صفحة 7 من 8 الأولىالأولى ... 345678 الأخيرةالأخيرة
النتائج 91 إلى 105 من 107

الموضوع: رفع الغشية عن نقد دمشقية للطريقة النقشبندية

  1. #91
    الفصل العاشر: مفهوم الكرامة عند النقشبندية:


    يقول الناقد دمشقية في كتابة "الطريقة النقشبندية" [ص: 195 – 196]، ما نصه:
    ومن كرامات مشايخ الطريقة

    حكي أن محمد أمين الكردي «زار قبر النبي يونس عليه السلامïپ¥ وفجأة رفع الله الحجاب بينه وبين صاحب القبر فرآه جالسا والانبياء جلوسا حوله. وهم ينتظرون مجيء سيد البشر محمد بن عبد الله» (1)

    لهم الثواب والعقاب

    وأهديت لبهاء الدين نقشبند سمكة مطبوخة وكان عنده شاب زاهد عابد فقال للشاب: أفطر فلم يقبل الشاب فقال له: أفطر وأنا أهبك صوم يوم من شهر رمضان، فأبى فقال له: أفطر وأنا أهبك صيام أيام شهر رمضان. فأبى فقال بهاء للناس: دعوه فانه من المبعدين. فنظراً لانهماكه في أوامر أهل الله ابتلاه الله بالانهماك في الدنيا والاعراض عما فيه من سعادة العبادة» انتهى. وهذه القصة مقتبسة من الرسالة القشيرية (2).
    ------------------------------
    (1) ورد في "تنوير القلوب" للزملكاني [ج1/ص: 8] ..
    (2) ورد في "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 136]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 151] ..
    ==============================
    الجواب:
    نقول النفس تتحرر من الجسد في الدنيا في المنام، لا في الصحو لأنه النوم موتة صغرة تغادر فيه النفس الجسد ويبقى الروح، فإن هذا حصل فإنه حصل مع العارف الزملكاني، فإنه رؤيا منام ..
    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: (( بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ )) )؛ (1) ..
    من الحديث الشريف أعلاه نستنتج أن النفس في النوم تكون في قبضة الحق سبحانه ..
    ويؤيد ذلك في كتاب الله قوله تعالى: { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [الزمر : 42] ..
    أما شبهة بهاء الدين البخاري [الشاه نقشبند] حول ترك صوم يوم مقابل أجر صوم يوم في رمضان أو أجر شهر رمضان:
    نقول ورد مثل هذا الأمر عن سلطان العارفين أبو يزيد:
    حيث زار أبو تراب النخشبي وشقيق البلخي أبا يزيد البسطامي: ( فلما قدّم خادمه السفرة قال له [أي: أبو يزيد]: كل معنا يا فتى ..
    فقال: لا، إني صائم ..
    فقال له أبو تراب: كل، ولك أجر صوم شهر ..
    فقال: لا، فقال له شقيق: كل، ولك أجر صوم سنة، فقال: لا ..
    فقال أبو يزيد: ( دعوا من سقط من عين رعاية الله عز وجل )، فسرق ذلك الشاب بعد سنة، فقطعت يده عقوبة له على سوء أدبه مع الأشياخ، ثم نقل عن الشيخ برهان الدين أنه قال: من لم ير خطأ الشيخ أحسن من صوابه لم ينتفع به )؛ (2) ..
    نقول يجوز وفق السنة الشريفة ترك صيام النفل، إذا دعاك أخ بالله إلى طعام:
    عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قَالَ: ( صَنَعْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، طَعَاّمْاً فَلَمَّا وُضِعَ قَالَ رَجُلٌ: أَنَا صَاّئِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ َآَلِهِ وَسَلَّمَ: (( دَعَاّكَ أَخُوّكَ وَتَكَلَّفَ لَكَ، أَفْطِرْ وَصُمْ مَكَانَهُ إِنْ شِئْت )) )؛ (3) ..
    هذا إن كانت الدعوة من أخ في الله، فكيف إن كانت من مرشدك إلى الله عز وجل ..
    وسبب الدعوة من باب الرحمة، لأنه حضر على المائدة طعام طيب قل ما يحضر عند الزاهدين، وهي دعوة تكريم ..
    ووجه المخالفة، أنه لم يطع أمر ولي أمره، معارضاً أمره تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } [النساء : 59] ..
    عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ: ( مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي )؛ (4) ..
    أما الثواب عند الطاعة، لرغبة سلطان العارفين، فهو ترغيبي، من قبل مريدي أبو يزيد، وليس جزائي، وكل على قدر الأجر اجتهاداً مجازياً على قدر معرفة قدر السلطان البسطامي عند الله، ومحبته له ..

    -----------------------------------
    (1) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2329/ر:5961]؛ وفي "الأدب المفرد" [ج1/ص: 418/ر:1217]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الأدب" [ر:923]؛ ومسلم في "صحيحة" [ج17/ص: 39/ر:6830]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 732/ر:5050]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:5050]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 440/ر:3401]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:3401]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 367/ر:3874]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3138]؛ ورواه الدارمي في "سننه" [ج2/ص: 744/ر:2584]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأسد في "سنن الدارمي" [ج2/ص: 376]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 552/ر:7752]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج14/ص: 220]، وبإسناد صحيح، على شرط البخاري؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج2/ص: 283]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:504]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:407]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
    (2) ورد في "الأنوار القدسية" للشعراني [ج1/ص: 175]؛ وفي "روح البيان" للألوسي [ج5/ص: 283]؛ وفي "الموافقات" للشاطبي [ج5/ص: 400]؛ وفي "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 70]؛ وفي "طبقات الأولياء" للشعراني [ج1/ص: 401]؛ وفي "الكواكب الدرية" للخرسة [ج1/ص: 328]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 148] ..
    (3) رواه البيهقي في "سننه الكبرى" [ج4/ص: 279/ر:8146]؛ والطبراني في "الأوسط" [ج3/ص: 306/ر:3240]؛ والدارقطني في "سننه" [ج2/ص: 177/ر:24]؛ وحسنه الحافظ في "فتح الباري" [ج2/ص: 247]؛ وحسنه الألباني في "إرواء الغليل" [ج7/ص: 12]؛ وفي "آداب الزفاف" [ر:87]؛ وحكمه: [حسن] ..
    (4) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج6/ص: 2611/ر:6718]، ومسلم في "صحيحة" [ج12/ص: 427/ر:4726]؛ ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج7/ص: 174/ر:4204]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:4193]؛ ورواه ابن في ماجة بلفظ: [الإمام] في "سننه" [ج2/ص: 534/ر:2859]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:2326]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:2914]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:6044]، وخلاصة حكمه: [متفق عليه] ..
    (5) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 232]؛ "الحدائق الوردي" للخاني [ج1/ص: 314]؛ وفي "الكواكب الدرية" للخرسة [ج1/ص: 668] ..

  2. #92
    الفصل العاشر: مفهوم الكرامة عند النقشبندية:


    يقول الناقد دمشقية في كتابة "الطريقة النقشبندية" [ص: 195 – 196]، ما نصه:
    ومن كرامات مشايخ الطريقة

    حكي أن محمد أمين الكردي «زار قبر النبي يونس عليه السلام وفجأة رفع الله الحجاب بينه وبين صاحب القبر فرآه جالسا والانبياء جلوسا حوله. وهم ينتظرون مجيء سيد البشر محمد بن عبد الله» (1)

    لهم الثواب والعقاب

    وأهديت لبهاء الدين نقشبند سمكة مطبوخة وكان عنده شاب زاهد عابد فقال للشاب: أفطر فلم يقبل الشاب فقال له: أفطر وأنا أهبك صوم يوم من شهر رمضان، فأبى فقال له: أفطر وأنا أهبك صيام أيام شهر رمضان. فأبى فقال بهاء للناس: دعوه فانه من المبعدين. فنظراً لانهماكه في أوامر أهل الله ابتلاه الله بالانهماك في الدنيا والاعراض عما فيه من سعادة العبادة» انتهى. وهذه القصة مقتبسة من الرسالة القشيرية (2).
    ------------------------------
    (1) ورد في "تنوير القلوب" للزملكاني [ج1/ص: 8] ..
    (2) ورد في "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 136]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 151] ..
    ==============================
    الجواب:
    نقول النفس تتحرر من الجسد في الدنيا في المنام، لا في الصحو لأنه النوم موتة صغرة تغادر فيه النفس الجسد ويبقى الروح، فإن هذا حصل فإنه حصل مع العارف الزملكاني، فإنه رؤيا منام ..
    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: (( بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ )) )؛ (1) ..
    من الحديث الشريف أعلاه نستنتج أن النفس في النوم تكون في قبضة الحق سبحانه ..
    ويؤيد ذلك في كتاب الله قوله تعالى: { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [الزمر : 42] ..
    أما شبهة بهاء الدين البخاري [الشاه نقشبند] حول ترك صوم يوم مقابل أجر صوم يوم في رمضان أو أجر شهر رمضان:
    نقول ورد مثل هذا الأمر عن سلطان العارفين أبو يزيد:
    حيث زار أبو تراب النخشبي وشقيق البلخي أبا يزيد البسطامي: ( فلما قدّم خادمه السفرة قال له [أي: أبو يزيد]: كل معنا يا فتى ..
    فقال: لا، إني صائم ..
    فقال له أبو تراب: كل، ولك أجر صوم شهر ..
    فقال: لا، فقال له شقيق: كل، ولك أجر صوم سنة، فقال: لا ..
    فقال أبو يزيد: ( دعوا من سقط من عين رعاية الله عز وجل )، فسرق ذلك الشاب بعد سنة، فقطعت يده عقوبة له على سوء أدبه مع الأشياخ، ثم نقل عن الشيخ برهان الدين أنه قال: من لم ير خطأ الشيخ أحسن من صوابه لم ينتفع به )؛ (2) ..
    نقول يجوز وفق السنة الشريفة ترك صيام النفل، إذا دعاك أخ بالله إلى طعام:
    عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قَالَ: ( صَنَعْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، طَعَاّمْاً فَلَمَّا وُضِعَ قَالَ رَجُلٌ: أَنَا صَاّئِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ َآَلِهِ وَسَلَّمَ: (( دَعَاّكَ أَخُوّكَ وَتَكَلَّفَ لَكَ، أَفْطِرْ وَصُمْ مَكَانَهُ إِنْ شِئْت )) )؛ (3) ..
    هذا إن كانت الدعوة من أخ في الله، فكيف إن كانت من مرشدك إلى الله عز وجل ..
    وسبب الدعوة من باب الرحمة، لأنه حضر على المائدة طعام طيب قل ما يحضر عند الزاهدين، وهي دعوة تكريم ..
    ووجه المخالفة، أنه لم يطع أمر ولي أمره، معارضاً أمره تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } [النساء : 59] ..
    عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ: ( مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي )؛ (4) ..
    أما الثواب عند الطاعة، لرغبة سلطان العارفين، فهو ترغيبي، من قبل مريدي أبو يزيد، وليس جزائي، وكل على قدر الأجر اجتهاداً مجازياً على قدر معرفة قدر السلطان البسطامي عند الله، ومحبته له ..

    -----------------------------------
    (1) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2329/ر:5961]؛ وفي "الأدب المفرد" [ج1/ص: 418/ر:1217]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الأدب" [ر:923]؛ ومسلم في "صحيحة" [ج17/ص: 39/ر:6830]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 732/ر:5050]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:5050]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 440/ر:3401]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:3401]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 367/ر:3874]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3138]؛ ورواه الدارمي في "سننه" [ج2/ص: 744/ر:2584]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأسد في "سنن الدارمي" [ج2/ص: 376]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 552/ر:7752]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج14/ص: 220]، وبإسناد صحيح، على شرط البخاري؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج2/ص: 283]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:504]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:407]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
    (2) ورد في "الأنوار القدسية" للشعراني [ج1/ص: 175]؛ وفي "روح البيان" للألوسي [ج5/ص: 283]؛ وفي "الموافقات" للشاطبي [ج5/ص: 400]؛ وفي "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 70]؛ وفي "طبقات الأولياء" للشعراني [ج1/ص: 401]؛ وفي "الكواكب الدرية" للخرسة [ج1/ص: 328]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 148] ..
    (3) رواه البيهقي في "سننه الكبرى" [ج4/ص: 279/ر:8146]؛ والطبراني في "الأوسط" [ج3/ص: 306/ر:3240]؛ والدارقطني في "سننه" [ج2/ص: 177/ر:24]؛ وحسنه الحافظ في "فتح الباري" [ج2/ص: 247]؛ وحسنه الألباني في "إرواء الغليل" [ج7/ص: 12]؛ وفي "آداب الزفاف" [ر:87]؛ وحكمه: [حسن] ..
    (4) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج6/ص: 2611/ر:6718]، ومسلم في "صحيحة" [ج12/ص: 427/ر:4726]؛ ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج7/ص: 174/ر:4204]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:4193]؛ ورواه ابن في ماجة بلفظ: [الإمام] في "سننه" [ج2/ص: 534/ر:2859]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:2326]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:2914]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:6044]، وخلاصة حكمه: [متفق عليه] ..
    (5) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 232]؛ "الحدائق الوردي" للخاني [ج1/ص: 314]؛ وفي "الكواكب الدرية" للخرسة [ج1/ص: 668] ..

  3. #93
    القسم السابع: شبهات مختلفة أخرى اتهم بها النقشبندية:

    الفصل الأول: النقشبندية وعلاقتهم بالنهج الباطني:

    يقول الناقد دمشقية في كتابه "الطريقة النقشبندية" [ص: 197 – 204]، ما نصه:

    النهـج الباطني عند النقشبندية والصوفية

    وزعم عثمان سراج الدين النقشبندي أن للقرآن ظهرا وبطنا وظهر ظهر وبطن بطن وهكذا الى ما لا يعلمه الا الله (1). وفسر قوله تعالى ولقد خلقنا الانسان أي أوجدنا كل فرد من أفراد الانسان الباطني وهو مجرداته الخمسة: القلب والروح والسر والخفي والأخفى» (2).
    وقال بهاء الدين نقشبند في قوله تعالىإنّا أعطيناك الكوثرأي أعطيناك شهود الأحدية في الكثرة» (3).

    وفسر عبد الرزاق النقشبندي بسم الله أي باسم الانسان الكامل (4).
    والكمال الانساني عندهم مرآة للكمال المحمدي. والكمال المحمدي مرآة للكمال الالهي. ولا يتجلى الحق الا من خلف حجاب الكمال المحمدي اذ هو الواسطة العظمى التي لا كمال الا بها (5).

    وفسر مشايخ النقشبندية قوله تعالىكل يوم هو في شأن بمعنى أن العبد بعد الفناء يبقى في الله فيصير مظهر تجليات أسماء الأفعال ويجد في نفسه آثار الأسماء الكونية ويحصل له حظ من كل اسم (6).
    وفسر الكردي قوله تعالى فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله الظالم لنفسه أي من منع نفسه عن اللذات وما أعطاها مرادها فصار مستعدا لقبول الفيض الالهي وحينئذ يكون مقدما على المقتصد وعلى السابق بالخيرات. وهذا تحريف للقرآن وهو عمل اليهود. وقد صرح الحافظ ابن حجر بأن تحريف معاني النصوص موجود بكثرة عند اليهود (7).
    وفسروا الآية إليه { يصعد الكلم الطيب} أي يصعد من القلوب أنوار الذكر وأنوار نازلة من العرش على قلبك، فاذا فني وجودك الجسماني عن شهودها من النور الى النور فتصعد منك وتنزل منه» (8).
    وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم «أمط الأذى عن الطريق» قال بهاء الدين نقشبند «الأذى معناه أذى النفس والطريق طريق الحق» (9).
    وقوله تعالى واذكر ربك اذا نسيت أي اذا نسيت غيره وحمل الآية على معنى الفناء في الله (10).
    وقوله تعالى لمن الملك اليوم المراد من (الملك) قلب السالك حين يتجلى الله سبحانه للقلب بقهر الأحدية لا يترك فيه شيئا غيره فيلقي اليه صدى لمن الملك اليوم فاذا لم ير في تلك المملكة غيره يجيب تعالى بنفسه بالضرورة بقوله لله الواحد القهار ويسمع صدى (سبحاني ما أعظم شأني) و (أنا الحق) و (هل في الدارين غيري) (11).
    وفي قوله تعالى وآية لهم الليل نسلخ منه النهار قالوا: النهار هو نور الوجود والليل ظلمة العدم (12).
    وقالوا في قوله تعالى فاخلع نعليك أي اخلع حبك من الدنيا والآخرة (13).
    وقالوا في تفسير سورة الاخلاص «إن أول موجود أوجده الله بلا واسطة هو التعين الأول ولما كان ظهوره من المبدأ الفياض بما يشبه الولادة قال تعالى (لم يلد) نفيا لشبه الولادة. ولما ظهر تعالى في المظاهر الالهية بحسب الذات والأسماء والأفعال وكان هذا الظهور يشبه المولودية قال تعالى (ولم يولد) نفيا لشبه المولودية.

    ولما جعل الحق هذا النوع الانساني مظهر جميع أسمائه أن الله خلق آدم على صورته أو صورة الرحمن: فكان مرآة ذاته الأقدس الذي: هو الله أحد الله الصمد صفته وكان هذا التوهم كفر، نفى هذه المشابهة وقال (ولم يكن له كفوا أحد)» (14).

    وقالوا عن معنى قوله تعالى يهب لمن يشاء اناثا أي العبادات والمعاملات ويهب لمن يشاء الذكور أي الأحوال والعلوم والمقامات. ويجعل من يشاء عقيما أي بلا علم ولا عمل» (15).
    -----------------------------------
    (1) تفسير سورة التين ص 5 طبعة؟ كتب عليها «يوزع مجانا عن روح ابراهيم ومحاسن وناريمان فولادكار» ..
    (2) تفسير سورة التين ص 26؛ وورد في "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 171] ..
    (3) رد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 157]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 162]؛ وفي "الرشحات" للواعظ الهروي [ج1/ص: 174] ..
    (4) ورد في "الرشحات" للواعظ الهروي [ج1/ص: 121] ..
    (5) ورد في "نور الهداية" لصاحب زاده [ج1/ص: 26] ..
    (6) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 162] ..
    (7) ورد في "فتح الباري" للحافظ [ج13/ص: 524] ..
    (8) ورد في "نور الهداية" لصاحب زاده [ج1/ص: 81] ..
    (9) ورد في "المواهب السرمدية" [ج1/ص: 124]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 131] ..
    (10) ورد في "البهجة السنية" للجد الخاني [ج1/ص: 53] ..
    (11) ورد في "الرشحات" للواعظ الهروي [ج1/ص: 186] ..
    (12) ورد في "الرشحات" للواعظ الهروي [ج1/ص: 126] ..
    (13) ورد في "البهجة السنية" للجد الخاني [ج1/ص: 33] ..
    (14) ورد في "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 171] ..
    (15) ورد في "جامع الأصول" للكمشخانوي [ج1/ص: 141] ..
    ====================================
    الجواب:
    حول قول الناقد:
    "وزعم عثمان سراج الدين النقشبندي أن للقرآن ظهرا وبطنا وظهر ظهر وبطن بطن وهكذا الى ما لا يعلمه الا الله. وفسر قوله تعالى ولقد خلقنا الانسان أي أوجدنا كل فرد من أفراد الانسان الباطني وهو مجرداته الخمسة: القلب والروح والسر والخفي والأخفى"
    قول أن للقرآن ظاهر وباطن؛ أي بيان مادي ظاهر تفسيري وآخر معنوي باطن تأويلي، وتعدد الأوجه الباطنية إلى ما لانهاية يؤكده قوله عز وجل: { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [لقمان : 27] ..
    يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( إِنَ لِلْقُرْآّنِ ظَاْهِرَاً وَبَاَطِنَاً، وَحْدَاً وَمَطْلَعَاً )؛ (1) ..
    والقول أن خلق الإنسان كان لمادته ومعانيه، صحيح؛ فهذا الخلق الكامل: ومعانيه القلب والروح متعارف عليه ومتفق ..
    وذكرت الروح في غير موضع من آيات الكتاب الكريم، وذكر القلب بلفظ القلب وبلفظ ذات الصدر أي جوهر النفس، كما في قوله تعالى: { وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [الملك : 13]
    والسر والأخفى ذكروا بقوله تعالى: { وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى } [طه : 7] ..
    والخفي ما تخفيه الصدور أي الأنفس أو الذات الإنسانية، كما في قوله تعالى: { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ } [غافر : 19] ..
    فهذه المصطلحات مستنبطة من أصول ألفاظ القرآن ..
    وحول قول الناقد:
    "وقال بهاء الدين نقشبند في قوله تعالىإنّا أعطيناك الكوثرأي أعطيناك شهود الأحدية في الكثرة"
    أي شهود حقيقة التوحيد بتكاثف المعارف لمعاني الربوبية والألوهية، في القلب؛ عندها يشهد القلب بلا إله إلا الله ..
    ودليل ذلك أن لفظ "أعطيناك" فعل ماضي أي أمر حاصل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، من قبل النبوة وحمل الرسالة؛ أي بغار حراء، ومن قبل ذلك في عالم الذر أو الأنفس، لقوله تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ } [الأعراف : 172] ..
    وهو خطاب خاص للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولمن قاربه بالتقوى من نبي قبله، ووصي وولي بعده ..
    وحل قول الناقد:
    "وفسر الكردي قوله تعالى فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله الظالم لنفسه أي من منع نفسه عن اللذات وما أعطاها مرادها فصار مستعدا لقبول الفيض الالهي وحينئذ يكون مقدما على المقتصد وعلى السابق بالخيرات. وهذا تحريف للقرآن وهو عمل اليهود"
    نقول:
    ليس هذا تحريف ولا تخريف؛ إنما تأويل صحيح؛ يتجلى ذلك صريحاً في مطلع سياق الآية، بقول تعالى: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [فاطر : 32] ..
    فالله تعالى صرح أن الفئات الثلاثة هم ممن اصطفاه من عباده على سائر الخلق، والترتيب يولي الأولوية للأول ..
    وهو الذي ظلم نفسه بأن حرمها من أكثر ما أحل لها، بتجرده عن كل اللذائذ والرغبات والأهواء، وجعل مراده الله وحده، فكانت عصمته بعدمه ابتغاء ما عند الله، وهؤلاء هم الأنبياء قيل خاتم الأنبياء، والصديقين بعد النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ..
    وهذا الذي سماه الإمام الحجة الغزالي بورع الصديقين: ( ورع الصديقين: وهو الإعراض عما سوى الله تعالى، خوفا من صرف ساعة من العمر إلى ما لا يفيد زيادة قرب عند الله عز وجل، وإن كان يعلم ويتحقق أنه لا يفضي إلى حرام )؛ ورد في "الإحياء" للغزالي [ج1/ص: 18] ..
    وحول قول الناقد:
    وفسر عبد الرزاق النقشبندي بسم الله أي باسم الانسان الكامل.
    والكمال الانساني عندهم مرآة للكمال المحمدي. والكمال المحمدي مرآة للكمال الالهي. ولا يتجلى الحق الا من خلف حجاب الكمال المحمدي اذ هو الواسطة العظمى التي لا كمال الا بها ..
    نقول هذا صحيح:
    فبسم الله معناها أي من عند الله ..
    وهو هنا الاستخلاف بالأرض، لقوله تعالى: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً } [البقرة : 30] ..
    فمن يستخلف الله تعالى في أرضه يجب أن يستبغه بالكمال والعصمة، وهي صفة الأنبياء الذين كان ختامهم النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ..
    والدليل الشارح القطعي الدلالة القطعي الثبوت الشارح، يتجلى بقوله تعالى: { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } [النمل : 30] ..
    أي أن سليمان نائب عن الحق تعالى، قائماً مقامه بالحق كنبي خليفة ..

    "قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم «أمط الأذى عن الطريق» قال بهاء الدين نقشبند «الأذى معناه أذى النفس والطريق طريق الحق»"
    نقول:
    كما أن للقرآن دلالات مادية وإشارات معنوية كذلك لشرح الكتاب وهي السنة المشرفة دلالات مادية وإشارات معنوية كثيرة ..
    ولكن المعاني شهودها يزيد بزيادة نور التقوى ..
    وكل ما تجاوزته، لأنه مشروح بسياق الناقد، ولم أزد عليه؛ لأنها مفاهيم أذواق وجدانية، ومكاشفات قلبية خاصة، لا يدركها ويتفاعل معها إلا من ذاقها وانكشفت حقائقها له ..
    ويعاديها من يجهلها ويجعل تأويلها ..
    -------------------------
    (1) رواه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج2/ص: 400/ر:900]، وقال: أخرجه ابن حبان في صحيحه، من حديث ابن مسعود بنحوه؛ ولفظ ابن حبان: ( أُنْزِلَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، لِكُلِ آّيَةِ مِنْهَاَ ظَهْرُ وَبَطْنْ )؛ رواه ابن حبان في "صحيحة" [ج1/ص: 276/ر:75]؛ وحكمه: [صحيح] ..


    ===========================

  4. #94
    الفصل الثاني: موقف النقشبندية من شطح كبار النقشبندية:

    يقول الناقد دمشقية في الطريقة النقشبندية [ص: 224 – 230]، ما نصه:
    موقفهم من قول أبي يزيد: سبحاني
    وكذلك استحسن النقشبنديون قول أبي يزيد « سبحاني ما أعظم شأني » (1).
    ولم ينكروا هذا القول أو يستنكروه، بل أثبتوه على أنه نهاية ما يحصل للسالك الى الله الفاني به. وقد زعموا - خوفا من السوط أو السيف - أن هذا القول خطأ ووهم يحصل للعبد عند بلوغه قمة الوصول الى الله. والاسلام لا يعرف عبادة تنتهي بصاحبها الى التلفظ بالكفر وادعاء الألوهية.

    وذكرت كتبهم أنه صلى بالناس الفجر ثم التفت اليهم فقال: إني أنا الله لا اله الا أنا فاعبدوني. فتركه الناس وقالوا: مجنون، مسكين» (2).
    وجاء الى بيته رجل فدق بابه فقال أبو يزيد: من تطلب؟ فقال الطارق: أريد أبا يزيد. فقال له أبو يزيد: ليس في البيت غير الله» (3).

    وحكى السرهندي الفاروقي شيخ النقشبنديين أن أبا يزيد قال « لوائي أرفع من لواء محمد» وعذره السرهندي لأنها مقولة سكرية قالها أبو يزيد في حالة سكره بالله (4).
    وحكوا أيضا أنه قال « إن لله علي نعما منها أني رضيت أن أحرق بالنار بدل الخلق شفقة عليهم» (5). وقوله « الناس يفرون من الحساب وأنا أتمناه لعله يقول لي يا عبدي فأقول: لبيك. فيفعل بي ما يشاء» (6).

    وهذا مبدأ الفداء والكفارة وقبول التعذيب نيابة عن الخلق مقتبس من عقيدة النصارى نجده عند النقشبندية يروونه عن أبي يزيد. ونجده عند الرفاعية الذين نسبوا الى شيخهم الرفاعي أنه قبل أن يعذب كفارة عن خطايا الخلق.

    فالنصارى تقول: « يسوع الذي صلب ومات لأجلنا وهو الآن يتردى في جهنم ليخلصنا ويضحي بنفسه من أجلنا» (7). وقال فليبس « يسوع الذي تألم لخلاصنا وهبط الى الجحيم».

    وقد بلغ الزهد بأبي يزيد أن صار زاهدا في الآخرة وفي الجنة، فهو لا يريدها لكنه يريد الله فقط.
    قال « أوقفني الحق بين يديه مواقف في كلها يعرض علي المملكة فأقول: لا أريدها، فقال الله: فماذا تريد؟ فقلت له: أريد أن لا أريد» (8). وصرح السرهندي بأن رفع الاثنينية بين الخالق والمخلوق مطلوب في مقام الولاية، ثم احتج بقول أبي يزيد هذا (9).

    وحتى العبادة لا يريدها ولا يراها مقربة الى الله، ولهذا روى النقشبنديون عنه أنه قال « وقفت مع العابدين فلم أر لي معهم قدما، فوقفت مع المجاهدين فلم أر لي معهم قدما، ووقفت مع المصلين فلم أر لي معهم قدما، فقلت: يا رب كيف الطريق اليك؟ فقال: أترك نفسك وتعال » (10).

    وانما العبادة مشغلة ينشغل بها العابدون عن الله، هذا ما استحسن ذكره النقشبنديون بصرف النظر عن مدى ثبوت ذلك عن أبي يزيد.
    فقد رووا عنه أنه قال « إطلع الله على قلوب أوليائه فرأى منهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفا: فشغله بالعبادة» أضاف « وإن في الطاعات من الآفات ما يحتاج الى أن تطلبوا المعاصي» (11).
    ---------------------------
    (12) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 90]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 99]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 180]؛ وفي "تلبيس إبليس" لابن الجوزي [ج1/ص: 344]؛ وفي "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 133]؛ وفي "البهجة السنية" للخاني [ج1/ص: 81]؛ وفي "السبع الأسرار" للمعصوم [ج1/ص: 31] ..
    (13) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 57]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 102]؛ وفي "تلبيس إبليس" لابن الجوزي [ج1/ص: 345] ..
    (14) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 47]؛ وفي "تلبيس إبليس" [ج1/ص: 341] ..
    (15) ورد في "المكتوبات الربانية" للسرهندي [ج1/ص: 101] ..
    (16) ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 103]؛ وفي "تلبيس إبليس" لابن الجوزي" [ج1/ص: 341] ..
    (17) ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 100] ..
    (18) ورد في "رسالة بولس" [ج3/ص: 13] ..
    (19) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 55]؛ ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 101] ..
    (20) ورد في "المكتوبات الربانية" للسرهندي [ج1/ص: 364] ..
    (21) ورد في "تنوير القلوب" للزملكاني [ج1/ص: 469]؛ ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 98] ..
    (22) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 61]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 104] ..
    ==============================
    الجواب:
    حول نقد الناقد بقوله:
    موقفهم من قول أبي يزيد: سبحاني
    وكذلك استحسن النقشبنديون قول أبي يزيد « سبحاني ما أعظم شأني ».
    ولم ينكروا هذا القول أو يستنكروه، بل أثبتوه على أنه نهاية ما يحصل للسالك الى الله الفاني به. وقد زعموا - خوفا من السوط أو السيف - أن هذا القول خطأ ووهم يحصل للعبد عند بلوغه قمة الوصول الى الله. والاسلام لا يعرف عبادة تنتهي بصاحبها الى التلفظ بالكفر وادعاء الألوهية.
    نقول:
    لا بل أخطأ من شدة الفرح كما ورد في السنة:
    عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الَّذِي يَخْرُجُ حَتَّى إِذَا كَانَ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا زَادُهُ وَمَاؤُهُ، فَأَضَلَّهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَنَامَ فِي أَصْلِهَا، قَدْ يَئِسَ مِنْهَا فَانْتَبَهَ فَإِذَا هِيَ عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، فَيَقُولُ مِنَ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ )؛ (1) ..
    وهذا الاضطراب والهياج فرحاً بالله أصاب كيان ووجدان سلطان العارفين فأحيا فؤاده، فرحا، عندما قذف الله نوره في قلبه فانشرح له وانفسح، وأسقى فؤاده بالمحبة بماء غدقا فتنه عن ذاته البشرية به ..
    ويروى عند أهل الصدور أن سلطان العارفين، عندما نبؤ بما قال من شدة فرحه بالله؛ قال: ( استغفر الله العظيم، ويلي من نفسي، ويلي من نفسي؛ أو قال: حسبي من نفسي حسبي )؛ ورد في "المجموعة الكاملة" لعباس [ج1/ص: 49] ..
    وهذا حال من يقذف الله في قلبه نور التقوى الذي يفرق به بين الحق والباطل، فينفسح له القلب وينشرح، لتتفجر أساريره، فيهيج فرحاً ..
    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: ( تَلا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ: { أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ِ} [الزمر : 22]؛ وفي رواية أخرى: { فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ } [الأنعام : 125] فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ انْشِرَاحُ صَدْرِهِ؟؛ قَالَ: (( إِذَا دَخَلَ النُّورُ الْقَلْبَ انْشَرَحَ وَانْفَسَحَ )). فَقُلْنَا: فَمَا عَلامَةُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (( الإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالتَّأَهُّبِ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ )) )؛ (2) ..
    وهذا عقل الحقائق، كما ورد في الأثر: ( الْعَقْلُ نُورٌ فِي الْقَلْبِ، يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ )؛ (3) ..
    وهؤلاء من قال بهم الحق سبحانه: { فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [آل عمران : 170] ..
    وقوله: { قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } [يونس : 58] ..

  5. #95
    حول نقد الناقد، بقوله:
    وذكرت كتبهم أنه صلى بالناس الفجر ثم التفت اليهم فقال: « إني أنا الله لا اله الا أنا فاعبدوني. فتركه الناس وقالوا: مجنون، مسكين » اهـ
    نقول:
    صدق من قال: إنما آفة الأخبار رواتها ..
    هذا القول يعتمد على قصة فيها أن أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى، زار قرية ووصل إلى أهلها أنه من الصالحين ..
    فطلبوا منه والحوا أن يكون إمامهم بالصلاة، فقبل بعد اصرار فأقم الصلاة وكبر وقرأ فاتحة الكتاب ثم شرع ليقرأ آية من آيات الكتاب الجليل، فقال: { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } [طه : 14] ..
    فتراءى لهم أنه يدعي الألوهية، لما روجه المغرضين أن أبو يزيد يقول بالزندقة!، إلا أنه قالها بلسان الحق عن الحق في كتاب الحق ..
    وقول الناقد:
    وجاء الى بيته رجل فدق بابه فقال أبو يزيد: « من تطلب؟ فقال الطارق: أريد أبا يزيد. فقال له أبو يزيد: ليس في البيت غير الله » اهـ
    نقول:
    هذا اختزال وإيحاء دلالته الشكر بنسب الفضل بالكلية لله، تأدباً ..
    أي لا كيان ولا قيمة ولا وجود لأبي يزيد من غير الله؛ أي وفق المنطق الشرعي لا حول ولا قوة إلا بالله، أو تحقيق قوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } [المؤمنون : 60]، من الناحية الفعلية، وتحقيق قول عز من قال: { الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } [البقرة : 46] ..
    فيسقطون حقهم وحظ أنفسهم زاهدة أمام حق الله ..
    ومراد سلطان العارفين أن الطلب يكون الله وليس من عبد الله:
    عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ: ( يَا غُلَامُ, إني مُعَلِّمُكَ كلماتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّه، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ )؛ (4) ..
    وحول قول الناقد:
    وحكى السرهندي الفاروقي شيخ النقشبنديين أن أبا يزيد قال « لوائي أرفع من لواء محمد » وعذره السرهندي لأنها مقولة سكرية قالها أبو يزيد في حالة سكره بالله؛ اهـ
    نقول:
    تبرير المجدد الفاروقي أن سلطان العارفين قالها بلسان الحال، وليس بمقام الحال ..
    وقد يكون مقصده أرفع من الرُفْع وهنا الضعف، والمحدودية، وقد يكون من الضيق أي هو غيض من فيض لسان النبوة العميم، وغيض من انتشاره كدين، وإلهام وليس وحي ..
    وقد يكون أرفع من الرِفْعَة، في مجال التصريح بالحقائق العالية، التي أُمِرَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يُخْفِيها عن العامة، ويصرح بها بمجالسه الخاصة، للنخبة الْمُقَربة والْمُبَشرة، عما بقوله تعالى: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [هود : 112] ..
    والطغيان هنا في الآية من أوجه معانيه، هو: الخروج عن المألوف من القول، أو الفعل، وليس بالإثم ..
    لأن الصحابة الكرام أكثرهم أهل صلاح عظيم حققوا التقوى، وقاربوا الكمال:
    يقول الإمام التابعي الجليل الحسن بن يسار البصري رضي الله عنه: ( وَاللَّهِ لَقَدْ أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ بَدْرِيًّا، أَكْثَرُ لِبَاسِهِمُ الصُّوفُ لَوْ رَأَيْتُمُوهُمْ لَقُلْتُمْ مَجَانِينَ، وَلَوْ رَأَوْا خِيَارَكُمْ لَقَالُوا: مَا يُؤْمِنُ هَؤُلاءِ بِيَوْمِ الْحِسَابِ، وَلَوْ رَأَوْا شِرَارَكُمْ لَقَالُوا: مَا لِهَؤُلاءِ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ خَلاقٍ؛ وَكَاّنَ أَحَدُهُمْ يُعْرَضُ لَهُ الْمَاّلُ الْحَلَاّلُ فَلَاّ يَأْخُذُهُ وَيَقُوّلْ: أَخَاّفُ أَنْ يُفْسِدَ عَلِيَ قَلْبِيَ )؛ (5) ..
    وذلك حتى لا يزيد التكليف ويصعب الدين:
    عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ حَدَّ حُدُودًا، فَلا تَعْتَدُوهَا، وَفَرَضَ لَكُمْ فَرَائِضَ، فَلا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ، فَلا تَنْتَهِكُوهَا، وَتَرَكَ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ مِنْ رَبِّكُمْ، وَلَكِنْ رَحْمَةٌ مِنْهُ لَكُمْ، فَاقْبَلُوهَا وَلا تَبْحَثُوا فِيهَا )؛ (6) ..
    إذا أكثر الكثير لا استطاعة له على مراقي الإيمان: { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [الحجرات : 14]
    إلا أنه لكل زمان دول ورجال (7)؛ مع انتشار العلم وانحسار الجهل، وتقارب الحضارات، وظهور الترف الفكري والفلسفي ..
    وحول قول الناقد:
    وحكوا أيضا أنه قال: « إن لله علي نعما منها أني رضيت أن أحرق بالنار بدل الخلق شفقة عليهم ». وقوله « الناس يفرون من الحساب وأنا أتمناه لعله يقول لي يا عبدي فأقول: لبيك. فيفعل بي ما يشاء ».
    نقول:
    الحالة الأولى: بالقول الأول، هو لسان حال تعاظم الرحمة الغيرية في قلب سلطان العارفين ..
    عملا بقوله تعالى: { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [الحشر : 9] ..
    الحالة الثانية: بالقول الثاني، دليل فرط تعاظم محبة سلطان العارفين لله عز وجل، تلك المحبة التي جعلته يرغب بلقائه بالحق تحت أي حالة، أين كان وكيف ما كان، وبأي صورة كانت، فهنيئاً له هذه المحبة العارمة الصادقة الصارمة على النفس في سبيل الحق سبحانه ..
    وحول قول الناقد:
    وقد بلغ الزهد بأبي يزيد أن صار زاهدا في الآخرة وفي الجنة، فهو لا يريدها لكنه يريد الله فقط.
    قال « أوقفني الحق بين يديه مواقف في كلها يعرض علي المملكة فأقول: لا أريدها، فقال الله: فماذا تريد؟ فقلت له: أريد أن لا أريد ». وصرح السرهندي بأن رفع الاثنينية بين الخالق والمخلوق مطلوب في مقام الولاية، ثم احتج بقول أبي يزيد هذا.
    وحتى العبادة لا يريدها ولا يراها مقربة الى الله، ولهذا روى النقشبنديون عنه أنه قال « وقفت مع العابدين فلم أر لي معهم قدما، فوقفت مع المجاهدين فلم أر لي معهم قدما، ووقفت مع المصلين فلم أر لي معهم قدما، فقلت: يا رب كيف الطريق اليك؟ فقال: أترك نفسك وتعال ».
    نقول:
    الحالة الأولى: التي لا يراد بها الجنة، في عند المحبين الذين يريدون وجه الله تعالى، أو ذاته العلية:
    لقوله تعالى: { وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } [الأنعام : 52] ..
    وقوله عز من قائل: { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } [الكهف : 28] ..
    والوجه في معاني القرآن ومقاصده هي الذات ..
    فهؤلاء كما صرح سبحانه بكتابه الكريم لا يريدون من الله إلا الله ..
    وهؤلاء الذي قال بهم عز وجل: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة : 54] ..
    ويروي العلامة الحنفي: إسماعيل حقي الخلوتي البروسوي الإسطنبولي في "تفسيره": عن الإمام علي كرم الله وجهه، عن الصديق الأكبر رضي الله عنه، وأرضاه، أنه قال: ( وَجَدْتُ الْنَاّسَ صِنْفِيّنَ، مُرِيّدِ الْدُنْيَا، وَمُرِيّدُ الْعُقْبَىّ، فَكُنْتُ أَنَا مُرِيّدُ الْمَوّلَىَ عَزَ وَجَلَ )؛ (8) ..
    الحالة الثانية: يؤولها ما روي عن الإمام الرباني جعفر الصادق: ( العُبَّادَ ثَلاَثَةٌ: قَوْمٌ عَبَدُوا اللَهَ عَزَّ وَجَلَّ خَوْفاً فَتِلْكَ عِبَادَةُ العَبِيدِ، وَقَوْمٌ عَبَدُوا اللَهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَي‌ طَلَبَ الثَّوَابِ فَتِلْكَ عِبَادَةُ الاُجَرَاءِ، وَقَوْمٌ عَبَدُوا اللَهَ عَزَّ وَجَلَّ حُبَّاً لَهُ فَتِلْكَ عِبَادَةُ الاَحْرَارِ؛ وَهِيَ‌َ أَفْضَلُ العِبَادَةِ )؛ (9) ..
    ولهذا الأثر المقطوع عن الإمام جعفر رضي الله عنه، أثر مقارب موقوف عن الإمام علي كرم الله وجهه، ذكرناه هنا سابقاً ..
    وروي عن نبي الله داوود عليه السلام، أنه قال: ( يَاَ رَبِ أَيْنَ أَجِدُكَ؟ )؛ فقال له: ( اِتْرُكْ نَفْسَكَ وَتَعَاّلْىَ، غِبْ عَنْهَاّ تَجِدْنِيّ )؛ (10) ..
    أي إسقاط حظ النفس ابتغاء ما عند الله، تحظى بلقاء الله ..
    وحول قول الناقد:
    وانما العبادة مشغلة ينشغل بها العابدون عن الله، هذا ما استحسن ذكره النقشبنديون بصرف النظر عن مدى ثبوت ذلك عن أبي يزيد.
    فقد رووا عنه أنه قال « إطلع الله على قلوب أوليائه فرأى منهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفا: فشغله بالعبادة» أضاف « وإن في الطاعات من الآفات ما يحتاج الى أن تطلبوا المعاصي»
    نقول:
    معرفة الله تنور العبادات فتزيد المصلي خشوعا وورعا بنهى عن المنكر والفحشاء والبغي، وتزيد تقوى الصائم القائم إلى غير ذلك، وتكون حجة وسلطان على القلب قبل أن يحج ..
    روى مالك بن دينار، عن الحسن البصري، عن أنس بن مالك، عن الإمام الغالب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، أنه قال: ( رِكْعَةُ مِنْ عَاّلِمِ بِاّللهِ، خَيّرُ مِنْ أّلْفِ رِكْعَةِ، مِنْ مُتَجَاّهِلِ بِاّلله )؛ (11) ..
    ومن قول أبي يزيد البسطامي نعرف أن معرفة الله تعالى تحتاج إلى همة علية، وطاقة استيعاب وعيية، وقدرة تحمل ذكية، مع المثابرة على المتابعة للمعرفة والعلم، لذلك هذه الاستطاعة لا تكون عند أكثر الناس، ومثال ذلك في الحياة العملية أن الذكاء درجات بين الناس، كذلك ليس كل الدارسين يستطيعون على الدراسات العليا الجامعية، وهذا أمر بديهي متعارف عليه ..
    لذا يقول تعالى: { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } [المجادلة : 11] ..
    وبيان ذلك:
    عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( فَضْلُ الْمُؤْمِنِ الْعَالِمِ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْعَابِدِ سَبْعُونَ دَرَجَةً )؛ (12) ..
    وفي الصحيح:
    عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا: عَابِدٌ وَالْآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ: ( فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ )؛ (13) ..
    وفي رواية أصح:
    عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ )؛ (14) ..
    ذلك أن معرفة معاني الألوهية تورث في قلب المؤمن العارف الهيبة من الحق سبحانه، ومعرفة معاني الربوبية، تورث في قلب المؤمن المحبة له سبحانه ..
    أما أفات الطاعات التي أشار إليها سلطان العارفين وقدم عليها المعصية هي الطاعات التي تورث العجب والكبر والغرور بزهو الطاعة في النفس الموهومة بالطمأنينة الزائفة، وهو باب يفتح مجال لحدوث المكر الإلهي، فكما أسلفنا وذكرنا بالصحيح المرفوع: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة كبر في أي مجال كان، لأنه قد نازع الله بإحدى خصوصياته الذاتية، فلهذا يقصم من رحمة الله:
    عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهم، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، يَقُولُ: (( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِّي النَّارَ ))؛ وفي رواية: (( فَمَنْ نَازَعَنِي فِيّهِمَاّ قَصَمْتُهُ وَلَّا أُبَاَليّ )) )؛ (15) ..
    إضافة إلى الطمأنينة الزائفة التي قد توقعه بالمحرمات، ظناً منه أن العبادات له وجاء وكفارة!، إضافة إلى سوء المعاملات مع الناس، بينما يكون قد أفلس دون أن يدري، وهو الذي يؤدي به إلى النار، رغم عبادته:
    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ: ( (( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ ))، قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: (( إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ )؛ (16) ..
    أما العارف بالله المتحلي بمحاسن أسماء الله وصفاته، المصبوغ ربانياً بمعاني الإيمان العلية، فإنه يكون مرجعُّ قدوة وأسوة حسنة بالأخلاق والمعاملات ابتغاء مرضاة الله وزيادة التقرب منه تعالى، إذ أن مبتغاه يكون أخروي صرف لا مأرب له في الدنيا، لذلك تجده دائم الافتقار والانكسار للحق سبحانه وتعالى ..
    وفي هذا يقول ابن عطاء الله السكندري: ( رُبَ مَعْصِيّةِ، أُوْرَثَتْ ذُلْاً وَاِنْكِسَاّرْاً، خَيِرُ مِنْ طَاّعَةِ، أّوْرَثْتْ عِزْاً وَاِسْتِكْبَاّرْاً )؛ (17) ..
    وورد في الحديث القدسي، قوله تعالى: ( أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِي )؛ (18) ..
    فإن رأس العلم وميراث المعرفة: خشية الله، وعلامة الخشية تمام الطاعة، والبكاء من الخشية في الأسحار، وهذا قلما يكون بالعابد:
    وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: ( لَا يَلِجُ النَّارَ، رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ )؛ (19) ..

    -------------------------
    (1) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2325/ر:5950]، ومسلم في "صحيحة" [ج17/ص: 67/ر:6895]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 547ر:3538]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:3538]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
    (2) رواه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 346/ر:7862]؛ ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" [ج8/ص: 126/ر:14]؛ ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" [ج7/ص: 352/ر:10552]؛ وهو صحيح عند الحفاظ المفسرين؛ رواه ابن جرير الطبري في تفسيره "جامع البيان" [ج9/ص: 549/ر:12730]؛ وابن الرازي في "تفسير ان أبي حاتم" [ج5/ص: 332/ر:7897]؛ ورواه البغوي في تفسيره "معالم التنزيل" [ج5/ص: 89/ر:1017]؛ ورواه ابن وهب في "الجامع للتفسير" [ج1/ص: 37/ر:20]؛ وورد في "تفسير القرآن" لابن كثير [ج3/ص: 335]؛ وورد في "الدر المنثور" للسيوطي [ج7/ص: 219]؛ وورد في "الجامع للأحكام" للقرطبي [ج20/ص: 104] ..
    (3) ورد في "إرشاد القلوب" للديلمي [ج1/ص: 198]، وفي "ربيع الأبرار" للزمخشري [ج3/ص: 137]، وفي "الأدب" للماوردي [ج1/ص: 6]؛ وفي "روح البيان" للبروسوي [ج15/ص: 224]؛ وفي "شرح النهج" لابن أبي الحديد [ج20/ص: 40]؛ وفي "التعريفات" للجرجاني [ج1/ص: 197]؛ وفي "معالم الزلفى" للبحراني [ج1/ص: 15] ..
    (4) رواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 575/ر:2516]، وقال: هذا حديث حسن صحيح؛ وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2516]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 482/ر:2664]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج4/ص: 233]؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج3/ص: 624/ر:6303]، بإسناد صحيح؛ بموافقة الذهبي في "التلخيص" [ج3/ص: 537]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:4217]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:7957]؛ وحكمه: [صحح] ..
    (5) رواه ابن وضاح في "البدع" [ج1/ص: 170/ر:158]؛ وورد في "الفتاوى الحديثية" للهيتمي [ج1/ص: 765]؛ وفي "حلية الأولياء" لأبو نعيم [ج2/ص: 134]؛ وفي "مرقاة المفاتيح" للقاري [ج13/ص: 59]؛ وفي "تهذيب الكمال" للمزي [ج6/ص: 112]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 240]؛ وفي "لئالي الأخيار" لليويسركاني [ج1/ص: 38]؛ وفي "نهاية الأرب" للنويري [ج2/ص: 127]؛ وفي "الإحياء" للغزالي [ج4/ص:241] ..
    (6) رواه أبو نعيم في "الحلية" [ج9/ص: 17/ر:13266]؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 124/ر:7114]، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" [ج1/ص: 176] : رجاله رجال الصحيح، وصححه ابن القيم في "أعلام الموقعين" [ج1/ص: 221]، وصححه الهيثمي المكي في "الزواجر" [ج1/ص: 12]، وصححه أحمد شاكر في "عمدة التفسير" [ج1/ص: 744]، وخلاصة حكمه : [صحيح] ..
    (7) الحكمة المأثورة: (( لِكُلِّ زَمَانٍ دَوْلَةٌ وَرِجَالٌ ))، هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) سورة آل عمران آية 140، وَقَوْلِهِمْ: فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرُّ وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ مَوْقُوفًا: " لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ، وَلِكُلِّ زَمَانٍ رِجَالٌ "، ويتداوله الناس بالشهرة على أنه حديث مرفوع ولكن لأنه لا وجود له في كتب ومصنفات المحدثين، فقد ذكر في كتب الموضوعات فرواه الملا القاري في "الأسرار المرفوعة" [ر:367]، ورواه السخاوي في "المقاصد الحسنة" [ر:829]، ورواه الغزي في "الجد الحثيث" [ر:373]؛ اهـ
    (8) ورد في "روح البيان" للبروسوي [ج2/ص: 111] ..
    (9) ورد في "الكافي" للكليني [ج2/ص: 84/ر:5]؛ وفي "الوسائل" للعاملي [ج1/ص: 62/ر:134]؛ وفي "البحار" للمجلسي [ج67/ص: 255/ر:27] ..
    (10) ورد في "إيقاظ الهمم" لابن عجيبة [ج1/ص: 199] ..
    (11) رواه الديلمي في "مسند الفردوس" [ج2/ص: 266/ر:2239]؛ والمناوي في "فيض القدير" [ج4/ص: 36/ر:4464]؛ والعراقي في "تخريج الإحياء" [ج6/ص: 2410/ر:3837]؛ والصنعاني في "التنوير" [ج6/ص: 264/ر:4448]؛ والمتقي الهندي في "كنز العمال" [ج10/ص: 154/ر:28786] ..
    (12) رواه القرطبي في "جامع البيان" [ج1/ص: 68/ر:72]؛ وورد في "الإحياء" للغزالي [ج1/ص: 14]؛ وأخرجه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج1/ص: 8/ر:31]؛ وحكمه: [حسن لغيره] ..
    (13) رواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 48/ص: 2685]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2685]؛ ورواه الدارامي في "سننه" [ج1/ص: 103/ر:346]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأسد في "سنن الدارمي" [ج1/ص: 109]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (14) رواه البخاري معلقا في" "صحيحة" [ج1/ص: 37]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 341/ر:3641]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:3641]، ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 47/ر:2682]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2682]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 124/ر:223]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:183]؛ وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج1/ص: 289/ر:88]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:3065]، ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:6297]، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
    (15) رواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 456/ر:4090]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4090]؛ ووراه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 493/ر:4175]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3384]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 490/ر:7335]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج2/ص: 248]؛ ورواه بلفظ آخر: الشيخان: مسلم في "صحيحة" [ج16/ص: 389/ر:6623]؛ والبخاري في "الأدب المفرد" [ج1/ص: 157/ر:563]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الأدب" [ر:429]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (16) رواه مسلم في "صحيحة" [ج16/ص: 351/ر:6533]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 529/ر:2418]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ؛ وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2418]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 586/ر:7969]، بإسناد صحيح، على شرط مسلم؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج2/ص: 303]؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج10/ص: 259/ر:441]، بإسناد صحيح، على شرط مسلم؛ بتحقيق الأرناؤوط في "صحيح ابن حبان"؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (17) ورد في "الحكم العطائية" للسكندري [ج1/ص: 82/ح96]؛ وفي "التيسير" للمناوي [ج1/ص: 529]؛ وفي "ايقاظ الهمم" لابن عجيبة [ج1/ص: 112] ..
    (18) رواه العجلوني في "كشف الخفاء" [ج1/ص: 203/ر: 614]؛ ورواه السخاوي في "المقاصد الحسنة" [ج1/ص: 169/ر:188]؛ ورواه الحوت في "أسنى المطالب" [ج1/ص: 92/ر:389]؛ ورواه الأمير المالكي في "النخبة البهية" [ج1/ص: 37/ر:44]؛ وورد في "جامع العلوم" لابن رجب [ج1/ص: 198] ..
    (19) رواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 171/ر:1633]؛ بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:1633]؛ ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج6/ص: 319/ر:3108]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:3108]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج3/ص: 301/ر:10182]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج2/ص: 505]؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 288/ر:7667]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ؛ ووافقه الذهبي في "التلخيص" [ج4/ص: 254]؛ وقال: صحيح؛ وحكمه: [صحيح] ..
    ======================

  6. #96
    الفصل الثالث: حقيقة موقف النقشبندية من ابن عربي:

    يقول الناقد دمشقية في كتابه "الطريقة النقشبندية" [ص: 231 – 241]، ما نصه:

    "تعظيم النقشبنديين لابن عربي"

    يصفونه بالشيخ الأكبر ويقولون عند ذكر اسمه «قدس الله سره» ويصفونه بـ «غوث المحققين وقطب الموحدين» مع اعترافهم بأنه كان يقول: أنا ختام الأنبياء والمرسلين (1).
    ولا يزال النقشبنديون يصفونه بخاتم الأولياء (2)، يعني أنه لا يوجد ولي لله بعد ابن عربي الى يوم القيامة.

    وبالرغم من اعتراف السرهندي الفاروقي مجدد الطريقة النقشبندية أن ابن عربي أول من صرح بوحدة الوجود وأن عباراته مشعرة بالاتحاد وانه بوب مسائل وحدة الوجود وفصلها.

    وأنه زعم أن خاتم الأنبياء يأخذ علومه من مشكاة خاتم الأولياء ويعني بخاتم الأولياء نفسه» (3) انتهى.
    ويصرح بأن أكثر كشوفات ابن عربي مخالفة لعلوم أهل السنة بعيدة عن الصواب ولا يتبعها الا كل مريض القلب» (4).

    فقد استحسن السرهندي الفاروقي قول ابن عربي أن الجمع المحمدي أجمع من الجمع الالهي. وتعجب السرهندي من اعتقاد ابن عربي بأن ذات الله مجهولة مطلقة ومع ذلك فانه يثبت الاحاطة والقرب والمعية الذاتية. (5).

    وتحدث السرهندي عن الرضا بالخير والرضا بالشر ثم اعترف بأن «الايمان مرضي الاسم (الهادي) والكفر مرضي الاسم (المضل) مخالفة لما عليه أهل الحق وفيه ميل الى الايجاب لكونه منشأ للرضا» (6). واعتبر أن قوله بترتيب خلافة الخلفاء الراشدين بحسب مدة أعمارهم، واعتبر ذلك من شطحاته (7).

    ونقل صاحب الرحمة الهابطة عن ابن عربي قوله «ان الله له لسان يتكلم به وأذن يسمع بها وأن عبد القادر الجيلاني قال: رأيت ربي بعين رأسي بصورة» (8).

    ومع اعتذار كثيرين عن كتاب الفتوحات المكية لابن عربي بأنه مدسوس عليه الا أنهم لا يزالون يصرحون بإعجابهم بالكتاب وشغفهم بقراءته فقد قال عبد المجيد الخاني عن جده محمد صاحب البهجة السنية بأنه كان مشغوفا بمطالعة كتب الصوفية وخصوصا كتاب الفتوحات المكية لابن عربي وتائية ابن الفارض قدس الله سرهما... وكذلك كتاب الفصوص لابن عربي، ويسمون نصوص الفصوص بالكلمات القدسية» (9).

    فقد جاء في الرشحات «أن كتاب الفصوص (روح) والفتوحات المكية (قلب) ومن علم الفصوص علما جيدا تتقوى داعية متابعته للنبيïپ¥ وذكر في الرشحات أن الشيخ محمد الكوسوي كان يعتقد مصنفات حضرة الشيخ محي الدين ابن عربي الذي كان يقرر في كتبه التوحيد الوجودي بما لا يمكن الانكار عليه (10).

    ويفسر عبيد الله أحرار قول الله تعالى فأعرِض عمّن تولّى عن ذكرنا بما قاله محي الدين بن عربي
    ألا بذكــــر الله تزداد الذنوب وتنطمس البصــائر والقــــلوب
    وترك الذكر أحسن منه حالا فإن الشمس ليس لها غروب (11)
    فذكر الله يطمس البصائر والقلوب وترك الذكر خير من الذكر.
    في أي دين هذا؟ إن النصرانية لا تنهى عن ذكر الله كما ينهى عنه هؤلاء الذين يدعون أنهم وصلوا في محبة الله الى المقامات العليا وهم لا يزالون يسبون الله ورسوله. ويمدحون قول الحلاج: كفرت بدين الله.

    ويدافع الكمشخاتلي صاحب جامع الأصول عن قول ابن عربي:

    العبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف
    ان قلت عبد فذاك رب أو قلت رب أنى يكلف

    غير أنه يحرفه فيجعله كالتالي:

    العبد حق والرب حق فليت شعري من المكلف
    ان قلت عبد فالعبد ميت أو قلت رب فما يكلف (12)

    ومما قاله ابن عربي في فصوص الكفر:
    فوقتا يكون العبد ربا بلا شك ووقتا يكون العبد عبدا بلا إفك
    فان كا عبد ا كان بالحق واسعا وان كان ربا كان في عيشة ضنك

    ويقول:

    فأنت عبد وأنت رب لمن له فيه أنت عبد
    وأنت رب وأنت عبد لمن له في الخطاب عهد
    ويقول:
    فيحمدني وأحمده ويعبدني واعبده
    ففي حال أقر به وفي الأعيان أجحده

    ويقلد النقشبنديون كلام ابن عربي في فلسفته الصوفية فيقولون: «فيدعون أن أول موجود أوجده الله بلا واسطة هو التعين الأول وكان ظهوره من المبدأ الفياض بما يشبه الولادة» (13).

    فهذه مخالفة عظيمة لعلماء الاسلام الذين طعنوا في ابن عربي وحذروا منه. أبرزهم في ذلك العلامة العز بن عبد السلام رحمه الله الذي وصفه بأنه شيخ سوء كذاب يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجا» (14).

    ووصفه السرهندي بأنه كان من القائلين بقدم أرواح الكمل وكان موافقا للفلاسفة في موقفه من القدرة. واعترف بأن الجم الغفير من هذه الطائفة موافقون له في مسألة وحده الوجود (15).

    وكتب الشيخ ملا علي قاري كتابا في الرد عليه لقوله بايمان فرعون.
    وقد صرح بضلاله الحافظ ابن حجر والسخاوي وصفه ابن حيان النحوي بالملحد والزنديق وقال المقري «من لم يكفره كان كمن لم يكفر اليهود ولا النصارىس» (16).

    فكيف تكون الطريقة النقشبندية على السنة وهي تستمد تعاليمها من كتب الفصوص والفتوحات المكية وتتجاهل تضليل أئمة الأمة لأخطر وأكفر شخصية امتلأت كتبها بكفر لم يجرؤ عليه اليهود ولا النصارى!!!.
    بل تقبل كل كلامه حتى قوله بأنه رأى الله على صورة فرس كما صرح به صاحب الرشحات (17)!.
    ---------------------------
    (1) ورد في "البهجة السنية" للجد الخاني [ج1/ص: 51] ..
    (2) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 162] ..
    (3) ورد في "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 287] ..
    (4) ورد في "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 277] ..
    (5) ورد في "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 193] ..
    (6) ورد في "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 267] ..
    (7) ورد في "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 277] ..
    (8) ورد في "الرحمة الهابطة" للدوسري [ج1/ص: 97 – 99] ..
    (9) ورد في "الحدائق الوردية" للخاني الحفيد [ج1/ص: 271]؛ وفي "الرشحات" للواعظ الهروي [ج1/ص: 128] ..
    (10) ورد في "الرشحات" للواعظ الهروي [ج1/ص: 111] ..
    (11) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 161] ..
    (12) ورد في "جامع الأصول" للكمشخانوي [ج1/ص: 90] ..
    (13) ورد في "الحدائق الوردية" للخاني الحفيد [ج1/ص: 171] ..
    (14) ورد في "سير أعلام النبلاء" للذهبي [ج23/ص: 48] ..
    (15) ورد في "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 265] ..
    (16) ورد في "لسان الميزان" لابن حجر [ج2/ص: 384]؛ وفي "البحر المحيط" لأبي حيان [ج3/ص: 449]؛ وفي "الضوء اللامع" للسخاوي [ج6/ص: 186]؛ وفي "الزواجر" للهيتمي [ج2/ص: 379] ..
    (17) ورد في "الرشحات" للواعظ الهروي [ج1/ص: 133] ..
    ===========================
    الجواب:
    هنا نجد الناقد ضرب على وتر جديد، وهو توقير السادة النقشبندية للشيخ الأكبر الطائي ابن عربي قدس سره ..
    ولست هنا بصدد الدفاع عنه، ولكن ما نسب للشيخ الأكبر من أباطيل عقدية وشطحات قولية لا تقبل التأويل ثبت بشهادة كبار العلماء، دسها عليه بأيدي يهودية ..
    فقد قام الإمام الشعراني وفق ما ورد له في كتابه "لطائف المنن والأخلاق" [ص: 290و294]، بخذف من كتاب الشيخ الأكبر "الفتوحات المكية"، كل لفظ أو نص مخالف لظاهر الشريعة، وضوابط العقيدة، ولما حصل بعد ذلك من الشيخ شمس الدين المدني على نسخة مخطوطة بيد الشيخ الأكبر بقونية، لم يجد فيها شيء مما حذفه!؛ وقال صاحب "المعروضات المزبورة" وهو أحد الفقهاء الحنفية المشهورين: ( تيقَّنَّا أنّ اليَهُودَ دَسُّوا عَلِيِهِ فِيْ فُصُوّصِ الْحُكْمْ )؛ اهـ
    ومثال ذلك أو قريب منه، من وجود الدس في بعض مؤلفات ابن عربي، ذكر شمس المحققين الحافظ الذهبي في "ميزان الاعتدال" [ج2/ص:624] والحافظ الأكبر إمام المحققين: ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" [ج4/ص: 26] ..
    وقال عنه الحافظ الأكبر العسقلاني: ( اِعْتَدَ بِهِ حُفَاّظ عَصْرِهِ، كَاِبْنِ الْنَجْاّرِ وَاِبْنِ الْدَبِيِثِيِ )؛ (1) ..
    وحذا حذو الحافظ، في بيان هذه الفضائل، كل من ابن العماد في "شذرات الذهب" [ج5/ص: 190]؛ والكتبي في "فوات الوفيات" [ج3/ص: 438] ..
    وقد شرح العلامة الدمشقي عبد الغني النابلسي الحنفي الماتريدي النقشبندي، رحمه الله تعالى؛ ما أشكل وثبت في متن كتاب "فصوص الحكم"، في جزئيين، تحت عنوان: "جواهر النصوص في شرح فصوص الحكم"، وما أشكل من شبهة وحدة الوجود المطلق التي نسبة للشيخ الأكبر بكتاب العلامة النابلسي "إيضاح المقصود من وحدة الوجود"، حيث نجده قال في توضيح شبهة وحدة الوجود، مما قال: ( وأما من جهة وجود الله تعالى، فهي موجودة بوجوده تعالى [أي: المخلوقات]، ووجودها الذي هي موجودة به وجود واحد هو وجود الله تعالى فقط، وهي لا وجود لها من جهة نفسها أصلاً، وليس المراد بوجودها الذي هو وجود الله تعالى عين ذاتها وصورها، بل المراد ما به ذواتها وصورها ثابتة في أعيانها وما ذلك إلا وجود الله تعالى بإجماع العقلاء، وأما ذواتها وصورها من حيث هي في نفسها، مع قطع النظر عن إيجاد الله تعالى لها بوجوده سبحانه، فلا وجود لأعيانها أصلاً )؛ (2) ..
    أي أن الموجودات لا وجود لها أصلاً، لولا أن أوجدها الله، فهو أصل كل موجود، فلا وجود أصلاً لغيره سبحانه ..
    وهذا يتوافق مع أصول القرآن والسنة، وإجماع الأصوليين من السادة الأشاعرة والسادة الماتردية ..
    وكما يغمز الناقد أن النقشبندية على عقيدة الشيخ الأكبر بوحدة الوجود الاتحادية والحلولية، فإنه يناقض ذاته، عندما يذكر إنكار المجدد الفاروقي السرهندي، لكل شبهة نسبة للشيخ الأكبر وأنكراها العلماء ..
    مع أن الشيخ الأكبر ابن عربي، براء من مفهوم الحلولية والاتحاد، وذلك وفق قوله: ( مَنْ قَاّلَ بِالْحُلُوّلِ فَهُوَّ مَعْلُوّلُ، فَإِنَ الْقُوّلَ بِالْحُلُوّلِ مَرَضُ لَاّ يَزُوّلُ، وَمَاّ قَاّلَ بِالْاِتِحَاّدِ إِلَاّ أَهْلُ الْإِلْحَاّدِ، كَمَاّ أَنَ الْقَاّئِلِ بِالْحُلُوّلِ مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ وَالْفُضُوّلِ )؛ (3) ..
    وقد قال رحمه الله تعالى: ( تَعَاّلَىَ الله أَنْ تَحِلّهُ الْحَوّاّدِثِ أَوْ يَحِلْهَاّ، أَوْ تَكُوّنُ بَعْدَهُ أَوْ يَكُوّنَ قَبْلَهَاّ، بَلْ يُقَاّلُ كَاّنَ الله وَلَاّ شِيْءَ مَعْهُ )؛ (4) ..
    وسوف تناول بالشرح والتأويل النصوص التي تداولها النقشبندية عن الشيخ الأكبر وفي ظاهرها اشتباه والتباس:
    فحول نقد الناقد:
    "ويفسر عبيد الله أحرار قول الله تعالى فأعرِض عمّن تولّى عن ذكرنا بما قاله محي الدين بن عربي:
    ألا بذكــــر الله تزداد الذنوب وتنطمس البصــائر والقــــلوب
    وترك الذكر أحسن منه حالا فإن الشمس ليس لها غروب
    فذكر الله يطمس البصائر والقلوب وترك الذكر خير من الذكر.
    في أي دين هذا؟ إن النصرانية لا تنهى عن ذكر الله كما ينهى عنه هؤلاء الذين يدعون أنهم وصلوا في محبة الله الى المقامات العليا وهم لا يزالون يسبون الله ورسوله. ويمدحون قول الحلاج: كفرت بدين الله" اهـ
    معنى بذكر الله تزداد الذنوب، لا زيادة نوعية أو كمية والعياذ بالله؛ بل زيادة تبانية زيادة ظهور لخطورة الذنب نتيجة زيادة الورع في قلب الذاكر:
    عَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ: ( إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ، يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ )، وروايا بلفظ آخر: ( إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ فِي أَصْلِ جَبَلٍ، يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ وَقَعَ عَلَى أَنْفِهِ )؛ (5) ..

    وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلا وَلَهُ ذَنْبٌ، يَعْتادُهُ الْفَيْنَةَ بَعْدَ الْفَيْنَةِ، أَوْ ذَنْبٌ هُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ لا يُفَارِقُهُ حَتَّى يُفَارِقَ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ خُلِقَ مُفْتَنًا تَوَّابًا نَسِيًّا إِذَا ذُكِّرَ؛ ذَكَرَ )؛ (6) ..
    بل قد يبلغ به الورع أن يتحرى وجود ذنب غير ظاهر أو غير موجود:
    ابْنُ زَيْدٍ، وَذَكَرَ عُمَرَ، وَأَبَا بَكْرٍ ابْنَيِ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: ( فَلَمَّا حَضَرَ أَحَدَهُمَا الْوَفَاةُ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ إِنْ كُنَّا لَنَغْبِطُكَ لِهَذَا الْيَوْمِ! قَالَ: (( أَمَا وَاللَّهِ مَا أَبْكِي أَنْ أَكُونَ أَتَيْتُ شَيْئًا رَكِبْتُهُ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ اجْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ، وَلَكِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ أَتَيْتُ شَيْئًا أَحْسِبُهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ))، قَالَ: وَبَكَى الآخَرُ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَقِيلَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ، فَقَالَ: (( إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ لِقَوْمٍ: { وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ } )) )؛ (7) ..

    وطمس البصائر والقلوب يكون إذا ما تراءى للمؤمن الذاكر جانب من عظمة جلال أو جمال الحق، تخبت القلوب تعظيماً وشوقاً، ويكون ذلك بشدة القرب فالقرب من الحق حجاب؛ وهذه الحالة من الحيرة النورانية والعجز عن الإدراك لعظيم جلال الحق، هو منتهى اليقين ..
    يقول الله ذو العزة تعالى: { وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ } [الزمر : 47] ..
    وقوله عز من قائل: { لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ } [قـ : 22] ..
    أي يحدد الحقائق على ما هي عليه ..
    وهي من صفات التفرد بالقهر عند الله: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [غافر : 16] ..
    أما قول الشيخ الأكبر ابن عربي: ( فيَحْمَدُنِيِ وأَحْمَدُهُ، وَيَعْبِدُنِيِ وَأَعْبِدُهُ، فَفِيْ حَاّلٍ أُقِرُّ بِهِ، وَفِيْ الْأَعْيَاّنِ أَجْحَدُهُ، فَيَعْرِفُنِيِ وَأُنْكِرُهُ، وَأَعْرِفُهُ فَأَشْهَدُهُ )؛ (8) ..
    نقول الحمد هو ثناء في القلب يعبر عنه باللسان ..
    وما يأتي من الله يسبق ما يأتي من العبد ..
    وحمد الله لعبده أن يذكره عنده في ملئ خير ملئ العبد حيث حمد ..
    يقول الله تعالى: { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ } [البقرة : 152] ..
    والسبق بالحمد من الله لعبده إن لم يكن بالزمن فهو بعلو الحمد على حمد العبد مهما اشتد ..
    فمن ذكر الله حمداً في ذاته ذكره الله عنده ومن حمد الله على الملأ ذكره الله في ملأ خير منه كما يبن لنا الحديث القدسي:
    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً )؛ (9) ..
    أما قول ابن عربي ويعبدني وأعبده:
    فليس مقصود العبادة، وهي التي لا تكون إلا من العبد تجاه ربه ..
    لأن العبدة هي الخضوع والانقياد للحق سبحانه مع الزل والانكسار ..
    وهذا لا ينبغي أن يكون من الحق تجاه عبده مطلقاً ..
    أنما المقصود هنا العبودية ..
    والعبودية هي أعلا درجات المحبة وتكون من الله بالإحسان والرحمة والمودة:
    لقوله تعالى: { هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ }[الرحمن : 60] ..
    وقوله عز من قائل: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً } [مريم : 96] ..
    ودليل قول ابن عربي بمفهوم العبودية أي المحبة، قوله تعالى: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة : 54] ..
    يقول سلطان العارفين أبو يزيد البسطامي: ( غَلَطْتُ فِي ابْتِدَائِي فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: تَوَهَّمْتُ أَنِّي أَذْكُرُهُ وَأَعْرِفُهُ وَأُحِبُّهُ وَأَطْلُبُهُ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ رَأَيْتُ ذِكْرَهُ سَبَقَ ذَكَرِي، وَمَعْرِفَتَهُ سَبَقَتْ مَعْرِفَتِي، وَمَحَبَّتَهُ أَقْدَمَ مِنْ مَحَبَّتِي، وَطَلَبَهُ لِي أَوَّلا حَتَّى طَلَبْتُهُ )؛ (10) ..
    أما قول الشيخ الأكبر: ( ففِيْ حَاّلٍ أُقِرُّ بِهِ، وَفِيْ الْأَعْيَاّنِ أَجْحَدُهُ ) اهـ
    ففي حال أقر به، أي: عندما يتجلى نور معرفته في قلبي، أقر بعظمته وإحسانه وفضله ..
    وفي الأعيان أجحده، أي: لا أعطيه حق قدره أو أقدره حق قدره، مهما عملت، وبتأويل أخر، أخفي أمام العيان حقيقة علاقتي ومعرفتي به ..
    أما قوله: ( فَيَعْرِفُنِيِ وَأُنْكِرُهُ، وَأَعْرِفُهُ فَأَشْهَدُهُ ) اهـ
    أي معرفتي له نكره مقارنة بمعرفته لي، وإن عرفته شهد بألوهيته..
    ------------------------------
    (1) ورد في "لسان الميزان" لابن حجر [ُج5/ص: 314] ..
    (2) ورد في "إيضاح المقصود" للنابلسي [ج1/ص: 9] ..
    (3) ورد في "الفتوحات المكية" لابن عربي [ج4/ص: 379] ..
    (4) ورد في "الفتوحات المكية" لابن عربي [ج1/ص: ّ36] ..
    (5) رواه البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2324/ر:5949]؛ ورواه أبو نعيم في "الحلية" [ج4/ص: 141/ر:5165]، وقال: متفق على صحته؛ رواه أبو يعلى في "مسنده" [ج9/ص: 36/ر:5100]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأسد في "مسند أبي يعلى" وبلفظ: ( إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ فِي أَصْلِ جَبَلٍ، يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ وَقَعَ عَلَى أَنْفِهِ )؛ رواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 568/ر:2497]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2497]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 632/ر:3620]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج5/ص: 226]، وتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج1/ص: 383]؛ ورواه أبو يعلى في "مسنده" [ج9/ص: 108/ر:5177]؛ بإسناد صحيح صححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:10673]، ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:5735]؛ ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" [ج11/ص: 241/ر:11810]؛ ورواه الهيثمي في " الزوائد" [ج10/ص: 204]، وقال: رجاله ثقات؛ ورواه الألباني في "الصحيحة" [ر:2276]، وقال: إسناده صحيح، رجاله ثقات؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (6) ؛ بتحقيق الأسد في "مسند أبي يعلى"؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (7) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" [ج1/ص: 270/ر:288]؛ ورواه ابن أبي الدنيا في "المحتضرين" [ج1/ص: 170/ر:235]؛ وذكره ابن الجزري في "الزهر الفاتح" [ج1/ص: 91] ..
    (8) ورد في "الفتوحات المكية" لابن عربي [ج3/ص: 498]؛ وفي "تاريخ الإسلام" للذهبي [ج46/ص: 379] ..
    (9) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج6/ص: 2694/ر:6970]؛ ومسلم في "صحيحة" [ج17/ص: 5/ر:6746]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 542/ر:3603]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:3603]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج2/ص: 1255/ر:3821]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3094]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
    (10) ورد في "صفة الصفوة" لابن الجوزي [ج2/ص: 304]؛ وفي "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 65]؛ وفي "حلية الأولياء" للأصفهاني [ج10/ص: 34]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 189]؛ وفي "الكواكب الدرية" للخرسة [ج1/ص: 315] ..

    =================================

  7. #97
    الفصل الرابع: مقام الصديق عند النقشبندية:

    يقول الناقد دمشقية في كتابه "الطريقة النقشبندية" [ص: 26]:
    كيف ينال المرء مرتبة الصديقية؟
    فالصديقية مرتبة عظيمة ولكن: كيف ينالها المرء؟
    قالوا: لا يكون الصديق صديقا حتى يشهد عليه سبعون صِدّيقا بأنه زنديق (1)،
    ونقلوا عن بهاء الدين شاه نقشبند أن بداية الطريقة النقشبندية: نهاية الطرق الأخرى (2) ..
    وأوجبوا على الناس دخول طريقتهم وهددوا من لا يدخل الطريقة النقشبندية بأنه يكون على خطر من دينه فنقلوا عن بهاء الدين شاه نقشبند أنه قال « من أعرض عن طريقتنا فهو على خطر من دينه» (3) ..
    -----------------
    (1) ورد في "الرحمة الهابطة" للدوسري [ج1/ص: 45] ..
    (2) ورد في "الحديقة الندية" للبغدادي [ج1ص: 16] ..
    (3) ورد في "نور الهداية" لزاده [ج1/ص: 63]؛ وفي "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 132] ..

    =======================

    الجواب:
    مرتبة الصديقية مرتبة الخلافة المهدية حتى يأتي المهدي الأكبر المنتظر، وهي المرتبة الثانية بعد النبوة بالتقوى والعلم، وتكون بعلو وتمام الصدق بالقول والعمل وأن يكون المرء صادقاً صدقا تاما مع الله وذاته، وعباد الله:
    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: ( عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا )؛ (1) ..
    ولقوله تعالى: { وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }[الزمر : 33] ..
    وهي أعلى مقام المتقين كما في الآية:
    يقول الله تعالى: { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ [54] فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } [القمر : 55] ..
    ففي الآية أعلاه لم يقيد الله عز وجل حال ارتباط المتقين بالجنات والنهر في زمان أو مكان، إنما جعلها مطلقة! ..
    فهي في الدنيا حال معاني قلبية، فالجنات هي تلك السرائر القلبية الخفية التي ينعم بها المتقين في قلوبهم، بقربهم ومحبتهم لله ..
    يقول الصديق الأكبر رضي الله عنه في موضع آخر: ( ُمذْ دَخْلْتُ فِي الإسْلَام، مَا شَبْعتُ مِن طَعاْم الدُنْيا، لأُن لَذْةَ مَعرفة الله شَغْلَتْنِي عَنْ لَذَائِذ طَعَاِم الدُنْيَا )؛ (2) ..
    ويقول الإمامين التابعيين الحسن البصري، وإبراهيم بن الأدهم: ( لَو عَلِمَ الملُوْكُ وأَبْنَاءِ الملُوْكِ مَا نَحْنُ فِيهِ مِن النِعَيِمِ والسُرور، لجَالَدُونَا بِالسِيُوفِ أيَامَ الحَياةِ، عَلَى مَا نَحنُ فِيهِ مِنْ لَذَيِذِ العَيِشِ، وقِلَةِ التَعَبِ )؛ (3) ..
    ويقول سلطان العارفين " أبو يزيد الأكبر" وهو أبو يزيد البسطامي أحد رجالات السلسلة النقشبندية: ( حُلاوْةِ المُعْرِفُةِ الإلُهِيِة، خَيرُ عِنْدِي مِنَ الدُنْيَا ومُا فِيْها، وأَعَلى عُليَيْن، لُو فُتْحُت لِيْ أبُواَبُ الجَنْةِ الثَمَانَيةَ، وأعُطْيِت الدُنْيا والآَخُرَةِ، لَمْاَ سَاَوْىَ ذَلِكَ عِنْدِي أَنِيْنَاً بِلْيْلَةِ سَحْر )؛ (4) ..
    ويقول سلطان العافين أبو يزيد الأكبر البسطامي قدس سره: ( إذْا جَاْءَ حُبٌّ الله يَغْلُبُ كُلَ شَيْء، لاّ حَلاْوَةَ لِلْدُنْيْا، لا حَلاْوّةَ لِلآّخِرَةَ، الحَلاْوَّةَ حَلاْوَّةِ الرَحْمَن )؛ (5) ..
    عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، أنه قَالَ: ( خَرَجَ أَهْلُ الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَذُوقُوا أَطْيَبَ شَيْءٍ فِيهَا )، قَالُوا : وَمَا هُوَ يَا أَبَا يَحْيَى ؟ قَالَ: ( مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )؛ (6) ..

    فهؤلاء عاشوا حالة الذوق الإيمانية، فإنما جنة المؤمن قلبه ..
    الم يقل هذا من يسميه الناقد ومن حذا حذوه، شيخ الإسلام، وأعني الإمام ابن تيمية الحراني: ( أنَا جَنْتِيِ وبُسْتَانِي فِي صَدْرِي، أَنَّى رُحْتُ فَهِيَ مَعْيِ )؛ (7) ..
    أما النُهر في الدنيا جمع تكثير للأنهار المعنوية وهي الفيوضات المتعددة الكثيرة من اللذائذ والأذواق الوجدانية، والعلوم الربانية، لقوله تعالى: { وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [البقرة : 282] ..
    ودليل أنهار الذوق والمكاشفة:
    عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا )؛ (8) ..
    والذي يؤيده قوله تعالى: { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً } [الجن : 16]
    أي لن تحصوا فضل الاستقامة وهي الترجمة العملية للتقوى ..
    وهي أيضاً ما يَنْهَرُ المتقين، أي: يمنعهم وينهيهم ويبعدهم ويقيهم عن الوقوع بالباطل والضلال، أو الاقتراب من المعصية، بما تبصروه من نور التقوى؛ لقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ }[الأعراف : 201] ..
    لأن التقوى الحقيقة هي: نور يقذفه الله في القلب يفرق به بين الحق والباطل، لقوله تعالى: { َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [الحديد : 28] ..
    وقوله عز من قائل: { ...... وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ } [النور : 40] ..
    أما مقعد الصدق عند الله في الدنيا، فهو التمكين بمقام الخلافة بالحق وسلطان ملك الملوك المقتدر ..
    أما الذي استعرضه الناقد من قول المجدد الإمام السرهندي الفاروقي: ( لا يَكُونُ الصِدّيِقُ صِدّيْقَا حَتْى يَشْهَدُ عَلِيْهِ سَبْعُوّنَ صَدْيِقاً بِأَنَهُ زِنْدْيِق )؛ (9) ..
    نقول إن من سمات أهل النقل الأمانة بالنقل، فالسبعون هم صَدِيْقاً، وليس صِدّيِقاً!، بلفظ الناقد! ..
    وقد يقع أهل النقل بمثل هكذا أخطاء لفظية بالتشكيل، كما روى بعضهم النهي يوم الجمعة عن الحِلَقِ بكسر الحاء، أي: حلق العلم، فروها الحَلّقِ، بفتح الحاء، أي: حلق الشعر ..
    وذلك لقلة فهم أو فقه بالنقل: ذلك أن الحكمة أن لا ينشغل المصلي عن الخطيب بشيء في الخطبة، لتكون الفائدة في التلقي والنفع أكبر ..
    وعلى العكس فإن الحلق أو قص الشعر، مستحب لما فيه من مقومات النظافة والزينة للمسجد، يوم الجمعة ..
    فأهل الفضل المتقاربين بالدرجات يشهدون مقام بعضهم البعض:
    عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى يَرَاهُمْ مَنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، كَمَا يُرَى الْكَوْكَبُ الطَّالِعُ فِي الْأُفُقِ مِنْ آفَاقِ السَّمَاءِ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ مِنْهُمْ، وَأَنْعَمَا )؛ (10) ..
    عن أبو سعيد الخدري رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَيُونَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ، أَوِ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ )؛ (11) ..
    فلهذا القول شبيه عند الإمام الجنيد: ( لا يَبْلُغُ الَمرّء دَرَجَةَ الحَقِيقَة، حَتّى يَشْهَدَ فِيهِ ألّفَ صَدّيِق بِأَنّه زِنْدِيق )؛ (12) ..
    نقول وهذا الاتهام الكبير من قبل من صحبه ورفاقه من أصدقائه، إما من باب الحسد لشهود علو مقام القرب له من الله، وعلو التمييز بالدين؛ دون النظر في أسباب هذا القرب، وحيثياته أو وعي حقيقته، فكل ذي نعمة محسود ..
    وورد عن بعض العارفين، قولهم: ( لَاَ يَكْمُلُ عَاَلِمُ فِيْ مَقَاّمِ الْعِلْمِ، حَتَىَ يُبْتَلَىَ بِأَرْبَعٍ: شَمَاَتَةِ الْأَعْدَاّءِ، وَمَلَاّمَةِ الْأَصْدِقَاّءِ، وَطَعْنِ الْجُهَلَاَءِ، وَحَسْدِ الْعُلَمَاّءِ؛ فَمَنْ صَبَرَ جَعَلَهُ اللهُ إِمَاَماً يُقْتَدَىَ بِهِ [وفي رواية: ( فَإَذَا صَبَرَ عَلَىَ هَذِهِ الْمِحَنْ أِكْرَمَهُ اللهَ تَعَاَلّىَ فِيْ الْدُنْيَاّ بِأَرْبَعٍ: بِعِزِ الْقَنَاّعَةِ، وَبَهِيِبَةِ الْيَقِيِنِ، وَبِلَذَةِ الْعِلْمِ، وَبِحَيَاّةِ الْأِبَدِ )] )؛ (13) ..
    وهذه الحِكَمُ الْمُحْكَمَةَ، ترياق مجرب، يؤيدها قوله تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } [السجدة : 24] ..
    ولم ينجو من ذلك الحسد أحد، حتى أبناء آدم فقتل أخاه حسداً كما ورد في كتاب الله، والسبب يتضح في قوله تعالى: { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } [المائدة : 27] ..
    فقتل هابيل أخاه قابيل، وهما أبناء نبي الله آدم عليه الصلاة والسلام، وكذلك نجد أبناء نبي الله يعقوب عليه السلام، ألقوا يوسف في غيابات الجب وكادوا أن يقتلوه حسداً ..
    ولو شهدوا الأسباب، أو أشهدهم الله ذلك؛ لزالت التهم؛ أو كان دافعهم لذلك جهلهم بعلوم صاحب هذا المقام العلي، والمرء عدو ما يجهل، وبضعف اجتهادهم في سبيل الحق، أو ربما بسبب ضعف طاقة الاستيعاب لما جال في قلوب الصديقين، أو تكون بسبب كثرة وكثافة العلوم الإلهامية المستنبطة من القرآن وخفايا السنة، أو لكثرتها وتنوعها، أو لفرادة نوعها ..
    وقد قال الحافظ الغماري في التعقيب على قول الإمام الجنيد أعلاه: ( وذلك لأنهم يعلمون من الله [أي: الصديقين] ما لا يعلمه غيرهم، وهم أصحاب العلم الذي كان يقول فيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حين يضرب بيده على صدره ويتنهد: (( إِنَ هَاهُنَا عُلْوّمَاً جَمْةَ، لَوْ وُجِدَتّ لَها حَمَلَةْ؟ ))؛ (14) )؛ (15) ..
    وقول إمام العارفين الغالب علي بن أبي طالب كر الله وجهه: ( لَوْ شِئْتُ لأَوّقَرْتُ مِنْ تَفْسِيرِ الفَاتحَةِ سَبْعِينَ بَعِيراً )؛ (16) ..
    دليل على سعة هذا العلم الجم، وأيضا توضيح لذلك ..
    فنجد في قول إمام الأئمة الغالب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، بيان أن علوم الصديقين تحتاج إلى قلوب تحتمل وتطيق هذا الحمل العزيز من العلوم الربانية ..
    مثال ذلك كأن يتكلم من هو بالعلم بدرجة الدكتوراه مع من هو بمحو الأمية، أو الدرجة الدراسية الابتدائية ..
    أما قول الشاه نقشبند: ( بِدَاّيَتِنَاّ، نِهَاّيِةُ الْطُرُقِ الْأُخْرَىَ )؛ (17) ..
    فقد فسرنا هذا القول بما كان عليه الصحابة المهاجرين، عندما أتوا الإيمان قبل القرآن أي عرفوا الله حق معرفته ففهموا ما جاء في كتابه عز وجل فجاءهم التصديق على ما فهموا من المنقول وغير المنقول وما تاهت به العقول من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ..
    فالإيمان بتحقيق المعرفة لله وبالله نهاية الطرق وبداية الطريقة النقشبندية، وهذا لا يعني أنه لا ينظر المريد بالعلوم الشرعية وعلوم القرآن، أثناء المعرفة، إنما عندما يطهر قلبه وينجلي نور التقوى فيه، يكون له علمه الخاص في كتاب الله، وفهمه الحكيم، وكشفه المبين، لقوله تعالى: { وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [البقرة : 282] ..
    فقد ورد في الأثر المجرب: ( مَنْ أَخْلَصَ قَلْبَهُ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ فَجْراً، فَجَرَ اللهُ في قَلْبِهِ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ، وأَجْرَاهَا عَلْىَ لِسَاْنِهِ )؛ (18) ..
    ومصداق ذلك قوله تعالى: { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً } [الجن : 16] ..
    ومصداق الفترة قوله تعالى: { وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً .... } [الأعراف : 142] ..
    فقد ثبت بالسند عند كبار علماء النقل الشيعة: عن الإمام الرباني وإمام الفقهاء جعفر الصادق رضي الله عنه، ومنه عن جده إمام العارفين ذو السبطين على كرم الله وجهة، أنه قال: ( أفْضَلُ الْعِبَادَةِ، إدمانُ التَّفَكّرِ فِي الله، وَفِي قُدْرَتِهِ )؛ (19) ..
    ومن هنا نفهم قول الشاه نقشبند: ( مَنْ أَعْرَضَ عَنْ طَرِيِقَتِنَاَ، فَهُوَ عَلَىَ خَطْرِ مِنْ دِيِنْهِ )؛ (20) ..
    ذلك أن جوهر الطريقة النقشبندية هو معرفة الله، وأن أساس الدين ودعامته هي معرفة الله عز وجل فكيف لعبادة تقوم على غير معرفة المعبود، وكيف لذكر يكون لمجهول فعلى قدر معرفة الله يجدي ذكره، ويَعْشُ معرفة المذكور فإن له معيشة ضنكا: { وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ }[الزخرف : 36]، وقوله عز من قائل: { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } [طه : 124] ..
    أي ما يذكر به ويعرف به سبحانه، ومن هنا يأتي العمه وهو عمى القلب ..
    ومعرفة الله حصن حصين من الشيطان الذي يوسوس بسوء الظن بالله لمن عبد الله بالظن، ويعجز عنه إن كان عارف لله متبصرا بأسمائه وصفاته ..
    يروي الإمام القشيري في "رسالته" بسنده (21)؛ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ بن أبي بكر رضي الله عنه، [وهو: أحد رجالات الطريقة النقشبندية، واحد فقهاء المدينة السبعة]، عَنْ عَائِشَةَ أم الفقهاء والمؤمنين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ: ( (( إِنَّ دِعَامَةَ الْبَيْتِ أَسَاسُهُ، وَدِعَامَةَ الدِّينِ الْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَالْيَقِينُ وَالْعَقْلُ الْقَامِعُ [وفي رواية المتقي الهندي في "كنز العمال" عن الديلمي بسنده: ( دَعَامَةُ الدِّينِ وأسَاسُهُ الْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ، وَالْيَقِينُ وَالْعَقْلُ الْنَاّفِعُ )] ))؛ فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا الْعَقْلُ الْقَامِعُ [الْنَاّفِعُ ]؟ قَالَ: (( الْكَفُّ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ وَالْحِرْصُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )) )؛ (22) ..
    ومعرفة جانب من قدر الله وعظيم نعمائه وفضله، يفضي إلى كثرة ذكر الله، وهي صفة أصحاب القلوب "أولي الألباب"، الذي قال الله فيهم: { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } [آل عمران : 191] ..
    وقوله عز من قائل: { وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } [الأحزاب : 35] ..
    فقد قال الصديق الأكبر "أبو بكر الصديق" رضي الله عنه وأرضاه: ( مَنْ ذَاقَ مِنْ خَالِصِ المَعْرِفَةِ [مَعْرِفَةِ الله] شَيئَاً، شَغْلَهُ ذَلِكَ عَمَا سِوىَ الله، واسْتُوحَشَ مِنْ جَمِيعِ البَشْر )؛ (23) ..
    لذلك كان سلطان العارفين البسطامي ينشد فيقول: ( عَجِبْتُ لمن يَقُوّل ذَكرْتُ ربّي!، وهَلْ أنْسَى، فَأذْكُرُ مَنْ نَسِيتُ؟! )؛ (24) ..
    لقوله تعالى: { وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً }[النجم : 28] ..
    كما أن معرفة الله هي الركن الأول من أركان الإسلام وهي شهادة أن لا إله إلا الله، فهذه الشهادة هي نتاج وثمرة استفاضة المعرفة في قلب المؤمن العارف، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن ..
    يقول الإمام الغالب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ( الْعِلْمُ سِلَاّحِيٍ، والْمَعْرِفَةُ رَأْسُ مَاَلِيِ، وَالْعَقْلُ أَصْلُ دِيِنِيِ، وَالْحُبُ أَسَاَسِيِ، وَالْشَوْقُ مَرْكَبِيِ، وَذِكْرُ اللهِ أَنِيِسِيِ، وَالْثِقَةُ كَنْزِيِ، وَالْصَبْرُ رِدَاَئِيِ، وَالْرِضَاَءُ غَنِيِمَتِيِ، وَالْعَجْزُ فَخْرِيِ، وَالْزُهْدُ حِرْفَتِيِ، وَالْيَقِيِنُ قُوَتْيِ، وَالْصِدْقُ شَفِيِعِيِ، وَالْطَاَعَةُ حَسْبِيِ، وَالْجِهَاَدُ خُلُقِيِ، وَقُرَةَ عَيِنِيِ فِيْ الْصَلَاَةِ )؛ (25) ..
    فوفق هذا الأثر سلاح المؤمن العلم بلا إله إلا الله لإن الإقرار بحقيقة التوحيد حصن المؤمن الحصين الذي يحميه من عذاب رب العالمين ..
    والمعرفة رأس مال هذا العلم التوحيدي، وعقل التقوى الذي يعقل به الحق المبين، وهو النور الذي يقذفه الله في قلب المؤمن التقي ليميز له الحق فيتبعه عن الباطل فيجتنبه ..
    ------------------------------
    (1) رواه الشيخان، البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2261/ر:5743]، وفي "الأدب المفرد" [ج1/ص: 117/ر:391]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الأدب المفرد" [ر:98]، ورواه مسلم في "صحيحة" [ج16/ص: 376/ر:6582]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 715/ر:4989]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4989]، ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 306/ر:1971]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [1971]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 712/ر:4097]، بإسناد صحيح؛ وبتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج6/ص: 73]، وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج1/ص: 508/ر:374]، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:2044]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:4071]، وخلاصة حكمه: [متفق عليه] ..
    (2) ورد في "روح البيان" لحقي البروسوي [ج2/ص: 320] ..
    (3) ورد في "تاريخ دمشق" لابن عساكر [ج6/ص: 366/ر:4475]؛ وفي "الزهد الكبير" للبيهقي [ج1/ص: 92/ر:90]؛ وفي "حلية الأولياء" لأبو نعيم [ج7/ص: 370]؛ وفي "البداية والنهاية" لابن كثير [ج10/ص: 138]؛ وفي "الجواب الكافي" لابن القيم [ج1/ص: 186] ..
    (4) ورد في "روح البيان" للبروسوي [ج8/ص: 508] ..
    (5) ورد في "المجموعة الكاملة" لعباس [ج1/ص: 45] ..
    (6) ورد في "المجالسة" للدينوري [ج1/ص: 400/ر:1879]؛ وفي "إيقاظ الهمم" لابن عجيبة [ج1/ص: 289]؛ وفي "حلية الأولياء" لأبي نعيم [ج2/ص: 258] ..
    (7) ورد في "شرح الأصفهانية" لابن تيمية [ج1/ص: 17]؛ وفي "الوابل الصيب" لابن القيم [ج1/ص: 59]؛ وفي "ذيل الطبقات" لابن رجب [ج2/ص: 402] ..
    (8) رواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 147/ر:227]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:226]؛ ورواه الدارمي في "سننه" [ج1/ص: 177/ر:660]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأسد في "سنن الدارمي" [ج1/ص: 174]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج6/ص: 372/ر:21873]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج5/ص: 276]؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج1/ص: 221/ر:449]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ؛ ووافقه الذهبي في "التلخيص" [ج1/ص: 130]، وقال: صحيح؛ وصححه المنذري في "الترغيب والترهيب" [ج1/ص: 130]؛ وصححه الألباني في "تخريج المصابيح" [ر:279]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (9) ورد في "الرحمة الهابطة" للدوسري [ج1/ص: 45] ..
    (10) رواه الترمذي [ج5/ص: 567/ر:3658]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" برقم [3658]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 74/ر:96]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" برقم [79]؛ والإمام أحمد [ج3/ص: 408/ر:10829]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق شعيب الأرنئوط في "المسند" [ج3/ص: 93]؛ ورواه السيوطي في "الجامع الصغير" [ج9/ص: 240/ر:3793]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الجامع" برقم [2030]؛ وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
    (11) رواه الشيخان؛ رواه البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2399/ر:6188]، بلفظ: ( إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ )؛ ورواه مسلم في "صحيحة" [ج17/ص: 167/ر:7073]، بلفظ: ( إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ )؛ ورواه ابن جبان في "صحيحة" [ج16/ص: 404/ر:7393]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:2230]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:2027]؛ وخلاصة حكمه: [متفق عليه] ..
    (12) ورد في "الفتوحات المكية" لابن عربي [ج3/ص: 247] ..
    (13) ورد في "الإلماع" للقاضي عياض [ج1/ص: 33]؛ وفي "تدريب الراوي" لجلال لسيوطي [ج2/ص: 59]؛ وفي "المستدرك" للحاكم النيسابوري [ج1/ص: 21]؛ وفي "طبقات الشاذلية" للفاسي [ج1/ص: 42] ..

    (14) ورد في "الإحياء" للغزالي [ج1/ص: 99]؛ وفي "البحر المديد" لابن عجيبة [ج1/ص: 11]؛ وفي "شرح النهج" لابن أبي حديد [ج4/ص: 558]؛ وفي "نهج البلاغة" لأبي تراب [ح:147] ..
    (15) ورد في "إمام العارفين" للغماري [ج1/ص: 64] ..
    (16) ورد في "البحر المديد" لابن عجيبة [ج1/ص: 11]؛ وفي "بحار الأنوار" للمجلسي [ج89/ص: 103]؛ وفي "ينايع المودة" للقندوزي الحنفي [ج3/ص: 209]؛ وفي "مناقب الإمام" لابن شهر [ج2/ص: 43] ..
    (17) ورد في "مفتاح المعية" للنابلسي [ج1/ص: 14]؛ وفي "الحديقة الندية" للبغدادي [ج1/ص: 16]؛ وفي "خلاصة الأثر" للمحبي [ج1/ص: 291] ..
    (18) أصله مرفوع مرسل: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ )؛ رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" [ج8/ص: 131/ر:43]؛ وهناد بن السري في "الزهد" [ج2/ص: 357/ر:677]؛ عن مكحول بن أبي مسلم، وهو ثقة فقيه؛ ورواه أبو نعيم في "الحلية" [ج5/ص: 189/ر:6988]، متصلاً عن أبي أيوب الأنصاري؛ ورواه القضاعي في "مسند الشهاب" [ج1/ص: 285/ر:325]؛ ورواه الديلمي في "مسند الفردوس" [ج3/ص: 42/ر:6179] ..
    (19) ورد في "البحار" للمجلسي [ج68/ص: 321]؛ وفي "الكافي" للكليني [ج2/ص: 55]؛ وفي "الوسائل" للعاملي [ج15/ص: 196] ..
    (20) ورد في "نور الهداية" لزاده [ج1/ص: 63] ..
    (21) أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدْلُ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْعَتَكِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَشْرَسَ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عِيسَى الشَّجَرِيُّ , عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ , عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ , عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : إِنَّ دِعَامَةَ الْبَيْتِ أَسَاسُهُ ..... الحديث ..
    (22) رواه القشيري في "الرسالة القشيرية" [ج1/ص: 168/ر:74]؛ ورواه الديلمي في "مسند الفردوس" [ج2/ص:222/ر:3077]؛ وورد في "كنز العمال" للهندي [ج3/ص: 381/ر:7047] ..
    (23) ورد في "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 288]؛ وفي "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 38]؛ وورد في "الإحياء" للغزالي [ج4/ص: 295]، بلفظ: ( مَنْ ذَاْقَ مِنْ خَاْلِصِ مَحَبَةِ الله تَعَاْلى، شَغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ طَلَبِ الدُنْيَا، وأَوْحَشَهُ عَنْ جَمِيْع الَبشَر )؛ اهـ ..
    (24) ورد في " الإحياء" للغزالي [ج4/ص: 360]؛ وفي "الرسالة" للقشيري [ج1/ص: 38] ..
    (25) رواه السيوطي في "مناهل الصفا" [ج1/ص: 58/ر:322]؛ ورواه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج9/ص: 199/ر:4199]؛ ورد في "الإحياء" للغزالي [ج4/ص: 361]؛ وفي "الشفا" لعياض [ج1/ص: 146]؛ وفي "نسيم الرياض" للخفاجي [ج2/ص: 144]؛ وفي "نزهة المجالس" للصفوري [ج2/ص: 67]؛ وحكمه: [مشهور] ..

    ==================

  8. #98
    القسم الثامن: أهمية الشيخ المرشد عند النقشبندية:

    الفصل الأول: من لا شيخ له فشيخه الشيطان:

    يقول الناقد دمشقية في "الطريقة النقشبندية" [ص: 35 – 36]:

    "من لا شيخ له فهو كافر وفاسق عندهم"
    بل صرحوا بأن كل من لم يتخذ له شيخا فهو عاص لله ورسوله ولا يحصل له الهدى بغير شيخ، ولو حفظ ألف كتاب في العلم (1) .
    بل حكموا عليه بالكفر فقالوا: «من لا شيخ له فشيخه الشيطان، ومتى كان شيخه الشيطان كان في الكفر حتى يتخذ له شيخا متخلقا بأخلاق الرحمن» (2) .
    وهذا شبيه بما نسبه النصارى إلى المسيح أنه قال: «أنا هو الطريق والحق والحياة، ليس أحد يستطيع أن يأتي إلى الأب إلا بواسطتي» [يوحنا 14: 6]، وليس في الإسلام شيء يمنع من الوصول إلى الله. ولا واسطة تحول بين الله وبين عباده.
    نعم، الشيخ ضروري لطلب العلم منه، لا لوضع صورته في الخيال عند الله! ولا لفتح باب الكشف والوحي والاتصال بغير الله.

    -------------
    (1) ورد في "الحديقة الندية" للبغدادي [ج1/ص: 31] ..
    (2) ورد في "البهجة السنية" للخاني [ج1/ص: 47]؛ وفي "نور الهداية" لزاده [ج1/ص: 1311] ..

    ====================

    الجواب:

    يقول الله تعالى في كتابه العزيز: { .... مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً } [الكهف : 17] ..
    الهداية من الله تعالى كما في الآية ولكن الواسطة هي "الولي المرشد"، كما في الآية أيضاً، فالضال يحتاج إلى الولي المرشد، والله هو الجامع بينهما، والملهم من الحق للمرشد ما يحكم بحال المريد، فالله يوفق الولي المرشد لقول ما يناسب المريد الصادق؛ فهو سبحانه الذي يهدي وواسطته للهداية الولي المرشد كما تبين النهاية الآية أعلاه ..
    ويقول الله تعالى: { ... وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [لقمان : 15] ..
    فاتباع سبيل المرشد المربي الحق والسير على طريقته نص صريح هنا، ولا تكون النتائج على قدر الصدق بالاتباع والالتزام بالبيعة، وتحقيق الصحبة النفسية بالمحبة للمرشد ..
    فقد ورد في آثار السلف الصالح من صحابة وتابعين، القول: ( لَوْلَا المُرَبْيِ بَعْدَ رَبْيِ، مَاْ عَرِفْتُ رَبْيِ )؛ (1) ..
    وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ( ... . مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً )؛ (2) ..
    وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( مَنْ مَاتَ بِغَيْرِ إِمَامٍ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً )؛ (3) ..
    ويقول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ( مَنْ مَاْتَ ولمَ يَعْرِف إمَاْمَ زَمَاْنِهِ مَاْتَ مِيتَةِ جَاْهِلِيَة )؛ (4) ..
    ويقول سلطان العارفين "أبو يزيد البسطامي" رحمه الله تعالى: ( مَنْ لَم يَكْن لَهُ أُسْتَاذ فَإِمَاْمَهُ الشِيْطَان )؛ (5) ..
    ويقول تاج العارفين أبو القاسم الجنيد رحمه اله تعالى: ( مَنْ سَلَكَ بِغِيِر شَيْخ ضَلّ وأَضْلّ )؛ (6) ..
    ويقول صلى الله عليه وآله وسلم، موصيا ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: ( يَا ابْنَ عُمَرَ، لا يَغُرَّنَّكَ مَا سَبَقَ لأَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَوْ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْحَسَنَاتِ كَأَمْثَالِ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي يَظُنُّ أَنَّهُ لا يَنْجُو مِنْ أَهْوَالِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، يَا ابْنَ عُمَرَ، دِينَكَ دِينَكَ، إِنَّمَا هُوَ لَحْمُكَ وَدَمُكَ، وَانْظُرْ عَمَّنْ تَأْخُذُ، خُذْ عَنِ الَّذِينَ اسْتَقَامُوا، وَلا تَأْخُذْ عَنِ الَّذِينَ مَالُوا ) ، ورد في كنز العمال في رواية ابن عدي، (7)؛ وهو حسن لشاهده في صحيح مسلم : ( إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ هُوَ لَحْمُكَ وَدَمُكَ، وَعَنْهُ تُسْأَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَانْظُرْ عَنْ مَنْ تَأْخُذُهُ )، (8)؛ من قول إمام دار الهجرة مالك الأصبحي؛ وهو صحيح المتن، لقوله تعالى: { واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً } [الكهف : 28] ..
    وحتى لا يطول الشرح أكتفي بهذا البيان من الحجج الأصولية ..
    ولكن نضرب مثلا للتوضيح لمن أراد الحق، وتعلم ليكون عالم يعقل العلم في قلبه، ولا يحفظه بذاكرته، فقط:
    من لا ولي مرشد له، كالمريض الجاهل بعلته لا يدري أي دواء يشفيه، ولم يجد طبيب يداويه، أو يلتقي به، فإن تداوى بعلمه القاصر في مجال التداوي، كان على خطر عظيم ..
    وكذلك علم الكتاب أو اللسان يوسع مداركك، ولكن لا يغني قلبك بمقومات الإيمان التي هي عدة القبر، والنجاة من معاناة الحشر، والفوز بالجنة والظفر ..
    يقول الصحابي الجليل الصدوق ابن مسعود رضي الله عنه: ( لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرَّوِايَةِ، إِنَّمَا الْعِلْمُ الْخَشْيَةُ )؛ (9) ..
    والخشية منبتها نور تقوى العلماء وورع الأتقياء، لقوله تعالى: { وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [البقرة : 282] ..
    ويقول نجم الأئمة الإمام مالك الأصبحي، صاحب المؤطأ بالحديث، وإمام المذهب المالكي رضي الله عنه: ( لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرَّوِايَةِ، إِنَّمَا الْعِلْمُ نُورٌ يَضَعَهُ اللَّهُ فِي الْقُلُوبِ )؛ وبلفظ آخر، رواه أبو نعيم الأصفهاني في "الحلية"، عن ابن وهب عن مالك بن أنس رضي الله عنه، أيضاً: ( ﺍﻟْﻌِﻠْﻢُ ﻧُﻮﺭٌ ﻳَﺠْﻌَﻠُﻪُ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﺣَﻴْﺚُ ﻳَﺸَﺎﺀ،ُ وﻟَﻴْﺲَ ﺑِﻜَﺜْﺮَﺓِﺍﻟﺮِّﻭَﺍﻳَﺔِ ) (10) ..
    ويَقُولُ إِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصَ: ( لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ، إِنَّمَا الْعَالِمُ مَنِ اتَّبَعَ الْعِلْمَ وَاسْتَعْمَلَهُ، وَاقْتَدَى بِالسُّنَنِ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلَ الْعِلْمِ )؛ (11) ..
    ويقول من سمي بشيخ الإسلام وهو الحافظ ابن تيمية الحراني: ( وَقَدْ أَوْعَبَتْ الْأُمَّةُ فِي كُلِّ فَنٍّ مِنْ فُنُونِ الْعِلْمِ إيعَابًا فَمَنْ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ هَدَاهُ بِمَا يَبْلُغُهُ مِنْ ذَلِكَ وَمَنْ أَعْمَاهُ لَمْ تَزِدْهُ كَثْرَةُ الْكُتُبِ إلَّا حَيْرَةً وَضَلَالاً [وَخَبَاَلاً]؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ: (( أَوَلَيْسَتْ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؟ فَمَاذَا تُغْنِي عَنْهُمْ؟ )) )؛ (12) ..
    ويقول شمس المحققين الإمام الذهبي: ( العِلْمُ لَيْسَ هُوَ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ، وَلَكِنَّهُ نُوْرٌ يَقْذِفُهُ اللهُ فِي القَلْبِ، وَشَرْطُهُ الاَتِّبَاعُ، وَالفِرَارُ مِنَ الهَوَى وَالاَبْتَدَاعِ )؛ (13) ..
    ويقول الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي في "بيان فضل علم السلف على علم الخلف": ( وقد فتن كثير من المتأخرين بهذا، وظنوا أن من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين فهو أعلم ممن ليس كذلك، وهذا جهل محض، وانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم: كأبي بكر, وعمر, وعلي ومعاذ وابن مسعود، ويزيد بن ثابت كيف كانوا؛ كلامهم أقل من كلام ابن عباس, وهم أعلم منه، وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة، والصحابة أعلم منهم، وكذلك تابعو التابعين كلامهم أكثر من كلام التابعين، والتابعون أعلم منهم؛ فليس العلم بكثرة الرواية، ولا بكثرة المقال، ولكنه نور يقذف في القلب، يفهم به العبد الحق، ويميز به بينه وبين الباطل، ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد )؛ (14) ..
    إضافة إلى أن أعداء الإسلام كثر وقد كادوا للإسلام ودسوا بأمهات كتب الإسلام، فكتاب هؤلاء الكتب ماتوا ولن يخرجوا من قبورهم ليردوا ما دس وحرف في هذه الكتب فكان لا بد من أئمة أتقياء استناروا بنور الحق، ليدحضوا به الباطل، ويثبتوا ويظهروا الحق المبين ..

    والفهم بأن الوساطة مع الله تكون بتخيل صورة المرشد، فهم خاطئ، إنما هي عملية استحضار محبة المرشد، وتذكر مقامه عند الله، لقوله تعالى: { وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } [البقرة : 125] ..
    فالمصلى ليس ذاك الحجر القريب من الكعبة الذي لا يضر ولا ينفع، إنما معرفة مقام خليل الرحمن من الرحمن، فيكون التقدير لهذا المقام والمحبة لصحابه، فتكون الرابطة والتخلل للقلب فتكون الصلة مع الله أكثر وضوحاً وأجل شعوراً وأوثق قدراً ..
    لذلك فالأبدال المهديين خلفاء الخلفاء الراشدين، هم على قلب خليل الله ابراهيم كما بينا بحديث الأبدال، من قبل، لأن الصلة تحدث عندما نعي ونشهد مقام خليل الرحمن من الرحمن، كما قلنا قبلاً، وهذا ما شهده الصديق الأكبر بإيمانه العالي، وتصديقه الأمثل في صدر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ..
    ومنه نفهم ما نقله الإمام الحجة الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين"، فقال: ( قال أبو تراب النخشبي يوماً لبعض مريديه: لو رأيتَ أبا يزيد [يعني: أبو يزيد البسطامي ] فقال: إني عنه مشغولٌ، فلمَّا أكثر عليه "أبو تراب" مِن قوله " لو رأيتَ أبا يزيد" هاج وجد المريد، فقال: ويحك، ما أصنع بأبي يزيد؟!، قد رأيتُ الله فأغناني عن أبي يزيد!!، قال أبو تراب: فهاج طبعي ولم أملك نفسي، فقلتُ ويلك تغترُّ بالله، لو رأيتَ أبا يزيد مرةً واحدةً كان أنفعَ لك مِن أن ترى الله سبعين مرَّة!، قال: فبُهتَ الفتى من قوله وأنكره، فقال: وكيف ذلك ؟!، قال له: ويلك أما ترى الله عندك فيظهر لك على مقدارك، وترى أبا يزيد عند الله قد ظهر له على مقداره )؛ (15) ..

    يقول الإمام علي كرم الله وجهه: ( إنَ مِنَ العِلْمِ كَهِيئَةِ المكْنُوْنِ لاَ يَعْلَمَهُ إلاَ أَهْلُ المعْرِفَةِ بِالله تَعَاْلىَ فَإذَاّ نَطَقُوا بِهِ لَم يَجْهَلّهُ إلاَ أَهْلُ الاغْترارِ بِالله تَعَالىَ فَلاَ تُحَقْرُوا عَاِلماً آتَاهُ الله تَعَالىَ عِلْمَا مِنْهُ فَإنَ الله عَزَ وجَلَ لَم يُحقْرْهُ إذْ آتَاهُ إيِاهُ )؛ (16) ..
    وزيادة في توضيح ذلك يكون بما روي بأن السلطان محمود الغازي دخل على الإمام الصمداني أبي الحسن الخرقاني رحمه الله تعالى، لزيارته وجلس ساعة، ثم قال يا شيخ: ( ما تقول في حق أبي يزيد البسطامي؟ ) فقال الشيخ: (( هو رجل من رآه اهتدى واتصل بسعادة لا تخفى ))، فقال السلطان محمود: ( وكيف ذلك وأبو جهل رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ولم يتصل بالسعادة ولم يتخلص من الشقاوة )، فقال الشيخ في جوابه: (( إن أبا جهل رأى محمد بن عبد الله، لو كان رأى رسول الله صلى الله عليه وسلّم لخرج من الشقاوة ودخل في السعادة!! ))، ثم قال الشيخ ومصداق ذلك قول الله تعالى: { وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} [الأعراف : 198]، فالنظر بعين الرأس لا يوجب هذه السعادة بل النظر بعين السر والقلب ومعرفة القدر، والمقام عند الله، يورث ذلك فمن رأى أبا يزيد بهذه العين فاز بالسعادة )؛ (17) ..
    والرابطة الحقة أو رابطة المحبة أن يكون المقصود فيها المحبة بالله ولله، حتى يذوق المريد طعم الإيمان بالرابطة:
    عَنْ أَنَسٍ بن مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ: ( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُأَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ )؛ (18) ..


    ---------------

    (1) ورد في "يقاظ الهمم" لابن عجيبة" [ج1/ص: 301]؛ وفي "حقيقة العبودية" للهلالي [ج1/ص: 33] ..
    (2) رواه مسلم في "صحيحة" [ج12/ص: 443/ر:4770]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (3) رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج4/ص: 96/ر:16532]؛ والطبراني في "الكبير" [ج19/ص: 388/ر:910]؛ وقال أبو نعيم في "الحلية" [ج3/ص: 260]: صحيح ثابت، وصححه الوادعي في "الصحيح المسند" [1134]، وصححه ابن حبان في "الثقات" [ج7/ص:49/ر:4554]؛ ورواه بلفظ [مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ إِمَامٌ]، أبو يعلى في "مسنده" [ج13/ص: 301/ر:7375]، والهيثمي في "المقاصد العلية" [ج1/ص: 772]؛ وبلفظ [مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ عليه إِمَامٌ]، رواه البوصيري في "إتحاف المهرة" [3924]، والهيثمي في "مجمع الزوائد" [ج5/ص: 228]، وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج1/ص: 434/ر:4573]؛ والحاكم في "المستدرك" [ج1/ص: 150ر:259]، وحسنه الألباني في "تخريج السنة" [1057]، وبلفظ [مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ]، رواه مسلم [ج3/ص: 1478/ر:3447] في "صحيحة" [3447]، وخلاصة حكمه بجميع ألفاظه : [صحيح] ..
    (4) رواه الطوسي في "الاقتصاد" [ص: 226]؛ وفي "تلخيص الشافي" [ج4/ص: 131]؛ وابن طاووس في "اليقين" [ص: 124]، والأردبيلي في "مجمع الفوائد" [ج12/ص: 299]، والكراجكي في "كنز الفوائد" [ج1/ص: 327]، ورواه البلخي القندوزي في "ينابيع المودة" [ج1/ص: 117]، وفي " ويصح هذا الأثر عن أهل لسنة، موقوفا على الإمام علي كرم الله وجهه، لكثرة شواهده بالصحيح المسند المرفوع، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
    (5) ورد في "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج2/ص: 735] ؛ وفي "عوارف المعارف" للسهروردي [ج1/ص: 96]؛ وفي "جامع الأصول" للكمشخانوي [ج1/ص: 120]؛ وفي "الفتوحات الإلهية" لابن عجيبة [ج1/ص: 88]؛ وفي "قلادة الجواهر" للرفاعي [ج1/ص: 143]؛ وفي "روح البيان" للبروسوي [ج9/ص: 22]؛ وفي "الأمر المحكم" لابن عربي [ج1/ص: 265] ..
    (6) ورد في "الأنوار القدسية" للشعراني [ج1/ص: 173] ..
    (7) ورد في "كنز العمال" للمتقي الهندي [ج3/ص: 150/ر:5918]؛ وفي "الكامل" للجرجاني [ج1/ص: 149]؛ وورد في "العلل المتناهية" لابن الجوزي [ج1/ص: 130/ر:186]؛ وفي "الكفاية" للخطيب البغدادي [ج1/ص: 121/ر:115] ..
    (8) ورد في "الكفاية" للخطيب [ج1/ص: 121]؛ وفي "المحدث الفاضل" للرامهرمزي [ج1/ص: 416]؛ ورواه مسلم في "صحيحة" [ج1/ص: 43/ر:26]، عن ابن سيرين بلفظ: ( إنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ ) ..
    (9) ورد في "روضة العقلاء" لابن حبان [ج1/ص: 38/ر:9]؛ وفي "الإحياء" للغزالي [ج1/ص: 64] ..
    (10) ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205]؛ وفي "الإلماع" لعياض [ج1/ص: 217/ر:114]؛ وفي "حلية الأولياء" [ج6/ص: 319/ر:8987] ..
    (11) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" [ج2/ص: 294/ر:1823]؛ وورد في "التقريب" للخطيب [ج1/ص: 30]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 59] ..
    (12) ورد في "الرسائل الكبرى" لابن تيمية [ج1/ص: 239]؛ وفي كتابه"مجموع الفتاوى" [ج10/ص: 665] ..
    (13) ورد في "سير النبلاء" للذهبي [ج13/ص: 323] ..
    (14) ورد في "فضل السلف" لابن رجب [ج1/ص: 57و58] ..
    (15) ورد في ‍ "الإحياء" للغزالي [ ج 4/ ص : 305 ] ..
    (16) ورد في "الإحياء" للغزالي [ج1/ص: 35]، وخرجه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج1/ص: 39/ر:4935]، رواه السلمي في "الأربعين" [ج1/ص: 58/ر:141]، وورد في "قوت القلوب" لأبو طالب المكي [ج1/ص: 296]، وفي "الصفدية" لابن تيمية [ج1/ص: 292] ..
    (17) ورد في "روح البيان" للبروسوي [ج3/ص: 295]، وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 339] ..
    (18) رواه الشيخين في الصحيحين، البخاري [ج1/ص: 14/ص:16]، ومسلم [ج2/ص: 204/ر:163]، ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 16/ر:2624]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2622]، ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج8/ص: 470/ر:5002]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:5002]، ورواه ابن ماجة في "سننه" [ج3/ص: 431/ر:4033]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3274]، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:3415]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:3044]، ورواه أبو نعيم في "الحلية" [ج2/ص: 288/ر:2508]، وقال: صحيح متفق عليه [أي: بين العلماء]، وخلاصة حكمه: [متفق عليه] ..
    ======================

  9. #99
    الفصل الثاني: المرشد باب المريد السالك إلى الله:

    يقول الناقد الدمشقية في كتابه "الطريقة النقشبندية" [ص: 36 – 37]:

    "الطريق إلى الله مسدودة إلا بالشيخ"

    وزعموا أنه لا وصول للمريد إلى الله إلا بواسطة الشيخ لأنه بزعمهم بابه إلى حضرة الله تعالى ووسيلته إليه، وهو نائبه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قالوا:
    «الوصول إلى الله لا يمكن أن يتم بغير صحبة العالم العارف، بل هو المظهر الذي عينه الله للمريد» (1). فان الشيخ يجذب المريد جذبة إلى الله تسمى بالجذبة الإلهية ولا تحصيل لهذه الجذبة إلا بصحبة الشيخ (2). والشيخ كالميزاب ينزل الفيض من بحره المحيط إلى قلب المريد (3).
    ----------------------

    (1) ورد في "أوراد الذاكرين" لحبش [ج1/ص: 6]؛ وفي "نور الهداية" لزاده [ج1/ص: 41] ..
    (2) ورد في "البهجة السنية" للخاني [ج1/ص: 3] ..
    (3) ورد في "البهجة السنية" للخاني [ج1/ص: 42]؛ وفي "نور الهداية" لزاده [ج1/ص: 43] ..
    ==========================
    الجواب:
    يقول الله تعالى: { أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً } [الإسراء : 57] ..
    فالآية تبين بشكل جلي أن من يرد الله فإن الوسيلة تكون له للتقرب من الله، ورجاء الرحمة منه، والخوف من عذابه ..
    ولا يكون ذلك إلا بالإرشاد، أي بوجود ولي مرشد يدلك إلى طريق الحق، أو بلغة القرآن إلى الصراط المستقيم، لقوله تعالى في الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: { َكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [الشورى : 52] ..
    فوفق الآية الترقي إلى منزلة الوارث المهدي، أو المرشد الرباني هبة وإنعام رباني على قدر صدق هذا الصِديق، وهو نعمة زمانه لكل من أراد الحق، وأراد رضا الله ورحمته ورجاء ما عنده ..
    فالله تعالى وفق هذه الآية يختار من يشاء ليجعل نور القرآن في قلبه كما اختار النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، ولأن هذا ينطبق على من خلف النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بالعلم أيضاً، فيكون باب لقلب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ..
    والمرشد الرباني هو الفقيه الحق أو الفقيه الرباني:
    يقول الإمام علي كرم الله وجهه: ( (( أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى الْفَقِيهِ كُلِّ الْفَقِيهِ؟ ))؛ قَالُوا: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: (( مَنْ لَمْ يُؤَيِّسِ النَّاسَ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَمَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ لَمْ يُؤَمِّنِ النَّاسَ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَمَنْ لَمْ يُزَيِّنْ لِلنَّاسِ مَعَاصِيَ اللَّهِ )؛ (1) ..
    وبلفظ: ( إِنَّ الْفَقِيهَ حَقَّ الْفَقِيهِ، مَنْ لَمْ يُقَنِّطْ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ، وَلَمْ يُؤَمِّنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَلَمْ يَدَعْ الْقُرْآنَ رَغْبَةً عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، إِنَّهُ لا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَفَقُّهٌ، وَلا خَيْرَ فِي فِقْهٍ لَيْسَ فِيهِ تَفَهُّمٌ، وَلا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَدَبُّرٌ )؛ (2) ..
    أو بلفظ: ( (( الا أُنَبِّئُكُمْ بِالْفَقِيهِ كُلِّ الْفَقِيهِ؟ ))؛ قالوا: بلى، قال: (( أَلا إِنَّ الْفَقِيهَ كُلَّ الْفَقِيهِ الَّذِي لا يُقَنِّطُ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَلا يُؤَمِّنُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَلا يُرَخِّصُ لَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ، وَلا يَدَعُ الْقُرْآنَ رَغْبَةً عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ, لا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لا عِلْمَ فِيهَا، وَلا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لا فَهْمَ فِيهِ، وَلا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لا تَدَبُّرَ فِيهَا )؛ (3) ..

    فوفق هذا الأثر المأثور عن إمام الفقهاء الغالب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فإن المرشد الفقيه الواعظ المربي، لا يقنط مريدي الحق سبحانه، من رجاء ما عند الله من الرحمة: ( مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى )؛ ولم يزرع اليأس في قلوبهم من الفرج وجلاء الإيمان في قلب مريد الحق: ( مَنْ لَمْ يُؤَيِّسِ النَّاسَ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ )؛ وفي ذات الوقت لم يتساهل معهم وكان واعظ لهم، لا يؤمنهم من مكر الله تعالى، بسوء العاقبة، ولم يزين لهم أو يتساهل معهم إذا ما وقعوا بمعصية: ( وَمَنْ لَمْ يُؤَمِّنِ النَّاسَ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَمَنْ لَمْ يُزَيِّنْ لِلنَّاسِ مَعَاصِيَ اللَّهِ ) ..
    فالفقيه العارف الرباني، هو ما كان على أثر النبوة وارث لهذا المقام بالصديقية دون النبوة وبالإلهام دون الوحي ..
    يقول الله تعالى: { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } [الجمعة : 2] ..
    والإمام الوارث المربي، هذه مهمته مع مريدين الأميين الذي ليس لديهم لا حكمة ولا علم إلا ما علمهم الله تعالى، بواسطة المرشد، أو بغير واسطة من الرابطة مع قلب الخليفة المرشد ..
    عن جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( لا تَجْلِسُوا مَعَ [أو: عِنْدَ] كُلِّ عَالِمٍ، إلا عالِم يَدْعُوكُمْ مِنْ خَمْسٍ إِلَى خَمْسٍ: مِنَ الشَّكِّ إِلَى الْيَقِينِ، وَمِنَ الْعَدَاوَةِ إِلَى الْمَحَبَّةِ[أو: النَصِيٍحَةِ]، وَمِنَ الْكِبْرِ إِلَى التَّوَاضُعِ، وَمِنَ الرِّيَاءِ إِلَى الإِخْلاصِ، وَمِنَ الرَّغْبَةِ إِلَى الزُّهْدِ )؛ (4) ..
    وهذا الأثر أعلاه، يصح مقطوعاً، من قول شقيق البلخي حيث كان يردده بمجالس وعظه وتربيته، من قوله حيناً أو يرفعه مرسلاً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيناً آخر، وهو كلام حق يوافق الواقع التطبيقي، للتربية الإيمانية والإرشاد الصحيح ..
    فالعالم العارف هو الذي يخرجك مريده، من دائرة الشك والظنون إلى اليقين بعلو الإيمان القلبي، بما يزرعه في قلبك من بذور الإيمان والتقوى، عندما يدعوك لمعرفة إلى الله وطريقة الوصل إلى قربه ورضاه، ويدعوك إلى حسن المعاملة مع الناس والتسامح، ومخالقتهم بخلق حسن، ويعلمك التواضع لأنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه ذرة من كبر، لأنه من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر على خلق الله وضعه الله، كذلك نجد العالم المربي، يعلمك الزهد وأن الدار الأخرة هي الحياة الأبدية بالسعادة الحقيقية، وأن الدنيا لعب ولهو، وحياة الغرور ..
    وهذا لا ينطبق إلا على المرشد الواعظ المربي ..
    فتكون بحسن التبعية في زمرة مرشدك وعلى طريقته الإيمانية، في منزلة أهل التقوى الصلاح ..
    يقول تعالى: { َسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ } [الزمر : 73] ..
    فالزمر هي الجماعات نقول هؤلاء جماعة فلان وهكذا، والزمر هي جماعات الطرق السلوكية الإيمانية التي تفضي للتقوى وشهود الحق ..
    أما الفئات فهم أزواج ثلاثة، لقوله تعالى: { وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً [7] فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [8] وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ [9] وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [10] أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ } [الواقعة : 11] ..
    ومنهم العباد المسلمين "أصحاب المشئمة"! هؤلاء لهم شئمهم لأنهم يعبدون بالظن فلا يحتملون عادتا البلاء، ويقعون في سوء الظن!، لكثرة سهولة مداخل الشيطان عليهم وأكثرهم في آخر المطاف يخرجون من النار بعد أن يتطهروا، ومنهم من هم خالدين كالفاسقين والمرتدين والفجار، ومنهم من هو في الدرك الأسفل كالمنافقين، وهم يكونون من العوام ..
    عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ و مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: ( (( إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقَتْ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَإِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ، إِلَّا وَاحِدَةً وَهِيَ الْجَمَاعَةُ ))؛ وفي رواية: قَالُوا: وَمَا هِيَ تِلْكَ الْفِرْقَةُ؟ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم: (( مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي )) )؛ (5) ..
    ومن أخطر تلك الفرق الخوارج والرافضة:
    عن الإمام الغالب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، والصحابي الفقيه الصدوق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ، قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ .............. الحديث )؛ (6) ..
    وعن الإمام عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: ( يَظْهَرُ فِي أُمَّتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ، قَوْمٌ يُسَمَّوْنَ الرَّافِضَةَ، يَرْفُضُونَ الإِسْلامَ )؛ (7) ..
    ثم يأتي المؤمنين "أصحاب الميمنة" أي الذين اصطبغوا باليُمْنِ وهي صفة الخير والبركة، وهم علماء ومتعلمين وفقهاء ومتفقهين، وحفاظ محدثين، وهم الخواص؛ ثم العلماء الربانين، والسادة المتقين "السابقون السابقون" أهل القرب من الله، وهم خواص الخواص، وهم الوسيلة للعامة والخاصة، وهم أقله صالحة وفي آخر الزمان هم الغرباء ..
    عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العاص رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ وَنَحْنُ عِنْدَهُ: ( طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ )، فَقِيلَ: مَنْ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: ( نَاسٌ صَالِحُونَ، فِي نَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ [وفي الإحياء: مَنْ يُبْغِضُهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُحِبُّهُمْ] )؛ (8) ..
    وقد يقول قائل أصحاب المشأمة هم الكافرون!، نقول لم يخصهم الله في سورة الواقعة بهذا الوصف ..
    إنما تكلم عن أصحاب الشمال بالوصف وهم الكفار، أي من شملهم الكفر المستطير وسيطر على قلوبهم ..
    إنما الله في آيات التقسيم يخاطب المسلمين عموما، لقوله تعالى: { وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً } [الواقعة : 7]، ولم يقل مثلاً وكان الناس أزواجا ثلاث إذا لكان المقصود عموم الناس ..
    أما قوله تعالى: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ } [البلد : 19] ..
    يعني بكفر الإعراض عن آيات الحق، وإنكار غير المعلوم منه، وكان حرياً بهم أن يسلموا بها، أو يوقفوها دون الإنكار، حتى يأتيهم اليقين التي تهدي إلى صراط الله المستقيم، فاكتفوا بالإيمان الصوري، أو أوهام الإيمان، الذي يبنى عادتا على الظن: { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } [الأنعام : 116] ..

    يقول الإمام الغالب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ( الْقُلُوبُ أَوْعِيَةٌ خَيْرُهَا أَوْعَاهَا، أحفظ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ، النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ، وَهَمَجٌ رِعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ )؛ (9) ..

    نعود إلى صلب الموضوع:
    عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقول: ( العُلْمَاءُ قَادَةٌ، والمتَقُونَ سَاْدَةٌ، ومُجَالَسَتُهُمْ زِيَادَةٌ )؛ (10) ..
    والعلماء في الحديث القادة هم العلماء الربانين "العارفين بالله":

    لأن ابن مسعود رضي الله عنه، كان يقول: ( المتَقُونَ سَاّدَةٌ، والفُقَهْاءُ قَاْدةٌ، ومُجَالَسَتُهُمْ زِيَادَةٌ )؛ (11) ..
    فقد قدم رضي الله عنه، المتقون على الفقهاء، بينما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، العلماء على المتقين ..
    فالفقهاء المجتهدين كانوا أئمة الشرع والدين، وفاقوا العلماء العاملين والحفاظ المحدثين ..
    فقد رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، أَنَّهُ قَالَ: ( خِيَارُ أُمَّتِي عُلَمَاؤُهَا، وَخِيَارُ عُلَمَائِهَا فُقَهَاؤُهَا )؛ (12) ..
    ومن تقدم على الجميع وكانوا القادة إلى الحق، هم العلماء الربانين الملهمين وليسوا بأنبياء ..

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ: ( إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ كَهَيْئَةِ الْمَكْنُونِ، لا يَعْرِفُهُ إِلا الْعُلَمَاءُ بِاللَّهِ، فَإِذَا نَطَقُوا بِهِ لَمْ يُنْكِرْهُ إِلا أَهْلُ الْغِرَّةِ بِاللَّهِ )؛ (13) ..
    عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ‏لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏رِجَالٌ يُكَلَّمُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْ أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ ‏ ‏فَعُمَرُ )؛ (14) ..

    ونعود الآن إلى نقد الناقد، حول نقله عن الشيخ محمد حبش: ( الوصول إلى الله لا يمكن أن يتم بغير صحبة العالم العارف، بل هو المظهر الذي عينه الله للمريد )؛ اهـ

    نقول: قال الله تعالى: { ....... وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ } [البقرة : 58] ..
    أو قوله عز من قائل: { وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ } [الأعراف : 161] ..
    السؤال الآن:
    ما هو هذا الباب الذي يُدخل إليه بالسجود، وحط النفس للطاعة، دون أن يفتح؟! ..
    إن لم يكن الإمام القدوة نبياً كان أم وصياً، ولنقل الخليفة الوارث للحق، وفق قوله تعالى: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ...... } [البقرة : 30] ..
    فمن يكون أو ماذا يكون هذا الباب الذي يدخل إليه لا من خلاله، والذي بدخوله مغفرة من الله وزيادة للمحسنين، إن لم يكن باب الدخول إلى الله تعالى ..
    يقول الله تعالى بالحديث القدسي، على لسان سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: ( وعِزْتِي وجَلَاّلِي يَا مُحَمّد، لَوّ سَلَكْوا إِلَيَ كُلَ طَرِيْقِ، واَسْتَفْتَحُوا عَلْيَ كُلَ بَاْبِ، مَاّ فَتْحُتَ لَهُمْ حَتَىَ يَأْتُوا خَلْفَكَ يَا مُحَمّد )؛ (15) ..
    فمن لم يكن له باب فليس له نور، ومن لم يكن له نور فما له من نور ..
    أما جذبة المرشد المربي فهي جذبة المحبة، فعلى قدر المحبة يكون التلقي والأخذ من المرشد والاستفادة ..
    فالله تعالى يقول: { .................. َلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .................. } [الكهف : 28]


    ----------------------
    (1) رواه الديلمي في "مسند الفردوس" [ج1/ص: 135/ر:474] ..
    (2) رواه الدارمي في "سننه" [ج1/ص: 101/ر:297]؛ ورواه القرطبي في "الجامع" [ج2/ص: 811/ر:939]؛ ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" [ج1/ص: 77/ر:234]؛ ورواه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج1/ص: 23/ر:3] ..
    (3) ورد في "الإحياء" للغزالي [ج1/ب 3/ص: 32]؛ وفي "شرح النهج" لابن أبي الحديد [ج18/ص: 243/ر:87]؛ وفي "أدب الدنيا" للماوردي [ج1/ص: 37] ..
    (4) رواه أبو نعيم مرفوعا في "حلية الأولياء" [11616]؛ ورواه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج1/ص: 40/ر:148]؛ ورواه السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" [467]، ورواه الشوكاني في "الفوائد المجموعة" [ج1/ص: 139/ر:876]، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" [8838]، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" [1539]، ورواه الخوجاني في "أحاديث منتخبة" [21] بلفظ: [ لا تَجْلِسُوا عِنْدَ كُلِّ عَالِمٍ، وَلا تَجْلِسُوا إِلا عِنْدَ عَالِمٍ يَدْعُوكُمْ مِنْ خَمْسٍ إِلَى خَمْسٍ : مِنَ الشَّكِّ إِلَى الْيَقِينِ ، وَمِنَ الْكِبْرِ إِلَى التَّوَاضُعِ ، وَمِنَ الرِّيَاءِ إِلَى الإِخْلاصِ ، وَمِنَ الْعَدَاوَةِ إِلَى النَّصِيحَةِ ، وَمِنَ الرَّغْبَةِ إِلَى الرَّهْبَةِ ]، وذكره الإمام الغزالي في "الإحياء" [ج1/ص: 63]؛ وذكره شقيق البلخي كثيرا في مجالس وعظه مرفوعا، لذلك يصح مرسلا عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ..
    (5) رواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 608/ر:4597]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4597]؛ ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 414/ر:3993]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3242]؛ وصححه الحاكم في "المستدرك" [ج1/ص: 218/ر:443]، وقال: هَذِهِ أَسَانِيدُ تُقَامُ بِهَا الْحُجَّةُ فِي تَصْحِيحِ هَذَا الْحَدِيثِ؛ ووافقه الذهبي في "التلخيص" [ج1/ص: 128]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج5/ص: 70/ر:16490]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج4/ص: 102]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (6) رواه الشيخان البخاري في "صحيحة" [ج4/ص: 1927/ر:4770]، ومسلم في "صحيحة" [ج7/ص: 168/ر:2459]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 657/ر:4767]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4767]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 417/ر:2188]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2188]؛ ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج7/ص: 136/ر:4114]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:4113]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 98/ر:168]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:138]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 252/ر:1348]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج2/ص: 245]، وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج15/ص: 162/ر:6761]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأرناؤوط في "صحيح ابن حبان"؛ وخلاصة حكمه : [متفق عليه] ..
    (7) رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 166/ر:810]؛ وأبو يعلى في "مسنده" [ج12/ص: 116/ر:6749]؛ ورواه القرطبي في "مسنده البحر الزخار" [ج2/ص: 138/ر:499]؛ ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" [ج13/ص: 187/ر:12997]؛ والذهبي في "تاريخ الإسلام" [ج1/ص: 406/ر:388]؛ وهو مشهور، لأن أحمد لا يروي إلا الصحيح والمشهور؛ وهو صحيح بواقعه؛ وحكمه: [حسن لغيره] ..
    (8) رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 445/ر:7032]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج12/ص: 29]؛ وصححه الألباني في "الصحيحة" [ر:1619]، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:5288]، ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [3921]؛ وورد في "الإحياء" للإمام الغزالي [ج1/ص: 38]؛ وأخرجه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج1/ص: 145/ر:118]، بإسناد صحيح؛ وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
    (9) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" [ج50/ص: 251/ر:5829]، والشجري في "الأمالي الخميسية" [ج1/ص: 66/ر:241]؛ وفي "أضواء البيان" للشنقيطي [ج50/ص: 101]؛ ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" [ج1/ص: 79]؛ وورد في "نهج السعادة" للمحمودي [ج8/ص: 9]؛ وفي "أسمى المطالب" للصلابي [ج1/ص: 268]؛ وفي "صفة الصفوة" لابن الجوزي [ج1/ص: 329]؛ وفي "الفقيه والمتفقه" للخطيب [ج1/ص: 50]؛ وفي "الجليس الصالح" للنهرواني [ج3/ص: 331]؛ وفي "تهذيب الكمال" للمزي [ج3/ص: 1150]؛ وفي "تذكرة الحفاظ" للذهبي [ج1/ص: 11]؛ وفي "مفتاح السعادة" لابن القيم [ج1/ص: 403] ..
    (10) رواه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:5704]، والعجلوني في "كشف الخفاء" [ج2/ص: 83]، وقال: رجاله ثقات ..
    (11) رواه الهيثمي في "مجمع الزوائد" [ج1/ص: 130]، وقال: رجاله موثقون ..
    (12) ورد في "أدب الدنيا" للماوردي [ج1/ص: 39] ..
    (13) رواه المنذري في "الترغيب" [ج1/ص: 58/ر:141]؛ ورواه الديلمي في "مسند الفردوس" [ج1/ص: 210/ر:802]؛ ورواه الشوكاني في "الفوائد المجموعة" [ج1/ص: 353/ر:496]؛ وفي "فيض القدير" [ج4/ص: 430/ر:5473]؛ ورواه المتقي الهندي في "كنز العمال" [ج10/ص: 324/ر:28942]؛ ورد في "إيقاظ الهمم" لابن عجيبة [ج1/ص: 87]؛ وورد في "قوت القلوب" للمكي [ج1/ص: 244]؛ وورد في "الإحياء" [ج1/ص: 100] وفي "مشكاة الأنوار" [ج1/ص: 1] للغزالي؛ ورواه العراقي مرفوعا في "تخريج الإحياء" [ج1/ص: 39/ر:71]، وورد في "روح المعاني" للألوسي [ج16/ص: 21]؛ وورد في "البحر المديد" لابن عجيبة [ج1/ص: 117]؛ وورد في "مفاتيح الغيب" للفخر الرازي [ج1/ص: 269]؛ ورواه السيوطي في "اللآلئ المنثورة" [ج1/ص: 202]، وقال: رجاله موثوقون ..
    (14) رواه البخاري في "صحيحة" [ج3/ص: 1349/ر:3446]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (15) رواه أبو نعيم في "الحلية" [ج10/ص: 257]؛ والخطيب في "الفقيه والمتفقه" [ج1/ص: 389]؛ والسلمي في "طبقات الصوفية" [ج1/ص: 132] ..
    ورواه ابن الجوزي في "تلبيس ابليس: [ج1/ص: 19]؛ من طريق جعفر بن محمد الخلدي قال: سمعت الجنيد يقول: ( الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول واتبع سنته ولزم طريقته فإن طريق الخيرات كلها مفتوحة عليه )؛ ورد في "الحلية" لأبو نعيم [ج10/ص: 257]؛ وفي "مدارج السالكين" لابن القيم [ج3/ص: 121] ..
    ورواه ابن القيم في "جلاء الأفهام" [ج1/ص: 311]: وقال الجنيد رحمه الله: يقول الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم: ( وعزتي وجلالي لو أتوني من كل طريق أو استفتحوا من كل باب لما فتحت لهم حتى يدخلوا خلفك )؛ اهـ
    وقد قال شيخ الطريقة وإمام الطائفة الجنيد بن محمد قدس الله روحه: الطرق كلها مسدودة إلا طريق من اقتفى آثار النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله عز و جل يقول: ( وعزتي و جلالي لو اتوني من كل طريق واستفتحوا من كل باب لما فتحت لهم حتى يدخلوا خلفك )؛ ورد في "طريق الهجرتين" لابن القيم [ج1/ص: 9] ..


    ==================

  10. #100
    الفصل الثالث: أداب السالك مع المرشد:

    يقول الناقد دمشقية في "الطريقة النقشبندية" [ص: 244 – 255]، ما نصه:
    "آداب المريد مع شيخه"

    * أن يكون مستسلما منقادا راضيا بتصرفات الشيخ يخدمه بالمال والبدن لأن جوهر الإرادة والمحبة لا ينبني إلا بهذا الطريق، ولا ينكر عليهم شيئا من أفعالهم لأن المنكر عليهم لا ينجو.

    وفضلوا خدمة الشيخ على التقرب الى الله بالنوافل بل على أي عمل صالح آخر كما قال محمد أمين الكردي «قال بعضهم: الخدمة عند القوم من أفضل العمل الصالح» (1).
    فقال عبيد الله أحرار «وظن بعض الناس أن الاشتغال بالنوافل أولى من خدمة الشيخ وليس كذلك، فإن نتيجة الخدمة المحبة وميل القلوب لأنها جبلت على حب من أحسن اليها، وفرق بين ثمرة النوافل وثمرة الخدمة» (2).

    وقد تجاهلوا ثمرة التقرب الى الله بالنوافل وهي محبة الله كما قال «ولا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى أحبه». زاعمين أنه لا يزال المريد يتقرب الى الشيخ بالخدمة حتى يحبه!!!
    وزعموا في ذلك أن صوفيا رأى النبي في المنام فسأله أن يوصيه فقال له النبي: وقوفك بين يدي ولي الله كحلب شاة أو شي بيضة خير لك من أن تعبد الله حتى تتقطع اربا اربا، قال: حيا أم ميتا يا رسول الله؟ قال: حيا كان أو ميتا» (3).
    أن يحب ما يحبه شيخه ويكره ما يكرهه. وأن لا يتوجه الا لما أراده شيخه رافعا نظره عن غيره.
    * أن يكون اعتقاده مقصورا على معتقد شيخه.
    * أن يفنى في الشيخ في ذاته وأفعاله وصفاته فان الفناء في الشيخ مقدمة للفناء في الله (4).
    * أن لا يتوضأ بمرأى من شيخه ولا يصلي النوافل بحضرته بل زاد السرهندي على ذلك فقال: ولا يذكر الله الا بإذن الشيخ (5).
    * أن لا يتوجه الا لما أراده الشيخ.
    * أن لا يتكلم في مجلس قط الا بدستور شيخه إن كان جسمه حاضرا، وإن كان غائبا يستأذنه بالقلب (6).
    * أن لا يشرب ماء ولا يأكل طعاما ولا يكلم أحدا في حضور شيخه.
    * أن لا يكون متوجها الى أحد. ولا يمد رجله عند غيبة شيخه الى جانب هو فيه ولا يرمي بصاقه الى ذلك الجانب. أي الجهة التي يكون فيها الشيخ في أي مكان في العالم.
    * أن لا ينكر على شيخه قولا أو فعلا ظاهرا كان أم باطنا: لأن شيخه بيد الله تعالى: والله لا يأمر بالفحشاء والمنكر.
    * أن يعتقد أن كل شيء يصدر عن شيخه يعتبره صوابا وان لم يره صوابا في الظاهر فانه يفعل ما يفعله بطريق الالهام والاذن (7).
    * أن لا يقوم في محل يقع ظله على ثوب شيخه أو ظله (8).
    * أن لا يضع رجله في مصلاه.
    * أن يكون بين يديه كالميت بين يدي غاسله لا يخالفه في شيء مطلقا (9).
    ثم أنشد الكردي شعرا يبين كيف يكون المريد من شيخه فقال:

    وكن عنده كالميت عند مغســـــــل يقلبه ما شاء وهو مطـــــــاوع
    ولا تعترض فيما جهلت من أمره عليه فان الاعتراض تنــــــــازع
    وسلم له فيما تراه ولو يكـــــــــــن على غير مشروع فثم مخـادع (10).
    فتأمل صفات المريد تجاه شيخه: استسلام وانقياد مطلق كأنه ميت. ثم تأمل ما قاله في موضع آخر من نفس الكتاب أن أكمل أحوال العبد مع الله « أن يكون بين يدي الله تعالى كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف اراد (11).
    وماذا لو كان المريد فتاة تريد أن تتخذ لها شيخا؟ أليس مطلوبا منها أن تكون ميتة (أو مستلقية) بين يدي الشيخ وأن لا تعترض على ما ظاهره حراما؟
    ولقد حيرنا هذا الرجل فتارة يأمر المريد بأن يكون بين يدي شيخه كالميت بين يدي غاسله وتارة يأمرنا بأن نكون بين يدي الله كالميت بين يدي مغسله!
    * أن لا ينكر على أفعالهم فإن المنكر عليهم لا ينجو» (12).
    * أن يرى كل نعمة إنما هي من شيخه (13).
    * أن لا يعترض عليه فيما فعله ولو كان ظاهره حراما
    * أن لا يشير على الشيخ برأيه... بل يرد الأمر الى شيخه اعتقادا منه أنه أعلم منه بالأمور وغني عن استشارته» (14). وهذا معناه والله « فان تنازعتم في شيء فردوه الى الشيخ ذلك خير وأحسن تأويلا »!!!
    أين هذه التعاليم الهندوكية من أمر الله لنبيه بمشورة أصحابه {وشاورهم في الأمر} وقد كان يستشيرهم دائما كقوله « أشيروا علي أيها الأنصار ». وقد أشار عليه الحباب بن المنذر بخلاف رأيه يوم بدر فقال له رسول الله « لقد أشرت بالرأي» فأقره على نصيحته.
    فهذا رسول الله لم يستغن عن مشورة أصحابه وهو المعصوم. فهذه التعاليم النقشبندية تجعل للمشايخ العصمة والكمال المطلق وهذا تقديس في صورة أدب! قال تعالى {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}. هؤلاء وإن ادعوا أنهم لا يدعون العصمة للمشايخ فان لسان حالهم يؤكد اعتقادهم العصمة.
    فهل هذا الا طلب الشرف في الدين وتحقيق الملذات والتسلط على العوام باسم الدين وباسم التأدب مع الشيخ.

    فالمشيئة مشيئتهم والأمر أمرهم والخدمة لهم أحب الى الله من صلاة النوافل اليه.
    وهم يراقبون المريد ولو من بعيد، ويغيثون المكروب ويقلبون الشقي الى سعيد.
    الاستسلام لمعاصيهم طاعة، والاعتراض على معاصيهم معصية.
    من رأى منهم غلطا فليقل هذا ظاهره خطأ ولكن باطنه صواب.
    التوجه الى الله لا يكون الا بهم.
    بيوتهم قبلة ولنعالهم ألف وألف قبلة.
    وفي ذلك الاستسلام المطلق للشيخ، يقول محمد أمين الكردي «إعلم أن كل ما وضعوه من الآداب للمريدين كتغميض العين وقت الذكر وإغلاق الأبواب فينبغي أن تتلقاه بالقبول وتعلم أنهم اقتبسوه من مصباح السنة، فاذا أردت أدبا من آدابهم ولم تعرف مأخذه من السنة فلا ينبغي أن تطيل لسانك بالاعتراض عليهم » (15).

    وهذه دعوة الى التقديس وتهديد للمعترض بالحرمان على نمط وثائق الحرمان الكنسي عند النصارى لكل من يجرؤ على الاعتراض على البابا الممثل لإرادة الله على الأرض!!!

    انها تعاليم تحجر العقل وتروض على الذل وهدم الشخصية. إذ أن هؤلاء لما رأوا العقل لا يقبل بدعهم سارعوا الى الهيمنة على عقول العوام وتسلطوا عليها بالتخويف والتهديد والطرد من رحمة الله، وسلب الفيوضات التي أفاضها الشيخ على المريد مما يجعل المريد عبدا يحقق كل معاني الاسلام للشيخ لا لله. ولا تنس أن للمشايخ مريدات لا مريدين فقط: والباقي عندك أيها القارىء.
    ----------------------
    (1) ورد في "تنوير القلوب" للزملكاني [ج1/ص: 528 - 530]؛ وفي "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 79]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 112] ..
    (2) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 163]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 161] ..
    (3) ورد في "بارق الحمى" للمهدي الرواس [ج1/ص: 47 و181] ..
    (4) ورد في "السعادة الأبدي" للخاني [ج1/ص: 30] ..
    (5) ورد في "المكتوبات الربانية" للسرهندي [ج1/ص: 347] ..
    (6) ورد في "البهجة السنية" للخاني [ج1/ص: 26] ..
    (7) ورد في "السبع الأسرار" للمعصوم [ج1/ص: 107]؛ وفي "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 347] ..
    (8) ورد في "المكتوبات الربانية" للسرهندي [ج1/ص: 347] ..
    (9) ورد في "الحديقة الندية" للبغدادي [ج1/ص: 76 – 77]؛ وفي "البهجة السنية" للخاني [ج1/ص: 25و41و57]؛ وفي "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 73] ..
    (10) ورد في "تنوير القلوب" للزملكاني [ج1/ص: 529] ..
    (11) ورد في "تنوير القلوب" للزملكاني [ج1/ص: 479 – 528]؛ وفي "الحديقة الندية" للبغدادي [ج1/ص: 38]؛ وفي "البهجة السنية" للخاني [ج1/ص: 25] ..
    (12) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 79]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 112] ..
    (13) ورد في "المواهب السرمدية" [ج1/ص: 494 – 495]؛ وفي "تنوير القلوب" [ج1/ص: 529]، وهما لأمين الزملكاني ..
    (14) ورد في "تنوير القلوب" للزملكاني [ج1/ص: 529]؛ وفي "البهجة السنية" للخاني [ج1/ص: 41] ..
    (15) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 323] ..
    =======================

  11. #101
    الجواب:
    حول أقوال الناقد:
    قول الناقد: [أن يكون مستسلما منقادا راضيا بتصرفات الشيخ يخدمه بالمال والبدن لأن جوهر الإرادة والمحبة لا ينبني إلا بهذا الطريق، ولا ينكر عليهم شيئا من أفعالهم لأن المنكر عليهم لا ينجو]
    نقول:
    هذه اختبارات وميزان لتحديد درجة الصدق عند المريد بالطلب لأن هذه الطريقة هي طريقة الصحابة الكرام المهاجرين أهل العزم، الذين لاقوا الأَّمَرْيّنْ من عذاب مشركي قريش وثبتوا على دينهم فأدركوا الدرجات العلا، لأنه عهد مع الله في النهاية قبل أن يكون مع خليفته في الأرض الأكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، له ومن خلفه بالحق؛ من خلال نائبه بالحق ..
    يقول الله تعالى: { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً } [الأحزاب : 23] ..
    وبيان ذلك في قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } [الفتح : 10] ..
    قول الناقد: [وفضلوا خدمة الشيخ على التقرب الى الله بالنوافل بل على أي عمل صالح آخر كما قال محمد أمين الكردي «قال بعضهم: الخدمة عند القوم من أفضل العمل الصالح»؛ فقال عبيد الله أحرار «وظن بعض الناس أن الاشتغال بالنوافل أولى من خدمة الشيخ وليس كذلك، فإن نتيجة الخدمة المحبة وميل القلوب لأنها جبلت على حب من أحسن اليها، وفرق بين ثمرة النوافل وثمرة الخدمة».]
    نقول:
    لم يفضلوا خدمة الشيخ على ما يقرب إلى الله، بل جعلوا من خدمة الشيخ وسيلة للتقرب إلى الله، لأنه بابهم إلى التقرب من الله تعالى مع الورد والنوافل، وذلك عملاً بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [المائدة : 35] ..
    ففي الآية ابتغاء الواسطة أو الوسيلة مقدم على المجاهدة للنفس ..
    فإن كان الورد والنوافل كتاب فالشيخ هو معلم هذا الكتاب، فكل مريد له طريقة للورد الخاص مع الورد العام، ونوافل تتناسب مع طبيعته النفسية، إضافة إلى الدعم المعنوي الإرشادي والموعظة من قبل المرشد، إضافة إلى الزخم الروحي أو القلبي، وكما أن المريض يستسلم للطبيب بغية شفاء البدن، فإن المريد يستسلم للمرشد بغية شفاء القلب، ونجاة البدن من عذاب الجحيم ..
    والوسيلة هي الواسطة الموصلة إلى الله، فالمرشد هو مفتاح باب النبوة الذي هو المدخل إلى الله، أو الزورق الموصل إلى السفينة النجاة المحمدية، ولا يكون ذلك إلا بخدمة الولي المرشد أو المرشد المربي، وتمام الخضوع لتوجيهاته وطاعة رغباته الربانية بالحق، لقوله تعالى: { وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ } [البقرة : 58]، وكما في الآية الزيادة بالتقرب على قدر الإحسان بصدق الخضوع وحط الطاعة للمرشد المربي ..
    فالآية صريحة تقول أدخلوا الباب ولا ليس ادخلوا من الباب، وهذا يعني دخول معية، لقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ } [التوبة : 119] ..
    وقوله عز من قائل: { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } [الكهف : 28] ..
    ودخول الباب وهو المرشد للحق، قلبي فقلب المرشد عين يضيء الحق للمريد بوجود الرابطة القلبية رابطة المحبة، وقلب المرشد العارف، آلية مجربة لكسب الإيمان ومشرب بالحق للتقوى، لأنه المثل الأعلى وعين الفضيلة المورثة من سيد الأخلاق صلى الله عليه وآله وسلم، ومصدر العلم الشريف، لقوله تعالى: { عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً } [الإنسان : 6] ..
    فالله تعالى قال بها وليس منها! ..
    فقلب المرشد الذي يرتبط به مريد الحق عين معاينة الحق ومكاشفاته، ومشرب الحقيقة الحقه ..
    نقول وتأويل هذه الرابطة، وخدمة المرشد، ما جاء بالسنة الصحيحة:
    عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيَّ رضي الله عنه، يَقُولُ: ( كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آتِيهِ بِوَضُوئِهِ وَبِحَاجَتِهِ، فَقَالَ: (( سَلْنِي ))؛ فَقُلْتُ: مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: (( أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ )) قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: (( فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ )) )؛ (1) ..
    فربيعة هذا كان يخدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، دون أن يكون مولاً عنده، فعندما طلب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أن يكون رفيقه بالجنة، لقاء خدمته؛ طلب منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أن يعينه على كثرة السجود دون تحديد وجهة السجود، أي بالخضوع المطلق للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، حتى يسلك به طريق إلى الجنة بمعيته أو شفاعته، وذلك بطاعته المطلقة فيما يرضا الله، مع زيادة خدمته، حتى تتكون رابطة زيادة المحبة مع الرحمة المهداة صلى الله عليه وآله وسلم ..
    عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ: ( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِدِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )؛ (2) ..
    فهنا الإيمان لا يتحقق إلا بمحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا تتحقق هذه الرابطة الإيمانية إلا بمحبة الوصي المرشد المربي ..
    وعلامة المحبة الطاعة، فقد صدق شاعر الفقهاء، وفقيه الشعراء الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، حين قال: ( لَوْ كَاّنَ حُبُّكَ صَاّدِقَاً لأَطَعْتَهُ، إنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ )؛ ورد في "الجوهر النفيس" للشافعي [ج1/ص: 96] ..
    وعن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ )؛ (3) ..
    ويوافق ذلك قوله تعالى: { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [آل عمران : 31] ..
    عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هِشَامٍ رضي الله عنه، قَالَ: ( كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، فَقَالَ لَهُ عُمَر: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ [أو: لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ] ))؛ قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ الآنَ وَاللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ (( الآنَ يَا عُمَرُ )) )؛ (4) ..
    يقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [الحديد : 28] ..

    حول قول الناقد:

    * أن يكون اعتقاده مقصورا على معتقد شيخه.
    * أن يفنى في الشيخ في ذاته وأفعاله وصفاته فان الفناء في الشيخ مقدمة للفناء في الله.
    * أن لا يتوضأ بمرأى من شيخه ولا يصلي النوافل بحضرته بل زاد السرهندي على ذلك فقال: ولا يذكر الله الا بإذن الشيخ.
    * أن لا يتوجه الا لما أراده الشيخ.
    * أن لا يتكلم في مجلس قط الا بدستور شيخه إن كان جسمه حاضرا، وإن كان غائبا يستأذنه بالقلب.
    * أن لا يشرب ماء ولا يأكل طعاما ولا يكلم أحدا في حضور شيخه.
    * أن لا يكون متوجها الى أحد. ولا يمد رجله عند غيبة شيخه الى جانب هو فيه ولا يرمي بصاقه الى ذلك الجانب. أي الجهة التي يكون فيها الشيخ في أي مكان في العالم.
    * أن لا ينكر على شيخه قولا أو فعلا ظاهرا كان أم باطنا: لأن شيخه بيد الله تعالى: والله لا يأمر بالفحشاء والمنكر.
    * أن يعتقد أن كل شيء يصدر عن شيخه يعتبره صوابا وان لم يره صوابا في الظاهر فانه يفعل ما يفعله بطريق الالهام والاذن.
    * أن لا يقوم في محل يقع ظله على ثوب شيخه أو ظله.
    * أن لا يضع رجله في مصلاه.
    * أن يكون بين يديه كالميت بين يدي غاسله لا يخالفه في شيء مطلقا.
    نقول:
    • من الطبيعي أن يكون معتقده ومسلكه مسلك مرشده ومربيه، فلولا ذلك لما حصل الفائدة، وضل في شتات تعدد المسالك والمعتقدات، وهذه مهلكة لا ريب فيها ..
    • من الطبيعة أن يتشرب منه الفضل برابطة المحبة، ويرقى بقلب شيخه التقي مراقي أهل التقوى ويصبح في زمرته يوم القيامة، لقوله تعالى: { وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً } [الزمر : 73] ..
    • هذه مناحي تأدب ووقار للشيخ:
    عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( مَنْ وَقَّرَ عَالِمًا فَقَدْ وَقَّرَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَوْجَبَ الثَّوَابَ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وبرواية أخرى: فَقَدْ اسْتَوْجَبَ الْمَآبَ )؛ (5) ..
    عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ )؛ (6) ..
    فالله تعالى يقول: { وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً } [الكهف : 28] ..
    ويقول جل من قائل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ } [الحجرات : 2] ..
    وقال عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً } [الأحزاب : 53] ..
    ويقاس على هذا القياس الوارث المحمدي ..

    حول قول الناقد:
    ثم أنشد الكردي شعرا يبين كيف يكون المريد من شيخه فقال:

    وكن عنده كالميت عند مغســـــــل يقلبه ما شاء وهو مطـــــــاوع
    ولا تعترض فيما جهلت من أمره عليه فان الاعتراض تنــــــــازع
    وسلم له فيما تراه ولو يكـــــــــــن على غير مشروع فثم مخـادع.
    فتأمل صفات المريد تجاه شيخه: استسلام وانقياد مطلق كأنه ميت. ثم تأمل ما قاله في موضع آخر من نفس الكتاب أن أكمل أحوال العبد مع الله « أن يكون بين يدي الله تعالى كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف أراد ».
    وماذا لو كان المريد فتاة تريد أن تتخذ لها شيخا؟ أليس مطلوبا منها أن تكون ميتة (أو مستلقية) بين يدي الشيخ وأن لا تعترض على ما ظاهره حراما؟
    ولقد حيرنا هذا الرجل فتارة يأمر المريد بأن يكون بين يدي شيخه كالميت بين يدي غاسله وتارة يأمرنا بأن نكون بين يدي الله كالميت بين يدي مغسله!
    * أن لا ينكر على أفعالهم فإن المنكر عليهم لا ينجو».
    * أن يرى كل نعمة إنما هي من شيخه.
    * أن لا يعترض عليه فيما فعله ولو كان ظاهره حراما.
    * أن لا يشير على الشيخ برأيه... بل يرد الأمر الى شيخه اعتقادا منه أنه أعلم منه بالأمور وغني عن استشارته».
    وهذا معناه والله « فان تنازعتم في شيء فردوه الى الشيخ ذلك خير وأحسن تأويلا »!!!
    أين هذه التعاليم الهندوكية من أمر الله لنبيه بمشورة أصحابه {وشاورهم في الأمر} وقد كان يستشيرهم دائما كقوله « أشيروا علي أيها الأنصار ». وقد أشار عليه الحباب بن المنذر بخلاف رأيه يوم بدر فقال له رسول الله « لقد أشرت بالرأي» فأقره على نصيحته.
    فهذا رسول الله لم يستغن عن مشورة أصحابه وهو المعصوم. فهذه التعاليم النقشبندية تجعل للمشايخ العصمة والكمال المطلق وهذا تقديس في صورة أدب! قال تعالى {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}. هؤلاء وإن ادعوا أنهم لا يدعون العصمة للمشايخ فان لسان حالهم يؤكد اعتقادهم العصمة.
    فهل هذا الا طلب الشرف في الدين وتحقيق الملذات والتسلط على العوام باسم الدين وباسم التأدب مع الشيخ.

    فالمشيئة مشيئتهم والأمر أمرهم والخدمة لهم أحب الى الله من صلاة النوافل اليه.
    وهم يراقبون المريد ولو من بعيد، ويغيثون المكروب ويقلبون الشقي الى سعيد.
    الاستسلام لمعاصيهم طاعة، والاعتراض على معاصيهم معصية.
    من رأى منهم غلطا فليقل هذا ظاهره خطأ ولكن باطنه صواب.
    التوجه الى الله لا يكون الا بهم.
    بيوتهم قبلة ولنعالهم ألف وألف قبلة.
    وفي ذلك الاستسلام المطلق للشيخ، يقول محمد أمين الكردي « إعلم أن كل ما وضعوه من الآداب للمريدين كتغميض العين وقت الذكر وإغلاق الأبواب فينبغي أن تتلقاه بالقبول وتعلم أنهم اقتبسوه من مصباح السنة، فاذا أردت أدبا من آدابهم ولم تعرف مأخذه من السنة فلا ينبغي أن تطيل لسانك بالاعتراض عليهم ».

    وهذه دعوة الى التقديس وتهديد للمعترض بالحرمان على نمط وثائق الحرمان الكنسي عند النصارى لكل من يجرؤ على الاعتراض على البابا الممثل لإرادة الله على الأرض!!!.

    انها تعاليم تحجر العقل وتروض على الذل وهدم الشخصية. إذ أن هؤلاء لما رأوا العقل لا يقبل بدعهم سارعوا الى الهيمنة على عقول العوام وتسلطوا عليها بالتخويف والتهديد والطرد من رحمة الله، وسلب الفيوضات التي أفاضها الشيخ على المريد مما يجعل المريد عبدا يحقق كل معاني الاسلام للشيخ لا لله. ولا تنس أن للمشايخ مريدات لا مريدين فقط: والباقي عندك أيها القارىء.

    نقول:
    أن يكون المريد تام الخضوع مطلق التبعية كالميت بين يدي الغسال، هذا أمر طبيعي إن كان متحقق أن مرشده المربي تقي صادق، لأنه مدخله الإيماني إلى الحق، عملاً بقوله تعالى: { وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ } [الأعراف : 161] ..
    فالقرية هنا من الناحية المعنوية من القرار وهو الإقرار الإيماني، والأكل هو الاستزادة من الكسب الإيماني المعرفي ومذاقه الوجداني، وتصديقه وتحقيقه الأخروي الثابت ..
    والشيخ الوارث محفوظ وليس معصوم إنما هو وسيلة الدخول إلى الله، وليس غاية، وغير ذلك مغالاة لا حقيقة لها عند السادة النقشبندية ..
    والمريد يجب أن يكون متعلم أو عالم وليس إمعة، يتبع المرشد بداية بحسن الظن، حتى يتحقق، من مقام القرب والصدق عند الله، فيكون حينها بين يديه كالميت بين يدي الغسال ..
    فهو مع شيخه متبصر بمقام الشيخ وبما هو قائم عليه:
    لقوه تعالى: { قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [يوسف : 108]
    وفي السنة المشرفة:
    عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما، أَنَّ رَجُلا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ عَنِ الشَّهَادَةِ [أي: شهادة التوحيد]، فَقَالَ: ( هَلْ ترى الشَّمْسَ؟ )؛ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ( فَعَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ، أَوْ دَعْ )؛ (7) ..

    عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: ( لَمَاَ هَاَّجْرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ ، كان رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ ، يَرْكَبُ وَأَبْوُ بَكْرْ رَدِيِفَهُ، وَكَاَنَ أَبْوُ بَكْرْ يَعْرِفُ الْطَّرِيْقُ لِاْخْتِلَاَّفِهِ إِلَىْ الْشَّاَّمِ، فَكَاَنَ يَمرُّ بِالْقَوُّمِ، فَيَقُوُّلُوُّنَ: مَنْ هَذَاَ بِيِنَ يَدِيْكَ يَاَ أَبَاَ بَكْرِ، فَيّقُوُّلُ: (( هَاَّدِ يَهْدِيِنيِ الْسَبْيِلْ )) )؛ (8) ..
    وقد صدق الصديق فالإمام الوارث الرباني هادي يهدي إلى صراط الله المستقيم: { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [الشورى : 52] ..
    ولا يكون ذلك إلا لمؤمن صدق بمقام مرشده ومربية عند ربه، وإلا فلا: { أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } [الزخرف : 40] ..
    وقوله عز من قائل: { وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ } [يونس : 43] ..
    أي ينظر إليك بمنظار بشر لبشر دون معرفة مقام النبوة فيك ..
    --------------------
    (1) رواه مسلم في "صحيحة" [ج4/ص: 428/ر:1094]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج1/ص: 421/ر:1320]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:1320]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (2) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج1/ص: 14/ر:15]، ومسلم في "صحيحة" [ج2/ص: 206/ر:167]؛ ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج8/ص: 488/ر:5028]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:5028]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 60/ر:67]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:56]؛ وراه الدارمي في "سننه" [ج2/ص: 763/ر:2640]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأسد في "سنن الدارمي" [ج2/ص: 397]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج4/ص: 190/ر:13547]، بإسناد صحيح، على شرط الشيخين؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج3/ص: 207]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
    (3) رواه البغوي في "شرح السنة" [ج1/ص: 212/ر:103]، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" [ج20/ص: 6/ر:1607]؛ ورواه ابن أبي عاصم في "السنة" [ج1/ص: 12/ر:15]؛ ورواه ابن بطة في "الإبانة" [ج1/ص: 110/ر:279]، بإسناد حسن؛ ورواه الهروي في "ذم الكلام" [ج2/ص: 171/ر:314]؛ وابن الجوزي في "ذم الهوى" [ج1/ص: 23/ر:9]؛ وورد في "نوادر الأصول" للحكيم الترمذي [ج4/ص: 164]؛ وحسنه الحافظ في "تخريج المصابيح" [ج1/ص: 131]، وقال في "فتح الباري" [ج13/ص: 289]: رجاله ثقات؛ وصححه الإمام النووي في "الأربعين" [ج1/ص: 82/ر:41]؛ وصححه ابن رجب في "جامع العلوم" [ج1/ص: 386]؛ وصححه أحمد شاكر في "عمدة التفسير" [ج1/ص: 533]؛ وصححه الحكمي في "معارج القبول" [ج2/ص: 422]؛ وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
    (4) رواه البخاري في "صحيحة" [ج6/ص: 2445/ر:6257]؛ وروا الإمام أحمد في "مسنده" [ج6/ص: 396/ر:21997]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج5/ص: 293]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (5) رواه الكتاني مرفوعا في "التنزيه" [ج2/ص: 303/ر:350]، والذهبي في "الاعتدال" [ج1/ص: 573]، وورد في "الأدب" للماوردي [ج1/ص: 75] ..
    (6) رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج6/ص: 441/ر:22249]، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:7694]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:5443]؛ وحسنه الهيثمي في "مجمع الزوائد" [ج1/ص: 132]، وصححه الحاكم في "المستدرك" [ج1/ص: 211/ر:421]؛ ووافقه الذهبي في "التلخيص" [ج1/ص: 122]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (7) رواه بلفظه أبو نعيم في "حلية الأولياء" [ج4/ص: 18/ر:4730]؛ والبيهقي في "شعب الإيمان" [7/ص: 455/ر:10974]؛ وبلفظ: ( لا تَشْهَدُ إِلا عَلَى مَا يُضِيءُ لَكَ كَضِيَاءِ هَذَا الشَّمْسِ، وَأَوْمَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّمْسِ )؛ رواه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 110/ر:7045]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ ..
    (8) رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج3/ص: 573/ر:11835]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج3/ص: 122]؛ ورواه أبو يعلى في "مسنده" [ج6/ص: 203/ر:3486]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    ========================

  12. #102
    الفصل الرابع: مدى سلطة المرشد على المريد:

    "الشيخ يأمر مريده بالسرقة"

    بل قد أرغموا المريد على ارتكاب المعصية مهما كبرت اذا أمر الشيخ مريده بها:
    وفي ذلك يحكون قصة للشيخ بهاء الدين مؤسس الطريقة أنه كان في بخارى مع تلميذه نجم الدين دادرك فقال الشيخ له « أتمتثل كل ما آمرك به؟ قال: نعم. قال: فإن أمرتك بالسرقة تفعلها؟ قال: لا. قال: ولِمَ؟ قال: لأن حقوق الله تكفرها التوبة، وهذه من حقوق العباد. فقال: إن لم تمتثل أمرنا فلا تصحبنا. ففزع نجم الدين فزعا شديدا وضاقت عليه الأرض بما رحبت وأظهر التوبة والندم وعزم على أن لا يعصي له أمرا فرحمه الحاضرون وشفعوا له عنده وسألوه العفو عنه فعفا عنه» (1).
    ---------------------------
    (1) ورد في "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 139]؛ وفي "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 138]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 140]؛ وفي "جامع الكرامات" للنبهاني [ج1/ص: 150] ..
    ======================
    الجواب:
    هذا ليس أمر بالسرقة بل اختبار لمدى صدق الطلب والتصديق بأهلية المرشد المطالب، عند المرشد الطالب ..
    فحاشا لله أن يأمره بمحرم، وهذا لن يحدث من باب الاستحالة الفعلية ..
    وهذا لا يحصل بالواقع ومخالف للتبعية، فهذا الصديق الأكبر رضي الله عنه، يقول في خطبة توليه الخلافة: ( إِنْيِ قَدْ وّلِيْتُ عَلِيّكُمْ، وَلَسْتُ بِخَيّرِكُمْ، فَإِنْ رَأّيِتُمُوّنِيِ عَلَىّ حَقِ فَأّعِيّنُوْنِيِ، وَإنْ رَأّيِتُمُوّنِيِ عَلَىّ بَاّطِلِ فَسَدِدُوّنِيَ، أَطِيِعُوْنِيِ مَاّ أَطَعْتُ الله فِيّكٌمْ، فَإِذَا عَصِيّتُهُ فَلَاّ طَاّعَةَ لِي عَلِيّكُمْ )؛ (1) ..
    عَنْ أبي تراب الإمام الغالب عَلِيٍّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآَلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )؛ (2) ..
    -----------------------
    (1) ورد في "الطبقات الكبرى" لابن سعد [ج3/ص: 183]؛ وفي "السيرة النبوية" لابن هشام [ج6/ص: 82]؛ وفي "تاريخ الطبري" لابن جرير [ج2/ص: 237]؛ وفي "البداية والنهاية" لابن كثير [ج5/ص: 284]؛ وفي "العقد الفريد" لابن عبد ربه [ج4/ص: 150]؛ وفي "جمهرة الخطب" لصفوت [ج1/ص: 180]؛ وقد رواه ابن إسحاق عن أنس بت مالك رضي الله عنه، بإسناد صحيح ..
    (2) رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 212/ر:1098]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أجمد شاكر في "المسند" [ج2/ص: 248]؛ وبإسناد صحيح، على شرط الشيخين؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج1/ص: 131]؛ وصححة القرطبي في "الاستيعاب" [ج3/ص: 26]؛ وابن القيم في "إعلام الموقعين" [ج1/ص: 58]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:9903]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:7520]؛ وصححه الشوكاني في "السيل الجرار" [ج2/ص: 55]؛ وقال في "الفتح الرباني" [ج10/ص: 4879]: ثابت في دواوين الإسلام؛ وحكمه: [صحيح] ..
    =========================

  13. #103
    يقول الناقد دمشقية في "الطريقة النقشبندية" [ص: 257 – 258]، ما نصه:

    "ومن آداب المريد مع شيخه"
    * أن لا يتزوج زوجة طلقها شيخه أو مالت نفسه إليها. ويلزم منه أن تنطبق أحكام تحريم زواج نساء النبي بنساء الولي. وكأن الله قال: وما كان لكم أن تؤذوا أولياء الله ولا أن تنكحوا أزواجهم من بعدهم أبدا إن ذلكم كان عند الاله عظيما.
    وبذلك تصير زوجات الأولياء أمهات المؤمنين (1) !!!

    * أن يلازم عند الذكر في مخيلته وبين عينيه صورة الشيخ وذلك من أصول الذكر (2). ولا يبعد عند هذه الحالة أن يتشكل الشيطان بصورة الشيخ فيكون التوجه عند الذكر للشيطان وحينئذ يفتح له عجائب الخيالات ويحصل الفناء في الشيطان في حين يظن المسكين انه فني في ذات الله.
    ----------------------
    (1) ورد في "تنوير القلوب" للزملكاني [ج1/ص: 529] ..
    (2) ورد في "تحقيق الرابطة" لذي الجناحين [ج1/ص: 9]؛ وفي "شفاء العليل" للمعصوم [ج1/ص: 78 و90]؛ وفي "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 494]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 145]؛ وفي "تنوير القلوب" للزملكاني [ج1/ص: 517]؛ وفي "السعادة الأبدية" للخاني [ج1/ص: 78]؛ وفي "البهجة السنية" للخاني [ج1/ص: 43]؛ وفي "نور الهداية" لزاده [ج1/ص: 38] ..
    =====================
    الجواب:
    نقول الزواج من زوجة من آل الشيخ المرشد أو تزوجها المربي المرشد، أو أعجبته، لأنها تكون الأفضل بالصلاح؛ أي تكون مرآة صالحة، وهي حسنة الدنيا، ولأن الرجل هو القوام على زوجته، ويجب أم يكون شيخها، فلا يحبذ ذلك، كما أن طلاقها من شيخه لعله قادحة، وإلا لما يطلقها من هو خير من المريد في الدين، وأبغض الحلال الطلاق ..
    عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: ( أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ مَا يُكْنَزُ؟ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ )؛ (1) ..
    وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بن العاص رضي اله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآَلِهِ وَسَلَّم، قَالَ: ( الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ )؛ (2) ..
    عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: قال ّرَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ( من الْسَّعَاّدَةِ الْمَرْأَةُ الْصَّاّلِحةُ تَرَاهَا تُعْجِبُكَ، وَتَغِيبُ فَتَأْمَنُهَا عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِكَ )؛ (3) ..
    حول قول الناقد: [أن يلازم عند الذكر في مخيلته وبين عينيه صورة الشيخ وذلك من أصول الذكر، ولا يبعد عند هذه الحالة أن يتشكل الشيطان بصورة الشيخ فيكون التوجه عند الذكر للشيطان وحينئذ يفتح له عجائب الخيالات ويحصل الفناء في الشيطان في حين يظن المسكين انه فني في ذات الله]
    نقول:
    عَنْ عُمَارَةَ بْنِ زَعْكَرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: (( إِنَّ عَبْدِي كُلَّ عَبْدِيَ، الَّذِي يَذْكُرُنِي وَهُوَ مُلَاقٍ قِرْنَهُ )) )؛ (4) ..
    ومن معاني قرنه، أي شيخه، أو قرينه الذي تركن له نفسه، ويطمأن له قلبه، أي ذكر الله وهو ناظر بوجه شيخه ولو بمخيلته، ذلك أن هذا الرجل هو بابه إلى الله، ومفتاح فتحه، بإذن الله، بجوهرة المكنون بمكانه عند الله، لا بصورته إنما الصورة مذكر لفضل الشيخ ومكانته لا أكثر ..
    وصدق من قال، وهو الشاعر المخضرم طرفة بن العبد: ( عَنْ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ، فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمُقَارَنِ يَقْتَدِي )؛ ورد في "نور القبس" للمرزباني [ج1/ص: 55] ..
    ويؤيد ذلك قوله تعالى: { وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً } [الكهف : 28] ..
    فحقيقة رؤيا المرشد هو رؤيا مقامه عند الحق، ورؤية وراثة مقام النبوة بالتبعية دون النبوة فيه:
    قَالَ أَبُو قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: ( مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ )؛ (5) ..
    وهذه الرؤيا هي رؤية حقيقة النبوة أو أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك رؤية خليفته، ويكون هذا بعين البصيرة، لقوله تعالى: { َإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } [الأعراف : 198] ..
    ومن يرى الحقيقة المحمدية عند الحق، يحقق تقوى القلوب، يرى ما في قوله جل من قائل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [الحديد : 28] ..
    وقيل قديما في الأثر: ( لَوْ حَسَّنَ أَحَدُكُمْ ظَنَّهُ بِحَجَرٍ لَنَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ )؛ (6) .. فقد ينتفع المرء من الحجر يبني به أو يتحصن به أو يسور به داراً أو حائطاً، أو يقدح ناراً، أو يستخرج منه معدنناً، أو يصبح تراباً ..
    هذا من حجر فكيف من بشر عرف بالصلاح وحسن الاستقامة والتقوى وصدق الإيمان والسريرة؛ اصطبغ بمعاني الربوبية التي انعكست في أخلاقه ومعاملاته وسلوكه، ليصبح عالما ربانياً، أورث بفضل الله وعونه وتوفيقه وهديه أتباعاً ربانين، عملاً بقوله تعالى: { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ } [آل عمران : 79] ..
    ------------------------
    (1) رواه أبو داود في "سننه" [ج1/ص: 522/ر:1664]، وابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 596/ر:1857]؛ وهما من أئمة الصحيح؛ ورواه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج3/ص: 432/ر:1432]، بإسناد صحيح؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:1774]؛ وصححه النووي في "الخلاصة" [ج2/ص: 1076]؛ وقال في "المجموع" [ج6/ص: 13]: إسناده صحيح، على شرط مسلم؛ وصححه الوادعي في "الصحيح المسند" [ر:581]، على شرط مسلم؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج1/ص: 567/ر:1487]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ..
    (2) رواه مسلم في "صحيحة" [ج10/ص: 298/ر:3628]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج2/ص: 156/ر:1855]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:1516]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (3) رواه الحاكم في "المستدرك" [ج2/ص: 175/ر:2684]، وقال: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ..
    (4) رواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 532/ر:3580]؛ وحسنه الحافظ العسقلاني في "الفتوحات الربانية" [ج5/ص: 62]؛ ورواه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" [ج15/ص: 24/ر:4678]؛ ورواه الدولابي في "الكنى والأسماء" [ج4/ص: 263/ر:895]؛ وورد في "تهذيب الكمال" للمزي [ج2/ص: 101]؛ وفي "جامع العلوم" لابن رجب [ج1/ص: 449]؛ وفي "تفسير القرآن" لابن كثير [ج4/ص: 71]؛ وفي "ميزان الاعتدال" للذهبي [ج3/ص: 83]؛ وفي "تحفة الأحوذي" للمباركفوري [ج9/ص: 98]؛ وفي "ذخيرة الحفاظ" لابن القيسراني [ج3/ص: 1656]؛ وحكمه: [حسن] ..
    (5) رواه البخاري في "صحيحة" [ج6/ص: 2568/ر:6595]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج6/ص: 416/ر:22100]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج5/ص:306]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (6) ورد في "كشف الخفاء" للعجلوني [ج2/ص: 152/ر:2087]؛ وفي "أسنى المطالب" للحوت [ج1/ص: 231/ر:1165]؛ وفي "المقاصد الحسنة" للسخاوي [ج1/ص: 542/ر:883]؛ وفي "الفوائد الموضوعة" للكرمي [ج1/ص: 137/ر:188]؛ وورد في "مختصر المقاصد" للزرقاني [ج1/ص: 816]؛ وفي "الإتقان" للغزي [ج2/ص: 456]؛ وفي "مجموع الفتاوى" لابن تيمية [ج11/ص: 213]؛ وفي "إغاثة اللهفان" لابن القيم [ج1/ص: 333]؛ وفي "المنار المنيف" لابن القيم [ج1/ص: 106] ..



    ====================

  14. #104
    يقول الناقد دمشقية في "الطريقة النقشبندية" [ص: 278 – 284]، ما نصه:
    "آداب الذكر عند الطريقة (1)"
    وهذا الذكر الخفي جعلوا له آدابا:
    تغميض العينين وإلصاق اللسان بسقف الحلق والأسنان بالأسنان والشفة بالشفة مع إطلاق النفس (2). وجعلوا اللسان مربوطا لأن الذكر عندهم بلسان القلب لأن القلب كله لسان عندهم كما قاله محمد مصطفى أبو العلا النقشبندي (3).

    أن يقول بقلبه: الهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي. هكذا واحد وعشرين مرة في نفس واحد (4). لترويضه على الوسوسة.
    أن يقول « لسان القلب» الله الله مئة مرة. هكذا من غير اقتران ألفاظ التنزيه الأخرى بلفظ الجلالة كلفظ: سبحان والحمد ولا اله الا.. الخ.
    قالوا: فان سلطان الذكر عندهم أن يقول (الله الله) وربما جرى على لسانه (الله (الله)( ) أو (هو هو) أو (ها ها) أو (هـ هـ) أو (آ آ) أو (أهـ أهـ) أو (لا لا) أو عياط بغير حرف أو صرع أو تخبط. فاذا داومت على الذكر بهذه الطريقة رأيت الذكر كنار تصعد وتحرق جميع الشهوات... ثم تشهد نارا صافية وهي علامة قوة الهمة، فإن رأيت اختلاطا في الألوان فهي حالة تلوين. وثبات لون الخضرة علامة على التمكين (4).
    وبهذا أبطلوا دور اللسان في الذكر. وهذه بدعة شنيعة فان مجموع الأحاديث تبين أن مدار الذكر على اللسان لا في القلب دون اللسان كقول النبي « لا يزال لسانك رطبا بذكر الله» (5) ولم يقل: لا يزال لسان قلبك؟
    استقبال القبلة في مكان خال.
    يقول بلسانه (الهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي).
    ويكرر الأذكار جميعها الى خمسة آلاف مرة..
    الجلوس متوركا عكس توركه للصلاة بأن يجلس على أليته اليسرى مخرجا الرجل اليمنى من تحت الرجل اليسرى (6) ويبين له الشيخ محل القلب الصنوبري وأنه تحت الثدي الأيسر بإصبعين.
    الذكر يكون خفيا.
    إغماض العينين وإطباق الفم ووضع اليد اليمنى بالمسبحة على القلب تحت الثدي الأيسر.
    الاستغفار خمسا وعشرين مرة.
    الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، خمسا وعشرين مرة.
    قراءة الفاتحة مرة. وسورة الاخلاص ثلاثا واهداؤها الى روح سيدنا محمد وأرواح سلسلة مشايخ الطريقة النقشبندية.
    رابطة الموت وهو استحضار النزع للروح وكأنه يعاين الموت ويسأله الملكان.
    رابـطـة المرشــد

    وذلك بأن يستحضر الشيخ وصورته في قلب الذاكر عند الذكر. على أساس أن الشيخ وسيلة المريد الذاكر الى الله يتقرب به الى الله زلفى. وقد عرف خالد البغدادي الرابطة بأنها «عبارة عن استمداد المريد من روحانية شيخه بكثرة رعاية صورته ليتأدب ويستفيض منه في الغيبة كالحضور» (7).
    وقيل: الفناء في الشيخ مقدمة الفناء في الله (8). وهذا من أهم المهمات وآكد الآداب في العبادة (9).

    أما من ينكر شيئا من هذه الآداب أو يشك في أنها مبنية على أصول السنة فيقول الشيخ محمد أمين الكردي «وهذا الأمر لا يجحده الا من كتب الله على جبهته الخسران واتسم والعياذ بالله بالمقت والحرمان أولئك هم الأخسرون أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا» (10 ).
    -------------------------
    (1) هذه المعلومات مستفادة من كتاب "الشيخ محمد الحامد" [ص: 182-188] لعبد الحميد طهماز وفي "تنوير القلوب" للكردي الزملكاني [ج1/ص: 511] ..
    (2) ورد في "الحديقة الندية" للبغدادي [ج1/ص: 79]؛ وفي "البهجة السنية" للخاني [ج1/ص: 49]؛ وفي "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 30] ..
    (3) ورد في "القصور العوالي" للغزالي [ج4/ص: 182]؛ تحقيق أبو العلا النقشبندي ..
    (4) ورد في "تنوير القلوب" للزملكاني [ج1/ص: 512-515]؛ وفي "شفاء العليل" للمعصوم [ج1/ص: 83]؛ وفي "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 306] ..
    (5) رواه ابن ماجة والترمذي وحسنه.
    (6) ورد في "البهجة السنية" للخاني [ج1/ص: 41]؛ وفي "نور الهداية" لزاده [ج1/ص: 19] ..
    (7) ورد في "تحقيق الرابطة" للبغدادي [ج1/ص: 3] ..
    (8) ورد في "نور الهداية" لزاده [ج1/ص: 38]؛ وفي "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 73] ..
    (9) ورد في "نور الهداية" لزاده [ج1/ص: 55] ..
    (10) ورد في "تنوير القلوب " للزملكاني [ج1/ص: 518] ..
    -----------------------------

    الجواب:
    حول الذكر الخفي فقد قال تعالى: { وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ } [الأعراف : 205] ..
    وذهاب الغفلة يكون بحضور القلب بالذكر ..
    عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري رضي الله عنه، قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى نَاسٍ وَهُمْ جُلُوسٌ، فَقَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآَلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَلَقَةٍ وَهُمْ جُلُوسٌ، فَقَالَ: ( (( مَا أَجْلَسَكُمْ؟ ))؛ فَقَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ، وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَمِنَّ عَلَيْنَا رَبُّكَ، قَالَ: (( اللهُ! مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ؟ ))؛ قَالُوا: مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَلِكَ، قَالَ: (( إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنْ أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أَنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ )) )؛ (1) ..
    ففي هذا الأثر سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عن سبب الجلوس، يدل على أن ذكرهم كان خفياً، ولولا ذلك ما سأل صلى الله عليه وآله وسلم ..
    وإن لم يكن مقصود الذكر والتقرب إلى الله هو الله فمن يجب أن يكون المقصود والمطلوب؟! ..
    عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ، وَعَمَلُ الْمُنَافِقِ خَيْرٌ مِنْ نِيَّتِهِ، وَكُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى نِيَّتِهِ، فَإِذَا عَمِلَ الْمُؤْمِنُ عَمَلا كَانَ فِي قَلْبِهِ نُورُهُ )؛ (2) ..
    وعن عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ رضي الله عنه، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ ( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ )؛ (3) ..
    والنقشبندية يقولون بلفظ الجلالة المفرد: "الله" بالظاهر دون ارفاقه بألفاظ الوصف والتنزيه، ولكن يرفقونه بالمعاني المعرفية لمعاني الربوبية والألوهية قلبياً، وفق ما نتج من استدلال فكري بعبادة التفكر، والتي هي انتاج معرفة قلبية بالمقارنة بين معرفتين فكرياتين ..
    فينتج عن التفكر معرفة رأفة ورحمة ولطف وود ورفق وجمال وشكر الربوبية بالخلق إلى غير ذلك ..
    وللتفكر خمس موازين استدلالية معرفية أهمها الشيء وأصله أو أساسه، أي النظر إلى نعمة صنعة الرب الخالق في عضو من أعضاء الإنسان المخلوق ثم مقارنته بأصل الخلق فيه وهو النطفة أو الماء المهين ..
    عملاً بقوله تعالى: { فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ [5] خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ [6] يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ } [الطارق : 7] ..
    وقوله تعالى: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [1] خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ } [العلق : 2] ..
    فهذا أمر صريح بالقراءة المعنوية لمعاني ربوبية الخلق، ومقارنة الخلق وما عليه من تمام الصنعة، ونعمها التي لا تحصى، بأصل مبدأ الخلق وهي العلقة أو النطفة الملقحة ..
    واللفظ الله الله صح بالسنة الصحيحة:
    عَنْ أَنَسٍ بن مالك رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ، حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ )؛ (4) ..
    إلا أن نتاج هذه المعاني ترفق باسم الذات المفرد "الله" بنسبها وإرجاعها إليه سبحانه، حيث تنقل المعرفة من الفكر إلى القلب بالإفراد، فيولد القلب التوحيد بتراكم مدارك المعارف، ويكون ذلك بالإقرار بقول لا إله إلا الله، عن علم أو مشاهدة بالقلب، وهذا علم القلب أو النقشبندية الحقة، أو علم التوحيد أو التوحيد الشهودي، أي شهادة أن لا إله إلا الله ..
    وهو كما في السنة الصحيحة؛ أفضل الذكر:
    عَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا،ُ قَاَلَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ( أَفْضَلُ الذِّكْرِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ )؛ (5) ..
    الخمسة، بدءاً بأن محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
    يقول صلى الله وسلم الله عليه وآله وسلم، برواية ابن عمر رضي الله عنهما: ( بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ الْبَيْتِ )؛ (6) ..
    وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ: ( يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ )؛ (7) ..

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ )؛ (8) ..
    عن عتبان ابن مالك السالمي رضي الله عنه، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ )؛ (9) ..
    عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ حَسَنٌ: ابتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، خُتِمَ لَهُ بهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ )؛ (10) ..
    وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ففضلها أكبر من أن يذكر فيها فضل في الأصول الثابتة من القرآن والسنة؛ والغاية منها هنا تحفيز الرابطة لترتقي من قلب الولي المرشد للارتباط بقلب الشفيع الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك الاستغفار وهو طلب تطهير القلب من الذنوب والآثام بأنوار المذاق الإلهية، وقراءة الفاتحة فتح لمعاني الأنوار المنزلة في القلب، وكذلك المعوذات الثلاثة ..
    أما تذكر الموت، فهو يحفز الإيمان القلبي، ويذكر المؤمن ذي اللباب بالأخرة على الدوام ..
    لأنه يهدم الشهوات، ويلجم الهوى؛ ويزهد بالدنيا ..

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي اله عنه، قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: ( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ )؛ يَعْنِي: الْمَوْتَ؛ (11) ..
    وورد في الأثر: ( أكثِرُوا ذِكرَ الموتِ، فما من عبدٍ أكثَرَ ذِكرَهُ إلَّا أحْيا اللهُ تعالَى قلْبَهُ، وهوَّنَ عليه الموتَ )؛ (12) ..
    وفي الأثر: ( كَفَى بِالْمَوْتِ مُزَهِّدًا فِي الدُّنْيَا، وَمُرَغِّبًا فِي الْآخِرَةِ )؛ (13) ..
    وفي الأثر: ( كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا، وَكَفَى بِالْيَقِينِ غِنًى، وَكَفَى بِالْعِبَادَةِ شُغْلاً )؛ (14) ..
    وما أشار إليه العارف الرباني أمين الكردي الزملكاني، من الخسران نتيجة النكران على منهجية أولي الألباب النقشبندية، بالذكر لله والتفكر بالآيات والآلاء الدالة على عظمة ألوهيته تعالى، وفضل ربوبيته ..
    عملاً بقوله تعالى: { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [191] رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [192] رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ [193] رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ [194] فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ } [آل عمران : 195] ..
    ومنهج أولي الألباب هو كما يتضح بالآية الأخيرة منهج الصحابة المهاجرين، أهل السبق الأول من الصحابة الكرام رضوان الله عنهم أجمعين: { وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [التوبة : 100] ..
    وآيات أولي الألباب أدمعت عيني المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وأدمت قدميه:
    حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، حَدَّثَهُ، ( أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَخَرَجَ فَنَظَرَ فِي السَّمَاء، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ فِي آلِ عِمْرَانَ: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ }؛ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فِي سِتِّ رَكَعَاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيَقْرَأُ هَؤُلاءِ الْآيَاتِ وَالْوِتْرَ ثَلاثًا وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ فَخَرَجَ، وَهُوَ يَقُولُ: (( اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَفِي لِسَانِي نُورًا وَعَنْ يَمِينِي نُورًا وَعَنْ يَسَارِي نُورًا وَأَمَامِي نُورًا وَمِنْ خَلْفِي نُورًا وَأَعْظِمْ لِي نُورًا )) )؛ (15) ..
    وعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحَ رضي الله عنه، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟، فَقُلْنَا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، فَقَالَتْ: مَرْحَبًا بِكَ يَا عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ مَا لَكَ لَا تَزُورُنَا؟؛ فَقَالَ عُبَيْدٌ: زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا؛ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: دَعُونَا مِنْ هَذَا، حَدِّثِينَا بِأَعْجَبِ مَا رَأَيْتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: ( كُلُّ أَمْرِهِ عَجِيبٌ غَيْرَ أَنَّهُ أَتَانِي فِي لَيْلَتِي، فَدَخَلَ مَعِي فِي فِرَاشِي حَتَّى أَلْصَقَ جِلْدَهُ بِجِلْدِي، فَقَالَ: (( يَا عَائِشَةُ ، أَتَأْذَنِينَ لِي أَنْ أَتَعَبَّدَ لِرَبِّي ))، قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ، وَلَأُحِبُّ هَوَاكَ، فَقَامَ إِلَى قِرْبَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَ فَبَكَى، وَهُوَ قَائِمٌ حَتَّى بَلَغَتِ الدُّمُوعُ حِجْرَهُ، ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، فَبَكَى حَتَّى رَأَيْتُ الدُّمُوعَ بَلَغَتِ الْأَرْضَ، ثُمَّ أَتَاهُ بِلَالٌ بَعْدَمَا أَذَّنَ الْفَجْرُ، رَآهُ يَبْكِي؛ قَالَ: لِمَ تَبْكِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: (( يَا بِلَالُ، أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، وَمَا لِي لَا أَبْكِي، وَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ )): { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ } سورة آل عمران آية 190، إِلَى قَوْلِهِ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ سورة آل عمران آية 91 ، ثُمَّ قَالَ: (( وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا )) )؛ (16) ..

    ----------------------------
    (1) رواه مسلم في "صحيحة" [ج17/ص: 25/ر:6797]، والترمذي في "سننه" [ج5/ص: 429/ر:3379]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:3379] ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج8/ص: 640/ر:5441]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:5441]؛ ورواه أحمد في "مسنده" [ج5/ص: 55/ر:16393]، بإسناد صحيح؛ وصححه ابن حبان في صحيحة" [ج3/ص: 95/ر:813]، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
    (2) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" [ج3/ص: 292/ر:4101]؛ ورواه الديلمي في "مسند الفردوس" [ج4/ص: 286/ر:6843]؛ ورواه القضاعي في "مسند الشهاب" [ج1/ص: 119/ر:148]؛ ورواه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج5/ص: 91/ر:4219]؛ وحكمه: حسن لغيره؛ كما قال الزرقاني في "مختصر المقاصد" [ج1/ص: 1154]؛ [حسن لغيره] ..
    (3) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج1/ص: 3/ر:1]، ومسلم في "صحيحة" [ج13/ص: 55/ر:4904]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج1/ص: 670/ر:2201]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:2201]؛ ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج6/ص: 470/ر:3437]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:3437]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 510/ر:4227]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبن ماجه" [ر:4324]؛ وحكمه: [متواتر] ..
    (4) رواه مسم في "صحيحة" [ج2/ص: 355/ر:373]، ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 426/ر:2207]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2207]، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
    (5) رواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 431/ر:3383]، بإسناد حسن؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:3383]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج2/ص: 1249/ر:3800]، بإسناد حسن؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3080؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج3/ص: 126/ر:846]، بإسناد حسن؛ بتحقيق الأرناؤوط في "صحيح ابن حبان"؛ ووراه الحاكم في "المستدرك" [ج1/ص: 676/ر:1834]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ ..

    (6) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج1/ص: 12/ر:8]؛ ومسلم في "صحيحة" [ج1/ص: 130/ر:113]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 7/ر:2609]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2609]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:3162]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:2840]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
    (7) ورواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج1/ص: 24/ر:44]؛ ومسلم في "صحيحة" [ج3/ص: 56/ر:477]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
    (8) رواه البخاري في "صحيحة" [ج1/ص: 49/ر:99]، وصححه ابن خزيمة في "التوحيد" [ر:699]، والألباني في "صحيح الجامع" [ر:967]، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
    (9) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج1/ص: 164/ر:415]، ومسلم في "صحيحة" [ج5/ص: 161/ر:1494]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:1756]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:1793]؛ وخلاصة حكمه: [متفق عليه] ..
    (10) رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج6/ص: 541/ر:22813]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج5/ص: 391]؛ صححه الألباني في "صحيح الترغيب" [ر:985]؛ والبوصيري في "الإتحاف" [ج6/ص: 420]؛ وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
    (11) رواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 479/ر:2307]،بإسناد حسن صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2307]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 520/ر:4258]، بإسناد حسن صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3453]؛ وكذا تحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:1823]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 568/ر:7865]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج15/ص: 49]؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 357/ر:7909]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ؛ ووافقه الذهبي في "التلخيص"؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج7/ص: 259/ر:2992]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:1396]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:1210]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (12) رواه الديلمي في "مسند الفردوس" [ج1/ص: 174/ر:218] ..
    (13) رواه ابن أبى شيبة في "مصنفه" [ج7/ص: 78/ر:34329]، ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" [ج7/ص:352/ر:10554] ..
    (14) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" [ج7/ص: 353/ر:10556]؛ والقضاعي في "مسند الشهاب" [ج2/ص: 302/ر:1410]؛ ورواه الإمام أحمد في "الزهد" [ج1/ص: 176] ..
    (15) رواه مسلم في "صحيحة" [ج6/ص: 293/ر:1796]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج1/ص: 62/ر:58]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:58]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (16) رواه السمرقندي في "تنبه الغافلين [ج1/ص: 569ر:375]؛ وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج2/ص: 386/ر:620]؛ والألباني في "الصحيحة" [ر:68]؛ وحسنه الوادعي في "الصحيح المسند" [ر:1654]؛ وأصله في الصحيحين؛ وحكمه: [صحيح] ..

    ====================

  15. #105
    يقول الناقد دمشقية في "الطريقة النقشبندية" [ص: 285 – 290]، ما نصه:
    "المقامات والمراتب والدوائر عند النقشبندية"
    مرتبة الطعن في النبوة
    ويقسم محمد المعصوم النقشبندي مراتب الولاية الى عدة مراتب:
    مرتبة الولاية الصغرى.
    مرتبة الولاية الكبرى وهي ولاية الأنبياء.
    مرتبة الولاية العليا. وهي مرتبة الوصول الى مرتبة الذات الالهية.
    - أما مرتبة الولاية الكبرى وهي المقام الأخير من مقامات النقشبندية التي هي ولاية الأنبياء.
    - وأما مرتبة الولاية العليا. فهذا المقام من أعلى درجات الولاية السابقة بل كشف تفوقه على ولاية الأنبياء، أما فضيلة الأنبياء فهي بطريق النبوة ...
    - واذا تم السير في اسم « هو الظاهر» واسم « هو الباطن» اللذين هما جناحان للطيران الى مرتبة « الذات البحت تعالت وتقدست» المعبر عنها بالولاية العليا يكون السير في مرتبة « كمالات النبوة» وفي هذا المقام قطع السير مقدرا نقطة واحدة أفضل من جميع المقامات من الولايات الثلاثة أعني الولاية الصغرى والولاية الكبرى والولاية العليا (1).
    وأما مرتبة ما بعد الولاية العليا فهي :
    مرتبة تجلى الذات تعالى من غير حجب الأسماء والصفات وجعل لها ثلاث مراتب:
    الأولى: مرتبة كمالات النبوة،
    الثانية: مرتبة كمالات الرسالة.
    الثالثة: مرتبة كمالات أولي العزم. وهذه المراتب كلها تحصل لغير الأنبياء.
    ولما أحس بأن هذا تفضيل صريح للولي على النبي اعتذر قائلا « ولا يلزم من حصول كمالات النبوة لبعض أفراد الأمة بطريق التبعية والوراثة أنهم من الأنبياء أو مساو لهم»(2).

    وثمة طعن آخر ظهر من أحد النقشبنديين المعاصرين وهو عبد الله الفايز الداغستاني شيخ ناظم القبرصلي حيث زعم أن « من قرأ خواتيم البقرة ولو مرة واحدة يفوز بما لم يفز به الأنبياء» (3) .
    وهناك دوائر تحصل للسالك منها:
    دائرة حقيقة الكعبة
    دائرة حقيقة القرآن: وفي هذه المرتبة يزعمون أنه يظهر للولي في هذا المقام بواطن كلام الله ويرى كل حرف من حروف القرآن بحرا موصلا الى كعبة المقصود ويصير لسان القارئ وقت تلاوة القرآن كالشجرة الموسوية» (4).

    دائرة حقيقة الصلاة
    دائرة المعبودية الصرفة
    دائرة الحقيقة الموسوية
    دائرة الحقيقة المحمدية.
    دائرة الحقيقة الأحمدية
    دائرة الحب الصرف: وتعني أن الحب هو سبب خلق الله لظهور الممكنات كما جاء في الحديث القدسي «كنت كنزا مخفيا فأردت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف». ونقلوا عن السرهندي «ان أول شيء ظهر من خزينة المكنونة الالهية هو الحب الذي صار سببا لخلقة الخلائق فلو لم يكن الحب لكان العالم معدوما محضا ويتحقق ههنا معنى الحديث القدسي الوارد في شأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: « لولاك لما خلقت الأفلاك» وكذلك معنى الحديث «لولاك لما أظهرت الربوبية» (5).

    دائرة اللاتعين: وهذا المقام مخصوص بسيد الأولين والآخرين.
    فهذا طعن في النبوة والألوهية وهو اغتراف من معين عقائد الباطنيين والقرامطة والفلاسفة.
    ---------------------
    (1) ورد في "مدارج الأخيار" للمعصوم [ج1/ص: 72] ..
    (2) ورد في "مدارج الأخيار" للمعصوم [ج1/ص: 78] ..
    (3) ورد في "وصية المرشد" للداغستاني [ج14/ص: 13] ..
    (4) ورد في "مدارج الأخيار" للمعصوم [ج1/ص: 80] ..
    (5) ورد في "مدارج الأخيار" للمعصوم [ج1/ص: 94] ..
    ==================
    الجواب:
    قبل البدء بالإجابة، يجب أن نعرف ما هي الولاية، ومن هو الولي ..
    فالولاية هي الموافقة والتوافق، لذلك فالولي هو من والا الله بصدقه الطاعة، فاصطفاه تعالى وتولاه بالحفظ من شرور نفسه وذنوبها وآثامها فأصبح همه وهواه ما يحبه الله ويرضاه ..
    يقول الإمام أو شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني رحمه الله تعالى: ( وولاية الله موافقته، بأن تحب ما يحب، وتبغض ما يبغض، وتكره ما يكره، وتسخط ما يسخط، وتوالي من يوالي، وتعادي من يعادي )؛ (1) ..
    ووافقه لتلميذ الأول لشيخ الإسلام، الإمام ابن قيم الجوزية، فقال: ( فالولاية هي: عبارة عن موافقة الولي الحميد، في محابه ومساخطه )؛ (2) ..
    لذلك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون كما في كتاب الله عز وجل: { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [] الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [يونس: 62-64] ..
    وقال شيخ الإسلام وإمام النقاد الحافظ ابن حجر العسقلاني، بتعريف الولي، ما نصه: ( والمراد بولي الله، العالم بالله، المواظب على طاعته، المخلص في عبادته )؛ (3) ..
    وقال الإمام السيوطي، بتعريف الولي: ( وهو العارف بالله حسب ما يمكن، المواظب على الطاعات، المجتنب للمعاصي، المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات)؛ (4) ..
    والولي إذا هو من تولاه مولاه عز وجل، بالحفظ والرعاية، لقوله تعالى: { اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ } [البقرة : 257] ..
    فالأولياء هم الذين آمنوا الإيمان الإيقاني الإحساني وكانوا من قبل ذلك يتقون، لقوله تعالى بوصف الأولياء: { الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } [يونس: 64] ..
    فمراتب الولاية هي مراتب التقوى، وهي وفق كتاب الله ثلاثة مراتب، التقوى الأولى هي: الاستقامة الشرعية باتباع ما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه ..
    التقوى الثانية هي: الاستقامة القلبية، وهي أن يصبح همه وهواه ما يحب الله ويرضاه ..
    التقوى الثالثة هي: الاستقامة اليقينية، أو الاستنارة بنور الله، إذ هي نور يقذفه الله بالقلب يبصر يه الحق حقاً فيتبعه، والباطل باطل فيجتنبه ..
    ودليل ذلك من كتاب الحق المبين: { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [المائدة : 93] ..
    وقد روى الإمام مسلم في "صحيحة" [ج4/ص: 1986/ر:2564]، بسند صحيح: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيّ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( (( التَّقْوَى هَاهُنَا ))، وَهو يُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ) ؛ أي بعدد مراتب التقوى، وكلها وفقاً لهذا الحديث الشريف مصدرها القلب، كنفس وجوهر نفس ..
    والدليل أن الولاية هي التقوى وتحقيق التقوى بالاستقامة، قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } [الأحقاف : 13] ..
    عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدَّثَنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ، قَالَ: ( (( قُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَقِمْ ))؛ أو: (( قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ )) )؛ (5) ..
    فاليقين تمام التقوى وهي الاستقامة الكاملة على هدي الله ونوره ..
    أما أن يتعدى الولي مرتبة النبي أو يجاريه فهذا أمر مرفوض النظر فيه جملة وتفصيلا ..
    وأعلى درجات الولاية والصديقة والنبوة أن يكون العبد ممثلاً للحق بالنيابة الخلفية ناطق بلسانه قائم به سبحانه أي العبد قائم بالحق ..
    أما عكس ذلك كأن يكون الحق سبحان قائما به فهذه زندقة، قائلها زنديق كائن من كان ..
    --------------------
    (1) ورد في "الاستقامة" لابن تيمية [ج2/ص: 128] ..
    (2) ورد في "الجواب الكافي" لابن القيم [ج1/ص: 137] ..
    (3) ورد في "فتح الباري" لابن حجر [ج10/ص: 350] ..
    (4) ورد في "إتمام الدراية" للسيوطي [ج1/ص: 7]؛ وفي "تفسير الخازن" للبغوي [ج2/ص: 451] ..
    (5) رواه مسلم في "صحيحة" [ج2/ص: 199/ر: 158]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 524/ر:2410]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2410]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 405/ر:3972]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3223]؛ ورواه الدارمي في "سننه" [ج2/ص: 754/ر:2611]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأسد في "سنن الدارمي" [ج2/ص: 286]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج4/ص: 421/ر:14990]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج4/ص: 384]؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 349/ر:7874]، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد؛ ووافقه الذهبي في "التلخيص" [ج4/ص: 309]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    ===========================

صفحة 7 من 8 الأولىالأولى ... 345678 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •