عن الجدل الفقهي حول حكم مشاركه المسيحيين الاحتفال بأعيادهم 2
د.صبري محمد خليل- أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم

من أدله مذهب التفصيل الاجماليه : ويمكن الاستدلال على مذهب التفصيل ، في حكم مشاركه المسيحيين الاحتفال بأعيادهم -على وجه الاجمال - بمذهب الإمام الشافعي في حكم مساهمه المسلم فى بناء للكنائس ، حيث اختلف الفقهاء إلى عده مذاهب أجماليه منها: مذهـب التحـريم :وهو مذهب المالكية والحنابلة وجمهور الشافعية وهو قول الصاحبين ـ أبي يوسف ومحمد ـمن الحنفية. ومذهـب الجـواز :وهو مذهب الإمام أبو حنيفة الذى ذهب إلى جواز تعاقد المسلم على بناء الكنيسة أو إجارة الدار لتتخذ كنيسة: جاء في البحر الرائق : ” ولو استأجر ـ أي الذمي ـ المسلم ليبني له بيعة أو كنيسة جاز ويطيب له الأجر”،وفي الفتاوى الهندية: “ولو استأجر الذمي مسلما ليبني له بيعة أو كنيسة جاز ويطيب له الأجر كذا في المحيط.”( البحر الرائق ج8 ص 123 ،الفتاوى الهندية ج4 ص ). أما مذهب الإمام الشافعي، فهو مذهب التفصيل ، حيث فرّق بين الكنيسة التي تتخذ لمصلى النصارى الذين اجتماعهم فيها على الشرك ، وبين تلك التي تُتخذ للضيافة ومأوى المارة . حيث يقول “.. ليس في بنيان الكنيسة معصية إلا أن تتخذ لمصلى النصارى الذين اجتماعهم فيها على الشرك ” (كتاب الأم ، ج4 ص 213 .)ويقول في الأم أيضا : “.. ولو أوصى( اى النصراني) أن تبنى كنيسة ينزلها مارُّ الطريق ، أو وَقَفها على قوم يسكتونها ، أو جعل كراءها للنصارى أو للمساكين ؛ جازت الوصية”.
ضوابط مشاركه : وطبقا لهذه الكيفية فان مشاركه المسيحيين الاحتفال بأعيادهم يجب أن تخضع لجمله من الضوابط منها :ا/ أن لا تكون المشاركة بنيه التشبه بغير المسلمين أو الإقرار بعقائدهم .ب/أن لا تخالف المشاركة أصل من أصول الدين، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة . ج/ ألا تكون لغير المسلمين المحاربين .د/ أن لا يكون من باب إبدال لأعياد المسلمين بأعياد المشركين.
المشاركه من باب اقرارالاسلام مفهوم المواطنة: فطبقا لهذه الكيفيه فان مشاركه المسيحيين الاحتفال باعيادهم- ومظهرها الاساسى تهنئتهم بها - لا تكون من باب التشبه بهم فى عقائدهم وشعائرهم او اقرارهم عليها - كما سبق ذكره- بل من ابواب اخرى منها اقرار الإسلام مفهوم المواطنة، الذى يشمل المسلمين وغير المسلمين، وهو ما يتضح- على المستوى العملى التطبيفى - من خلال وثيقة الصحيفة التي كانت بمثابة دستور لدوله المدينة..ففي ظل الصحيفة تكون “شعب” ، تتعدد فيه علاقات الانتماء إلى الدين(لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم)، ولكن يتوحد الناس فيه "مع اختلاف الدين" في علاقة انتماء إلى ارض مشتركه ( وطن)( وأنَّ هود بني عوف أمَّة مع المؤمنين …) (د. عصمت سبف الدوله / عن العروبه والاسلام) . واتساقا مع ما سبق فان من قال بمنع مشاركه المسيحيين الاحتفال باعيادهم ، لا يجب ان يرتب على هذا القول انكار مفهوم المواطنه، الذى قرره وطبقه الاسلام قبل الفلسفات السياسيه الحديثه ،والتى فصلته عن الدين- خلافا للاسلام - كالليبيراليه وغيرها .
لايجب اتخاذ مذهب المنع كدليل -او ذريعه- للتمييز الدينى او انكار حقوق الاقليات الدينيه : كما انه لا يجب اتخاذ مذهب المنع الذى قال به بعض العلماء ، كدليل على ان الاسلام كدين يكرس للتمييز الدينى ضد غير المسلمين من مواطنى الدوله الاسلاميه ،او ينكر حقوق الاقليات الدينيه- كما يقول بعض المستشرقين -او اتخاذه كذريعه لممارسه التمييز الدينى ضد غير المسلمين من مواطنى الدول الاسلاميه – كما تفعل بعض الجماعات المغاليه- ونستدل بالتالى :
اولا: التمييزحكم تاريخى مشروط غير مجمع عليه ، وليس قاعده عامه مطلقه مجمع عليها :ان تمييز غير المسلمين من مواطنى الدوله الاسلاميه" الذميين "عن المسلمين - بصوره عامه - لم يقل به احد من العلماء المتقدمين ، وقال به بعض العلماء في مرحله تاريخية لاحقه، لوقوف بعض الذميين مع التتار ضد المسلمين، فهو ليس قاعدة عامه /مطلقه /مجمع عليها، بل حكم تاريخي/ مشروط بظروف معينه /وليس محل اجماع (عبد العزيز كامل، معامله غير المسلمين ج1، ص199)
اقرار الاسلام حقوق الأقليات الدينية : كما أقرت الشريعة الاسلاميه الحقوق الاساسيه للأقليات الدينية وتتضمن :
حماية الأقليات الدينية: فقد اوجب الإسلام على المسلمين حماية الأقليات الدينية من الاعتداء الخارجي، ينقل الإمام القرافي في كتابه “الفروق” قول الإمام ابن حزم في كتابه “مراتب الإجماع”: “إن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك، صوناً لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله – صلى الله عليه وسلم -، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة“. (الفروق ج ـ 3 ص 14 – 15 – الفرق التاسع عشر والمائة). كما اوجب الإسلام على المسلمين حماية الأقليات الدينية من الاعتداء الداخلي ، يروى عن الرسول (من آذى ذِمِّياً فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة)(رواه الخطيب بإسناد حسن).ويروى عنه أيضًا(من آذى ذميًا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله)(رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن).
إسناد الأعمال” الوظائف العامة”: أما فيما يتعلق بإسناد الأعمال” الوظائف العامة” لغير المسلمين ، فإننا إذا كنا نجد في الفقه الاسلامى من يرى المنع المطلق كأغلب المالكية والإمام احمد، فإننا نجد أيضا من يرى الجواز المطلق كابي حنيفة وبعض المالكية، أو الجواز أحيانا والمنع أحيانا وهو رأى اغلب العلماء ، حيث يرى ابن العربي( أن كانت في ذلك فائدة محققه فلا باس به) (ابن العربي: 16،268) ،كما جوز الماوردي وأبو يعلى للرئيس أن يولىه وزاره التنفيذ دون ولاية التفويض وتاريخيا استعان بهم الخلفاء. والذي نراه وجوب التمييز بين غير المسلمين من مواطني الدولة الاسلاميه” الذميين ” ، وغير المسلمين الأجانب” كالمستأمنين مثلا”، حيث يحق لغير المسلمين من مواطني الدولة الاسلاميه إسناد الأعمال” الوظائف العامه” لهم ، مادام شرط الكفائه متوفر فيهم، لأنه جزء من حق المواطنة الذي اقره الإسلام فى وثيقة المدينه، أما غير المسلمين الأجانب فيتوقف إسناد الأعمال لهم على مصلحه الدولة.
الشورى: اما فيما يتعلق بالشورى فانه يجوز الأخذ براى غير المسلمين من مواطني الدولة الاسلاميه في الشورى، لان مجال الشورى هو الفروع لا الأصول، يقول ابن كثير في تفسير الايه اسألوا أهل الذكر( اسألوا أهل العلم من الأمم كاليهود والنصارى وسائر الطوائف)(3/215)
الحريات الدينية :اما فيما يتعلق بالحريات الدينية ، فقد قرر الإسلام الحريات الدينية لغير المسلمين من مواطني ألدوله الاسلاميه ، ومن مظاهرها : إقرار حرية الاعتقاد وحرية العباده وممارسه الشعائر لغير المسلمين وإيجاب حماية معابدهم
إقرار حرية الاعتقاد: فقد اقر الإسلام حرية الاعتقاد في الكثير من النصوص كقوله تعالى (لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي)، (البقرة: 256) يقول ابن كثير في تفسير الآية (أي لا تُكرِهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بَيِّن واضح، جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه) .
إقرار حرية العبادة وحرية ممارسه الشعائر و وإيجاب حماية معابد الأقليات الدينيه : كما اقر الإسلام لغير المسلمين من مواطني الدولة الاسلاميه حرية العبادة وحرية ممارسه الشعائر واوجب حماية معابدهم ،فجعل القرآن من أسباب الإذن في القتال حماية حرية العبادة، وذلك في قوله تعالى: (أُذِن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا، وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا). (الحج: 39 – 40).وفي عهد عمر بن الخطاب إلى أهل إيلياء (القدس) نص على حرمة معابدهم وشعائرهم(هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان: أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسائر ملَّتها، لا تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم ولا ينتقص منها، ولا من حيزها، ولا من صليبها، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم. ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود . . ) (تاريخ الطبري ط . دار المعارف بمصر ج ـ 3 ص 609).وفي عهد خالد بن الوليد لأهل عانات(ولهم أن يضربوا نواقيسهم في أي ساعة شاءوا من ليل أو نهار، إلا في أوقات الصلاة، وأن يخرجوا الصلبان في أيام عيدهم)(الخراج لأبي يوسف ص 146).
نحو فهم صحيح لمفهوم الذمة: اما عن مفهوم أهل الذمة ، فان الذمة لغة العهد والكفالة والضمان والأمان(الفيروز ابادى، القاموس المحيط، 4/115)، أما اصطلاحا فعرفها العلماء بأنها ( التزام تقرير الكفار في ديارنا وحمايتهم ،والذب عنهم ببذل الجزية والاستسلام من جهتهم)( أبو زهره المجتمع الانسانى، ص 194)، فمضمون هذا المفهوم إذا هو تقرير حقوق المواطنة، لغير المسلمين في الدولة الاسلاميه (اليهود أمه مع المؤمنين)، مع احتفاظهم بحريتهم الدينية على المستوى الدستوري ( في ذمه الله ورسوله)، ضمانا لعدم إهدارها بواسطة الاغلبيه المسلمة ،ما داموا قائمين بواجباتها.
نحو فهم صحيح لمفهوم الجزية : أما الجزية فهي حكم من أحكام الحرب ، كبدل لإعفاء غير المسلمين من مواطني الدولة الاسلاميه من الجندية ،ورد في الصلح مع نصارى نجران( ليس على أهل الذمة مباشره قتال وإنما أعطوا الذمة على أن لا يكلفوا ذلك)، لذا لا تؤخذ في حاله أداء غير المسلمين من مواطني الدولة الاسلاميه الخدمة العسكرية كما في الدولة الحديثة، إلي هذا ذهب رشيد رضا ووهبه الزحيلى (أثار الحرب،ص698) وعبد الكريم زيدان ( الفرد والدولة،ص98) ، وهناك سوابق تاريخية تؤيد ذلك ، ففي صلح حبيب بن مسلم للجراحجه ( أنهم طلبوا الأمان والصلح فصالحوه على أن يكونوا أعوانا للمسلمين وان لا يؤخذوا بالجزية)( البلاذردى، فتوح البلدان،ج1، ص217) ، ومع أهل ارمينه ( أن ينفروا لكل غاره… على أن توضع الجزاء عمن أجاب إلي ذلك)( الطبري، تاريخ الأمم، ج 5، ص257.).
لايجب اتخاذ مذهب المنع كدليل على الاصل فى العلاقه مع غير المسلين هى الحرب: كما لا يجب اتخاذ مذهب منع مشاركه غيرالمسلمين الاحتفال باعيادهم ، الذى قال به بعض العلماء على النحو السابق بيانه، كدليل على ان الاسلام جعل الاصل فى العلاقه مع غير المسلمين هو الحرب وصراع ،

لان الإسلام لم يوجب قتال غير المسلمين إلا في حالتين : الحالة الأولى هي إكراه المسلمين على الردة عن دينهم وفتنتهم عنه قال تعالى( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)، والحالة الثانية هي إخراج المسلمين من ديارهم قال تعالى (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله).
مذهب إيجاب قتال غير المسلمين إطلاقاً والرد عليه : اتساقا مع ما سبق نقرر خطا مذهب إيجاب قتال غير المسلمين إطلاقاً ، والذي قال به بعض الكتاب الإسلاميين المعاصرين ( كسيد قطب ) ، استنادا إلى أقوال بعض الفقهاء، والذي مضمونه هذا المذهب هو أن الإسلام أوجب قتال غير المسلمين (إطلاقاً) ، وغزو العالم كله لنشر الدعوة .وقد قرر كثير من العلماء يرون أن هؤلاء الفقهاء بنوا موقفهم هذا على أساس أن واقع العالم في زمانهم (واقع الدولة غير ثابتة الحدود ) لم يكن يسمح – إلا قليلا- بان تكون علاقة المسلمين مع غيرهم هي علاقة سلم ، ما لم تتوافر شروط الجهاد، أو علاقة حرب في حاله توافر شروط الجهاد ، يقول الشيخ محمد أبو زهرة في معرض حديثه عن آراء الفقهاء في عدم جواز الصلح الدائم(...ولقد أثاروا تحت تأثير حكم الواقع الكلام في جواز إيجاد معاهدات لصلح دائم، وإن المعاهدات لا تكون إلا بصلح مؤقت لوجود مقتضيات هذا الصلح، إذ أنهم لم يجدوا إلا حروباً مستمرة مشبوبة موصولة غير مقطوعة إلا بصلح مؤقت) (العلاقات الدولية في الإسلام ،الدار القومية،القاهرة ، 1384م، ص78-79) ، ويدل على هذا أن هناك علماء خالفوا ما قرره هؤلاء الفقهاء، حيث نجد ابن تيمية يخالف الرأي القائل بقتال الجميع لمجرد الكفر(وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد ، ومقصودة أن يكون الدين كله لله ، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين ، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة " كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن وغيرهم" فلا يقتل عند جمهور العلماء ، إلا أن يقاتل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر إلا النساء والصبيان لكونهم مالاً للمسلمين، والأول هو الصواب ، لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله كما قال تعالى "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين"، وفي السنة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه مر على امرأة مقتولة في بعض مغازية، قد وقف الناس عليها، فقال "ما كانت هذه لتقاتل"، وقال لأحدهم: الحق خالداً فقل له لا تقتلوا ذرية ولا عسيفاً "، وفيها أيضاً عنه (صلى الله عليه وسلم) يقول: لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً صغيراً ولا امرأة". وذلك أن الله أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق كما قال تعالى "والفتنة أشد من القتل"، أي أن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أشد، فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله ، لم يكن كفره إلا على نفسه)
ايه السيف: و قد اسند أصحاب هذا المذهب إلى القول بأن آية السيف ناسخة لكل الآيات التي تدعو للسلم ، والمقصود بها الآيات: ( فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: 5). و( قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة: 29). غير أن هذه الآيات لا تفيد قتال غير المسلمين إطلاقاً، وبالتالي تنسخ الآيات الداعية للسلم، بل هي مقيدة بالحالات التي أباح الإسلام فيها قتال غير المسلمين (إخراج المسلمين من ديارهم ،أو إكراههم على الردة على دينهم) ، يقول الشيخ محمد الغزالي (يشيع بين المفسرين أن آية السيف نسخت ما جاء قبلها، وعند التحقيق لا يوجد ما يسمى آية السيف، وإنما هناك جملة من الآيات في معاملة خصوم الإسلام أو في مقاتلتهم ،أحياناً لأسباب لا يختلف المشرعون قديماً وحديثاً على وجاهتها ، وعلى أنها لا تنافي الحرية الدينية في أرقى المجتمعات)، ويرى الشيخ رشيد رضا : أن آية السيف تتراوح الآية الخامسة من سورة التوبة الداعية إلى قتال المشركين كافة كيفما يقاتلون المسلمين كافة، وإنها غير ناسخة لغيرها من الآيات ، ويستشهد بما قاله السيوطي من أن أياً من الآيتين ليس ناسخاً لغيرها من الآيات التي تتناول علاقة المسلمين بالمشركين ، ولكن لكل منها حكماً يسري في ظرف معين، ويرى أن الدعوة إلى مقاتلة المشركين هو رد على مبادأة المشركين القتال، وأن المقصود بالآيتين مشاركي جزيرة العرب وليس مشركين الأرض، أما الآية 29 الخاصة بأهل الكتاب فإن نزولها جاء تمهيداً للكلام في غزوة تبوك مع الروم من أهل الكتاب بالشام ، والخروج إليها في زمن العسرة والقيظ ..)