النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: نقد مُقدمة شَرح ابن عاشر لمختار بن العربي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2006
    الدولة
    الجزائر-المسيلة
    المشاركات
    1,049

    نقد مُقدمة شَرح ابن عاشر لمختار بن العربي

    بسم الله الرَّحمَن الرَّحيم
    -01-
    فهذَا كلامٌ مُقتَضبٌ وهوَ كالرَّد لمَا وَردَ في شَرْحِ كِتَـــابِ " ابن عَاشر" للشَّيخ المُختَار بن العَربي مُؤمن الجزَائري والذي يَعنينا من شَرْحِه البَابُ الأوَّل : [ العَقيدة ] والمَقصُود من هذا المَكتوب بيان نُصرة اختيار صاحب المَتن العلاَّمة ابن عاشر الأشْعري والذي لا يُنْكِرُ الشَّارح عنه هذه النِّسبة بالمَفْهوم الذي يَذمُّه إلاَّ أنَّ تَضْمينَ الرَّد في الشَّرح يُعد من نَوْعِ ضُروب التَّأويلِ وليِّ عنق النَّص ومنه الخروج عن مقصود ما وُضعَ من أجله المتنُ ابتداءً، فللشَّيخ أنْ يَعتذر عن الشَّرح لقيام المُعارضة منه للماتن أو كتابة المُعارضة تنصيصًا منفصلة عن أصل الشَّرح وهكذا يفْعل أهل العلم.
    والذي نبدأ به تَقْسيمه الذي أخذه عن غَيره دون تَجلية ولا ببيان المُستند وهو أنَّ الإمام الأشْعري مرَّ بثلاث مرَاحل وهذه شُبهة لطالما رددها سلفية زمننا !! ظنٌّا منهم أنَّه دليل كاف لهدم أصُول المذْهب الأشعري ولعمري كيف جاز لهم ذلك وهل غاب عن طلاَّب الأشْعري وهم أقرب النَّاس إليه مثل هذا الفَرض والظن !! ... وأَحسبُ أنَّ الرَّد بهذا الأسلوب من أكذب الردود فعندما لا تَجد ممسكًا ولا دليلاً للنقض تعمد للتمسك بأنَّ مثل الأشعري والغزالي والرَّازي والجويني تَراجعوا وندموا .. ما هكذا تُورد الإبل .. فقد قيل في الحافظ ابن تيمية أنَّه تراجع عن عقْده وندم وتاب وكتبَ في ذلك بخطّ يديه ما يَستدلُّ به بعض منا لنقض ما رَتبه الحافظ ابن تيمية ونَصره وأيَّده ولمْ يكن هذا دليلاَ عندهم بل الإنكار وردّ هذا القَول، ولا أناقش هنا في صحة هذه الدعوى فالشاهد هو التحكّم ونُصرة الهوى بل أحسب أنَّ هذا المنهج خطأ في النَقد فبيننا تُراث الأئمَّة فإليه تكون المحاكمة وكذا النَظر في مصنفات ونقولات تلاميذهم ممن شرحوا وهذَّبوا ووسعوا ونشروا ومنه تفهم البُنية الكليَّة لتلك المدارس سواء المدرسة الأشعرية أو المدرسة التيمية .

    -02-
    وممَّا لا شَك فيه أنَّ الانتساب لمدْرسة مـــا يَكون بالنظر لموافقة المُنتسب لغالب الأصول الكليَّة التي تتبناها تلك المدرسة ولا يَعني أنَّه إذا خالف في فروع الأصُول يكون قد تنكّب عن تلك المدْرسة فهذا ممَّا لم يقل به أحدٌ من المتقدمين وفي هذا يَقول الإمام ابن العربي فإنه قال لأحد الإمامية في مناظرة بينهما ( 1 ) : "إنك إذا سمعت أني أشعري ، كيف حكمت بأني مقلد له في جميع قولي ، وهل أنا إلا ناظر من النظار ، أدين بالاختيار ، وأتصرف في الأصول بمقتضى الدليل". فكانَ النَظر للدَّليل هوَ المطْلوب فلم يْبنوا أصُولهم على مُقتضى أقْوال الإمام الأشعري تقْليدًا بل نَظروا للدليل أوَّلا فكان الإمام الأشعري في نظرهم أحسن من وّفق في تقرير عقائد السَلف بقوالب عقلية لذا صحَّ الانتساب له من هذا الباب لا أنَّه أنشأ قواعد خالفت الدَّليل ومــا من قاعدة إلاَّ ولها شاهدا عدْل وحَسبُك النَظر في كُتبهم.

    -------
    (1) - العواصم من القواصم:1/55

    - يُتبع -
    وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    الدولة
    ♥ المغربُ الأقصى ♥
    المشاركات
    151
    بَارك الله فيكًم سيّدي، مقالتكم جميلة متسقة لا تخلو منْ فائدة! ..
    قد يكون لي تعليقٌ بزيادة أو ما شابَه على ما تكتبونَه، ولعلكم توافقون على ذلك ..
    وفقكم الله تعالى ..
    ( متَابع ! ) ...

    سُبحانَ اللهِ وبحمدِه { ..
    ................... سُبحانَ اللهِ العظيم { ..


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    May 2006
    الدولة
    الجزائر-المسيلة
    المشاركات
    1,049
    قَال الإمَـــام السُّبْكيُّ رَحمه الله الطبقات: "واعلم أنَّ أبَا الحَسن الأشْعَري لم يبدع رأيا ولم يُنشِ مذهبا وإنما هو مقرر لمذاهب السلف، مناضل عما كانت عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فالانتساب إليه إنما هو باعتبار أنه عقد على طريق السلف نطاقا وتمسك به، وأقام الحجج والبراهين عليه فصار المقتدي به في ذلك السالك سبيله في الدلائل يسمى أشعريا" اهـ.

    وهذَا نصٌّ منه رحمه الله تعالى يُظْهر حقيقة نَظرهم لآراء واختيارات الإمام الأشْعري فقد قرَّر الإمام الجُزئيَّات المــَبثُوثة من الأدلة وجعلها كُليَّات بقوالب عقلية يُستدَلُّ بها[1] نَظرًا لأصْل ما بُنيتْ عليه وهذا عمَل سبقه به الأئمَّة رحمهم الله تعالى وإنَّما الفضل للإمام راجعٌ للتقريرات والبيان والإظهار لذا صحَّتْ النسبة من هذا الباب والملحظ ؛ كالمالكية والشَّافعية وباقي المذَاهب فلكلٍّ قواعدُ كليَّة استنبطوها من خلال نَظرهم لتلك الجُزْئيَّات وجلعوا منها قواعد كليَّة تُعرف بها الأحكام مع الاتفاق في الغاية والــمَقْصد وكذَا الشَّأن داخل المدرسة الأشْعرية فالخلاف لا يعدُّ أن يكونَ خلاف وسائل في تجلية المقْصد الأصْلي (إثبات ما يَجب وما يجوز وما يَستحيل) فإذا نظَرت لذلك التنوُّع في العبارة فلا تتوهم أنَّه اختلاف مقْصد فكلماتهم جميعًا أنَّ الـمُتغيَّى إليْه واحدٌ لذا يقع الوَهم لبعض من لم يفهم حقيقة ألفاظهم وكلامهم في مبحث الأسماء والصّفات فيختلج في الصدْر أنَّ الخلاف حقيقي لكن بعد توسيع مَهيع المسألة وضبط فرشها يظْهرُ أنَّ الخلاف لا يُوجد وإنَّما وَهم يَزول بعد التَّحقيق والنَظر وهو ما وَقع لصاحبنا [ الشَّارح ] بجعل النَّقل عن الأشعري بمروره بتلك المراحل نوعَ تصادم ومناط للهدم أي بين ما قرره في الإبانة وفي غيره من الكُتب وهذا ما سنُظهر بُطلانه وبُعده.

    ويقول الشيخ العلاَّمة المجتهد تاج الدين عبد الوهاب السبكي ما نصه:

    "وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة في العقائد يد واحدة كلهم على رأي أهل السنة والجـماعة يدينون لله تعالى بطريق شيخ السنة أبي الحسن الأشعري رحمه الله " ثم نصَّ بعد ذلك : "وبالجملة عقيدة الأشعري هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة" أهـ

    فجمهُور العلماء ممن ينتسبون لهذه المدارس الفقهية العتيقة المالكية والحنفية والشافعية وفضلاء الحنابلة إلاَّ ونسبهم للإمام الأشْعري ممَّا لا يخفى كلّهم يدٌ واحدة وتَصْنيفاتهم في باب العقائد مشهورة ومعروفة ولم يُنكر هذا أحدٌ ممن يُعتدُّ به بل كان المذهب العقدي الرابط الأسري بين المذاهب السنيَّة المعْروفة.

    وقد عجبتُ من تصرّف الشَّيخ الألباني رحمه الله في صنيعه بهذا النَّص المنْقول عن الإمام العلامة عبد الوهاب السُبكي بأنَّ عقيدة الطحاوي هي عقيدة جماهير الأئمَّة لكن بنَزع لفظة الأشَاعرة وتَرك البَاقي ليَتوهم القارئ أنَّ نصَّ السُبكي يُقرّ تأويله وهذا تدْليس علمي واضح .

    ذَكر ما نصُّه في تحقيقه على شَرح الطحاوية : نقلا عن الإمام السُبكي "جمهور المذاهب الأربعة على الحق يقرون عقيدة الطحاوي التي تلقاها العلماء سلفا وخلفا بالقبول" الطبعة الثامنة 1984

    وتأمَّل في نصّ الإمام السُبْكي المنْقُول أعلاه واحكم !!.

    وقال القاضي عياض المالكي في كتابه عن الإمام الأشعري ( ترتيب المدارك ) ج5 /ص 24 :-
    ( أنه صنف لأهل السنة – أي الأشعري- من التصانيف وأقام الحجج على إثبات السنة ، وما نفاه أهل البدع من صفات الله تعالى ورؤيته وقدم كلامه وقدرته ، وتعلق بكتبه أهلُ السنة فأخذوا عنه ودرسوا عليه ، وتفقهوا في طريقه ، وكثر طلبته وأتباعه لتعلم تلك الطرق في الذب عن السنة وبسط الحجج والأدلة في نصر الملة ، فسموا باسمه وعرفوا بذلك ، فأهل السنة من المشرق إلى المغرب يحتجون بحجته وعلى نهجه يذهبون )

    وقال القاضي ابن فرحون المالكي في ترجمة الإمام الأشعري ما نصه : "كان مالكيا[2] صنف لأهل السنة التصانيف وأقام الحجج على إثبات السنن وما نفاه أهل البدع " ثم قال: "فأقام الحجج الواضحة عليها من الكتاب والسنة والدلائل الواضحة العقلية، ودفع شبه المعتزلة ومن بعدهم من الملحدة، وصنف في ذلك التصانيف المبسوطة التي نفع الله بها الأمة، وناظر المعتزلة وظهر عليهم، وكان أبو الحسن القابسي يثني عليه وله رسالة في ذكره لمن سأله عن مذهبه فيه أثنى عليه وأنصف، وأثنى عليه أبو محمد بن أبي زيد[3] وغيره من أئمة المسلمين " اهـ.

    فانظُر لنصُوص الأئمَّة فالمالكية وغيرهم كانوا يدًا وحدة في نصرة رأي الإمام الأشعري بالمَلحظ الذي ذكرناه لا نُصرة لرأي الرجال وقد كان العلاَّمة ابن عاشر أحد المَالكية ممن سَلك سبيلهم وقررَ في متنه المَشهُور :

    في عقْد الأشعري وفقه مالك *** وفي طريقة الجُنيد السَالك

    ومـــا ذَكره في المتن في بابة العقيدة ذَكره غيره من الأئمَّة مجملا ومفصلاً ولا مسألة إلاَّ ولها شواهد نقلية وعقلية ولا وُجُود أبدًا لمَا ذَكره الشَّارح من مخالفة الأتباع لإمامهم وأنَّه تراجع عن عقده فلا نَشكُ في خطأ من قال بهذا ورَمى الأئمة بالاستتباع المجهول وأحسبُ أنَّ التصوَر الكُليَّ لمدرسة الإمام غير حاصلة عند أنصار هذا القَول.


    --------------------------------------------
    [1] وهذا هو التَّحقيق إذ المقصود من علم الكلام = ترسيخ عقائد المُسلمين ودفع شُبه المتوهمين ولا يَكون ذلك إلا بالمزاوجة بين المنقول والمعقول.

    [2] القول بمالكية الإمام الأشعري فيه نَظر عند المُحققين وهذا خلاف تنوّع

    [3] وهو العلاَّمة ابن بي زيد القَيرواني وقد كتب الشَّيخ الطَّاهر حبيب المالكي التونسي رسَالة ماتعة في تحقيق ما تضمنته عقيدة الرسالة ودفع الزَغل المتوهم والممسك الذي يظنه البعض نُصرة

    يُبتع
    وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    May 2006
    الدولة
    الجزائر-المسيلة
    المشاركات
    1,049
    قال الشَّارح :
    [ مراحل في طريق اعتقاده ( أي الأشعري ) :

    مرَّ الأشعري رحمه الله في اعتقاده بعدّة مراحل :

    الأولى : المرحلة الاعتزالية ، وكان سبب هذه المرحلة ملازمته لشيخه أبي علي الجُبّائي زوج أمه واستمرّ على الاعتزال إلى سنّ الأربعين ثمّ فارقه لمَّا لم يجد إجابات كافية في مسألة الصّلاح والأصلح على الله تعالى ، وقيل إنّه رأى النّبي صلى الله عليه وسلم مناما وأمره بأن يروي العقائد المروية عنه لأنّها الحق ولهذا اعتمد على الأدلة النقلية في تَقرير العقائد.

    ثمَّ انتقل إلى المرحلة الكُلاَّبيَّة وذلك بعد أن اختفى مدّة متحيرّا ، وطريقة ابن كُلاَّب جاءت في زمن يتمثل فيه اعتقاد أهل السنّة والجماعة في إثبات الصفات كلها الذَّاتية والفعلية ، والجهمية ينْكرونها ، فجاء ابن كلاَّب وأَثبتَ الصفات الذَّاتية ونفى ما يتعلق بما من مشيئة ، فلذلك قرر الأشعري هذه العقيدة وقدْ يُمثل هذه المَرحلة كتابه اللمع في الرّد على أهل الزيغ والبدع.

    ثمَّ المرحلة السُنيَّة[1] : ويُمثلها كتاب الإبانة الذي بيَّن في مقدمته مؤلفه الإمام أبو الحسن الأشعري أنَّه راجع عمَّا كان عليه من الاعتقاد الفاسد إلى ما عليه الإمام أحمد بن حنبل ، وكذلك تظهر رسالته لأهل الثغر ، ومقالات الإسلاميين وكُتبه والحمد لله مطْبوعة.

    ويكفي في إثبات الإبانة أنَّ ابن عساكر أثبته في كتابه تبيين كذب المفتري ، ونسبه إلى الأشعري ، وكما ألّف ابن درباس رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري وأثبته فيها
    ] أهـ

    بيَـــــــانُ الغَلط إجمَالاً :
    مَا وردَ من كلام الشَّارح هُنا مجْمَلٌ لاَ دَليلَ عَليْه بَلْ مبنيٌ على أغلوطة معْروفة ولم يكن هذا بلغز عند الأشَاعِرة ولا محلَّ اسْتِشكَال بل من باب الجواب على قالة المنكرين المتشبثين بالأوهام لذا ترَى بَعْض السَّادة يُنكِرُ نسبة كتاب الإبانة لا من حيث الوجود والمسمى بل بالنَظر لفهمهم للنّص أو لسد باب ولحسم مادة يَتشبثُ بها الأظنَّاء وهو باب مشْروع كمــا لا يَخفى عند الحذَّاق إن سَلم الأصْل.

    ولا شَك فقد حيَّرهم كتاب ( الإبانة ) وجعلوه التُّكَأةَ الكُبرى مُظْهرين الهوَّة بينَ الإمام وأتباعه - ظنَّوا - ومنه حكموا أنَّ الإمام الأشعري تراجع عمَّا قَرَرَّه بعدَ الرجوع من الاعتزال فكانت مرحلة ثالثة.

    والحقيقة غيْر ذلك فأهل السنَّة لم يجهلوا صحة النسبة ولا مــا وردَ في كتاب "الإبانة" على اختلاف في بعض النصُوص الواردة فيه مما لا نشك في تصرف الأيدي الأثيمة بها منها سب الإمام الأعظم أبي حنيفة النّعمان وعدم وجود هذه المعرة في مخطوطات أخرى وذكر بعض الآثار الباطلة وتناقضها في بعض النسخ الأخرى مما يُظهر اللعب ببعض المخطوطات وهذا أسلوب معروف عندَ بعض متشددي الحنابلة وليس ذا محل بسطه وقد أشار لهذا الملحظ العلاَّمة الكوثري رحمةُ الله عليه في بعض تحقيقاته.

    فنقُول إنَّ كتاب الإبانة لقيَ القبَول والاسْتِحْسَان عِنْدَ جَمْهَرِة عُلمَاء أَهْل السُنَّة وذَكَرُوه فيما كَتبه الإمام الأشعري بيدَ أنَّه ليس بآخر كتاب كَتبه ولا هو بالكتاب الذي ذَكر فيه كل استدلالاته فالمعوَل عليه هو النظر في كتاب الإبانة وعلى غيره مما كَتب لتصحَّ الرؤية وتوسع الأوعية في النظر لمنهاج الأشعري بحكم كلي لا بجزئي ولا بسحب جُزئي وجعله كليًّا وحكما لا يتَخلف فالعَرج هُنا ظاهر.

    ولو راجعنا ما كَتبه الأئمَّة الكبار لرأيت أنَّهم ذكروا ما قرره الإمام الأشعري في كتاب " الإبانة" أنَّه مذهب علمائنا الكبار ودُونَك مراجعهم.

    فحَسبَ [ الشَّارح ] أنَّ الأئمَّة لمْ يَذْكُرُوا مَا وَرد في كتاب الإبانة أنَّه ضمن مدارس أهل السنَّة وهذا غلط وشطط وهو الذي نقَل عن ابن عساكر الأشعري ثبوته فالخلاف مع الحَشوية موجُود بثبوت كتاب الإبانة إلاَّ أنَّ الما صدق يختلف فإثبات الصفات الخَبرية مع ضميمة نفي لوازم الصفات من الجوارح والأعضاء والأدوات والأجزاء ممَّا يُنفى مئنَّةً عند عُلمائنا ولا يتحَاشى هؤلاء في إثبات هذه اللوازم التي هي محلّ الخلاف الحقيقي بين أهل السنَّة والمجسّمة.

    والنّص المنقول أعْلاه [ للشارح ] مبْنيٌ على مناط أَسس منه النَقد وكأنَّ نقاشه مع غيره في ثبوت أو نفي كتاب الإبانة وبثبوته يُسلم له القَول وهذا من نوع المصادرة فالرجوع إلى أصل المسألة المنازع فيها وعَرضها هو الأصْل لا أنَّ الخلاف كائن في الثبوت والعدم وهذ إغراب وعدم تحقيق فالخلاف لا في الثبُوت بل جمهور الأشاعرة على ثبوت الكتاب وأنَّه للإمام ومن تصانيفه فالدَغل في فهمهم غير القويم للتقريرات والتأصيلات الـمُضمنة داخل المبحث وهل حسبَ هؤلاء أنَّ ما ورد مجهول عندَ الـمُتقدمين ؟؟ !! فهذا ممَّا يُعلم عند البله فضلا عن سادتنا العلماء ويزدَاد الاستغراب بذكره أنَّ العلامة ابن عساكر الأشعري أقرَّ ثبوته وهو يَنقل هنا عن كبار الأشاعرة وهل يَنقل ابن عساكر ما يُدين اعتقاده فضيلة الشَّارح ...

    لو تتأمَل قليلاً أخي المطـــالع للمنهجية التي يَسلكها هؤلاء لوجدتَ الإيهام ومُحاولة إظْهار أنَّ الإدانة موجودة في كُتب خصُومهم وهي الحيلة عندما تُعييهم الأدلة النَّاصعة والــمُتبصّر يُدرك أنَّها من قبيل المصادرة وقَلب المقدمات والــمُدرك الحقيقي ببيان الأدلة ونقدها لا بنحو هذه السلوكيات العرجاء.

    قال العلاَّمة ابن عساكر الأشعري[2] بعد أن سردَ مقدمة الكتاب :

    "فتأملوا رحمكم الله هذا الاعتقاد ما أوضحه وأبينه، واعترفوا بفضل هذا الإمام العالم الذي شرحه وبينه، وانظروا سهولة لفظه فما أفصحه وأحسنه، وكونوا ممن قال الله فيهم (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه)، وتبينوا فضل أبي الحسن واعرفوا إنصافه، واسمعوا وصفه لأحمد بالفضل واعترافه، لتعلموا أنهما كانا في الاعتقاد متفقين، وفي أصول الدين ومذهب السنة غير مفترقين".[3]

    وقدْ توَهم بعضهم أنَّ عقيدة الإمام الأشعري مخالفة لعقد الإمام أحمد وهذا خُلف ظاهر فبينهما توافق ومطابقة في غالب الكُليات والمـُخالفة في بعض فروع الأصُول لا يَخرم أصْل الموافقة إذ الاتفاق في الكُلي وهو الأصْل عند النُّظَّار لذا كانت عقيدة الأشعري هي عيْنُها عقيدة الإمام أحمد فقد نُقل عن الإمام أحمد التأويل في بعض المواضع والتفويض والتسليم وعدم الخَوض في مواضع أخر وهذا منهج معروف عنْه وحَسبُك مُراجعة ما نُقل عنْه بالأسانيد الصَحيحة ومن الخطأ أنَّ نحكم على منهج الإمام أحمد بمسلك واحد في تعاطيه مع آيات الصفات وأنَّ هذا هو المَسلك الوَحيد الثابت عنه فقد سلك التأويل والإثبات والتفويض لأنَّ بينهما تَشابكًا وتَداخلًا أسريًّا لا يُمكن أن يتفكك فالغاية واحدة والمقدمات سَليمة وهذا عيْن ما نحاه الإمام الأشْعري في تعامله في هذا الباب.

    **************************

    [1] قوله السنيّة قيْد ظاهر للحكم الذي يودُّ أن يَصل إليه ورَمي أتباع الإمام أنَّهم على غير سبيله !!! وكلمة [ الاعتقاد الفاسد ] قيد ثان والله المستعان.

    [2] وقد غلط الشارح في دعوى الاستدلال بالثبوت بالإمام ابن عساكر وهو يُخالف التقريرات التي ذكرها ابن عساكر فتبيَّن أنَّه ليس بمجرد الثبوت للكتاب يتم له رأيه واتهامه لمسلك العلماء بفساد الاعتقاد وهذا من لي عنق قول الأئمة.

    [3] - تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري:ص163.
    وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    May 2006
    الدولة
    الجزائر-المسيلة
    المشاركات
    1,049
    مذاهب السَلف في التَعامل مع الصفات الخَبريَّة :
    فذْلكَة :

    قال الشيخ العلاَّمة القصَّار رحمه الله مُلخصًا :

    اَلاِسْتِوَا والوجهُ والعينُ ويَدْ * صفاتٌ اَوْ فَوِّضْ أَوْ أوِّلْ مَا وَرَدْ



    فمذاهب الحق لخصَها العلاَّمة القصَّار في ثلاثة أَقْطَـــاب : [ ( 01 ) مذْهبُ الإثبات ، ( 02 ) ومذهب التفْويض ، ( 03 ) ومذْهب التأْويل ] وقَوْله رحمه الله مَبنيٌّ على استقراء تـــام لجميع موارد الأدلة ومواطن الاستدلال لدى العُلماء في مُصنفاتهم ولا وُجود للتعارض بين الثلاث إلاَّ عند من حُجب عن مُدرك الفَهم لفرش معاني المذاهب تحقيقًا.

    وهذا العلاَّمة ابن المنيّر أحد العلماء الكبَار ممن يُشهد لهم بالفضل والصَلاح قال الحافظ فيما نَقله في الفتح عن العلاَّمة الحافظ ابن المنير:

    " لأهل الكلام في هذه الصفات كالعين والوجه واليد ثلاثة أقوال:-

    أحدها:- أنها صفات ذات أثبتها السَّمْع ولا يهتدي إليها العقل.

    والثاني:- أن العين كناية عن صفة البصر،واليد كناية عن صفة القدرة،والوجه كناية عن صفة الوجود.

    والثالث:- إمرارها على ما جاءت مفوضا معناها إلى الله تعالى
    ".[1]



    فقَول الحافظ ابن المنير حصْر لمدارس كلام أهل الحَق واستقراء ومَلحظ ما ذَكر في الإبانة مذكورٌ في المذهب الأوَّل من قوله [ صفات ذات ... ] ولا نَشك بأنَّه اختيار لبعض أئمَّة السَلف كمذهب التأويل والتفْويض سواء وإنَّما نَظَر المحقق المدرك للفروق يعلم أنَّ المتغيى من الإثبات بنفي لوازم الحُدوث وهذا ما نصّ عليه الأشعري ذاته في الإبانة والمقالات ونقله طلاَّبه وهم أعرف النَّاس به كما سيأتي من قول العلامة ابن فُورك وكل من قال بهذا الاختيار فيُحمل على نفي لوازم الحدوث والأدوات فتأمَّل.

    وهذا مذهب رديء عندَ الحافظ ابن تيمية وأتْباعه بدَليل تنصيصهم بعدم نفي ما يدلُّ على الحدُوث كالجسم والأعضَاء وبعض الأوصاف وحملها على ظاهرها مع عدم نفي اللوازم كالجارحة بل التكلم بنفي الجوارح من البدع عندهم وهذا الذي يُفرّق بين مذْهب الإثبات الذي نَنصر ومذهب الإثبات الحسي المنفي.

    وننقل عن أحد كبَار عُلماء السنَّة لزيادة تفصيل مفهوم الإثبات قول الشيخ المتكلم السنوسي في شرح الجزائرية :

    "وقد اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال:

    الأول:- أنه يصح التعرض للتأويل، أي يصح أن يعين لذلك اللفظ معنى صحيح لائق به جل وعلا عقلا وشرعا، على وجه يصح معه استعمال ذلك اللفظ في ذلك المعنى لغة، وحاصله أنه يحمل اللفظ بعد تعذر استعماله في الحقيقة على أقرب مجاز يصح، وهذا مذهب إمام الحرمين وجماعة.

    الثاني:- عدم التعرض للتأويل والاكتفاء بمجرد التنزيه عن الظاهر المستحيل، وهذا مذهب جمهور السلف وغيرهم.

    الثالث:- حمل تلك الظواهر على إثبات صفات لائقة به جل وعلا عقلا وشرعا، باعتبار ما في نفس الأمر، وإن لم نكن نحن نعرف حقائق تلك الصفات، ولهذا يسميها صفات سمعية، أي دل عليها السمع لا العقل، وهي عنده زائدة على الصفات المعلومة لنا التي شهدت بها العوالم عقلا.

    فيحمل الاستواء من قوله تعالى (على العرش استوى) على إثبات صفة لمولانا جل وعلا زائدة على الصفات التي نعلمها من دلالة العوالم ، سمى سبحانه وتعالى تلك الصفة استواء، وهو أعلم بحقيقتها،و كذا نقول في الوجه من قوله تعالى (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)، وكذا اليد من قوله تعالى (لما خلقت بيديَّ)، وهذا مذهب الشيخ الأشعري رضي الله تعالى عنه.

    والقولان الأولان ينبنيان على أن المطلوب في تأويل الظواهر المتعلقة بالعقائد هل هو اليقين في المعنى الذي تحمل عليه لا الظن ؟ وحصول اليقين في المدعى من اللفظ متعذر، فيجب الوقف بعد التنزيه عن الظاهر المستحيل، وهذا وجه قول السلف.

    أو المطلوب صرف اللفظ عن مقام الإهمال الذي يوجب الحيرة، بسبب ترك اللفظ لا مفهوم له، والخطاب بمثله للخلق بعيد، وهذا وجه قول إمام الحرمين، ومن قال بقوله، وهذا القول أقرب، والله تعالى أعلم".[2]

    فانظر لهذا التَفْصيل ونسبة المذهب الإثبات للإمام الأشعري في الصفات اليَد والوجه والعينين والأعين وما وَرد ذكره على أنَّها صفات يَصحُّ أن تُرى مع نفي لوازم الحدُوث من الأعضاء والتبعُّض والجوارح فأين الحَيرة والفذلكة التي يراها الشَّارح ويَجهلها هؤلاء الأعلام ؟ !! فهذا الإمام السَّنوسي أحد أقطاب أهل السنّة بالاتفاق يذكر التفْصيل وينفي الوَهم الذي قد يعلَق عند الضعاف بإثبات تلك الأوصاف بالوَجه الذي يُريده الأشعري ومن نحى نحْوَه من أئمَّة السَّلف.

    فظَهر أنَّ الخلاف لا في الإثبات بل في مفهوم الإثبات فأهل العلم ينفون كل ما يدلُّ على الحدوث وما يَستحيل في حق الله تعالى وهذا مَقصد يُراعى ولا يَهمل بل يُعمل.

    وقد نصَّ على هذا أيْضًا الإمام :

    "أثبت أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه اليدَ صفة وراء القدرة ، والوجه صفة وراء الوُجود ، وأثبت الاستواء صفة أخرى " الـمُحصَّل ص 437

    وقال سيف الدّين الآمدي : " من أئمتنا من زَاد على هذا ، وأثبتَ صفات زائدة على ذلك وجزم بها ؛ كالبقاء ، والقدم ، والوجه والعينين واليدين " أبكار الأفكار ( ج 1 / ص 349 ) وَذكر بعد ذلك أقوال الأئمَّة وعلى رأسهم شيخ السنَّة الإمام الأشعري رضي الله عنه.

    وهذه الأقْوال مَبْنية ككل بعد استقراء المنهج العام الكُلي للإمام الأشْعري دونَ الاقتصار على مرجع دونَ مرجع ولم يروا فيما كَتبه تصادمًا أو تعارُضًا بل يبْني ويشد بعضها بعضًا بتأصيل اللبنة الكلية لمذاهب الحق من أئمة السلف ممن سبقوه وهي مسالك هدى وخير ورَشاد.

    بل تَجد الأئمَّة يسْتغربون ممن نفى مذْهب الإثبات بالمفهوم المذكور كالإمام سعد الدّين التفتازاني : ( زَعم بعضُ الظاهرية أنَّه لا صفة لله وراء السبعة المذكورة ؛ لوجهين : الأوّل : أنّه لا دليل عليه ، وكل ما لا دليل عليه يجب نفيه . ورُدَّ بمنع المقدمتين )

    فنصَّ العلامة أنَّه زعمٌ من القائل واعتبره قولا غير مُحقق ويُرد بمنع المقدمتين !! ونصَّ على هذا عضد الدّين الأيجي والإمام السيد :

    ( اختلف هل لله تعالى صفة وجودية زائدة على ذاته غير ما ذكرناه من الصفات السبع التي هي : الحياة والعلم والبصر والكلام ؟ فمنعه أصحابنا مقتصرا في نفيها على أنه لا دليل عليه؛ أي : على ثبوت صفة أخرى ، فيَجبُ نفيه . ولا يَخفى ضعفه لما مرّ من أن عدم الدليل عندك لا يُفيد ، وعدمه في نفس الأمر ممنوع ) أهـ المواقف للأيجي وشرحه للسيّد ج3/143

    فأينَ ما زَعمه [الشَّارح ] وأنَّ كتاب الإبانة مناط ثبُوت تراجع عن طريقته وما ذَاك إلاّ بيان لمسلك من مسالك السَلف في حقيقة التعامل مع أي الصفات وتبيّن أنَّ ما جعله الشَّارح مناط ثبوت دعواه في الحقيقة هو هدم للمذهب الذي يَنصره ويؤيّده ولزيادة توضيح ننقل ما جلاَّه الإمام النَّفرواي في شرح رسالة ابن أبي زيد :

    "ولفظ الاستواء من جملة المتشابه كاليد والوجه والعين والأصابع ونحو ذلك مما ظاهره مستحيل على الباري سبحانه، ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى، وأما العلماء فقد اتفق السلف والخلف على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل واختلفوا بعد ذلك على ثلاث طرق:

    1 - طريق أبي الحسن الأشعري إمام هذا الفن أنها أسماء لصفات قائمة بذاته تعالى زائدة على صفات المعاني الثمانية أو السبعة التي هي العلم والقدرة والإدراك على القول به، ونحو ذلك من بقيتها، والدليل عنده على ثبوتها السمع، لورودها إما في القرآن أو السنة، لذلك تسمى على مذهبه صفات سمعية.

    2 - وطريق السلف كابن شهاب ومالك الإمام ومن وافقهما من السلف الصالح تمنع تأويلها على التفصيل والتعيين وقال أهلها: نقطع بأن المستحيل غير مراد، ونعتقد أن له تعالى استواء ويدا وغير ذلك مما ورد به الشرع لا يعلم معناه على التفصيل إلا الله. وكذلك تسمى المعنوية.

    3 - وطريق الخلف تؤول المتشابه على وجه التفصيل، قصدا للإيضاح، ولذلك تسمى المؤولة، فأولوا الاستواء بالاستيلاء، واليد بالقدرة، والعين بالبصر، والأصابع بإرادات القلب
    ". [3]

    فتأمَّل للتداخل الوظيفي والأسري بين هذه المذاهب الثَلاثة في حقيقة التعامل مع آيات الصفات والأئمَّة ككل عُرف عنهم هذا ولا يَرون أيَّ تصادم أو تعارض بل توهّم يَحسبه من ألف المحسوس ويَحسبه تعارضًا وهو ليْس كذلك.

    ************

    [1] - فتح الباري:20/484.

    [2] - المنهج السديد في شرح كفاية المريد:ص205- 206.

    [3] - الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني:1/51.

    يُتبَـــــــــــــــــــــــــــع !!
    وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •