صفحة 5 من 8 الأولىالأولى 12345678 الأخيرةالأخيرة
النتائج 61 إلى 75 من 109

الموضوع: رفع الغشية عن نقد دمشقية للطريقة النقشبندية

  1. #61
    الفصل السابع: سلطان العارفين أبو يزيد البسطامي:
    يقول الناقد دمشقية في الطريقة النقشبندية [ص: 224 – 230]:
    موقفهم من قول أبي يزيد: سبحاني
    وكذلك استحسن النقشبنديون قول أبي يزيد «سبحاني ما أعظم شأني» (1).
    ولم ينكروا هذا القول أو يستنكروه، بل أثبتوه على أنه نهاية ما يحصل للسالك الى الله الفاني به. وقد زعموا - خوفا من السوط أو السيف - أن هذا القول خطأ ووهم يحصل للعبد عند بلوغه قمة الوصول الى الله. والاسلام لا يعرف عبادة تنتهي بصاحبها الى التلفظ بالكفر وادعاء الألوهية.

    وذكرت كتبهم أنه صلى بالناس الفجر ثم التفت اليهم فقال: إني أنا الله لا اله الا أنا فاعبدوني. فتركه الناس وقالوا: مجنون، مسكين» (2).
    وجاء الى بيته رجل فدق بابه فقال أبو يزيد: من تطلب؟ فقال الطارق: أريد أبا يزيد. فقال له أبو يزيد: ليس في البيت غير الله» (3).

    وحكى السرهندي الفاروقي شيخ النقشبنديين أن أبا يزيد قال « لوائي أرفع من لواء محمد» وعذره السرهندي لأنها مقولة سكرية قالها أبو يزيد في حالة سكره بالله (4).
    وحكوا أيضا أنه قال « إن لله علي نعما منها أني رضيت أن أحرق بالنار بدل الخلق شفقة عليهم» (5). وقوله « الناس يفرون من الحساب وأنا أتمناه لعله يقول لي يا عبدي فأقول: لبيك. فيفعل بي ما يشاء» (6).

    وهذا مبدأ الفداء والكفارة وقبول التعذيب نيابة عن الخلق مقتبس من عقيدة النصارى نجده عند النقشبندية يروونه عن أبي يزيد. ونجده عند الرفاعية الذين نسبوا الى شيخهم الرفاعي أنه قبل أن يعذب كفارة عن خطايا الخلق.

    فالنصارى تقول: « يسوع الذي صلب ومات لأجلنا وهو الآن يتردى في جهنم ليخلصنا ويضحي بنفسه من أجلنا» (7). وقال فليبس « يسوع الذي تألم لخلاصنا وهبط الى الجحيم».

    وقد بلغ الزهد بأبي يزيد أن صار زاهدا في الآخرة وفي الجنة، فهو لا يريدها لكنه يريد الله فقط.
    قال « أوقفني الحق بين يديه مواقف في كلها يعرض علي المملكة فأقول: لا أريدها، فقال الله: فماذا تريد؟ فقلت له: أريد أن لا أريد» (8). وصرح السرهندي بأن رفع الاثنينية بين الخالق والمخلوق مطلوب في مقام الولاية، ثم احتج بقول أبي يزيد هذا (9).

    وحتى العبادة لا يريدها ولا يراها مقربة الى الله، ولهذا روى النقشبنديون عنه أنه قال « وقفت مع العابدين فلم أر لي معهم قدما، فوقفت مع المجاهدين فلم أر لي معهم قدما، ووقفت مع المصلين فلم أر لي معهم قدما، فقلت: يا رب كيف الطريق اليك؟ فقال: أترك نفسك وتعال » (10).

    وانما العبادة مشغلة ينشغل بها العابدون عن الله، هذا ما استحسن ذكره النقشبنديون بصرف النظر عن مدى ثبوت ذلك عن أبي يزيد.
    فقد رووا عنه أنه قال « إطلع الله على قلوب أوليائه فرأى منهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفا: فشغله بالعبادة» أضاف « وإن في الطاعات من الآفات ما يحتاج الى أن تطلبوا المعاصي» (11).
    ---------------------------
    (1) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 90]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 99]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 180]؛ وفي "تلبيس إبليس" لابن الجوزي [ج1/ص: 344]؛ وفي "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 133]؛ وفي "البهجة السنية" للخاني [ج1/ص: 81]؛ وفي "السبع الأسرار" للمعصوم [ج1/ص: 31] ..
    (2) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 57]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 102]؛ وفي "تلبيس إبليس" لابن الجوزي [ج1/ص: 345] ..
    (3) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 47]؛ وفي "تلبيس إبليس" [ج1/ص: 341] ..
    (4) ورد في "المكتوبات الربانية" للسرهندي [ج1/ص: 101] ..
    (5) ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 103]؛ وفي "تلبيس إبليس" لابن الجوزي" [ج1/ص: 341] ..
    (6) ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 100] ..
    (7) ورد في "رسالة بولس" [ج3/ص: 13] ..
    (8) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 55]؛ ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 101] ..
    (9) ورد في "المكتوبات الربانية" للسرهندي [ج1/ص: 364] ..
    (10) ورد في "تنوير القلوب" للزملكاني [ج1/ص: 469]؛ ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 98] ..
    (11) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 61]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 104] ..
    ==============================
    الجواب:حول نقد الناقد بقوله:
    موقفهم من قول أبي يزيد: سبحاني
    وكذلك استحسن النقشبنديون قول أبي يزيد « سبحاني ما أعظم شأني ».
    ولم ينكروا هذا القول أو يستنكروه، بل أثبتوه على أنه نهاية ما يحصل للسالك الى الله الفاني به. وقد زعموا - خوفا من السوط أو السيف - أن هذا القول خطأ ووهم يحصل للعبد عند بلوغه قمة الوصول الى الله. والاسلام لا يعرف عبادة تنتهي بصاحبها الى التلفظ بالكفر وادعاء الألوهية.
    نقول:
    لا بل أخطأ من شدة الفرح كما ورد في السنة:
    عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الَّذِي يَخْرُجُ حَتَّى إِذَا كَانَ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا زَادُهُ وَمَاؤُهُ، فَأَضَلَّهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَنَامَ فِي أَصْلِهَا، قَدْ يَئِسَ مِنْهَا فَانْتَبَهَ فَإِذَا هِيَ عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، فَيَقُولُ مِنَ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ )؛ (1) ..
    وهذا الاضطراب والهياج فرحاً بالله أصاب كيان ووجدان سلطان العارفين فأحيا فؤاده، فرحا، عندما قذف الله نوره في قلبه فانشرح له وانفسح، وأسقى فؤاده بالمحبة بماء غدقا فتنه عن ذاته البشرية به ..
    ويروى عند أهل الصدور أن سلطان العارفين، عندما نبؤ بما قال من شدة فرحه بالله؛ قال: ( استغفر الله العظيم، ويلي من نفسي، ويلي من نفسي؛ أو قال: حسبي من نفسي حسبي )؛ ورد في "المجموعة الكاملة" لعباس [ج1/ص: 49] ..
    وهذا حال من يقذف الله في قلبه نور التقوى الذي يفرق به بين الحق والباطل بعد أن يستقر، فينفسح له القلب وينشرح، لتتفجر أساريره، فيهيج فرحاً ..
    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: ( تَلا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ: { أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ِ} [الزمر : 22]؛ وفي رواية أخرى: { فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ } [الأنعام : 125] فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ انْشِرَاحُ صَدْرِهِ؟؛ قَالَ: (( إِذَا دَخَلَ النُّورُ الْقَلْبَ انْشَرَحَ وَانْفَسَحَ )). فَقُلْنَا: فَمَا عَلامَةُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (( الإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالتَّأَهُّبِ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ )) )؛ (2) ..
    وهذا عقل الحقائق، كما ورد في الأثر: ( الْعَقْلُ نُورٌ فِي الْقَلْبِ، يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ )؛ (3) ..
    وهؤلاء من قال بهم الحق سبحانه: { فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [آل عمران : 170] ..
    وقوله: { قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } [يونس : 58] ..
    وقد ذكرنا قبلاً كيف أول الإمام الجنيد حال سلطان العارفين بهذا القول وسو نذكر هنا تبرير شيخ مشايخ الناقد دمشقية وهو شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني، وتابعه النجيب الأول الإمام ابن قيم الجوزية:
    فقد قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى، في تبرير هذه الحالة من الشطح: ( فَهَذِهِ الْحَاّلْ تَعْتَرِيّ كَثِيّرْاً مِنْ أَهّلِ الْمَحَبْةِ وَالْإرَاّدَةِ فِيْ جَاّنِبِ الْحَقْ، فَإِنَهُ يَغِيّبُ بِمَحْبُوّبِهِ عَنْ حُبْهِ وَعَنْ نَفْسِهِ، وَبِمَذْكُوّرِهِ عَنْ ذِكْرِهِ، وَبِمَوّجُوْدِهِ عَنْ وّجُوّدِهِ، فَلَاّ يَشْعُرُ حِيّنَئِذَ بِالْتَمْيّزِ وَلَاّ بِوّجُوّدِهِ، فَقَدْ يَقُوّلُ فِيْ هَذِهِ الْحَاّلِ: أَنَاّ الْحَقُ أّوْ سُبْحَاّنِيّ أَوْ مَاّ فِيْ الْجُبْةِ إِلَاّ الله وَنَحْوَ ذَلَكَ، وَهُوَ سَكْرَاّنُ بِوّجْدِ الْمَحَبَةِ )؛ (4) ..

    ويقول الإمام ابن قيم الجوزية، تلميذ وتابع ابن تيمية الأول، في حال السكر: ( في حالة السكر والاصطلام والفناء قد يغيب عن هذا التميز، وفي هذه الحال قد يقول صاحبها: ما يحكى عن أبي يزيد أنه قال: سبحاني أو ما في الجبة إلا الله، ونحو ذلك من الكلمات التي لو صدرت عن قائلها وعقله معه لكان كافراً، ولكن مع سقوط التمييز والشعور قد يرتفع عنه قلم المؤاخذة )؛ (5) ..
    ------------------------------------------

    (1) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2325/ر:5950]، ومسلم في "صحيحة" [ج17/ص: 67/ر:6895]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 547ر:3538]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:3538]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
    (2) رواه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 346/ر:7862]؛ ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" [ج8/ص: 126/ر:14]؛ ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" [ج7/ص: 352/ر:10552]؛ وهو صحيح عند الحفاظ المفسرين؛ رواه ابن جرير الطبري في تفسيره "جامع البيان" [ج9/ص: 549/ر:12730]؛ وابن الرازي في "تفسير ان أبي حاتم" [ج5/ص: 332/ر:7897]؛ ورواه البغوي في تفسيره "معالم التنزيل" [ج5/ص: 89/ر:1017]؛ ورواه ابن وهب في "الجامع للتفسير" [ج1/ص: 37/ر:20]؛ وورد في "تفسير القرآن" لابن كثير [ج3/ص: 335]؛ وورد في "الدر المنثور" للسيوطي [ج7/ص: 219]؛ وورد في "الجامع للأحكام" للقرطبي [ج20/ص: 104] ..
    (3) ورد في "إرشاد القلوب" للديلمي [ج1/ص: 198]، وفي "ربيع الأبرار" للزمخشري [ج3/ص: 137]، وفي "الأدب" للماوردي [ج1/ص: 6]؛ وفي "روح البيان" للبروسوي [ج15/ص: 224]؛ وفي "شرح النهج" لابن أبي الحديد [ج20/ص: 40]؛ وفي "التعريفات" للجرجاني [ج1/ص: 197]؛ وفي "معالم الزلفى" للبحراني [ج1/ص: 15] ..
    (4) ورد في "مجموع الفتاوى" [ج2/ص: 396]؛ وفي "مجموع الرسائل" [ج1/ص: 64]؛ وهما لابن تيمية ..
    (5) ورد في "مدارج السالكين" لابن القيم [ج1/ص: 155] ..


    منسق وملون على الرابط:

    http://www.shariaa.net/forum/showpos...8&postcount=56

  2. #62
    حول نقد الناقد، بقوله:
    وذكرت كتبهم أنه صلى بالناس الفجر ثم التفت اليهم فقال: «إني أنا الله لا اله الا أنا فاعبدوني. فتركه الناس وقالوا: مجنون، مسكين » اهـ
    نقول:
    صدق من قال: إنما آفة الأخبار رواتها ..
    هذا القول يعتمد على قصة فيها أن أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى، زار قرية ووصل إلى أهلها أنه من الصالحين ..
    فطلبوا منه والحوا أن يكون إمامهم بالصلاة، ورغم أن السلطان أبو يزيد كان لا يؤم بصلاة بالمسجد تواضعاً، إلا أنه قبل بعد اصرار فأقم الصلاة وكبر وقرأ فاتحة الكتاب ثم شرع ليقرأ آية من آيات الكتاب الجليل، فقال: { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } [طه : 14] ..
    فتراءى لهم أنه يدعي الألوهية، لما روجه المغرضين أن أبو يزيد يقول بالزندقة!، إلا أنه قالها بلسان الحق عن الحق في كتاب الحق ..
    وأراد أن لا يدخل قلبه ذرة من عجب أو غرور ..
    وقول الناقد:
    وجاء الى بيته رجل فدق بابه فقال أبو يزيد: «من تطلب؟ فقال الطارق: أريد أبا يزيد. فقال له أبو يزيد: ليس في البيت غير الله» اهـ
    نقول:
    هذا اختزال وإيحاء دلالته الشكر بنسب الفضل بالكلية لله، تأدباً ..
    أي لا كيان ولا قيمة ولا وجود لأبي يزيد من غير الله؛ أي وفق المنطق الشرعي لا حول ولا قوة إلا بالله، أو تحقيق قوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } [المؤمنون : 60]، من الناحية الفعلية، وتحقيق قول عز من قال: { الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } [البقرة : 46] ..
    فيسقطون حقهم وحظ أنفسهم زاهدة أمام حق الله ..
    ومراد سلطان العارفين أن الطلب يكون الله وليس من عبد الله:
    عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ: ( يَا غُلَامُ, إني مُعَلِّمُكَ كلماتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّه، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ )؛ (6) ..

    وحول قول الناقد:
    وحكى السرهندي الفاروقي شيخ النقشبنديين أن أبا يزيد قال «لوائي أرفع من لواء محمد» وعذره السرهندي لأنها مقولة سكرية قالها أبو يزيد في حالة سكره بالله؛ اهـ
    نقول:
    تبرير المجدد الفاروقي أن سلطان العارفين قالها بلسان الحال، وليس بمقام الحال ..
    وقد يكون مقصده أرفع من الرُفْع وهنا الضعف، والمحدودية، وقد يكون من الضيق أي هو غيض من فيض لسان النبوة العميم، وغيض من انتشاره كدين، وإلهام وليس وحي ..
    وقد يكون أرفع من الرِفْعَة، في مجال التصريح بالحقائق العالية، التي أُمِرَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أن يُخْفِيها عن العامة، ويصرح بها بمجالسه الخاصة، للنخبة الْمُقَربة والْمُبَشرة، عما بقوله تعالى: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [هود : 112] ..
    والطغيان هنا في الآية من أوجه معانيه، هو: الخروج عن المألوف من القول، أو الفعل، وليس بالإثم ..
    لأن الصحابة الكرام أكثرهم أهل صلاح عظيم حققوا التقوى، وقاربوا الكمال:
    يقول الإمام التابعي الجليل الحسن بن يسار البصري رضي الله عنه: ( وَاللَّهِ لَقَدْ أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ بَدْرِيًّا، أَكْثَرُ لِبَاسِهِمُ الصُّوفُ لَوْ رَأَيْتُمُوهُمْ لَقُلْتُمْ مَجَانِينَ، وَلَوْ رَأَوْا خِيَارَكُمْ لَقَالُوا: مَا يُؤْمِنُ هَؤُلاءِ بِيَوْمِ الْحِسَابِ، وَلَوْ رَأَوْا شِرَارَكُمْ لَقَالُوا: مَا لِهَؤُلاءِ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ خَلاقٍ؛ وَكَاّنَ أَحَدُهُمْ يُعْرَضُ لَهُ الْمَاّلُ الْحَلَاّلُ فَلَاّ يَأْخُذُهُ وَيَقُوّلْ: أَخَاّفُ أَنْ يُفْسِدَ عَلِيَ قَلْبِيَ )؛ (7) ..
    وذلك حتى لا يزيد التكليف ويصعب الدين:
    عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ حَدَّ حُدُودًا، فَلا تَعْتَدُوهَا، وَفَرَضَ لَكُمْ فَرَائِضَ، فَلا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ، فَلا تَنْتَهِكُوهَا، وَتَرَكَ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ مِنْ رَبِّكُمْ، وَلَكِنْ رَحْمَةٌ مِنْهُ لَكُمْ، فَاقْبَلُوهَا وَلا تَبْحَثُوا فِيهَا )؛ (8) ..
    إذا أكثر الكثير لا استطاعة له على مراقي الإيمان: { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [الحجرات : 14]
    إلا أنه لكل زمان دول ورجال (9)؛ مع انتشار العلم وانحسار الجهل، وتقارب الحضارات، وظهور الترف الفكري والفلسفي ..

    يتبع ..

    -----------------------------------
    ..
    (6) رواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 575/ر:2516]، وقال: هذا حديث حسن صحيح؛ وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2516]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 482/ر:2664]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج4/ص: 233]؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج3/ص: 624/ر:6303]، بإسناد صحيح؛ بموافقة الذهبي في "التلخيص" [ج3/ص: 537]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:4217]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:7957]؛ وحكمه: [صحح] ..
    (7) رواه ابن وضاح في "البدع" [ج1/ص: 170/ر:158]؛ وورد في "الفتاوى الحديثية" للهيتمي [ج1/ص: 765]؛ وفي "حلية الأولياء" لأبو نعيم [ج2/ص: 134]؛ وفي "مرقاة المفاتيح" للقاري [ج13/ص: 59]؛ وفي "تهذيب الكمال" للمزي [ج6/ص: 112]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 240]؛ وفي "لئالي الأخيار" لليويسركاني [ج1/ص: 38]؛ وفي "نهاية الأرب" للنويري [ج2/ص: 127]؛ وفي "الإحياء" للغزالي [ج4/ص:241] ..
    (8) رواه أبو نعيم في "الحلية" [ج9/ص: 17/ر:13266]؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 124/ر:7114]، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" [ج1/ص: 176] : رجاله رجال الصحيح، وصححه ابن القيم في "أعلام الموقعين" [ج1/ص: 221]، وصححه الهيثمي المكي في "الزواجر" [ج1/ص: 12]، وصححه أحمد شاكر في "عمدة التفسير" [ج1/ص: 744]، وخلاصة حكمه : [صحيح] ..
    (9) الحكمة المأثورة: (( لِكُلِّ زَمَانٍ دَوْلَةٌ وَرِجَالٌ ))، هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) سورة آل عمران آية 140، وَقَوْلِهِمْ: فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرُّ وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ مَوْقُوفًا: " لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ، وَلِكُلِّ زَمَانٍ رِجَالٌ "، ويتداوله الناس بالشهرة على أنه حديث مرفوع ولكن لأنه لا وجود له في كتب ومصنفات المحدثين، فقد ذكر في كتب الموضوعات فرواه الملا القاري في "الأسرار المرفوعة" [ر:367]، ورواه السخاوي في "المقاصد الحسنة" [ر:829]، ورواه الغزي في "الجد الحثيث" [ر:373]؛ اهـ


    منسق وملون على الرابط:

    http://www.shariaa.net/forum/showpos...9&postcount=57

  3. #63
    وحول قول الناقد:
    وحكوا أيضا أنه قال: «إن لله علي نعما منها أني رضيت أن أحرق بالنار بدل الخلق شفقة عليهم». وقوله «الناس يفرون من الحساب وأنا أتمناه لعله يقول لي يا عبدي فأقول: لبيك. فيفعل بي ما يشاء».
    نقول:
    الحالة الأولى: بالقول الأول، هو لسان حال تعاظم الرحمة الغيرية في قلب سلطان العارفين، وطغيانها على كيانه بحالة الولاية الرحمانية، على حالة أو سبغة العدل كعالم وارث رباني ..
    لذلك نجده رحمه الله تعالى، يقول: ( مَنْ نَظَرَ إلى النَّاسِ بِعَيْنِ العِلْمِ مَقَتَهُمْ، وَمَنْ نَظَرَ إلَيْهِم بِعَيْنِ الحَقِيقةِ عَذَرَهُمْ )؛ (10) ..
    وكان يقول رحمه الله تعالى، من شدة الرحمة: ( إِلَهِيِ إِنْكَ خَلَقْتَ هَؤّلَاّءِ الْخَلْقِ بِغَيِرِ عِلْمِهِمُ، وَقَلَدْتَهُمِ أَمَاّنَةً بِغَيِرِ إِرَاّدَتِهِمِ، فَإِنْ لَمْ تُعِنَهُمِ فَمَنْ يُعِنَهُمِ؟! )؛ (11) ..
    عملا بقوله تعالى: { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [الحشر : 9] ..
    الحالة الثانية: بالقول الثاني، دليل فرط تعاظم محبة سلطان العارفين لله عز وجل، تلك المحبة التي جعلته يرغب بلقائه بالحق تحت أي حالة، أين كان وكيف ما كان، وبأي صورة كانت، فهنيئاً له هذه المحبة العارمة الصادقة الصارمة على النفس في سبيل الحق سبحانه ..
    لذلك نجده كان رحمه الله تعالى، يقول: ( الْنَاّسُ يَفِرْوّنَ مِنْ الْحِسَاّبِ وَأّنَاّ أَتْمَنَاّهُ لَعَلْهُ يَقُوّلُ لِيِ: يَاّ عَبْدِيِ فَأّقُوّلُ: لَبِيِكَ. فَيِفْعَلُ بِيِ مَاّ يَشَاّءُ )؛ (12) ..
    وحول قول الناقد:
    وقد بلغ الزهد بأبي يزيد أن صار زاهدا في الآخرة وفي الجنة، فهو لا يريدها لكنه يريد الله فقط.
    قال «أوقفني الحق بين يديه مواقف في كلها يعرض علي المملكة فأقول: لا أريدها، فقال الله: فماذا تريد؟ فقلت له: أريد أن لا أريد». وصرح السرهندي بأن رفع الاثنينية بين الخالق والمخلوق مطلوب في مقام الولاية، ثم احتج بقول أبي يزيد هذا.
    وحتى العبادة لا يريدها ولا يراها مقربة الى الله، ولهذا روى النقشبنديون عنه أنه قال «وقفت مع العابدين فلم أر لي معهم قدما، فوقفت مع المجاهدين فلم أر لي معهم قدما، ووقفت مع المصلين فلم أر لي معهم قدما، فقلت: يا رب كيف الطريق اليك؟ فقال: أترك نفسك وتعال».
    نقول:
    الحالة الأولى: التي لا يراد بها الجنة، فهي عند المحبين الذين يريدون وجه الله تعالى، أو ذاته العلية:
    لقوله تعالى: { وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } [الأنعام : 52] ..
    وقوله عز من قائل: { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } [الكهف : 28] ..
    والوجه في معاني القرآن ومقاصده هي الذات ..
    فهؤلاء كما صرح سبحانه بكتابه الكريم لا يريدون من الله إلا الله ..
    وهؤلاء الذي قال بهم عز وجل: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة : 54] ..
    ويروي العلامة الحنفي: إسماعيل حقي الخلوتي البروسوي الإسطنبولي في "تفسيره": عن الإمام علي كرم الله وجهه، عن الصديق الأكبر رضي الله عنه، وأرضاه، أنه قال: ( وَجَدْتُ الْنَاّسَ صِنْفِيّنَ، مُرِيّدِ الْدُنْيَا، وَمُرِيّدُ الْعُقْبَىّ، فَكُنْتُ أَنَا مُرِيّدُ الْمَوّلَىَ عَزَ وَجَلَ )؛ (13) ..
    الحالة الثانية: يؤولها ما روي عن الإمام الرباني جعفر الصادق: ( العُبَّادَ ثَلاَثَةٌ: قَوْمٌ عَبَدُوا اللَهَ عَزَّ وَجَلَّ خَوْفاً فَتِلْكَ عِبَادَةُ العَبِيدِ، وَقَوْمٌ عَبَدُوا اللَهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَي‌ طَلَبَ الثَّوَابِ فَتِلْكَ عِبَادَةُ الاُجَرَاءِ، وَقَوْمٌ عَبَدُوا اللَهَ عَزَّ وَجَلَّ حُبَّاً لَهُ فَتِلْكَ عِبَادَةُ الاَحْرَارِ؛ وَهِيَ‌َ أَفْضَلُ العِبَادَةِ )؛ (14) ..
    ولهذا الأثر المقطوع عن الإمام جعفر رضي الله عنه، أثر مقارب موقوف عن الإمام علي كرم الله وجهه، ذكرناه هنا سابقاً ..
    وروي عن نبي الله داوود عليه السلام، أنه قال: ( يَاَ رَبِ أَيْنَ أَجِدُكَ؟ )؛ فقال له: ( اِتْرُكْ نَفْسَكَ وَتَعَاّلْىَ، غِبْ عَنْهَاّ تَجِدْنِيّ )؛ (15) ..
    أي إسقاط حظ النفس ابتغاء ما عند الله، تحظى بلقاء الله ..

    يتبع ..

    ----------------------------------------------------

    (10) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 68] ..
    (11) ورد في "لواقح الأنوار" للشعراني [ج1/ص: 65]؛ وفي "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 71] ..
    (12) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 67]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 100] ..
    (13) ورد في "روح البيان" للبروسوي [ج2/ص: 111] ..
    (14) ورد في "الكافي" للكليني [ج2/ص: 84/ر:5]؛ وفي "الوسائل" للعاملي [ج1/ص: 62/ر:134]؛ وفي "البحار" للمجلسي [ج67/ص: 255/ر:27] ..
    (15) ورد في "إيقاظ الهمم" لابن عجيبة [ج1/ص: 199] ..


    منسق وملون على الرابط:

    http://www.shariaa.net/forum/showpos...4&postcount=58

  4. #64
    وحول قول الناقد:وانما العبادة مشغلة ينشغل بها العابدون عن الله، هذا ما استحسن ذكره النقشبنديون بصرف النظر عن مدى ثبوت ذلك عن أبي يزيد.
    فقد رووا عنه أنه قال «اطلع الله على قلوب أوليائه فرأى منهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفا: فشغله بالعبادة» أضاف «وإن في الطاعات من الآفات ما يحتاج الى أن تطلبوا المعاصي»
    نقول:
    معرفة الله تنور العبادات فتزيد المصلي خشوعا وورعا فهي تنهى عن المنكر والفحشاء والبغي، وتزيد تقوى الصائم القائم إلى غير ذلك، وتكون حجة وسلطان على القلب قبل أن يحج ..
    روى مالك بن دينار، عن الحسن البصري، عن أنس بن مالك، عن الإمام الغالب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، أنه قال: ( رِكْعَةُ مِنْ عَاّلِمِ بِاّللهِ، خَيّرُ مِنْ أّلْفِ رِكْعَةِ، مِنْ مُتَجَاّهِلِ بِاّلله )؛ (16) ..
    ومن قول أبي يزيد البسطامي نعرف أن معرفة الله تعالى تحتاج إلى همة علية، وطاقة استيعاب وعيية، وقدرة تحمل ذكية، مع المثابرة على المتابعة للمعرفة والعلم، لذلك هذه الاستطاعة لا تكون عند أكثر الناس، ومثال ذلك في الحياة العملية أن الذكاء درجات بين الناس، كذلك ليس كل الدارسين يستطيعون على الدراسات العليا الجامعية، وهذا أمر بديهي متعارف عليه ..
    لذا يقول تعالى: { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } [المجادلة : 11] ..
    لذلك كان سلطان العارفين أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى، يقول: ( عَمِلْتُ فِي الْمُجَاهَدَةِ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَمَا وَجَدْتُ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَيَّ مِنَ الْعِلْمِ وَمُتَابَعَتِهِ، وَلَوْلا اخْتِلافُ الْعُلَمَاءِ لَتَعِبْتُ، وَاخْتِلافُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةٌ، إِلا فِي تَجْرِيدِ التَّوْحِيدِ )؛ (17) ..
    وبيان فضل العالم ومتابعة العلم في السنة:
    عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( فَضْلُ الْمُؤْمِنِ الْعَالِمِ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْعَابِدِ سَبْعُونَ دَرَجَةً )؛ (18) ..
    وفي الصحيح:
    عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا: عَابِدٌ وَالْآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ: ( فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ )؛ (19) ..
    وفي رواية أصح:
    وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ )؛ (20) ..
    ذلك أن معرفة معاني الألوهية تورث في قلب المؤمن العارف الهيبة من الحق سبحانه، ومعرفة معاني الربوبية، تورث في قلب المؤمن المحبة له سبحانه ..
    أما أفات الطاعات التي أشار إليها سلطان العارفين وقدم عليها المعصية هي الطاعات التي تورث العجب والكبر والغرور بزهو الطاعة في النفس الموهومة بالطمأنينة الزائفة، وهو باب يفتح مجال لحدوث المكر الإلهي، فكما أسلفنا وذكرنا بالصحيح المرفوع: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة كبر في أي مجال كان، لأنه قد نازع الله بإحدى خصوصياته الذاتية، فلهذا يقصم من رحمة الله:
    عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهم، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، يَقُولُ: (( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِّي النَّارَ ))؛ وفي رواية: (( فَمَنْ نَازَعَنِي فِيّهِمَاّ قَصَمْتُهُ وَلَّا أُبَاَليّ )) )؛ (21) ..
    إضافة إلى الطمأنينة الزائفة التي قد توقعه بالمحرمات، ظناً منه أن العبادات له وجاء وكفارة!، إضافة إلى سوء المعاملات مع الناس، بينما يكون قد أفلس دون أن يدري، وهو الذي يؤدي به إلى النار، رغم عبادته:
    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ: ( (( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ ))، قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: (( إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ )؛ (22) ..

    أما العارف بالله المتحلي بمحاسن أسماء الله وصفاته، المصبوغ ربانياً بمعاني الإيمان العلية، فإنه يكون مرجعُّ قدوة وأسوة حسنة بالأخلاق والمعاملات ابتغاء مرضاة الله وزيادة التقرب منه تعالى، إذ أن مبتغاه يكون أخروي صرف لا مأرب له في الدنيا، لذلك تجده دائم الافتقار والانكسار للحق سبحانه وتعالى ..
    وفي هذا يقول ابن عطاء الله السكندري: ( رُبَ مَعْصِيّةِ، أُوْرَثَتْ ذُلْاً وَاِنْكِسَاّرْاً، خَيِرُ مِنْ طَاّعَةِ، أّوْرَثْتْ عِزْاً وَاِسْتِكْبَاّرْاً )؛ (23) ..
    وورد في الحديث القدسي، قوله تعالى: ( أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِي )؛ (24) ..
    فإن رأس العلم وميراث المعرفة: خشية الله، وعلامة الخشية تمام الطاعة، والبكاء من الخشية في الأسحار، وهذا قلما يكون بالعابد، إنما هي سمة العارف:
    وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: ( لَا يَلِجُ النَّارَ، رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ )؛ (25) ..
    فمن لم يكن له نصيب من المعرفة ومتابعتها شغله الله بالعبادة كي يكون هذا الشاغل نجاة له بالدارين ..
    ---------------------------------------------------------------

    (16) رواه الديلمي في "مسند الفردوس" [ج2/ص: 266/ر:2239]؛ والمناوي في "فيض القدير" [ج4/ص: 36/ر:4464]؛ والعراقي في "تخريج الإحياء" [ج6/ص: 2410/ر:3837]؛ والصنعاني في "التنوير" [ج6/ص: 264/ر:4448]؛ والمتقي الهندي في "كنز العمال" [ج10/ص: 154/ر:28786] ..
    (17) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" [ج4/ص: 262/ر:14965]؛ وورد في "صفة الصفوة" لابن الجوزي [ج2/ص: 304]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 57]؛ وفي "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 69]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 146]؛ وفي "الكواكب الدرية" للخرسة [ج1/ص: 323]؛ وفي "تاريخ الإسلام" للذهبي [ج5/ص: 71] ..
    (18) رواه القرطبي في "جامع البيان" [ج1/ص: 68/ر:72]؛ وورد في "الإحياء" للغزالي [ج1/ص: 14]؛ وأخرجه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج1/ص: 8/ر:31]؛ وحكمه: [حسن لغيره] ..
    (19) رواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 48/ص: 2685]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2685]؛ ورواه الدارامي في "سننه" [ج1/ص: 103/ر:346]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأسد في "سنن الدارمي" [ج1/ص: 109]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (20) رواه البخاري معلقا في" "صحيحة" [ج1/ص: 37]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 341/ر:3641]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:3641]، ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 47/ر:2682]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2682]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 124/ر:223]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:183]؛ وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج1/ص: 289/ر:88]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:3065]، ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:6297]، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
    (21) رواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 456/ر:4090]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4090]؛ ووراه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 493/ر:4175]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3384]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 490/ر:7335]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج2/ص: 248]؛ ورواه بلفظ آخر: الشيخان: مسلم في "صحيحة" [ج16/ص: 389/ر:6623]؛ والبخاري في "الأدب المفرد" [ج1/ص: 157/ر:563]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الأدب" [ر:429]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (22) رواه مسلم في "صحيحة" [ج16/ص: 351/ر:6533]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 529/ر:2418]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ؛ وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2418]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 586/ر:7969]، بإسناد صحيح، على شرط مسلم؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج2/ص: 303]؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج10/ص: 259/ر:441]، بإسناد صحيح، على شرط مسلم؛ بتحقيق الأرناؤوط في "صحيح ابن حبان"؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (23) ورد في "الحكم العطائية" للسكندري [ج1/ص: 82/ح96]؛ وفي "التيسير" للمناوي [ج1/ص: 529]؛ وفي "ايقاظ الهمم" لابن عجيبة [ج1/ص: 112] ..
    (24) رواه العجلوني في "كشف الخفاء" [ج1/ص: 203/ر: 614]؛ ورواه السخاوي في "المقاصد الحسنة" [ج1/ص: 169/ر:188]؛ ورواه الحوت في "أسنى المطالب" [ج1/ص: 92/ر:389]؛ ورواه الأمير المالكي في "النخبة البهية" [ج1/ص: 37/ر:44]؛ وورد في "جامع العلوم" لابن رجب [ج1/ص: 198] ..
    (25) رواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 171/ر:1633]؛ بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:1633]؛ ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج6/ص: 319/ر:3108]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:3108]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج3/ص: 301/ر:10182]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج2/ص: 505]؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 288/ر:7667]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ؛ ووافقه الذهبي في "التلخيص" [ج4/ص: 254]؛ وقال: صحيح؛ وحكمه: [صحيح] ..


    منسق وملون على الرابط:

    http://www.shariaa.net/forum/showpos...1&postcount=59

  5. #65
    القسم الرابع: شبهات ظاهرها كفرية عند النقشبندية ..

    الفصل الثاني: شبهات حول مفهوم الربوبية ..

    يتحدثون عن موت الرب
    وسئل شيخهم «مولانا» عبد الرحمن الجامي عن تعبير رؤيا رآها أحدهم وهي أنه رأى في المنام أن الله سبحانه قد مات فما يكون تعبيره؟ فقال: يحتمل أن يكون زال من قلب صاحب هذا المنام وانعدم شيء من أهوائه بموجب قوله تعالى {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} (1).
    الرب عندهم يصلـــي!!!
    ومن مراتب ومقامات الولاية عند النقشبندية مرتبة: حقيقة الصلاة. وهي مرتبة عالية جدا.
    قالوا «ولعل فيما ورد في قصة المعراج «قف يا محمد فإن الله يصلي» إيماء إلى حقيقة هذه المرتبة» ثم انتهى إلى أن الله «في الحقيقة هو العابد والمعبود» (2). وهذا تصريح بموافقة ابن عربي في قوله:

    الرب عبد والعبد رب يا ليت شعري من المكلف

    ولقد قال أحد النقشبنديين في لبنان (أحمد بدر الدين حسون) في خطبة له مسجلة عن الإسراء والمعراج فذكر هذه العبارة أن الله يصلي ثم قال فيا تارك الصلاة، إلا تتشبه بربك؟ إلا تقتدي بربك؟ إن ربك يصلي وأنت لا تصلي؟ س.
    فها قد زعم النقشبنديون أن الله يصلي فماذا تنتظرون يا مسلمين بعد ذلك. هذه مقولة شنيعة لم يقل بمثلها الكفرة ولا المجوس. وأن الله هو العابد وهو المعبود.

    ونقل السرهندي أن السلطان محمود الغزنوي أرسل إلى أبي الحسن الخرقاني النقشبندي يذكره بطاعة أولي الأمر فلما قرأ عليه {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} قال إني مشغول بطاعة الله بحيث لم أفرغ بعد لطاعة رسول الله» (3).
    الجامي يصرح: لا مبدأ ولا معاد
    قال السرهندي «ورأيت جماعة من المريدين يستشهد بشعر مولانا عبد الرحمن الجامي قدس الله سره:
    ما مبدأ ولا معاد صاح إلا وحدة ما نحن في ذا البين إلا كثرة موهومة (4).
    مقام الجهل بالله
    أما ثمرة وغاية الذكر عندهم حصول الجهل بالله والانتهاء إلى التصريح بأنهم يذكرون من لا يعرفون.
    قال «مولانا» علاء الدين «سألني الشيخ عبيد الله أحرار عن الذكر قلت: لا اله إلا الله. قال: ما هذا ذكر: هذا عبارة. قلت: فما هو عندك؟ قال: أن تعرف بأنك لا تقدر أن تعرفه. ثم قال: ينبغي - على السالك - أن يقبل ويتوجه إلى الجهل وأن ينوي الصلاة هكذا: أعبد الله الذي لا أعرفه: الله أكبر» (5).
    ---------------------------
    (1) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 197] ..
    (2) ورد في "مدارج الأخيار" للعمري [ج1/ص: 83] ..
    (3) ورد في "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 134] ..
    (4) ورد في "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 354] ..
    (5) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 139] ..
    ====================================

    الجواب:
    أما عن قول الناقد:
    وسئل شيخهم «مولانا» عبد الرحمن الجامي عن تعبير رؤيا رآها أحدهم وهي أنه رأى في المنام أن الله سبحانه قد مات فما يكون تعبيره؟ فقال: يحتمل أن يكون زال من قلب صاحب هذا المنام وانعدم شيء من أهوائه بموجب قوله تعالى { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه}؛ اهـ
    نقول:
    الموت هنا هو موت أنوار معاني الربوبية في قلب المعرض عن الحق بالختم، لتوالي الذنوب:
    عن اِبْن جَرِير، أن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قال: ( أَنَّ الذُّنُوب إِذَا تَتَابَعَتْ عَلَى الْقُلُوب أَغْلَقَتْهَا، وَإِذَا أَغْلَقَتْهَا أَتَاهَا حِينَئِذٍ الْخَتْم مِنْ قِبَل اللَّه تَعَالَى وَالطَّبْع، فَلَا يَكُون لِلْإِيمَانِ إِلَيْهَا مَسْلَك وَلَا لِلْكُفْرِ عَنْهَا مَخْلَص )؛ (1) ..
    فيفقد المريد الحفظ وملامح حصانة المعية الإلهية، بإعراضه عن واقباله على الدنيا ..
    ويصدق ذلك قوله تعالى: { خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } [البقرة : 7] ..
    وقوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ } [المنافقون : 3] .
    وقوله عز من قائل: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } [النساء : 137] ..
    فمعنى هذا أن هذا الرجل عانى من التذبذب والنفاق، أو صدق بلسانه نفاقاً ولم يصدق قلبه إيماناً ..
    أما عن صلاة الرحمن:
    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، وَهُوَ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ عَلَى الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي )؛ (2) ..
    يقول الله تعالى: { هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً } [الأحزاب : 43] ..
    وهذا الإخراج من الظلمة إلى النور يكون يتجلي الرحمات الإلهية، ليصبح القلب مهيئ للأنوار اللدنية بفيض التقوى في قلبه: { فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً } [الكهف : 65] ..

    يتبع ..
    -----------------------------------

    (1) رواه الشوكاني في "فتح القدير" [ج1/ص: 63]؛ ورواه ابن جرير في "جامع البيان" [ج1/ص: 261]؛ ورواه ابن كثير في "تفسير القرآن" [ج1/ص: 175]؛ وهو مقبول يحتج به، وصالح عند حفاظ المفسرون ..
    (2) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج6/ص: 2694/ر:6969]، ومسلم في "صحيحة" [ج17/ص: 71/ر:6903]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 513/ر:3543]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ؛ ووافقه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:3543]، وقال: حسن صحيح؛ وحكمه: [متفق عليه] ..


    منسق وملون على الرابط:

    http://www.shariaa.net/forum/showpos...0&postcount=60

  6. #66
    أما عن قول الناقد:
    ونقل السرهندي أن السلطان محمود الغزنوي أرسل إلى أبي الحسن الخرقاني النقشبندي يذكره بطاعة أولي الأمر فلما قرأ عليه: { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم }، قال إني مشغول بطاعة الله بحيث لم أفرغ بعد لطاعة رسول الله» ؛ اهـ
    نقول:
    هذا القول قد استنكر ظاهره الإمام المجدد السرهندي رغم أنه منسوب لأحد السادة النقشبندية وأعني خليفة أبو يزيد البسطامي ..
    حيث قال المجدد الفاروقي: ( أن السلطان محمود الغزنوي، لما نزل مرة في أيام سلطنته في قرب قرية خرقان، أرسل واحداً من وكلائه إلى الشيخ أبي الحسن الخرقاني، والتمس منه الحضور عنده، وقال لرسوله إذا فهمت توقفا من الشيخ، فاقرأ هذه الآية: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } [النساء : 59]؛ فلما فهم الرسول توقفاً من الشيخ، قرأ الآية المذكورة، فقال له الشيخ بجوابه، إني مشغول بإطاعة الله تعالى، بحيث لم أفرغ منها بعد لإطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف لإطاعة أولي الأمر؟!؛ فجعل حضرة الشيخ إطاعة الحق سبحانه، غير إطاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا كلام بعيد عن الاستقامة، والمشايخ المستقيموا الأحوال يتحاشون من أمثال هذا الكلام، ويعلمون أن إطاعة الحق سبحانه في إطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، في جميع مراتب الشريعة والطريقة والحقيقة، ويعتقدون أن إطاعة الحق سبحانه في غير إطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، عين الضلال )؛ (3) ..
    وهذا الاستنكار صحيح:
    عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ: ( مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي )؛ (4) ..
    إلا أنه على ما يبدو أنه لكل مقام مقال ..
    فالعلم يؤتى ولا يأتي، ونعمى الحاكم من كان على باب العالم، وبئس العالم من كان على باب الحاكم ..
    فالسلطان كان على مقربة من مكان إقامة العارف الصمداني أبو الحسن الخرقاني رحمه الله تعالى، فكان جديراً به أن يأتيه، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، بعث معلماً، ولم يبعث حاكما، فطاعة وإتيان من يمثله بالحق، أوجب وفق ترتيب الآية موطن الاستشهاد، لأن العالم الرباني وريث مقام النبوة بالعلم ..
    عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، وَلَكِنَّهُمْ وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ يَعْنِي بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ)؛ (5) ..
    عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ الْعَالِمَ إِذَا أَرَادَ بِعِلْمِهِ وَجْهَ اللَّهِ هَابَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَكْنِزَ بِهِ الْكُنُوزَ هَابَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ )؛ (6) ..
    من ناحية أخرى إن الحاكم فإن كان الخليفة الحاكم يمثل أولي الأمر، فالخليفة العلم يمثل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فطاعة أولي الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم، أو ممثله بالحق والخلافة النبوية العلمية أولى ..


    يتيع ..

    --------------------------------

    (3) ورد في "المكتوبات" للسرهندي [ج1/ص: 233 – 234] ..
    (4) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج6/ص: 2611/ر:6718]، ومسلم في "صحيحة" [ج12/ص: 427/ر:4726]؛ ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج7/ص: 174/ر:4204]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:4193]؛ ورواه ابن في ماجة بلفظ: [الإمام] في "سننه" [ج2/ص: 534/ر:2859]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:2326]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:2914]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:6044]، وخلاصة حكمه: [متفق عليه] ..
    (5) رواه البخاري معلقا في" "صحيحة" [ج1/ص: 37]، تعليقاً يجزم بصحته؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 341/ر:3641]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:3641]، ورواه الترمذي ] في "سننه" [ج5/ص: 47/ر:2682]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2682]، ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 124/ر:223]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:183]؛ ورواه الدارمي في "سننه" [ج1/ص: 104/ر:348]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج6/ص: 254/ر:21208]، وهما من أئمة الصحيح؛ وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج1/ص: 289/ر:88]، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:3065]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:6297]؛ وصححه القاري في "الأسرار المرفوعة" [ر:232]؛ والصعدي في "النوافح العطرة" [ر:202] وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
    (6) رواه الديلمي في "مسند الفردوس" [ج3/ص: 71/ر:4201]؛ ورواه الخطيب في "الجامع" [ج1/ص: 363/ر:837]؛ وذكره الغزالي في "الإحياء" [ج2/ص: 145]؛ وأخرجه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج2/ص: 1086]؛ وورد في "مختصر دمشق" لابن منظور [ج4/ص: 7] ..


    منسق وملون على الرابط:

    http://www.shariaa.net/forum/showpos...3&postcount=61

  7. #67
    أما عن قول الناقد:
    الجامي يصرح: لا مبدأ ولا معاد
    قال السرهندي «ورأيت جماعة من المريدين يستشهد بشعر مولانا عبد الرحمن الجامي قدس الله سره:
    ما مبدأ ولا معاد صاح إلا وحدة ما نحن في ذا البين إلا كثرة موهومة.
    نقول:
    يقول الإمام المجدد الفاروقي السرهندي في شرح شعر الجامي: ( ولم يعلموا أن مراد مولانا الجامي في هذا البيت العودة والرجوع إلى الوحدة، باعتبار النظر والشهود يعني لا يبقى المشهود، غير الذات الأحد، وتختفي الكثرة عن النظر بالتمام، إلا الرجوع العيني، والعود الوجودي )؛ (7) ..
    أي ذهول عن الذات النفسية بفيض جلال الأنوار الربانية، ومصداق ذلك قوله عز من قائل: { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً [16] ِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً } [الجن : 17] ..
    فسقيا ماء أنوار الربوبية المغدقه في قلب المؤمن الصادق، تفتن النفس وتلفتها للحق سبحانه بالكلية، فلا يبقى لوعي ذاته البشرية مكان ..
    حيث ينخلع الإنسان بشكل آني عن نعليه، وهما: الدنيا ونفسه؛ حيث يطوى كل شيء إلا أنوار الحق تعالى الجلية: { إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى } [طه : 12]
    بتعبير أبسط: نقول إذا أصبح المؤمن شغله الشاغل كثرة ذكر الله ودوام تذكره، قذف الله في قلبه نور التقوى وأنور جذبة محبته، فما عاد يشغل قلبه إلا الحق سبحانه وإدمان ذكره على الدوام وهو قائم على الذكر أو قاعد لحطام الدنيا، أو في أي جانب من القبض والبسط، مع دوام حضور الفكرة مع الله: { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } [آل عمران : 191]..
    وللإمام الجنيد تعبير جميل في هذا المجال، إذ يقول عن حال نفسه في محبة الله: ( عَبْدُ ذَاّهِلُ عَنْ نَفْسِه، مُتَصِل بِرَبْهِ، قَاَئِمُ بِأَدَاّءِ حُقُوّقِهِ، نَاّظِرُ إلَيِهِ بِقَلّبِهِ، قَدْ أَحَرَقَ قَلْبُهُ الْأَنْوّار الإلَهِيَة، وصَفَاّ شِرْبُه مِنْ كَأْسِ وّرْدِه، وانْكَشَفَ لَهُ الْحَقُ مِنْ أّسْتَاّرِ عَيِنْهِ، فَإّنْ تَكَلّمَ فَبِاْلله، وإّنْ نَطَقَ فَمِنَ الله، وإِنْ تَحَرْكَ فَبِأّمْرِ الله، وإنْ سَكْنَ فَمَعَ الله، فَهُوّ بِالله ومَعَ الله )؛ (8) ..
    لذا يقول الإمام الجنيد: ( حَقِيّقَةُ المُشَاّهَدَة، وّجُوْدُ الْحَقِ مَعْ فُقْدَاّنِك ذَاّتِكّ )؛ (9) ..

    يتبع ..

    -----------------------------------

    (7) ورد في "المكتوبات الربانية" للسرهندي [ج1/ص: 599] ..
    (8) ورد في "الكواكب الدرية" للخرسة [ج1/ص: 199]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 87] ..
    (9) ورد في "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 188]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 39]؛ وفي "شرح النهج" لابن أبي الحديد [ج11/ص: 139] ..


    منسق وملون على الرابط:

    http://www.shariaa.net/forum/showpos...4&postcount=62

  8. #68
    أما عن قول الناقد:
    ثم انتهى إلى أن الله «في الحقيقة هو العابد والمعبود».
    وهذا تصريح بموافقة ابن عربي في قوله:
    الرب عبد والعبد رب****يا ليت شعري من المكلف
    نقول أولاً علينا أن نعرف تأويل شعر الشيخ الأكبر ابن عربي قدس سره:
    ورد في "الفتوحات المكية" لابن عربي [ج1/ص: 15]، ما نصه:
    الرب حق والعبد حق **** يا ليت شعري من المكلف‏؟
    إن قلت عبد فذاك ميت **** أو قلت رب أنى يكلف‏؟
    وقد أجاب على هذا التأويل شيخ مشايخ الناقد الكريم!!! ..
    وأعني شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني في "مجموع فتاويه" [ج2/ص: 111]، في تأويل البيت الأول، ولو لم يكن من تأويل ابن تيمية، إنما من نقله، بما نصه: ( إن القائل قال: الرب حق والعبد حق، أي الرب حق في ربوبيته، والعبد حق في عبوديته، فلا الرب عبدا ولا العبد ربا )؛ اهـ
    والبيت الثاني يبين أن العبد لا حول له ولا قوة إلا بربه، فهو كالميت العاجز عن كل شيء بغير ربه الأعلى، فهو تعالى القائم سبحانه على شؤونه واحتياجاته، فإن كان ربا فهو لا يخضع للتكليف، إنما التكليف للمرء وهو عبد، فهو تعالى يكلفه ويعينه على التكليف ما دام عبدَ، إي لا كبر في قلبه؛ لأن من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر على أمر الله وضعه الله ..
    وهذا توجيه تربوي بالتعامل مع الله صيغ على شكل أحجية يفك ألغازها المريد الصادق ..
    أما الصيغة الثاني من هذا الشعر والتي وردت في "الفتوحات المكية" لابن عربي [ج1/ص: 552]، بما نصه:
    العبد رب والرب عبد**** يا ليت شعري من المكلف؟
    إن قلت عبد فذاك رب**** وقلت رب فأنّى يكلف؟
    فهذا توجيه معرفي لله! ..
    جواب الأحجية الشعرية الاثنين مكلف وهو مكلف واحد ..
    لأن المرء عبد لربه ورب لعبده ..
    كأن نقول فلان رب لذاته فهو سيدها، طوع نفسه للحق فسادها؛ وهو الراعي المسؤول عنها؛ ونقول فلان رب الأسرة، أو رب العمل، ورب المؤسسة، أو رب الدائرة، أو رب المعسكر، أو رب الدولة ..
    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( أَلا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَامْرَأَةُ الرَّجُلِ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا، وَهِي مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَتِهِ )؛ (10) ..
    وكلهم عبيد الراعي الأكبر رب الأرباب سبحانه رب العالمين ..
    فهذا لفت معرفي أن الله رب عظيم لا يحاط بربوبيته، فهو رب الأرباب الذي لا رب له، وهو فوق كل رب لا فوق له، القائم على شؤون خلقه أجمعين ..
    وعن الشطر الثاني نقول:
    فإن قلت عبد فذاك رب أي: راعي ومسؤول عن نفسه ورعيته، أمام الله، لقوله تعالى: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ... } [التحريم : 6] ..
    ما إن كان رب، فلا تكليف له لاستكباره على الحق، بربوبيته دون العبودية، كحال فرعون موسى رعمسيس الثاني، حين قال: { فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } [النازعات : 24] وفق قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ } [الأعراف : 40] ..
    وحتى يلج الجمل في سم الخياط، لها وجهان للدلالة المعنوية الوجه الأول: وجهُّ ألوهي فيه شدة، أي من باب الاستحالة بدخول الجنة مطلقاً، لأنه لا يمكن أن يصبح الجمل بحجم رأس إبرة الخياط، جزاء كبرهم فلا يدخل الجنة من كان في قلبه ذرة من كبر، كما أخبرنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، في ما رفع من سننه الصحيحة ..
    عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( لا يدخلُ الجنَّةَ، من كان في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ من كِبرٍ )؛ (11) ..
    والوجه الثاني: وجهُّ ربوبي فيه رحمة، أي وجود إمكانية الدخول الشرطي إلى الجنة!، بأن يعود الرب عبداً، أي تصغر نفسه بالزل والانكسار لله، وحسن الالتجاء، بصفاء النية وصدق العزيمة وثبات التوبة، وعلو الطاعة، حتى تنصهر نفسه صهراً معنوياً لتصبح من شدة صغرها المعنوي في الحق، بحجم رأس إبرة الخياط أو ثقب الإبرة ..
    عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ دَرَجَةً يَرْفَعْهُ اللَّهُ دَرَجَةً، حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ، وَمَنْ يَتَكَبَّرْ عَلَى اللَّهِ دَرَجَةً، يَضَعْهُ اللَّهُ دَرَجَةً، حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ، وَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ يَعْمَلُ فِي صَخْرَةٍ صَمَّاءَ لَيْسَ عَلَيْهِ بَابٌ وَلا كُوَّةٌ، لَخَرَجَ مَا غَيَّبَهُ لِلنَّاسِ كَائِنًا مَا كَانَ )؛ (12) ..
    ألم يقل فرعون: { فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [24] فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى [25] إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى } [النازعات : 26] ..

    يتبع ..

    -----------------------------

    (10) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج2/ص: 848/ر:2278]، ومسلم في "صحيحة" [ج12/ص: 417/ر:4701]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 145/ر:2928]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:2928]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 181/ر:1705]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:1705]؛ ورواه البخاري في "الأدب المفرد" [ج1/ص: 74/ر:206]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الأدب" [ر:151]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 155/ر:2145]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج5/ص: 155]، وبإسناد صحيح، على شرط الشيخين؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج2/ص: 121]؛ ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" [ج8/ص: 311/ر:12623]، وقال: ثابت مشهور؛ وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج10/ص: 343/ر:4491]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:6370]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:4569]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
    (11) رواه مسلم في "صحيحة" [ج2/ص: 277/ر:263]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 317/ر:1999]، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج12/ص: 280/ر:5466]، بإسناد صحيح، على شرط مسلم؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 686/ر:3937]، بإسناد صحيح؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (12) رواه ابن حبان في "صحيحة" [ج12/ص: 491/ر:5678]؛ ورواه أبو يعلى في "مسنده" [ج2/ص: 358/ر:1109]؛ حسنه العسقلاني في " الأمالي المطلقة" [ج1/ص: 89]؛ وحكمه: [حسن] ..


    منسق وملون على الرابط:

    http://www.shariaa.net/forum/showpos...7&postcount=63

  9. #69
    حول نقل الناقد موطن النقد:
    قال «مولانا» علاء الدين «سألني الشيخ عبيد الله أحرار عن الذكر قلت: لا إله إلا الله. قال: ما هذا ذكر: هذا عبارة. قلت: فما هو عندك؟ قال: أن تعرف بأنك لا تقدر أن تعرفه. ثم قال: ينبغي - على السالك - أن يقبل ويتوجه إلى الجهل وأن ينوي الصلاة هكذا: أعبد الله الذي لا أعرفه: الله أكبر» اهـ
    نقول:
    يقول الله تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [الأعراف : 42] ..
    التكليف من الله للمؤمنين هو بما فيه الاستطاعة والسعة العقلية المعرفية، وما دون ذلك يعجز المؤمن عن إدراكه، فتدرك طرفا من عظمته تعالى ..
    عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: إن قوماً تفكروا في الله عز وجل فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( تَفَكَّرُوا فِي خَلْقِ اللهِ، وَلاَ تَفَكَّرُوا فِي اللهِ، فَإِنَّكُمْ لَنْ تَقْدِرُوا قَدْرَهُ )؛ (13) ..
    يؤيد ذلك قوله تعالى: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [الزمر : 67]
    يقول الصديق الأكبر والرفيق الأفخر أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه: ( العَجْزُ عَنْ دَرَكِ الإِدْرَاكِ إِدْرَاكُ، والبَحْثُ عن ذَاتِهِ كُفْرٌ وإِشْرَاكُ )؛ (14) ..
    ويقول سلطان العارفين أبو يزيد البسطامي الصديقي: ( الْمَعْرِفَةُ مَعْرِفَتَاّنِ: مَعْرِفَةِ حَقِيِقَةِ، وَمَعْرِفَةِ حَقْ، فَأّمْاّ مَعْرِفَةِ الْحَقِ، فَقَدْ عَرِفَهَاّ الْمُؤْمِنْوُنَ بِنُوّرِ الْإِيِمَاّنِ وَالِإِيِقَاّنِ؛ وَأّمَاَ مَعْرِفَةِ الْحِقَيِقَةِ فَلَاَ سَبِيِلَ لَهَاّ، قَاَلَ تَعَاَلَىّ: { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } [طه :110] )؛ (15) ..
    وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ( (( إِنَّكُمْ لَوْ عَرَفْتُمُ اللَّهَ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ لَمَشَيْتُمْ عَلَى الْبُحُورِ، وَلَزَالَ بِدُعَائِكُمُ الْجِبَالُ، وَلَوْ أَنَّكُمْ خِفْتُمُ اللَّهَ كَحَقِّ الْخَوْفِ، لَعَلِمْتُمُ الْعِلْمَ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ جَهْلٌ، وَمَا بَلَغَ ذَلِكَ أَحَدٌ قَطُّ ))؛ قُلْتُ: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (( وَلا أَنَا، إِنَّ اللَّهَ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يُدْرَكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِ، وَلا يَزْدَادُ أَحَدٌ مِنَ الْخَوْفِ وَالْيَقِينِ إِلا كَانَ مَا لَمْ يَبْلُغْ أَعْظَمَ، وَأَكْثَرَ مِنَ الَّذِي يَبْلُغُ )) )؛ (16) ..
    ------------------------------

    (13) ورد في "الإحياء" للغزالي [ج4/ص: 424]، ورواه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج9/ص: 292/ر:4292]، وقال في حكمه: [له وجه آخر للأصفهاني إسناده أصح]؛ رواه أبو الشيخ الأصفهاني في "العظمة" [ج1/ص: 238/ر: 1442]، بلفظ: ( تَفَكَّرُوا فِي الْخَلْقِ، وَلا تَفَكَّرُوا فِي الْخَالِقِ، فَإِنَّكُمْ لا تَقْدُرُونَ قَدْرَهَ )؛ وقال في حكمه: [يحسن إذا توبع]؛ وورد بلفظ الأصفهاني: في "إيقاظ الهمم" لابن عجيبة [ج1/ص: 259]، وفي "الفتاوى الحديثة" لابن حجر الهيتمي المكي [ج1/ص: 165]؛ وحكمه: [حسن لغيره] ..
    (14) ورد في "شرح سنن النسائي" للسيوطي [ج1/ص: 103]، وورد في "تشنيف المسامع" للزركشي [ج3/ص:80]، وورد في "الإحياء" للغزالي [ج4/ص: 305]، وفي "المقصد الأسنى" للغزالي [ج1/ص: 54]، وورد في "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي [ج9/ص: 52]، وورد في "فتح القدير" للمناوي [ج16/ص: 181/ر:8860]، وورد في "روح المعاني" للألوسي [ج24/ص: 25]، وورد في "التبصير" للإسفراييني [ج1/ص: 160/ر:15]، في "مرقاة المفاتيح" للقاري [ج2/ص: 90]، وفي "البرهان المؤيد" للرفاعي الكبير [ج1/ص: 156]، وذكره ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" [ج2/ص: 216]، وفي "جامع الرسائل" [ج1/ص: 256] ..
    (15) ورد في "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 324] ..
    (16) رواه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج5/ص: 2313/ر:3678]؛ ورواه الديلمي في "مسند الفردوس" [ج3/ص: 370/ر:5123]؛ ورواه المروزي في "التعظيم" [ج2/ص: 808/ر:802]؛ ورواه الحكيم الترمذي في &