الشمس فتقع برؤوس الجبال، ثم من رؤوس الجبال تقع في البر، فأما الشمال فإنها تمر تحت عدن فتأخذ من عرف طيبها فتمر على أرواح الصديقين، ثم تأخذ حدها من كرسي بنات نعش إلى مغرب الشمس، وتأتي الدبور حدها من مغرب الشمس إلى مطلع سهيل، وتأتي الجنوب حدها من مطلع سهيل إلى مطلع الشمس، وتأتي الصبا حدها من مطلع الشمس إلى كرسي بنات نعش، فلا تدخل هذه في حد هذه ولا هذه في حد هذه.

    ولما كانت غاية الذرو التهيئة للحمل، قال مسبباً ومعقباً: { فالحاملات } أي من السحب التي فرقت الريح أصلها وهو الأبخرة، وأطارته في الجو في جهة العلو ثم جمعته، فانعقد سحاباً فبسطه مع الالتئام فحمله الله ما أوجد فيه من مراده من الماء والصواعق وغيرها { وقراً * } أي حملاً ثقيلاً، وقد كان قبل ذلك لا يرى شيء منه ولا من محموله، فتحققوا قدرة الله على كل ما يريد وإن لم تروا أسبابه، ولا يغرنكم بالله الغرور.

    ولما كان الحمل إنما هو الوضع في الأماكن التي يراد ضرها أو نفعها، وكان سير الغمام بعد الحمل في ساحة الجو وباحة الأفق من غير ممسك يرى أدل على القدرة، ولا سيما إذا كان مع الجري الذي يضرب به لسرعته المثل، وكذا جري السفن في باحة البحر بعد ثقلها بالوسق قال: { فالجاريات يسراً * } أي جرياً ذا سهولة.

    ولما كان في غاية الدلالة على تمام القدرة بغريق محمولها في الأراضي المجتاحة ولا سيما إن تباعدت أماكن صبه ومواطن سكبه، وكان ذلك التفريق هو غاية الجري المترتب على الحمل المترتب على الذرو، قال مسبباً معقباً مشيراً بالتفعيل، إلى غرابة فصلها لقطراتها وبداعة تفريقها لرحمتها من عذابها، وغير ذلك من أحوال الجاريات وتصريف الساريات: { فالمقسمات } أي من السحب بما تصرفها فيه الملائكة عليهم السلام، وكذا السفن بما يصرفها الله به من الرياح اللينة أو العاصفة من سلامة وعطب وسرعة وإبطاء، وكذا غيرهما من كل أمر تصرفه الملائكة بين العباد وتقسمه.

    ولما كان المحمول مختلفاً كما تقدم، قال جامعاً لذلك: { أمراً * } أي من الرحمة أو العذاب، قال الرازي في اللوامع: وهذه أقسام يقسم الله بها ولا يقسم بها الخلق لأن قسم الخلق استشهاد على صحة قولهم بمن يعلم السر كالعلانية وهو الله تعالى، وقسم الخالق إرادة تأكيد الخبر في نفوسهم فيقسم ببعض بدائع خلقه على وجه يوجب الاعتبار ويدل على توحيده، فالرياح بهبوبها وسكونها لتأليف السحاب وتذرية الطعام واختلاف الهواء وعصوفها مرة ولينها أخرى والسحاب بنحو وقوفها مثقلات بالماء من غير عماد وصرفها في وقت الغنى عنها بما لو دامت لأهلكت، ولو انقطعت لم يقدر أحد على قطرة منها، وبتفريق المطر وإلا هلك الحرث والنسل، والسفن بتسخير البحر لجريانها وتقدير الريح لها بما لو زاد لغرق، ولو ركد لأهلك، والملائكة تقسم الأمور بأمر ربها، كل ذلك دليل على وجود الصانع الحكيم، والفاطر العليم، القادر الماجد الكريم.


    ولما كانوا يكذبون بالوعيد، أكد الجواب بعد التأكيد بنفس القسم فقال: { إنما } أي الذي { توعدون } أي من الوعد للطائع والوعيد للعاصي، وإن لم تروا أسبابه، ولما كان ما توعدوا به لتحقق وقوعه وقربه كأنه موجود يخاطبهم عن نفسه، عبر عن المصدر باسم الفاعل فقال: { لصادق * } أي مطابق الإخبار به للواقع، وسترون مطابقته له إذا وقع، وتعلمون أن ذلك الواقع حق ثابت لا خيال لمطابقته للخبر، قال ابن برجان: واعلم أن الله عز وجل ما أقسم بقسم إلا مطابقاً معناه لمعان في المقسم من أجله بسراج منير يهدي به الله تعالى من يشاء، وإنما يعمي عن رؤية ذلك ظواهر إشخاص للمحسوسات، ويصم عن إسماع ندائها ضوضاء المشاهدات، ولولا ذلك لنودوا بها من مكان قريب، وقال البيضاوي: كأنه استدل باقتداره على هذه الأشياء العجيبة المخالفة لمقتضى الطبيعة على اقتداره على البعث.

    ولما كان أجل وعيدهم وما يتعلق بالجزاء يوم القيامة وكانوا ينكرونه، قال: { وإن الدين } أي المجازاة لكل أحد بما كسب يوم البعث، والشرع الذي أرسلت به هذا النبي الكريم { لواقع * } لا بد منه وإن أنكرتم ذلك، فيظهر دينه على الدين كله كما وعد بذلك، ثم نقيم الناس كلهم للحساب.

    وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما ذكر سبحانه المواعيد الأخروية في سورة ق وعظيم تلك الأحوال من لدن قوله { وجاءت سكرة الموت بالحق } إلى آخر السورة، أتبع سبحانه ذلك بالقسم على وقوعه وصدقه فقال: { والذاريات ذرواً } إلى قوله: { إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع } والدين الجزاء، أي أنهم سيجازون على ما كان منهم ويوفون قسط أعمالهم { فلا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون } { إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً }. ولما أقسم الله على صدق وعده ووقوع الجزاء، عقب ذلك بتكذيبهم بالجزاء وازدرائهم فقال { يسألون أيان يوم الدين } ثم ذكر تعالى حال الفريقين وانتهاء الطريقين إلى قوله: { وفي الأرض آيات للموقنين } فوبخ تعالى من لم يعمل فكره ولا بسط نظره فيما أودع سبحانه في العالم من العجائب، وأعقب بذكر إشارات إلى أحوال الأمم وما أعقبهم تكذيبهم، وكل هذا تنبيه لبسط النظر إلى قوله: { ومن كل شيء خلقنا } بقوله: { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون } أي إن هذا دأبهم وعادتهم حتى كأنهم تعاهدوا عليه وألقاء بعضهم إلى بعض فقال تعالى: { تواصوا به أم هم قوم طاغون } أي عجباً لهم في جريهم على التكذيب والفساد في مضمار واحد، ثم قال تعالى: { بل هم قوم طاغون } أي أن علة تكذيبهم هي التي اتحدت فاتحد معلولها، والعلة طغيانهم وإظلام قلوبهم بما سبق { ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها } ثم زاد نبيه عليه السلام أشياء مما ورد على طريقة تخييره عليه السلام في أمرهم من قوله تعالى: { فتول عنهم فما أنت بملوم } ثم أشار تعالى بقوله: { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } إلى أن إحراز أجره عليه السلام إنما هو في التذكار والدعاء إلى الله تعالى، ثم ينفع الله بذلك من سبقت له السعادة { إنما يستجيب الذين يسمعون } ثم أخبر نبيه عليه الصلاة والسلام بأن تكذيبه سينالهم قسط ونصيب مما نال غيرهم من ارتكب مرتكبهم، وسلك مسلكهم، فقال تعالى { وإن للذين ظلموا ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم } إلى آخر السورة - انتهى.


    ولما أخبر سبحانه عن ثبات خبره، أتبعه الإخبار عن وهي كلامهم، فقال مقسماً عليه لمبالغتهم في تأكيد مضامينه مع التناقض بفعله الجميل وصنعه الجليل، إشارة إلى أنهم لم يتخلقوا من أخلاقه الحسنى بقول ولا فعل: { والسماء ذات الحبك * } أي الآيات المحتبكة بطرائق النجوم المحكمة، الحسنة الصنعة، الجيدة الرصف والزينة، حتى كأنها منسوجة، الجميلة الصنعة الجليلة الآثار، الجامعة بين القطع والاختلاط والاتفاق والاختلاف، وأصل الحبك الإحكام في امتداد واطراد - قاله الرازي في اللوامع. { إنكم } يا معشر قريش { لفي قول } محيط بكم في أمر القرآن والآتي به وجميع أمر دينكم وغيره مما تريدون به إبطال الدين الحق { مختلف * } كاختلاف طرائق السماء التي لا تكاد تنتظم، ولا يعرف أولها من آخرها، واختلاف هذه الأشياء المقسم بها من أول السورة واختلاف غاياتها لكنه مع ذلك متدافع، وإن كنتم تجتهدون في تزيينه وتقريبه للأفهام وتحسينه فإنه لا يكاد إذا عرضه الناقد على الفكر النافذ ينضبط بضابط ولا يرتبط برابط، بل تارة تقولون: هذا شعر فيلزمكم وصفه بما تصفون به الشعر من الاتساق بالوزن المجرد والروي المتحد، والعذوبة والرشاقة، وتارة تقولون: هذا سحر فيلزمكم مع الإقرار بالعجز عنه أنه لا حقائق له والواقع أنه لا يتأمله ذو فهم إلا رأى حقائقه أثبت من الجبال، وتارة تقولون: أضغاث أحلام، فيلزمكم أنه لا ينضبط بضابط، ولا يكون له مفهوم يحصل، ولا يعجز أحد عن تلفيق مثله، فقد أبطلتم قولكم: إنه شعر وإنه سحر.

    وقال ابو حيان فى بحره

    ومناسبتها لآخر ما قبلها أنه قال
    { فذكر بالقرآن من يخاف وعيد }
    [ق: 45]. وقال أول هذه بعد القسم: { إنما توعدون لصادق، وإن الدين لواقع }.

    وقال الرازى

    أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها، وذلك لأنه تعالى لما بيّن الحشر بدلائله وقال:
    { ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيراً }
    [قۤ: 44] وقال:
    { وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ }
    [قۤ: 45] أي تجبرهم وتلجئهم إلى الإيمان إشارة إلى إصرارهم على الكفر بعد إقامة البرهان وتلاوة القرآن عليهم لم يبق إلا اليمين فقال: { والذارياتِ ذَرْواً... إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَـادِقٌ } وأول هذه السورة وآخرها متناسبان حيث قال في أولها:
    { إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَـٰدِقٌ }
    [الذاريات: 5] وقال في آخرها:
    { فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ }
    [الذاريات: 60] ..

    في الذاريات أقوال. الأول: هي الرياح تذرو التراب وغيره، كما قال تعالى:
    { تَذْرُوهُ ٱلرّياحُ }
    [الكهف: 45]. الثاني: هي الكواكب من ذرا يذرو إذا أسرع. الثالث: هي الملائكة. الرابع: رب الذاريات، والأول أصح.

    المسألة السادسة: الأمور الأربعة جاز أن تكون أموراً متباينة، وجاز أن تكون أمراً له أربع اعتبارات. والأول: هي ما روي عن علي عليه السلام، أن الذاريات هي الرياح والحاملات هي السحاب، والجاريات هي السفن، والمقسمات هي الملائكة الذين يقسمون الأرزاق. والثاني: وهو الأقرب أن هذه صفات أربع للرياح، فالذاريات هي الرياح التي تنشىء السحاب أولاً، والحاملات هي الرياح التي تحمل السحب التي هي بخار المياه التي إذا سحت جرت السيول العظيمة، وهي أوقار أثقل من جبال، والجاريات هي الرياح التي تجري بالسحب بعد حملها، والمقسمات هي الرياح التي تفرق الأمطار على الأقطار، ويحتمل أن يقال هذه أمور أربعة مذكورة في مقابلة أمور أربعة بها تتم الإعادة، وذلك لأن الأجزاء التي تفرقت بعضها في تخوم الأرضين، وبعضها في قعور البحور، وبعضها في جو الهواء، وهي الأجزاء اللطيفة البخارية التي تنفصل عن الأبدان، فقوله تعالى: { وَٱلذرِيَـٰتِ } يعني الجامع للذاريات من الأرض، على أن الذارية هي التي تذرو التراب عن وجه الأرض، وقوله تعالى: { فَٱلْحَـٰمِلَـٰتِ وِقْراً } هي التي تجمع الأجزاء من الجو وتحمله حملاً، فإن التراب لا ترفعه الرياح حملاً، بل تنقله من موضع، وترميه في موضع بخلاف السحاب، فإنه يحمله وينقله في الجو حملاً لا يقع منه شيء، وقوله: { فَٱلْجَـٰرِيَـٰتِ يُسْراً } إشارة إلى الجامع من الماء، فإن من يجري السفن الثقيلة من تيار البحار إلى السواحل يقدر على نقل الأجزاء من البحر إلى البر، فإذا تبين أن الجمع من الأرض، وجو الهواء ووسط البحار ممكن، وإذا اجتمع يبقى نفخ الروح لكن الروح من أمر الله، كما قال تعالى:
    { وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى }
    [الإسراء: 85] فقال: { فَٱلْمُقَسّمَـٰتِ أَمْراً } الملائكة التي تنفخ الروح في الجسد بأمر الله، وإنما ذكرهم بالمقسمات، لأن الإنسان في الأجزاء الجسمية غير مخالف تخالفاً بيناً، فإن لكل أحد رأساً ورجلاً، والناس متقاربة في الأعداد والأقدار، لكن التفاوت الكثير في النفوس، فإن الشريفة والخسيسة بينهما غاية الخلاف، وتلك القسمة المتفاوتة تتقسم بمقسم مختار ومأمور مختار فقال: { فَٱلْمُقَسّمَـٰتِ أَمْراً }.

    وقال ابن عاشور

    ومناسبة هذا القسم للمقسم عليه في وصف السماء بأنها ذات حُبُك، أي طرائق لأن المقسم عليه: إن قولهم مختلف طرائق قِدداً ولذلك وصف المقسم به ليكون إيماء إلى نوع جواب القسم.

    النظم فى سورة الذاريات


    { يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ }

    قال الرازى

    وفيه وجوه. أحدها: أنه مدح للمؤمنين، أي يؤفك عن القول المختلف ويصرف من صرف عن ذلك القول ويرشد إلى القول المستوي. وثانيها: أنه ذم معناه يؤفك عن الرسول. ثالثها: يؤفك عن القول بالحشر. رابعها: يؤفك عن القرآن، وقرىء يؤفن عنه من أفن، أي يحرم، وقرىء يؤفك عنه من أفك، أي كذب.


    { قُتِلَ ٱلْخَرَّاصُونَ } * { ٱلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ }

    قال ابن عاشور

    دعاء بالهلاك على أصحاب ذلك القول المختلف لأن المقصود بقتلهم أن الله يهلكهم، ولذلك يكثر أن يقال: قاتله الله، ثم أجري مجرى اللعن والتحقير والتعجيب من سوء أحوال المدعو عليه بمثل هذا.

    وجملة الدعاء لا تعطف لأنها شديدة الاتصال بما قبلها مما أوجب ذلك الوصف لدخولهم في هذا الدعاء، كما كان تعقيب الجمل التي قبلها بها إيماء إلى أن ما قبلها سبب للدعاء عليهم، وهذا من بديع الإيجاز.

    والخرص: الظن الذي لا حجة لصاحبه على ظنه، فهو معرَّض للخطأ في ظنه، وذلك كناية عن الضلال عمداً أو تساهلاً، فالخرّاصون هم أصحاب القول المختلف، فأفاد أن قولهم المختلف ناشىء عن خواطر لا دليل عليها. وقد تقدم في الأنعام (116)
    { إن يتّبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون }
    فالمراد هنا الخرص بالقول في ذات الله وصفاته.

    والغمرة: المرة من الغمر، وهو الإحاة ويفسرها ما تضاف إليه كقوله تعالى:
    { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت }
    [الأنعام: 93] فإذا لم تقيد بإضافة فإن تعيينها بحسب المقام كقوله تعالى:
    { فذرهم في غمرتهم حتى حين }
    في سورة المؤمنين (54). والمراد: في شغل، أي مَا يشغلهم من معاداة الإسلام شغلاً لا يستطيعون معه أن يتدبروا في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم.

    { يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدِّينِ } * { يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ } * { ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ }

    قال ابن عاشور

    هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من ضمير
    { الخراصون }
    [الذاريات: 10] وأن تكون استئنافاً بيانياً ناشئاً عن جملة
    { قتل الخراصون }
    [الذاريات: 10] لأن جملة { قتل الخراصون } أفادت تعجيباً من سوء عقولهم وأحْوالهم فهو مثار سؤال في نفس السامع يتطلب البيان، فأجيب بأنهم يسألون عن يوم الدين سؤال متهكمين، يعنون أنه لا وقوع ليوم الدين كقوله تعالى:
    { عمّ يتساءلون * عن النبأ العظيم * الذي هم فيه مختلفون }
    [النبأ: 1 ـــ 3].

    و { أيّان يوم الدين } مقول قول محذوف دلّ عليه { يسألون } لأن في فعل السؤال معنى القول. فتقدير الكلام: يقولون: أيان يوم الدين. ولك أن تجعل جملة { أيان يوم الدين } بدلاً من جملة { يسألون } لتفصيل إجماله وهو من نوع البدل المطابق. و { أيّان } اسم استفهام عن زمان فعل وهو في محل نصب مبنيّ على الفتح، أي متى يوم الدين، ويوم الدين زمان فالسؤال عن زمانه آيل إلى السؤال باعتبار وقوعه، فالتقدير: أيان وقوع يوم الدين، أو حلوله، كما تقول: متى يوم رمَضان أي متى ثبوته لأن أسماء الزمان حقها أن تقع ظروفاً للأحداث لا للأزمنة.

    وجملة { يوم هم على النار يفتنون } جواب لسؤالهم جرى على الأسلوب الحكيم من تلقي السائل بغير ما يتطلب إذ هم حين قالوا: أيّان يوم الدين، أرادوا التهكم والإحالة فتُلقِّي كلامُهم بغير مرادهم لأن في الجواب ما يشفي وقع تهكمهم على طريقة قوله تعالى:
    { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيتُ للناس والحج }
    [البقرة: 189]. والمعنى: يوم الدين يقع يوم تُصْلَوْن النار ويقال لكم: ذوقوا فتنتكم.

    وانتصب { يوم هم على النار يفتنون } على الظرفية وهو خبر عن مبتدأ محذوف دل عليه السؤال عنه بقولهم: أيام يوم الدين. والتقدير: يومُ الدين يومَ هم على النار يفتنون.

    والفَتْن: التعذيب والتحريق، أي يوم هم يعذبون على نار جهنم وأصل الفَتْن الاختيار. وشاع إطلاقه على معان منها إذابة الذهب على النار (في البُوتَقة) لاختيار ما فيه من معدن غيرِ ذهب، ولا يذاب إلا بحرارة نار شديدة فهو هنا كناية عن الإحراق الشديد..

    وإضافة فتنة إلى ضمير المخاطبين يومئذ من إضافة المصدر إلى مفعوله. وفي الإضافة دلالة على اختصاصها لهم لأنهم استحقوها بكفرهم، ويجوز أن تكون الإضافة من إضافة المصدر إلى فاعله. والمعنى: ذوقوا جزاء فتنتكم. قال ابن عباس: أي تكذيبكم. ويقوم من هذا الوجه أن يجعل الكلام موجَّهاً بتذكير المخاطبين في ذلك اليوم ما كانوا يفتنون به المؤمنين من التعذيب مثل ما فتنوا بلالاً وخَبَّاباً وعَماراً وشميسة وغيرهم، أي هذا جزاء فتنتكم.

    { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } * { آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ } * { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } * { وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }* { وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ }

    قال ابن عاشور


    اعتراض قَابل به حال المؤمنين في يوم الدين جرى على عادة القرآن في اتباع النِّذارة بالبشارة، والترهيب بالترغيب.

    وقال القرطبي

    { مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ } أي ما أعطاهم من الثواب وأنواع الكرامات؛ قاله الضحاك. وقال ٱبن عباس وسعيد بن جبير: «آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ» أي عاملين بالفرائض. { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ } أي قبل دخولهم الجنة في الدنيا { مُحْسِنِينَ } بالفرائض. وقال ٱبن عباس: المعنى كانوا قبل أن يفرض عليهم الفرائض محسنين في أعمالهم..

    قوله تعالى: { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } معنى «يَهْجَعُونَ» ينامون؛ والهجوع النوم ليلاً، والتَّهْجاع النومة الخفيفة؛ قال أبو قيس بن الأَسْلَت:
    قد حصَّتِ البيضةُ رأسي فَمَا أَطْعَمُ نَوْماً غيرَ تَهْجاعِ
    وقال عمرو بن مَعْدي كرِب يتشوّق أخته وكان أسرها الصِّمَّة أبو دُرَيد بن الصِّمَّة:
    أَمِنْ رَيْحَانة الدَّاعِي السَّميعُ يُؤَرِّقُنِي وأَصحابي هُجوعُ
    يقال: هَجَعَ يَهْجَع هُجوعاً، وهَبَغَ يَهْبَغُ هُبوغاً بالغين المعجمة إذا نام؛ قاله الجوهري. وٱختلف في «ما» فقيل: صلة زائدة ـ قاله إبراهيم النخعي ـ والتقدير كانوا قليلاً من الليل يهجعون؛ أي ينامون قليلاً من الليل ويصلّون أكثره. قال عطاء: وهذا لما أمروا بقيام الليل. وكان أبو ذرّ يحتجِز ويأخذ العصا فيعتمد عليها حتى نزلت الرخصة { قُمِ ٱلْلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً } الآية. وقيل: ليس «ما» صلة بل الوقف عند قوله: «قَلِيلاً» ثم يبتدىء { مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } فـ«ـما» للنفي وهو نفي النوم عنهم البَتّةَ. قال الحسن: كانوا لا ينامون من الليل إلا أقله وربما نَشِطوا فجدّوا إلى السحر. روي عن يعقوب الحضرمي أنه قال: ٱختلفوا في تفسير هذه الآية فقال بعضهم: «كَانُوا قَلِيلاً» معناه كان عددهم يسيراً ثم ٱبتدأ فقال: { مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } على معنى من الليل يهجعون؛ قال ٱبن الأنباري: وهذا فاسد؛ لأن الآية إنما تدل على قلة نومهم لا على قلة عددهم، وبعد فلوا ٱبتدأنا «مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ» على معنى من الليل يهجعون لم يكن في هذا مدح لهم؛ لأن الناس كلهم يهجعون من الليل إلا أن تكون «ما» جَحْداً.

    قلت: وعلى ما تأوّله بعض الناس ـ وهو قول الضحاك ـ من أن عددهم كان يسيراً يكون الكلام متصلاً بما قبل من قوله: { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ } أي كان المحسنون قليلاً، ثم ٱستأنف فقال: { مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } وعلى التأويل الأوّل والثاني يكون «كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ» خطاباً مستأنفاً بعد تمام ما تقدّمه ويكون الوقف على «مَا يَهْجَعُونَ»، وكذلك إن جعلت «قَلِيلاً» خبر كان وترفع «ما» بقليل؛ كأنه قال: كانوا قليلاً من الليل هجوعهم. فـ«ـما» يجوز أن تكون نافية، ويجوز أن تكون مع الفعل مصدراً، ويجوز أن تكون رفعاً على البدل من ٱسم كان، التقدير كان هجوعهم قليلاً من الليل، وٱنتصاب قوله: «قَلِيلاً» إن قدرت «ما» زائدة مؤكدة بـ«ـيَهْجَعُونَ» على تقدير كانوا وقتاً قليلاً أو هجوعاً قليلاً يهجعون، وإن لم تقدر «ما» زائدة كان قوله: «قَلِيلاً» خبر كان ولم يجز نصبه بـ«ـيَهْجَعُونَ»؛ لأنه إذا قدر نصبه بـ«ـيَهْجَعُونَ» مع تقدير «ما» مصدراً قدمت الصلة على الموصول. وقال أنس وقتادة في تأويل الآية: أي كانوا يصلّون بين العشاين: المغرب والعشاء.

    قوله تعالى: { وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } مدح ثان؛ أي يستغفرون من ذنوبهم، قاله الحسن. والسَّحَر وقت يرجى فيه إجابة الدعاء. وقد مضى في «آل عمران» القول فيه. وقال ٱبن عمر ومجاهد: أي يصلّون وقت السَّحَر فسمّوا الصلاة ٱستغفاراً. وقال الحسن في قوله تعالى: { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } مدّوا الصلاة من أوّل الليل إلى السحر ثم استغفروا في السحر

    الرابعة ـ قوله تعالى: { وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ } مدح ثالث. قال محمد بن سيرين وقتادة: الحق هنا الزكاة المفروضة. وقيل: إنه حقّ سوى الزكاة يصل به رَحِماً، أو يَقري به ضيفاً، أو يحمل به كَلاًّ، أو يغني محروماً. وقاله ٱبن عباس؛ لأن السورة مكية وفرضت الزكاة بالمدينة. ٱبن العربي: والأقوى في هذه الآية أنها الزكاة؛ لقوله تعالى في سورة «سأل سائل»: { وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ } والحق المعلوم هو الزكاة التي بيّن الشرع قدرها وجنسها ووقتها، فأما غيرها لمن يقول به فليس بمعلوم؛ لأنه غير مقدّر ولا مجنّس ولا موقّت.

    الخامسة ـ قوله تعالى: { لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ } السائل الذي يسأل الناس لفاقته؛ قاله ٱبن عباس وسعيد بن المسيّب وغيرهما. «وَالْمَحْرُومِ» الذي حُرم المالَ. وٱختلف في تعيينه؛..

    وقال ابن كثير

    { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } اختلف المفسرون في ذلك على قولين: أحدهما: أن ما نافية، تقديره: كانوا قليلاً من الليل لا يهجعونه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئاً، وقال قتادة عن مطرف بن عبد الله: قل ليلة لا تأتي عليهم إلا يصلون فيها لله عز وجل، إما من أولها، وإما من أوسطها. وقال مجاهد: قل ما يرقدون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون، وكذا قال قتادة، وقال أنس بن مالك رضي الله عنه وأبو العالية: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء. وقال أبو جعفر الباقر: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة،

    والقول الثاني: أن ما مصدرية تقديره: كانوا قليلاً من الليل هجوعهم ونومهم، واختاره ابن جرير.

    وقال الحسن البصري: { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } كابدوا قيام الليل فلا ينامون من الليل إلا أقله، ونشطوا فمدوا إلى السحر، حتى كان الاستغفار بسحر، وقال قتادة: قال الأحنف بن قيس: { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } كانوا لا ينامون إلا قليلاً، ثم يقول: لست من أهل هذه الآية.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  4. #94
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,906
    { وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ }

    قال الرازى

    وهو يحتمل وجهين. أحدهما: أن يكون متعلقاً بقوله: { إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَـٰدِقٌ * وَإِنَّ ٱلدّينَ لَوَاقِعٌ * وَفِى ٱلأَرْضِ ءايَـٰتٌ لّلْمُوقِنِينَ } تدلهم على أن الحشر كائن كما قال تعالى: { وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَـٰشِعَةً } إلى أن قال:
    { إِنَّ ٱلَّذِى أَحْيَـٰهَا لمحيي ٱلموتىٰ }
    [فصلت: 39]. وثانيهما: أن يكون متعلقاً بأفعال المتقين، فإنهم خافوا الله فعظموه فأظهروا الشفقة على عباده، وكان لهم آيات في الأرض، وفي أنفسهم على إصابتهم الحق في ذلك، فإن من يكون له في الأرض الآيات العجيبة يكون له القدرة التامة فيخشى ويتقى، ومن له من أنفس الناس حكم بالغة ونعم سابغة يستحق أن يعبد ويترك الهجوع لعبادته، وإذا قابل العبد العبادة بالنعمة يجدها دون حد الشكر فيستغفر على التقصير، وإذا علم أن الرزق من السماء لا يبخل بماله، فالآيات الثلاثة المتأخرة فيها تقرير ما تقدم، وعلى هذا فقوله تعالى:
    { فَوَرَبّ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ }
    [الذاريات: 23] يكون عود الكلام بعد اعتراض الكلام الأول أقوى وأظهر

    وقال ابن عاشور


    هذا متصل بالقَسَم وجوابه من قوله:
    { والذاريات }
    [الذاريات: 1] وقوله:
    { وإن الدين لواقع }
    إلى قوله:
    { والسماء ذات الحبك }
    [الذاريات:6، 7] فبعد أن حقق وقوع البعث بتأكيده بالقسم انتقل إلى تقريبه بالدليل لإبطال إحالتهم إياه، فيكون هذا الاستدلال كقوله:
    { ومن آياته أنك تَرى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربَتْ إن الذي أحياها لمُحي الموتى }
    [فصلت: 39]. وما بين هاتين الجملتين اعتراض، فجملة { وفي الأرض آيات للموقنين } يجوز أن تكون معطوفة على جملة جواب القسم وهي
    { إن ما تُوعدون لصادق }
    [الذاريات: 5]. والمعنى: وفي ما يشاهد من أحوال الأرض آيات للموقنين وهي الأحوال الدالة على إيجاد موجودات بعد إعدام أمثالها وأصولها مثل إنبات الزرع الجديد بعد أن بَاد الذي قبله وصار هشيماً. وهذه دلائل واضحة متكررة لا تحتاج إلى غوص الفكر فلذلك لم تقرن هذه الآيات بما يدعو إلى التفكر كما قرن قوله:
    { وفي أنفسكم أفلا تبصرون }
    [الذاريات: 21].

    وقال البقاعى

    ولما دل إقسامه بالسماء وما قبلها من الذاريات على ما له في العلويات من الآيات إلى أن ختم بالأموال التي تنبتها الأرض، فكان التقدير: ففي السماوات آيات للمؤمنين دالات على عظمته واستحقاقه للعبادة بغاية الخضوع رغباً ورهباً، عطف عليه قوله: { وفي الأرض } مما فيه أيضاً من الاختلاف بالمعادن الكثيرة المتباينة مع اتحاد أصلها والنبات والحيوان والجماد والبر والبحر وغير ذلك من الأسرار الدالة على الفاعل المختار { آيات } أي دلالات عظيمات هي مع وضوحها بعد التأمل خفيات { للموقنين * } الذين صار الإيقان لهم غريزة ثابتة،

    { وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ }

    قال الرازى

    إشارة إلى دليل الأنفس، وهو كقوله تعالى:
    { سَنُرِيهِمْ ءايَـٰتِنَا فِى ٱلآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ }
    [فصلت: 53] وإنما اختار من دلائل الآفاق ما في الأرض لظهورها لمن على ظهورها فإن في أطرافها وأكنافها ما لا يمكن عد أصنافها فدليل الأنفس في قوله: { وَفِى أَنفُسِكُمْ } عام ويحتمل أن يكون مع المؤمنين، وإنما أتى بصيغة الخطاب لأنها أظهر لكون علم الإنسان بما في نفسه أتم وقوله تعالى: { وَفِى أَنفُسِكُمْ } يحتمل أن يكون المراد وفيكم، يقال الحجارة في نفسها صلبة ولا يراد بها النفس التي هي منبع الحياة والحس والحركات، ويحتمل أن يكون المراد وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات وقوله: { أَفلاَ تُبْصِرُونَ } بالاستفهام إشارة إلى ظهورها.

    { وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ }

    قال الرازى

    وقوله تعالى: { وَفِى ٱلسَّمَاء رِزْقُكُمْ } فيه وجوه. أحدها: في السحاب المطر. ثانيها: { فِى ٱلسَّمَاء رَزَقَكُمُ } مكتوب. ثالثها: تقدير الأرزاق كلها من السماء ولولاه لما حصل في الأرض حبة قوت، وفي الآيات الثلاث ترتيب حسن وذلك لأن الإنسان له أمور يحتاج إليها لا بد من سبقها حتى يوجد هو في نفسه وأمور تقارنه في الوجود وأمور تلحقه وتوجد بعده ليبقى بها، فالأرض هي المكان وإليه يحتاج الإنسان ولا بد من سبقها فقال: { وَفِى ٱلأَرْضِ ءايَـٰتٌ } ثم في نفس الإنسان أمور من الأجسام والأعراض فقال: { وَفِى أَنفُسِكُمْ } ثم بقاؤه بالرزق فقال: { وَفِى ٱلسَّمَاء رِزْقُكُمْ } ولولا السماء لما كان للناس البقاء.

    وقوله تعالى: { وَمَا تُوعَدُونَ } فيه وجوه. أحدها: الجنة الموعود بها لأنها في السماء. ثانيها: هو من الإيعاد لأن البناء للمفعول من أوعد يوعد أي وما توعدون إما من الجنة والنار في قوله تعالى:
    { يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ }
    [الذاريات: 13] وقوله:
    { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ }
    [الذاريات: 15] فيكون إيعاداً عاماً، وأما من العذاب وحينئذ يكون الخطاب مع الكفار فيكون كأنه تعالى قال: وفي الأرض آيات للموقنين كافية، وأما أنتم أيها الكافرون ففي أنفسكم آيات هي أظهر الآيات وتكفرون لها لحطام الدنيا وحب الرياسة، وفي السماء الأرزاق، فلو نظرتم وتأملتم حق التأمل، لما تركتم الحق لأجل الرزق، فإنه واصل بكل طريق ولاجتنبتم الباطل اتقاء لما توعدون من العذاب النازل.

    وقال ابن عاشور

    بعد أن ذكر دلائل الأرض ودلائل الأنفس التي هم من علائِق الأرض عُطف ذكر السماء للمناسبة، وتمهيداً للقَسم الذي بعده بقوله:
    { فوربِّ السماء والأرض إنه لحق }
    [الذاريات: 23]. ولما في السماء من آية المطر الذي به تنبت الأرض بعد الجفاف، فالمعنى: وفي السماء آية المطر، فعدل عن ذكر المطر إلى الرزق إدماجاً للامتنان في الاستدلال فإن الدليل في كونه مطراً يحيـي الأرض بعد موتها. وهذا قياس تمثيل للنبت، أي في السماء المطر الذي ترزقون بسببه.

    فالرزق: هو المطر الذي تحمله السحب والسماء هنا: طبقات الجو. وتقديم المجرور على متعلقه للتشويق وللاهتمام بالمكان وللردّ على الفاصلة.

    { فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ }

    قال الرازى


    وفي المقسم عليه وجوه أحدها: { مَّا تُوعَدُونَ } أي ما توعدون لحق يؤيده قوله تعالى:
    { إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَـٰدِقٌ }
    [الذاريات: 5] وعلى هذا يعود كل ما قلناه من وجوه { مَّا تُوعَدُونَ } إن قلنا إن ذلك هو الجنة فالمقسم عليه هو هي. ثانيها: الضمير راجع إلى القرآن أي أن القرآن حق وفيما ذكرناه في قوله تعالى:
    { يُؤْفَكُ عَنْهُ }
    [الذاريات: 9] دليل هذه وعلى هذا فقوله: { مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ } معناه تكلم به الملك النازل من عند الله به مثل ما أنكم تتكلمون وسنذكره. ثالثها: أنه راجع إلى الدين كما في قوله تعالى:
    { وَإِنَّ ٱلدّينَ لَوَاقِعٌ }
    [الذاريات: 6]. رابعها: أنه راجع إلى اليوم المذكور في قوله:
    { أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدّينِ }
    [الذاريات: 12] يدل عليه وصف الله اليوم بالحق في قوله تعالى:
    { ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ }
    [النبأ: 39]. خامسها: أنه راجع إلى القول الذي يقال:
    { هَـٰذَا ٱلَّذِى كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ }
    [الذاريات: 14]

    وقال ابن عاشور

    بعد أن أكد الكلام بالقسم بــ
    { الذاريات }
    [الذاريات: 1] وما عطف عليها فرع على ذلك زيادة تأكيد بالقسم بخالق السماء والأرض على أن ما يوعدون حق فهو عطف على الكلام السابق ومناسبته قوله:
    { وما توعدون }
    [الذاريات: 22].

    وإظهار اسم السماء والأرض دون ذكر ضميرهما لإدخال المهابة في نفوس السامعين بعظمة الربّ سبحانه.

    وضمير { إنه لحقّ } عائد إلى
    { ما توعدون }
    [الذاريات: 22]. وهذا من ردّ العجز على المصدر لأنه رد على قوله أول السورة
    { إن ما توعدون لصادق }
    [الذاريات: 5] وانتهى الغرض.


    { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ } * { إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ }

    قال البقاعى

    ولما بين بما مضى من القسم وما أتبعه من أنه أودع في السماوات والأرض وما بينهما أسباباً صالحة للإتيان بما وعدناه من الخير، وما توعدنا به من الشر وإن كنا لم نرها وهو قادر مختار، فصار ذلك كالمشاهد، ولا وجه للتكذيب بوعد ولا وعيد، دل عليه وصوره بما شوهد من أحوال الأمم وبدأ - لأن السياق للمحسنين - برأس المحسنين من أهل هذه الأنباء الذي أخبرته الملائكة عليهم السلام بما سببه معه وإن كان على غير العادة. فتعجب زوجته من ذلك مع كونها أعلى نساء ذلك الزمان، وأتبع قصته قصة لوط ابن أخيه عليهما السلام لاتصال ما بين قصتيهما في الزمان، ولمناسبة عذابهم لما أقسم به في أول السورة، فإنه سبحانه أمر الذاريات فاقتلعتهم بقراهم وحملتها كما تحمل السحاب ثم كبتهم فرجمتهم، والأرض فخسفت بهم، والملائكة الموكلة بمثل ذلك، ففعلوا جميع ما أمروا به ورأوهم في قريتهم وقصدوهم بالمكر لأنهم خفي عليهم أمرهم، وأتوا الخليل عليه السلام وهو أعلى ذلك الزمان وهم في ذلك ولم يعلم أول الأمر بشيء من حالهم ولا ظنهم إلا آدميين، فقال مفخماً لأمر القصة بتخصيص الخطاب لأعلى الخلق وأنفذهم فهما إشارة إلى أنه لا يفهم هذا حق فهمه سواه على طريق الاستفهام على عادة العرب في الإعلام بالأمور الماضية وإن كان المخبر عالماً بأن المخاطب لا علم له بذلك لأن المقصود ليس إلا التنبيه على أن ذلك الأمر مما ينبغي الاهتمام به والبحث فيه ليعرف ما فيه، من الأمور الجليلة؛ قال أبو حيان: تقرير لتجتمع نفس المخاطب كما تبدأ المرء إذا أردت أن تحدثه بعجيب فتقرره: هل سمعت ذلك أم لا؟ فكأنك تقتضي بأن يقول: لا، ويستطعمك الحديث - انتهى. { هل أتاك ..

    ولما كان ما ذكر من دخولهم وسلامهم غير مستغرب عند المخاطبين بهذا، وكانت القصة قد ابتدئت بما دل على غرابة ما يقص منها، تشوف السامع إلى ما كان بعد هذا فأجيب بقوله: { قوم } أي ذوو قوة على ما يحاولونه ويقومون فيه { منكرون * } أي حالهم لإلباسه أهل لأن ينكره المنكر، وقدم هذا على موضعه الذي كان أليق به فيما يظهر بادي الرأي، وإيضاحاً لأن السياق لخفاء الأسباب على الآدمي وبعدها وإن كانت في غاية الظهور والقرب ولو أنه غاية العلو فإن إنكاره لهم كان متأخراً عن إحضار الأكل لكونهم لم يأكلوا، وهذا القول كان في نفسه ولم يواجههم به.

    وقال ابن عاشور


    انتقال من الإنذار والموعظة والاستدلال إلى الاعتبار بأحوال الأمم الماضية المماثلة للمخاطبين المشركين في الكفر وتكذيب الرسل. والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً وغيّر أسلوب الكلام من خطاب المنذرين مواجهة إلى أسلوب التعريض تفنناً بذكر قصة إبراهيم لتكون توطئة للمقصود من ذكر ما حلّ بقوم لوط حين كذبوا رسولهم، فالمقصود هو ما بعد قوله
    { قال فما خطبكم أيها المرسلون }
    [الحجر: 57].

    وكان في الابتداء بذكر قوم لوط في هذه الآية على خلاف الترتيب الذي جرى عليه اصطلاح القرآن في ترتيب قصص الأمم المكذبة بابتدائها بقوم نوح ثم عاد ثم ثمود ثم قوم لوط أن المناسبة للانتقال من وعيد المشركين إلى العبرة بالأمم الماضية أن المشركين وصفوا آنفاً بأنهم في غمرة ساهون فكانوا في تلك الغمرة أشبه بقوم لوط إذ قال الله فيهم
    { لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون }
    [الحجر: 72]، ولأن العذاب الذي عذب به قوم لوط كان حجارة أنزلت عليهم من السماء مشبهة بالمطر. وقد سميت مطراً في قوله تعالى:
    { ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطرَ السوء }
    [الفرقان: 40] وقوله:
    { وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل }
    [هود: 82] ولأن في قصة حضور الملائكة عند إبراهيم وزوجه عبرة بإمكان البعث فقد تضمنت بشارتها بمولود يولد لها بعد اليأس من الولادة وذلك مثل البعث بالحياة بعد الممات.

    ولمّا وجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله: { هل أتاك } عُرف أن المقصود الأصلي تسليته على ما لقيه من تكذيب قومه. ويتبع ذلك تعريض بالسامعين حين يُقرأ عليهم القرآن أو يبلغهم بأنهم صائرون إلى مثِل ذلك العذاب لاتحاد الأسباب.

    { فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ } * { فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ } * { فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ } * { فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ } * { قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ } * { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ } * { قَالُوۤاْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } * { لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ } * { مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ } * { فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } * { فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } * { وَتَرَكْنَا فِيهَآ آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ }

    قال البقاعى

    ولما أشار إلى أنه حين إنكاره لهم لم يعرف من أي نوع هم ولا خصوص ما هم فيه، رتب على رده لسلامهم أنه أسرع غاية الإسراع في إحضار ما ينبغي للضيف على ظن أنهم آدميون فقال: { فراغ } أي ذهب في خفية وخفة ومواضع سترة عن أعينهم كما هو من آداب الضيافة خوفاً من أن يمنعوه أو يكدر عليهم الانتظار: { إلى أهله } أي الذين عندهم بقرة { فجاء بعجل } أي فتى من أولاد البقر { سمين * } قد شواه وأنضجه { فقربه إليهم } ولما أخبر بما ينبغي الإخبار به من أمر الضيافة إلا الأكل، كان من المعلوم أن التقدير: فكان كأنه قيل: فماذا قال لهم حين لم يأكلوا؟ قيل: { قال } أي متأدباً غاية التأدب ملوحاً بالإنكار: { ألا تأكلون * } أي منه.

    ولما كان كأنه قيل: فلم يأكلوا، سبب عنه قوله: { فأوجس } أي أضمر إضمار الحال في جميع سره { منهم خيفة } لأجل إنكاره عدم أكلهم فإنه لما رأى إعراضهم عن الطعام ذهب وهمه في سبب إتيانهم إليه كل مذهب { قالوا } مؤنسين له: { لا تخف } وأعلموه بأنهم رسل الله { وبشروه بغلام } على شيخوخته ويأس امرأته بالطعن في السن بعد عقمها، وهو إسحاق عليه السلام. ولما كان السياق لخفاء الأسباب كان في الذروة وصفه بقوله: { عليم * } أي مجبول جبلة مهيأة للعلم ولا يموت حتى يظهر علمه بالفعل في أوانه.

    ولما كانا بعيدين عن قبول الولد، تسبب عن ذلك قوله، دالاًّ على أن الولد إسحاق مع الدلالة على أن خفاء الأسباب لا يؤثر في وجود المسببات: { فأقبلت } أي من سماع هذا الكلام { امرأته } ولما كانت قد امتلأت عجباً، عبر بالظرف فقال: { في صرة } أي صيحة وكرب من الصرير قد أحاط بها، فذهب وهمهما في ذلك كل مذهب { فصكت } أي ضربت بسبب تعجبها بأطراف أناملها فعل المتعجب { وجهها } لتلاشي أسباب الولد في علمها بسبب العادة مع معرفتها بأن العبرة في الأسباب وإن كانت سليمة بالمسبب لا بها، قال البغوي: وأصل الصك ضرب الشيء بالشيء العريض { وقالت } تريد أن تستبين الأمر هل الولد منها أم من غيرها: { عجوز } ومع العجز { عقيم * } فهي في حال شبابها لم تكن تقبل الحبل، قال القشيري رحمه الله تعالى: قيل: إنها كانت يومئذ ابنة ثمان وتسعين سنة.

    ولما كان في هذا أشد تشوف إلى الجواب، استأنف تعالى الجواب بقوله: { قالوا كذلك } أي مثل ما قلناه من هذه البشرى العظيمة { قال ربك } أي المحسن إليك بتأهيلك لذلك على ما ذكرت من حالك وبتأهيلك من قبل الاتصال بخليله صلى الله عليه وسلم. ولما كان محط تعجبها أن ذلك كان بأيام شبابها أولى، عللوا إخبارهم تأكيداً له مؤكدين لأن قولها وفعلها فعل المنكر وإن كانت ما أرادت به إلا الاستثبات: { إنه هو } أي وحده { العليم } الذي يضع الأشياء في أحق مواضعها فرتب عظمة هذا المولود على كل من عقمك وعجزك؛ ثم عللوا ذلك بقولهم: { الحكيم * } أي المحيط العلم فهو كذلك لا يعجزه شيء لما تقدم من البرهان في سورة طه أن إحاطة العلم مستلزم شمول القدرة.

    ولما كان الخليل عليه السلام أعلم أهل زمانه بالأمور الإلهية، علم أن اجتماع الملائكة على تلك الهيئة التي يراهم فيها ليس لهذه البشارة فقط، فلذلك استأنف تعالى الجواب لمن كان كأنه قال: ما كان من حاله وحالهم بعد هذا؟ بقوله: { قال } أي قال مسبباً عما رأى من حالهم: { فما خطبكم } أي خبركم العظيم { أيها المرسلون * } أي لأمر عظيم { قالوا } قاطعين بالتأكيد بأن مضمون خبرهم حتم لا بد منه، ولا مدخل للشفاعة فيه: { إنا أرسلنا } أي بإرسال من تعلم { إلى قوم مجرمين * } أي هم في غاية القوة على ما يحاولونه وقد صرفوا ما أنعم الله به عليهم من القوة في قطع ما يحق وصله ووصل ما يحق قطعه { لنرسل عليهم } أي من السماء التي فيها ما وعد العباد به وتوعدوا { حجارة من طين * } أي مهيأ للاحتراق والإحراق { مسومة } أي معلمة بعلامة العذاب المخصوص. ولما كان قد رأوا اهتمامه بالعلم بخبرهم خشية من أن يكونوا أرسلوا لعذاب أحد يعز عليه أمره، أمنوا خوفه بوصف الإحسان فقالوا: { عند ربك } أي المحسن إليك بهذه البشارة وغيرها { للمسرفين * } أي المتجاوزين للحدود غير قانعين بما أبيح لهم.


    ولما كان من المعلوم أن القوم يكونون تارة في مدر وتارة في شعر، وعلم من الآيات السالفة أن العذاب مختص بذوي الإسراف، سبب عن ذلك مفصلاً لخبرهم قوله تعالى معلماً أنهم في مدر: { فأخرجنا } بما لنا من العظمة بعد أن ذهبت رسلنا إليهم ووقعت بينهم وبين لوط عليهم السلام محاولات معروفة لم تدع الحال هنا إلى ذكرها، والملائكة سبب عذابهم، وأهل القرية المحاولون في أمرهم لا يعرفون ذلك، وهذه العبارة إن كانت إخباراً لنا كانت خبراً عما وقع لنعتبر به، وإن كانت لإبراهيم عليه السلام كان معناها أن الحكم الأعظم وقع بإخراجهم بشارة له بنجاتهم { من كان فيها } أي قراها. ولما كان القلب عماد البدن الذي به صلاحه أو فساده، فكان عمله أفضل الأعمال أنه به يكون استسلام الأعضاء أو جماحها، بدأ به فقال: { من المؤمنين * } أي المصدقين بقلوبهم لأنا لا نسويهم بالمجرمين فخلصناهم من العذاب على قلتهم وضعفهم وقوة المخالفين وكثرتهم، وسبب عن التعبس والستر والتعرض للظواهر والبواطن قوله: { فما وجدنا } أسند الأمر إليه تشريفاً لرسله إعلاماً بأن فعلهم فعله { فيها غير بيت } واحد وهو بيت لوط ابن أخي إبراهيم عليه السلام، وقيل: كان عدة الناجين منهم ثلاثة عشر، ولما كان الإسلام قد تطلق على الظاهر فقط وإن كان المراد هنا الأخص أخره فقال: { من المسلمين * } أي العريقين في الإسلام الظاهر والباطن لله من غير اعتراض أصلاً وهم إبراهيم وآله عليهم السلام فإنهم أول من وجد منه الإسلام الأتم، وتسموا به كما مضى في البقرة وسموا به أتباعهم، فكان هذا البيت الواحد صادقاً عليه الإيمان الذي هو التصديق والإسلام الذي هو الانقياد، قال البغوي: وصفهم الله تعالى بالإيمان والإسلام جميعاً لأنه ما آمن مؤمن إلا وهو مسلم.

    ولما وكان إبقاء آثار المهلكين أدل على قدرة من أهلكهم قال: { وتركنا } أي بما لنا من العظمة { فيها } أي تلك القرى بما أوقعنا بها من العذاب الذي كان مبدؤه أنسب شيء بفعل الذاريات من السحاب فإنا قلعنا قراهم كلها وصعدت في الجو كالغمام إلى عنان السماء ولم يشعر أحد من أهلها بشيء من ذلك ثم قلبت وأتبعت الحجارة ثم خسف بها وغمرت بالماء الذي لا يشبه شيئاً من مياه الأرض كما أن خباثتهم لم تشبه خباثة أحد ممن تقدمهم من أهل الأرض { آية } أي علامة عظيمة على قدرتنا على ما نريد { للذين يخافون } كما تقدم آخر ق أنهم المقصودون في الحقيقة بالإنذار لأنهم المنتفعون به دون من قسا قلبه ولم يعتبر { العذاب الأليم * } أي أن يحل بهم كما حل بهذه القرى في الدنيا من رفع الملائكة لهم في الهواء الذاري إلى عنان السماء وقلبهم وإتباعهم الحجارة المحرقة، وغمرهم بالماء المناسب لفعلهم بنتنه وعدم نفعه، وما ادخر لهم في الآخرة أعظم.

    { وَفِي مُوسَىٰ إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ }

    قال الرازى

    قوله: { وَفِى مُوسَىٰ } يحتمل أن يكون معطوفاً على معلوم، ويحتمل أن يكون معطوفاً على مذكور، أما الأول ففيه وجوه. الأول: أن يكون المراد ذلك في إبراهيم وفي موسى، لأن من ذكر إبراهيم يعلم ذلك. الثاني: لقومك في لوط وقومه عبرة، وفي موسى وفرعون. الثالث: أن يكون هناك معنى قوله تعالى: تفكروا في إبراهيم ولوط وقومهما، وفي موسى وفرعون، والكل قريب بعضه من بعض، وأما الثاني ففيه أيضاً وجوه. أحدها: أنه عطف على قوله:
    { وَفِى ٱلأَرْضِ ءايَـٰتٌ لّلْمُوقِنِينَ }
    [الذاريات: 20]، { وَفِى مُوسَىٰ } وهو بعيد لبعده في الذكر، ولعدم المناسبة بينهما. ثانيها: أنه عطف على قوله:
    { وَتَرَكْنَا فِيهَا ءايَةً لّلَّذِينَ يَخَافُونَ }
    [الذاريات: 37]، { وَفِى مُوسَىٰ } أي وجعلنا في موسى على طريقة قولهم: علفتها تبناً وماءً بارداً، وتقلدت سيفاً ورمحاً، وهو أقرب، ولا يخلو عن تعسف إذا قلنا بما قال به بعض المفسرين إن الضمير في قوله تعالى: { وَتَرَكْنَا فِيهَا } عائد إلى القرية. ثالثها: أن نقول فيها راجع إلى الحكاية، فيكون التقدير: وتركنا في حكايتهم آية أو في قصتهم، فيكون: وفي قصة موسى آية، وهو قريب من الاحتمال الأول، وهو العطف على المعلوم. رابعها: أن يكون عطفاً على
    { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرٰهِيمَ }
    [الذاريات: 24] وتقديره: وفي موسى حديث إذ أرسلناه، " وهو مناسب إذ جمع الله كثيراً من ذكر إبراهيم وموسى عليهما السلام، كما قال تعالى:
    { أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَىٰ وَإِبْرٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ }
    [النجم: 36] وقال تعالى:
    { صُحُفِ إِبْرٰهِيمَ وَمُوسَىٰ }
    [الأعلى: 19] والسلطان القوة بالحجة والبرهان، والمبين الفارق، وقد ذكرنا أنه يحتمل أن يكون المراد منه ما كان معه من البراهين القاطعة التي حاج بها فرعون، ويحتمل أن يكون المراد المعجز الفارق بين سحر الساحر وأمر المرسلين.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  5. #95
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,906
    { فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } * { فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ } * { وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ } * { مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ } * { وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٍ } * { فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ } * { فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مِن قِيَامٍ وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ } * { وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ }

    قال البقاعى

    { فتولى } أي كلف نفسه الإعراض بعد ما دعاه علمها إلى الإقبال إليها، وأشار إلى توليه بقوله: { بركنه } أي بسب ما يركن إليه من القوة في نفسه وبأعوانه وجنوده أو بجميع جنوده - كناية عن المبالغة في الإعراض، { وقال } معلماً بعجزه عما أتاه به وهو لا يشعر: { ساحر } ثم ناقض كمناقضتكم فقال بجهله عما يلزم على قوله: { أو مجنون * } أي لاجترائه عليّ مع ما لي من عظيم الملك بمثل هذا الذي يدعو إليه ويتهدد عليه.

    ولما وقعت التسلية بهذا للأولياء، قال تعالى محذراً للأعداء: { فأخذناه } أي أخذ غضب وقهر بعظمتنا بما استدرجناه به وأوهناه به من العذاب الذي منه سحاب حامل ماء وبرداً وناراً وصواعق { وجنوده } أي كلهم { فنبذناهم } أي طرحناهم طرح مستهين بهم مستخف لهم كما تطرح الحصيات { في اليم } أي البحر الذي هو أهل لأن يقصد بعد أن سلطنا الريح فغرقته لما ضربه موسى عليه السلام بعصاه ونشفت أرضه، فأيبست ما أبرزت فيه من الطرق لنجاة أوليائنا وهلاك أعدائنا { وهو } أي والحال أن فرعون { مليم * } أي آتٍ بما هو بالغ في استحقاقه الملامة، ويجوز أن يكون حالاً من { أليم } بمعنى أنه فعل بهم فعل اللائم من ألامه - إذا بالغ في عذله، وصار ذا لائمة أي لهم، من ألام - لازماً، وأن يكون مخففاً من لأم المهموز فيكون المعنى: فهو مصلح أي فاعل فعل المصلحين في إنجاء الأولياء وإغراق الأعداء بالالتئام والانطباق عليهم، قال في القاموس: اللوم العدل، لام لوماً وألامه ولومه للمبالغة، وألام: أتى ما يلام عليه أو صار ذا لائمة، ولأمه بالهمز كمنعه، نسبه إلى اللوم، والسهم: أصلحه كألامه ولأمه فالتأم، ولا يضر يونس عليه السلام أن يعبر في حقه بنحو هذه العبارة، فإن أسباب اللوم تختلف كما أن أسباب المعاصي تختلف ...

    ولما أتم قصة من جمع له السحاب والماء والنار والريح، أتبعها قصة من أتاهم بريح ذارية لم يوجد قط مثلها، وكان أصلها موجوداً بين ظهرانيهم وهم لا يشعرون، بل قاربت الوصول إليهم وهم يظنونها مما ينفعهم: { وفي عاد } أي آية عظيمة { إذ } أي حين { أرسلنا } بعظمتنا { عليهم } إرسال علو وأخذ { الريح } فأتتهم تحمل سحابة سوداء وهي تذرو الرمل وترمي بالحجارة على كيفية لا تطاق { العقيم * } أي التي لا ثمرة لها فلا تلقح شجراً ولا تنشىء سحاباً ولا تحمل مطراً ولا رحمة فيها ولا بركة فلذلك أهلكهم هلاك الاستئصال، ثم بين عقمها وإعقامها بقوله: { ما تذر } أي تترك على حال ردية، وأعرق في النفي فقال: { من شيء } ولما كان إهلاكها إنما هو بالفاعل المختار، نبه على ذلك بأداة الاستعلاء فقال: { أتت عليه } أي إتيان إرادة مرسلها، استعلاها على ظاهره وباطنه، وأما من أريدت رحمته كهود عليه السلام ومن معه رضي الله عنهم فكان لهم روحاً وراحة لا عليهم { إلا جعلته كالرميم * } أي الشيء البالي الذي ذهلته الأيام والليالي، فصيره البلى إلى حالة الرماد، وهو في كلامهم ما يبس من نبات الأرض ودثر - قاله ابن جريج، وخرج بالتعبير بـ " تذر " هود عليه السلام ومن معه من المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين، فإنهم تركتهم على حالة حسنة لم يمسهم منها سوء كما أشير إلى مثل ذلك بأداة الاستعلاء.

    ولما تم ما اقتضاه سياق السورة من قصة أهل الريح الذارية، أتبعها قصة من أهلكوا بما يحمله السحاب من الريح وما تحمله الريح من صوت الصيحة الراجفة الماحقة فقال: { وفي ثمود } أي قوم صالح عليه السلام آية عظيمة كذلك { إذ } أي حين { قيل لهم } ممن لا يخلف المعياد: { تمتعوا } أي بلبن الناقة وغيره مما مكناكم فين من الزرع والنخيل والأبنية في الجبال والسهول وغير ذلك من جلائل الأمور الذي أمرناكم به ولا تطغوا { حتى حين * } أي وقت ضربناه لآجالكم { فعتوا } أي أوقعوا بسبب إحساننا إليهم العتو، وهو التكبر والإباء { عن أمر ربهم } أي مولاهم الذي أعظم إحسانه إليهم فعقروا الناقة وأرادوا قتل نبيه عليه السلام { فأخذتهم } بسبب عتوهم أخذ قهر وعذاب { الصاعقة } أي الصيحة العظيمة التي حملتها الريح، فأوصلتها إلى مسامعهم بغاية العظمة، ورجت ديارهم رجة أزالت أرواحهم بالصعق، وقوله: { وهم ينظرون * } دال على أنها كانت في غمام، وكان فيها نار، ويجوز - مع كونه من النظر - أن يكون أيضاً من الانتظار، فإنهم وعدوا نزول العذاب بعد ثلاثة أيام، وجعل لهم في كل يوم علامة وقعت بهم فتحققوا وقوعه اليوم الرابع { فما } أي فتسبب عن ذلك أنه ما { استطاعوا } أي تمكنوا، وأكد النفي فقال: { من قيام } أي بعد مجيئها بأن عاجلتهم بإهلاكها عن القيام.

    ولما كان الإنسان قد لا يتمكن من القيام لعارض في رجليه وينتصف من عدوه بما يرتبه من عقله ويدبره برأيه قال: { وما كانوا } أي كوناً ما { منتصرين } أي لم يكن فيهم أهلية للانتصار بوجه، لا بأنفسهم ولا بناصر ينصرهم فيطاوعونه في النصرة لأن تهيؤهم لذل سقط بكل اعتبار.

    ولما أتم قصة من أهلكوا بما من شأنه الإهلاك وهو الصاعقة، أتبعهم قصة من أهلكوا بما من شأنه الإحياء، وهو الماء الذي جل ما يشتمل عليه الحلامات التي أثارتها الذاريات، وقد كانوا موجودين في الأرض والسماء - وأسبابه مهيأة - وهم لا يحسون بشيء من ذلك، وأما عبادنا المؤمنون فهيأنا لهم أسباب النجاة من السفينة وغيرها، وأعلمناهم بها، فكان كل ما أردنا وقاله عنا أولياؤنا فقال مغيراً للأسلوب تنبياً على العظمة بنفسه الإهلاك لكونه بما من شأن الإحياء والإبقاء والتصرف في الأسباب: { وقوم } أي وأهلكنا قوم { نوح } على ما كان فيهم من الكثرة وقوة المحاولة والقيام بما يريدونه، ويجوز أن يكون معطوفاً على " فيها " أي وتركناهم آية، ويحسن هذا الإعراب أنهم هلكوا جميعاً وكانوا جميع أهل الأرض، وعم عذابهم جميع الأرض، كانوا لهم الآية، ويؤيد هذا الإعراب قراءة أي عمرو وحمزة والكسائي بالجر عطفاً على ضمير " فيها ".

    ولما كان إهلاكهم على عظمه وانتشاره في بعض الزمان، أدخل الجارّ فقال: { من قبل } أي قبل هذه الأمم كلها، ثم علل إهلاكهم بقوله: { إنهم كانوا } خلقاً وطبعاً، لا حيلة لغيرنا من أهل الأسباب في صلاحهم { قوماً } أي أقوياء { فاسقين * } أي عريقين في الخروج عن حظيرة الدين.

    وقال ابن عاشور

    والمراد بــــ { حين } زمن مبهم، جعل نهاية لما مُتّعوا به من النعم فإن نعم الدنيا زائلة، وذلك الأجل: إما أن يراد به أجل كل واحد منهم الذي تنتهي إليه حياته، وإمّا أن يراد به أجل الأمة الذي ينتهي إليه بقاؤها. وهذا نحو قوله:
    { يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى }
    [هود: 3] فكما قاله الله للناس على لسان محمد صلى الله عليه وسلم لعله قاله لثمود على لسان صالح عليه السلام.

    وليس قوله: { إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين } بمشير إلى قوله في الآية الأخرى
    { فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام }
    [هود: 65] ونحوه لأن ذلك الأمر مستعمل في الإِنذار والتأييس من النجاة بعد ثلاثة أيام فلا يكون لقوله بعده: { فعتوا عن أمر ربهم } مناسبة لتعقيبه به بالفاء لأن الترْتيب الذي تفيده الفاء يقتضي أن ما بعدها مرتب في الوجود على ما قبلها.

    { وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ }

    قال ابن عاشور

    لما كانت شبهة نفاة البعث قائمة على توهم استحالة إعادة الأجسام بعد فنائها أعقب تهديدهم بما يقوض توهمهم فوُجه إليه الخطاب يُذكرهم بأن الله خلق أعظم المخلوقات ولم تكن شيئاً فلا تعدّ إعادة الأشياء الفانية بالنسبة إليها إلاّ شيئاً يسيراً كما قال تعالى:
    { لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون }
    [غافر: 57].

    وهذه الجملة والجمل المعطوفة عليها إلى قوله:
    { إني لكم منه نذير مبين }
    [الذاريات: 51] معترضة بين جملة
    { وقوم نوح من قبل }
    [الذاريات: 46] الخ وجملة
    { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول }
    [الذاريات: 52] الآية.

    وقال الالوسي

    { وَٱلسَّمَاء } أي وبنينا السماء { بَنَيْنَـٰهَا بِأَييْدٍ } أي بقوة قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، ومثله ـ الآد ـ وليس جمع يد، وجوزه الإمام وإن صحت التورية به { وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } أي لقادرون من الوسع بمعنى الطاقة، فالجملة تذييل إثباتاً لسعة قدرته عز وجل كل شيء فضلاً عن السماء، وفيه رمز إلى التعريض الذي في قوله تعالى:
    { وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ }
    [ق: 38]، وعن الحسن لموسعون الرزق بالمطر وكأنه أخذه من أن المساق مساق الامتنان بذلك على العباد لا إظهار القدرة فكأنه أشير في قوله تعالى: { وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ } إلى ما تقدم من قوله سبحانه:
    { وَفِى ٱلسَّمَاء رِزْقُكُمْ }
    [الذاريات: 22] على بعض الأقوال فناسب أن يتمم بقوله تعالى: { وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } مبالغة في المنّ
    ولا يحتاج أن يفسر الأيد بالإنعام على هذا القول لأنه يتم المقصود دونه، واليد بمعنى النعمة لا الإنعام، وقيل: أي لموسعوها بحيث إن الأرض وما يحيط بها من الماء والهواء بالنسبة إليها كحلقة في فلاة، وقيل: أي لجاعلون، بينها وبين الأرض سعة، والمراد السعة المكانية، وفيه على القولين تتميم أيضاً.

    { وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ }

    قال ابن عاشور

    القول في تقديم { الأرض } على عامله، وفي مجيء طريقة الاشتغال كالقول في
    { والسماء بنيناها }
    [الذاريات: 47]. وكذلك القول في الاستدلال بذلك على إمكان البعث.

    من دقائق فخر الدين: أن ذكر الأمم الأربع للإِشارة إلى أن الله عذّبهم بما هو من أسباب وجودهم، وهو التراب والماء والهواء والنار، وهي عناصر الوجود، فأهلك قوم لوط بالحجارة وهي من طين، وأهلك قوم فرعون بالماء، وأهلك عاداً بالريح وهو هواء، وأهلك ثموداً بالنار.

    واستغنى هنا عن إعادة
    { بأييد }
    [الذاريات: 47] لدلالة ما قبله عليه.

    والفرش: بسط الثوب ونحوه للجلوس والاضطجاع، وفي { فرشناها } استعارة تبعية، شبه تكوين الله الأرضَ على حالة البسط بفرش البساط ونحوه.

    وفي هذا الفرش دلالة على قدرة الله وحكمته إذ جعل الأرض مبسوطة لمَّا أراد أن يجعل على سطحها أنواع الحيوان يمشي عليها ويتوسدُها ويضطجع عليها ولو لم تكن كذلك لكانت مُحدودبة تؤلم الماشي بَلْهَ المتوسد والمضطجع.

    ولما كان في فرشها إرادة جعلها مَهداً لمن عليها من الإِنسان أتبع { فرشناها } بتفريع ثناء الله على نفسه على إجادة تمهيدها تذكيراً بعظمته ونعمته، أي فنعم الماهدون نحن.

    وقال الرازى

    استدلالاً بالأرض وقد علم ما في قوله: { وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَـٰهَا } وفيه دليل على أن دحو الأرض بعد خلق السماء، لأن بناء البيت يكون في العادة قبل الفرش، وقوله تعالى: { فَنِعْمَ ٱلْمَـٰهِدُونَ } أي نحن أو فنعم الماهدون ماهدوها.

    { وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }

    قال ابن عاشور

    لما أشعر قوله:
    { فرشناها فنعم الماهدون }
    [الذاريات: 48] بأن في ذلك نعمة على الموجودات التي على الأرض، أُتبع ذلك بصفة خلق تلك الموجودات لما فيه من دلالة على تفرد الله تعالى بالخلق المستلزم لتفرده بالإِلهية فقال: { ومن كل شيء خلقنا زوجين } والزوج: الذكر والأنثى. والمراد بالشيء: النوع من جنس الحيوان. وتثنية زوج هنا لأنه أريد به ما يُزوج من ذكر وأنثى.

    { فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } * { وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ }

    قال ابن عاشور

    بعد أن بين ضلال هؤلاء في تكذيبهم بالبعث بياناً بالبرهان الساطع، ومثَّل حالهم بحال الأمم الذين سلفوهم في التكذيب بالرسل وما جاءوا به جمعاً بين الموعظة للضالين وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وكانت فيما مضى من الاستدلال دلالة على أن الله متفرد بخلق العالم وفي ذلك إبطال إشراكهم مع الله آلهة أخرى أقبل على تلقين الرسول صلى الله عليه وسلم ما يستخلصه لهم عقب ذلك بأن يدعوهم إلى الرجوع إلى الحق بقوله: { ففرُّوا إلى الله } فالجملة المفرعة بالفاء مقول قول محذوف والتقدير: فقل فرّوا، دل عليه قوله: { إني لكم منه نذير مبين } فإنه كلام لا يصدر إلا من قائل ولا يستقيم أن يكون كلام مبلغ. وحذف القول كثير الورود في القرآن وهو من ضُروب إيجازه، فالفاء من الكلام الذي يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم ومفادها التفريع على ما تقرر مما تقدم. وليست مُفرِّعة فعل الأمر المحذوف لأن المفرع بالفاء هو ما يذكر بعدها.

    وقد غُير أسلوب الموعظة إلى توجيه الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم هذه الموعظة لأن لتعدد الواعظين تأثيراً على نفوس المخاطبين بالموعظة.

    والأنسب بالسياق أن الفرار إلى الله مستعار للإِقلاع عن ما هم فيه من الإِشْراك وجحود البعث استعارة تمثيلية بتشبيه حال تورطهم في الضلالة بحال من هو في مكان مخوف يدعو حاله أن يفرّ منه إلى من يجيره، وتشبيه حال الرسول صلى الله عليه وسلم بحال نذير قوم بأن ديارهم عرضة لغزو العدوّ فاستعمل المركَّب وهو { فروا إلى الله } في هذا التمثيل.

    فالمواجه بــــ { فرّوا إلى الله } المشركون لأن المؤمنين قد فرّوا إلى الله من الشرك.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  6. #96
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,906
    كَذَلِكَ مَآ أَتَى ظ±لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ }

    قال ابن عاشور

    كلمة { كذلك } فصل خطاب تدل على انتهاء حديث والشروع في غيره، أو الرجوع إلى حديث قبله أتى عليه الحديث الأخير. والتقدير: الأمر كذلك. والإِشارة إلى ما مضى من الحديث، ثم يورد بعده حديث آخر والسامع يردّ كُلاً إلى ما يناسبه، فيكون ما بعد اسم الإِشارة متصلاً بأخبار الأمم التي تقدم ذكرها من قوم لوط ومن عطف عليهم.

    أُعقب تهديد المشركين بأن يحل بهم ما حلّ بالأمم المكذبين لرسل الله من قبلهم بتنظيرهم بهم في مقالهم، وقد تقدم ورود { كذلك } فصلاً للخطاب عند قوله تعالى:
    { كذلك وقد أحطنا بما لديه خبراً }
    في سورة الكهف (91)، فقوله: { كذلك } فصل وجملة { ما أتى الذين من قبلهم من رسول } الآية مستأنفة استئنافاً ابتدائياً.

    ولك أن تجعل قوله: { كذلك ما أتى الذين من قبلهم } إلخ مبدأ استئناف عوداً إلى الإِنحاء على المشركين في قولهم المختلف بأنواع التكذيب في التوحيد والبعث وما يتفرع على ذلك.

    واسم الإِشارة راجع إلى قوله:
    { إنكم لفي قول مختلف }
    [الذاريات: 8] الآية كما علمت هنالك، أي مثل قولهم المختلف قال الذين من قبلهم لما جاءتهم الرسل، فيكون قوله { كذلك } في محل حال وصاحب الحال { الذين من قبلهم }.

    { أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ }

    قال الرازى

    أي بذلك القول، وهو قولهم { سَـظ°حِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } ومعناه التعجيب، أي كيف اتفقوا على قول واحد كأنهم تواطؤا عليه، وقال بعضهم لبعض: لا تقولوا إلا هذا، ثم قال: لم يكن ذلك على التواطؤ، وإنما كان لمعنى جامع هو أن الكل أترفوا فاستغنوا فنسوا الله وطغوا فكذبوا رسله، كما أن الملك إذا أمهل أهل بقعة، ولم يكلفهم بشيء، ثم قعد بعد مدة وطلبهم إلى بابه يصعب عليهم لاتخاذهم القصور والجنان، وتحسين بلادهم من الوجوه الحسان، فيحملهم ذلك على العصيان، والقول بطاعة ملك آخر.


    { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ } * { وَذَكِّرْ فَإِنَّ ظ±لذِّكْرَىظ° تَنفَعُ ظ±لْمُؤْمِنِينَ }

    قال ابن عاشور

    تفريع على قوله:
    { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول }
    [الذاريات: 52] إلى قوله:
    { بل هم قوم طاغون }
    [الذاريات: 53] لمشعر بأنهم بُعَدَاء عن أن تقنعهم الآياتُ والنذر فتوَلَّ عنهم، أي أعرض عن الإِلحاح في جدالهم، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على إيمانهم ويغتمّ من أجل عنادهم في كفرهم فكان الله يعاود تسليته الفيْنة بعد الفَيْنَة كما قال:
    { لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين }
    [الشعراء: 3]
    { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً }
    [الكهف: 6]
    { ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون }
    [النحل: 127]، فالتولي مراد به هذا المعنى، وإلا فإن القرآن جاء بعد أمثال هذه الآية بدعوتهم وجِدالهم غير مرة قال تعالى:
    { فَتولَّ عنهم حتى حين وأبْصِرْهم فسوف يبصرون }
    في سورة الصافات (174 - 175).

    وفرع على أمره بالتولي عنهم إخباره بأنه لا لوم عليه في إعراضهم عنه وصيغ الكلام في صيغة الجملة الاسمية دون: لا نلومك، للدلالة على ثبات مضمون الجملة في النفي.

    وجيء بضمير المخاطب مسنداً إليه فقال: { فما أنت بملوم } دون أن يقول: فلا ملام عليك، أو نحوه للاهتمام بالتنويه بشأن المخاطب وتعظيمه.

    وزيدت الباء في الخبر المنفي لتوكيد نفي أن يكون ملوماً.

    وعطف { وذكّر } على { فتول عنهم } احتراس كي لا يتوهم أحد أن الإِعراض إبطال للتذكير بل التذكير باقٍ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكَّر الناس بعد أمثال هذه الآيات فآمن بعض من لم يكن آمن من قبل، وليكون الاستمرار على التذكير زيادة في إقامة الحجة على المعرضين، ولئلا يزدادوا طغياناً فيقولوا: ها نحن أولاء قد أفحمناه فكُفّ عما يقوله.

    { وَمَا خَلَقْتُ ظ±لْجِنَّ وَظ±لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } * { مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ }* { إِنَّ ظ±للَّهَ هُوَ ظ±لرَّزَّاقُ ذُو ظ±لْقُوَّةِ ظ±لْمَتِينُ }

    قال البقاعى
    ولما كان هذا ربما أوهم أن سواهم غير مقدور عليهم، قال مؤكداً بالحصر دالاًّ على أنه هو الذي قسم الناس إلى طاغين ومؤمنين بالعطف على ما تقديره: فما حكم عليهم بذلك الضلال والهدى غيري، وما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب إلا لاستخلاص المؤمنين وإقامة الحجة على الضالين: { وما خلقت الجن والإنس } الذين أكثرهم كافرون { إلا ليعبدون * } أي لينجروا تحت أقضيتي على وجه ينفعون به أنفسهم أو يضرونها لا لشيء يلحقني أنا منه شيء من نفع أو ضرر، فإني بنيتهم على العجز وأودعتهم نوازع الهوى، وركبت فيهم غرائز فهيأتهم لاتباع الهدى، فمن أطاع عقله كان عابداً لي فارّاً إليّ مع جريه تحت الإرادة، عبادة شرعية أمرية يستفيد بها الثواب، ومن أطاع الهوى كان عابداً لي مع مخالفته أمري عبادة إرادية قسرية يستحق بها العقاب، وكل تابع لهواه إذا حقق النظر علم أن الخير في غير ما هو مرتكبه، فما ألزمه ما هو فيه مع علمه بأن غيره خير منه إلا قهر إرادتي، فهذه عبادة لغوية، وذاك عبادة شرعية، وقد مر في آخر هود ما ينفع هنا، وهذا كله معنى قول ابن عباس: إلا ليقروا لي بالعبادة طوعاً وكرهاً.

    ولما حصر سبحانه خلقهم في إرادة العبادة، صرح بهذا المفهوم بقوله: { ما أريد منهم } أي في وقت من الأوقات، وعم في النفي بقوله: { من رزق } أي شيء من الأشياء على وجه ينفعني من جلب أو دفع، لأني منزه عن لحاق نفع أو ضر، كما يفعل غيري من الموالي بعبيدهم من الاستكثار بغلاتهم والاستعانة بقواتهم لأني الغني المطلق وكل شيء مفتقر إليّ { وما أريد } أصلاً { أن يطعمون * } أي أن يرزقوني رزقاً خاصاً هو الإطعام، وفيه تعريض بأصنامهم فإنهم كانوا يعملون معها ما ينفعها ويحضرون لها الأكل، فربما أكلتها الكلاب ثم بالت على الأصنام. ثم لا يصدهم ذلك، وهذه الآية دليل على أن الرزق أعم من الأكل، والتعبير بالإرادة دالّ على ما قلت إنه مقصود بالعبادة. وهو الجري تحت الإرادة، تارة بموافقة الشرع وتارة بمخالفته.

    ولما كان الاهتمام بأمر الرزق - وقد ضمنه سبحانه - شاغلاً عن كثير من العبادة، وكان الإنسان يظن أن الذي حصل له ما حواه من الرزق سعيه، قال حاصراً ذلك مؤكداً إزالة لتلك الظنون معللاً لافتاً الكلام إلى سياق الاسم الأعظم الذي لم يتسم به غيره، نصاً على المراد وبالغاً من الإرشاد أقصى المراد: { إن الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال المنزه عن شوائب النقص { هو } أي لا غيره { الرزاق } أي على سبيل التكرار لكل حي وفي كل وقت. ثم وصفه بما يبين هوان ذلك فقال: { ذو القوة } أي التي لا تزول بوجه { المتين * } أي الشديد الدائم الشدة.

    وقال الرازى


    { إِنَّ ظ±للَّهَ هُوَ ظ±لرَّزَّاقُ ذُو ظ±لْقُوَّةِ ظ±لْمَتِينُ }

    تعليلاً لما تقدم من الأمرين، فقوله { هو الرزاق } تعليل لعدم طلب الرزق وقوله تعالى: { ذُو ظ±لْقُوَّةِ } تعليل لعدم طلب العمل، لأن من يطلب رزقاً يكون فقيراً محتاجاً ومن يطلب عملاً من غيره يكون عاجزاً لا قوة له، فصار كأنه يقول ما أريد منهم من رزق فإني أنا الرزاق ولا عمل فإني قوي..

    لما قال: { مَا خَلَقْتَ ظ±لْجِنَّ وَظ±لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } فقد بيّن أنه استخلصهم لنفسه وعبادته وكان عليه رزقهم فقال تعالى: { إِنَّ ظ±للَّهَ هُوَ ظ±لرَّزَّاقُ } بلفظ الله الدال على كونه رزاقاً، ولو قال إني أنا الرزاق لحصلت المناسبة التي ذكرت ولكن لا يحصل ما ذكرنا الثالث: أن يكون قل مضمراً عند قوله تعالى: { مَا أُرِيدُ مِنْهُم } تقديره قل يا محمد { مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ } فيكون بمعنى قوله
    { قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ }
    [الفرقان: 57] ويكون على هذا قوله تعالى: { إِنَّ ظ±للَّهَ هُوَ ظ±لرَّزَّاقُ } من قول النبي صلى الله عليه وسلم

    { فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ }

    قال ابن عاشور

    تفريع على جملة
    { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون }
    [الذاريات: 56] باعتبار أن المقصود من سياقه إبطال عبادتهم غير الله، أي فإذا لم يفردني المشركون بالعبادة فإن لهم ذَنوباً مثل ذَنوب أصحابهم، وهو يلمح إلى ما تقدم من ذكر ما عوقبت به الأمم السالفة من قوله:
    { قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين }
    [الذاريات: 32] إلى قوله:
    { إنهم كانوا قوماً فاسقين }
    [الذاريات: 46].

    والمعنى: فإذ ماثلهم الذين ظلموا فإن لهم نصيباً عظيماً من العذاب مثل نصيب أولئك.

    والذين ظلموا: الذين أشركوا من العرب، والظلم: الشرك بالله.

    والذنوب بفتح الذال: الدلو العظيمة يستقي بها السُّقاة على القليب كما ورد في حديث الرؤيا " ثم أخذها أبو بكر ففزع ذنوباً أو ذنوبين " ولا تسمى ذنوباً إلا إذا كانت ملأى.

    والكلام تمثيل لهيئة تساوي حظ الذين ظلموا من العرب بحُظوظ الذين ظلموا من الأمم السالفة بهيئة الذين يستقون من قليب واحد إذ يتساوون في أنصبائهم من الماء، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس، وأطلق على الأمم الماضية اسم وصف أصحاب الذين ظلموا باعتبار الهيئة المشبه بها إذ هي هيئة جماعات الوِرد يكونون متصاحبين.

    وهذا التمثيل قابل للتوزيع بأنه يشبّه المشركون بجماعة وردت على الماء، وتُشبه الأمم الماضية بجماعة سبقتهم للماء، ويُشبه نصيب كل جماعة بالدلو التي يأخذونها من الماء.

    المناسبة بين اولها واخرها

    { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ ظ±لَّذِي يُوعَدُونَ }

    قال البقاعى

    وذلك دليل واضح على أن ما يوعدون صادق، وأن الدين واقع { فلا يستعجلون * } أي يطلبوا أن آتيهم به قبل أوانه اللاحق به، فإن ذلك لا يفعله إلا ناقص، وأنا متعال عن ذلك لا أخاف الفوت ولا يلحقني عجز ولا أوصف به، ولا بد أن أوقعه بهم في الوقت الذي قضيت به في الأزل، لأنه أحق الأوقات بعقابهم لتكامل ذنوبهم، وحينئذ تكون فيا له من تهديد ما أفظعه، ووعيد ما أعظمه وأوجعه، أمراً لا يدفعه دافع، ولا يمنع من وقوعه مانع، ولذلك سبب عنه قوله: { فويل } أي شر حال وعذاب يوجب الندب والتفجع { للذين كفروا } أي ستروا ما ظهر من هذه الأدلة التي لا يسع عاقلاً إنكارها { من يومهم } إضافة إليهم لأنه خاص بهم دون المؤمنين { الذي يوعدون * } في الدنيا والآخرة، وقد انطبق آخرها على أولها بصدق الوعيد، وثبت بالدليل القطعي لك القسم الأكيد - والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

  7. #97
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    7,906
    النظم من سورة الطور الى الناس

    http://www.aslein.net/showthread.php...113#post116113
    صفحة علي الفيس بأسم الاشعري المصري السلفي بها فوائد حديثية وعقائدية انصح بمطالعة البوماتها


    https://m.facebook.com/profile.php?id=100001516763554

صفحة 7 من 7 الأولىالأولى ... 34567

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •