صفحة 5 من 7 الأولىالأولى 1234567 الأخيرةالأخيرة
النتائج 61 إلى 75 من 96

الموضوع: رفع الغشية عن نقد دمشقية للطريقة النقشبندية

  1. #61
    الفصل السابع: سلطان العارفين أبو يزيد البسطامي:
    يقول الناقد دمشقية في الطريقة النقشبندية [ص: 224 – 230]:
    موقفهم من قول أبي يزيد: سبحاني
    وكذلك استحسن النقشبنديون قول أبي يزيد «سبحاني ما أعظم شأني» (1).
    ولم ينكروا هذا القول أو يستنكروه، بل أثبتوه على أنه نهاية ما يحصل للسالك الى الله الفاني به. وقد زعموا - خوفا من السوط أو السيف - أن هذا القول خطأ ووهم يحصل للعبد عند بلوغه قمة الوصول الى الله. والاسلام لا يعرف عبادة تنتهي بصاحبها الى التلفظ بالكفر وادعاء الألوهية.

    وذكرت كتبهم أنه صلى بالناس الفجر ثم التفت اليهم فقال: إني أنا الله لا اله الا أنا فاعبدوني. فتركه الناس وقالوا: مجنون، مسكين» (2).
    وجاء الى بيته رجل فدق بابه فقال أبو يزيد: من تطلب؟ فقال الطارق: أريد أبا يزيد. فقال له أبو يزيد: ليس في البيت غير الله» (3).

    وحكى السرهندي الفاروقي شيخ النقشبنديين أن أبا يزيد قال « لوائي أرفع من لواء محمد» وعذره السرهندي لأنها مقولة سكرية قالها أبو يزيد في حالة سكره بالله (4).
    وحكوا أيضا أنه قال « إن لله علي نعما منها أني رضيت أن أحرق بالنار بدل الخلق شفقة عليهم» (5). وقوله « الناس يفرون من الحساب وأنا أتمناه لعله يقول لي يا عبدي فأقول: لبيك. فيفعل بي ما يشاء» (6).

    وهذا مبدأ الفداء والكفارة وقبول التعذيب نيابة عن الخلق مقتبس من عقيدة النصارى نجده عند النقشبندية يروونه عن أبي يزيد. ونجده عند الرفاعية الذين نسبوا الى شيخهم الرفاعي أنه قبل أن يعذب كفارة عن خطايا الخلق.

    فالنصارى تقول: « يسوع الذي صلب ومات لأجلنا وهو الآن يتردى في جهنم ليخلصنا ويضحي بنفسه من أجلنا» (7). وقال فليبس « يسوع الذي تألم لخلاصنا وهبط الى الجحيم».

    وقد بلغ الزهد بأبي يزيد أن صار زاهدا في الآخرة وفي الجنة، فهو لا يريدها لكنه يريد الله فقط.
    قال « أوقفني الحق بين يديه مواقف في كلها يعرض علي المملكة فأقول: لا أريدها، فقال الله: فماذا تريد؟ فقلت له: أريد أن لا أريد» (8). وصرح السرهندي بأن رفع الاثنينية بين الخالق والمخلوق مطلوب في مقام الولاية، ثم احتج بقول أبي يزيد هذا (9).

    وحتى العبادة لا يريدها ولا يراها مقربة الى الله، ولهذا روى النقشبنديون عنه أنه قال « وقفت مع العابدين فلم أر لي معهم قدما، فوقفت مع المجاهدين فلم أر لي معهم قدما، ووقفت مع المصلين فلم أر لي معهم قدما، فقلت: يا رب كيف الطريق اليك؟ فقال: أترك نفسك وتعال » (10).

    وانما العبادة مشغلة ينشغل بها العابدون عن الله، هذا ما استحسن ذكره النقشبنديون بصرف النظر عن مدى ثبوت ذلك عن أبي يزيد.
    فقد رووا عنه أنه قال « إطلع الله على قلوب أوليائه فرأى منهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفا: فشغله بالعبادة» أضاف « وإن في الطاعات من الآفات ما يحتاج الى أن تطلبوا المعاصي» (11).
    ---------------------------
    (1) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 90]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 99]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 180]؛ وفي "تلبيس إبليس" لابن الجوزي [ج1/ص: 344]؛ وفي "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 133]؛ وفي "البهجة السنية" للخاني [ج1/ص: 81]؛ وفي "السبع الأسرار" للمعصوم [ج1/ص: 31] ..
    (2) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 57]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 102]؛ وفي "تلبيس إبليس" لابن الجوزي [ج1/ص: 345] ..
    (3) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 47]؛ وفي "تلبيس إبليس" [ج1/ص: 341] ..
    (4) ورد في "المكتوبات الربانية" للسرهندي [ج1/ص: 101] ..
    (5) ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 103]؛ وفي "تلبيس إبليس" لابن الجوزي" [ج1/ص: 341] ..
    (6) ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 100] ..
    (7) ورد في "رسالة بولس" [ج3/ص: 13] ..
    (8) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 55]؛ ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 101] ..
    (9) ورد في "المكتوبات الربانية" للسرهندي [ج1/ص: 364] ..
    (10) ورد في "تنوير القلوب" للزملكاني [ج1/ص: 469]؛ ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 98] ..
    (11) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 61]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 104] ..
    ==============================
    الجواب:حول نقد الناقد بقوله:
    موقفهم من قول أبي يزيد: سبحاني
    وكذلك استحسن النقشبنديون قول أبي يزيد « سبحاني ما أعظم شأني ».
    ولم ينكروا هذا القول أو يستنكروه، بل أثبتوه على أنه نهاية ما يحصل للسالك الى الله الفاني به. وقد زعموا - خوفا من السوط أو السيف - أن هذا القول خطأ ووهم يحصل للعبد عند بلوغه قمة الوصول الى الله. والاسلام لا يعرف عبادة تنتهي بصاحبها الى التلفظ بالكفر وادعاء الألوهية.
    نقول:
    لا بل أخطأ من شدة الفرح كما ورد في السنة:
    عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الَّذِي يَخْرُجُ حَتَّى إِذَا كَانَ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا زَادُهُ وَمَاؤُهُ، فَأَضَلَّهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَنَامَ فِي أَصْلِهَا، قَدْ يَئِسَ مِنْهَا فَانْتَبَهَ فَإِذَا هِيَ عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، فَيَقُولُ مِنَ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ )؛ (1) ..
    وهذا الاضطراب والهياج فرحاً بالله أصاب كيان ووجدان سلطان العارفين فأحيا فؤاده، فرحا، عندما قذف الله نوره في قلبه فانشرح له وانفسح، وأسقى فؤاده بالمحبة بماء غدقا فتنه عن ذاته البشرية به ..
    ويروى عند أهل الصدور أن سلطان العارفين، عندما نبؤ بما قال من شدة فرحه بالله؛ قال: ( استغفر الله العظيم، ويلي من نفسي، ويلي من نفسي؛ أو قال: حسبي من نفسي حسبي )؛ ورد في "المجموعة الكاملة" لعباس [ج1/ص: 49] ..
    وهذا حال من يقذف الله في قلبه نور التقوى الذي يفرق به بين الحق والباطل بعد أن يستقر، فينفسح له القلب وينشرح، لتتفجر أساريره، فيهيج فرحاً ..
    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: ( تَلا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ: { أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ِ} [الزمر : 22]؛ وفي رواية أخرى: { فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ } [الأنعام : 125] فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ انْشِرَاحُ صَدْرِهِ؟؛ قَالَ: (( إِذَا دَخَلَ النُّورُ الْقَلْبَ انْشَرَحَ وَانْفَسَحَ )). فَقُلْنَا: فَمَا عَلامَةُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (( الإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالتَّأَهُّبِ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ )) )؛ (2) ..
    وهذا عقل الحقائق، كما ورد في الأثر: ( الْعَقْلُ نُورٌ فِي الْقَلْبِ، يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ )؛ (3) ..
    وهؤلاء من قال بهم الحق سبحانه: { فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [آل عمران : 170] ..
    وقوله: { قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } [يونس : 58] ..
    وقد ذكرنا قبلاً كيف أول الإمام الجنيد حال سلطان العارفين بهذا القول وسو نذكر هنا تبرير شيخ مشايخ الناقد دمشقية وهو شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني، وتابعه النجيب الأول الإمام ابن قيم الجوزية:
    فقد قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى، في تبرير هذه الحالة من الشطح: ( فَهَذِهِ الْحَاّلْ تَعْتَرِيّ كَثِيّرْاً مِنْ أَهّلِ الْمَحَبْةِ وَالْإرَاّدَةِ فِيْ جَاّنِبِ الْحَقْ، فَإِنَهُ يَغِيّبُ بِمَحْبُوّبِهِ عَنْ حُبْهِ وَعَنْ نَفْسِهِ، وَبِمَذْكُوّرِهِ عَنْ ذِكْرِهِ، وَبِمَوّجُوْدِهِ عَنْ وّجُوّدِهِ، فَلَاّ يَشْعُرُ حِيّنَئِذَ بِالْتَمْيّزِ وَلَاّ بِوّجُوّدِهِ، فَقَدْ يَقُوّلُ فِيْ هَذِهِ الْحَاّلِ: أَنَاّ الْحَقُ أّوْ سُبْحَاّنِيّ أَوْ مَاّ فِيْ الْجُبْةِ إِلَاّ الله وَنَحْوَ ذَلَكَ، وَهُوَ سَكْرَاّنُ بِوّجْدِ الْمَحَبَةِ )؛ (4) ..

    ويقول الإمام ابن قيم الجوزية، تلميذ وتابع ابن تيمية الأول، في حال السكر: ( في حالة السكر والاصطلام والفناء قد يغيب عن هذا التميز، وفي هذه الحال قد يقول صاحبها: ما يحكى عن أبي يزيد أنه قال: سبحاني أو ما في الجبة إلا الله، ونحو ذلك من الكلمات التي لو صدرت عن قائلها وعقله معه لكان كافراً، ولكن مع سقوط التمييز والشعور قد يرتفع عنه قلم المؤاخذة )؛ (5) ..
    ------------------------------------------

    (1) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2325/ر:5950]، ومسلم في "صحيحة" [ج17/ص: 67/ر:6895]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 547ر:3538]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:3538]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
    (2) رواه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 346/ر:7862]؛ ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" [ج8/ص: 126/ر:14]؛ ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" [ج7/ص: 352/ر:10552]؛ وهو صحيح عند الحفاظ المفسرين؛ رواه ابن جرير الطبري في تفسيره "جامع البيان" [ج9/ص: 549/ر:12730]؛ وابن الرازي في "تفسير ان أبي حاتم" [ج5/ص: 332/ر:7897]؛ ورواه البغوي في تفسيره "معالم التنزيل" [ج5/ص: 89/ر:1017]؛ ورواه ابن وهب في "الجامع للتفسير" [ج1/ص: 37/ر:20]؛ وورد في "تفسير القرآن" لابن كثير [ج3/ص: 335]؛ وورد في "الدر المنثور" للسيوطي [ج7/ص: 219]؛ وورد في "الجامع للأحكام" للقرطبي [ج20/ص: 104] ..
    (3) ورد في "إرشاد القلوب" للديلمي [ج1/ص: 198]، وفي "ربيع الأبرار" للزمخشري [ج3/ص: 137]، وفي "الأدب" للماوردي [ج1/ص: 6]؛ وفي "روح البيان" للبروسوي [ج15/ص: 224]؛ وفي "شرح النهج" لابن أبي الحديد [ج20/ص: 40]؛ وفي "التعريفات" للجرجاني [ج1/ص: 197]؛ وفي "معالم الزلفى" للبحراني [ج1/ص: 15] ..
    (4) ورد في "مجموع الفتاوى" [ج2/ص: 396]؛ وفي "مجموع الرسائل" [ج1/ص: 64]؛ وهما لابن تيمية ..
    (5) ورد في "مدارج السالكين" لابن القيم [ج1/ص: 155] ..


    منسق وملون على الرابط:

    http://www.shariaa.net/forum/showpos...8&postcount=56

  2. #62
    حول نقد الناقد، بقوله:
    وذكرت كتبهم أنه صلى بالناس الفجر ثم التفت اليهم فقال: «إني أنا الله لا اله الا أنا فاعبدوني. فتركه الناس وقالوا: مجنون، مسكين » اهـ
    نقول:
    صدق من قال: إنما آفة الأخبار رواتها ..
    هذا القول يعتمد على قصة فيها أن أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى، زار قرية ووصل إلى أهلها أنه من الصالحين ..
    فطلبوا منه والحوا أن يكون إمامهم بالصلاة، ورغم أن السلطان أبو يزيد كان لا يؤم بصلاة بالمسجد تواضعاً، إلا أنه قبل بعد اصرار فأقم الصلاة وكبر وقرأ فاتحة الكتاب ثم شرع ليقرأ آية من آيات الكتاب الجليل، فقال: { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } [طه : 14] ..
    فتراءى لهم أنه يدعي الألوهية، لما روجه المغرضين أن أبو يزيد يقول بالزندقة!، إلا أنه قالها بلسان الحق عن الحق في كتاب الحق ..
    وأراد أن لا يدخل قلبه ذرة من عجب أو غرور ..
    وقول الناقد:
    وجاء الى بيته رجل فدق بابه فقال أبو يزيد: «من تطلب؟ فقال الطارق: أريد أبا يزيد. فقال له أبو يزيد: ليس في البيت غير الله» اهـ
    نقول:
    هذا اختزال وإيحاء دلالته الشكر بنسب الفضل بالكلية لله، تأدباً ..
    أي لا كيان ولا قيمة ولا وجود لأبي يزيد من غير الله؛ أي وفق المنطق الشرعي لا حول ولا قوة إلا بالله، أو تحقيق قوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } [المؤمنون : 60]، من الناحية الفعلية، وتحقيق قول عز من قال: { الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } [البقرة : 46] ..
    فيسقطون حقهم وحظ أنفسهم زاهدة أمام حق الله ..
    ومراد سلطان العارفين أن الطلب يكون الله وليس من عبد الله:
    عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ: ( يَا غُلَامُ, إني مُعَلِّمُكَ كلماتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّه، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ )؛ (6) ..

    وحول قول الناقد:
    وحكى السرهندي الفاروقي شيخ النقشبنديين أن أبا يزيد قال «لوائي أرفع من لواء محمد» وعذره السرهندي لأنها مقولة سكرية قالها أبو يزيد في حالة سكره بالله؛ اهـ
    نقول:
    تبرير المجدد الفاروقي أن سلطان العارفين قالها بلسان الحال، وليس بمقام الحال ..
    وقد يكون مقصده أرفع من الرُفْع وهنا الضعف، والمحدودية، وقد يكون من الضيق أي هو غيض من فيض لسان النبوة العميم، وغيض من انتشاره كدين، وإلهام وليس وحي ..
    وقد يكون أرفع من الرِفْعَة، في مجال التصريح بالحقائق العالية، التي أُمِرَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أن يُخْفِيها عن العامة، ويصرح بها بمجالسه الخاصة، للنخبة الْمُقَربة والْمُبَشرة، عما بقوله تعالى: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [هود : 112] ..
    والطغيان هنا في الآية من أوجه معانيه، هو: الخروج عن المألوف من القول، أو الفعل، وليس بالإثم ..
    لأن الصحابة الكرام أكثرهم أهل صلاح عظيم حققوا التقوى، وقاربوا الكمال:
    يقول الإمام التابعي الجليل الحسن بن يسار البصري رضي الله عنه: ( وَاللَّهِ لَقَدْ أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ بَدْرِيًّا، أَكْثَرُ لِبَاسِهِمُ الصُّوفُ لَوْ رَأَيْتُمُوهُمْ لَقُلْتُمْ مَجَانِينَ، وَلَوْ رَأَوْا خِيَارَكُمْ لَقَالُوا: مَا يُؤْمِنُ هَؤُلاءِ بِيَوْمِ الْحِسَابِ، وَلَوْ رَأَوْا شِرَارَكُمْ لَقَالُوا: مَا لِهَؤُلاءِ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ خَلاقٍ؛ وَكَاّنَ أَحَدُهُمْ يُعْرَضُ لَهُ الْمَاّلُ الْحَلَاّلُ فَلَاّ يَأْخُذُهُ وَيَقُوّلْ: أَخَاّفُ أَنْ يُفْسِدَ عَلِيَ قَلْبِيَ )؛ (7) ..
    وذلك حتى لا يزيد التكليف ويصعب الدين:
    عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ حَدَّ حُدُودًا، فَلا تَعْتَدُوهَا، وَفَرَضَ لَكُمْ فَرَائِضَ، فَلا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ، فَلا تَنْتَهِكُوهَا، وَتَرَكَ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ مِنْ رَبِّكُمْ، وَلَكِنْ رَحْمَةٌ مِنْهُ لَكُمْ، فَاقْبَلُوهَا وَلا تَبْحَثُوا فِيهَا )؛ (8) ..
    إذا أكثر الكثير لا استطاعة له على مراقي الإيمان: { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [الحجرات : 14]
    إلا أنه لكل زمان دول ورجال (9)؛ مع انتشار العلم وانحسار الجهل، وتقارب الحضارات، وظهور الترف الفكري والفلسفي ..

    يتبع ..

    -----------------------------------
    ..
    (6) رواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 575/ر:2516]، وقال: هذا حديث حسن صحيح؛ وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2516]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 482/ر:2664]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج4/ص: 233]؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج3/ص: 624/ر:6303]، بإسناد صحيح؛ بموافقة الذهبي في "التلخيص" [ج3/ص: 537]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:4217]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:7957]؛ وحكمه: [صحح] ..
    (7) رواه ابن وضاح في "البدع" [ج1/ص: 170/ر:158]؛ وورد في "الفتاوى الحديثية" للهيتمي [ج1/ص: 765]؛ وفي "حلية الأولياء" لأبو نعيم [ج2/ص: 134]؛ وفي "مرقاة المفاتيح" للقاري [ج13/ص: 59]؛ وفي "تهذيب الكمال" للمزي [ج6/ص: 112]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 240]؛ وفي "لئالي الأخيار" لليويسركاني [ج1/ص: 38]؛ وفي "نهاية الأرب" للنويري [ج2/ص: 127]؛ وفي "الإحياء" للغزالي [ج4/ص:241] ..
    (8) رواه أبو نعيم في "الحلية" [ج9/ص: 17/ر:13266]؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 124/ر:7114]، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" [ج1/ص: 176] : رجاله رجال الصحيح، وصححه ابن القيم في "أعلام الموقعين" [ج1/ص: 221]، وصححه الهيثمي المكي في "الزواجر" [ج1/ص: 12]، وصححه أحمد شاكر في "عمدة التفسير" [ج1/ص: 744]، وخلاصة حكمه : [صحيح] ..
    (9) الحكمة المأثورة: (( لِكُلِّ زَمَانٍ دَوْلَةٌ وَرِجَالٌ ))، هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) سورة آل عمران آية 140، وَقَوْلِهِمْ: فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرُّ وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ مَوْقُوفًا: " لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ، وَلِكُلِّ زَمَانٍ رِجَالٌ "، ويتداوله الناس بالشهرة على أنه حديث مرفوع ولكن لأنه لا وجود له في كتب ومصنفات المحدثين، فقد ذكر في كتب الموضوعات فرواه الملا القاري في "الأسرار المرفوعة" [ر:367]، ورواه السخاوي في "المقاصد الحسنة" [ر:829]، ورواه الغزي في "الجد الحثيث" [ر:373]؛ اهـ


    منسق وملون على الرابط:

    http://www.shariaa.net/forum/showpos...9&postcount=57

  3. #63
    وحول قول الناقد:
    وحكوا أيضا أنه قال: «إن لله علي نعما منها أني رضيت أن أحرق بالنار بدل الخلق شفقة عليهم». وقوله «الناس يفرون من الحساب وأنا أتمناه لعله يقول لي يا عبدي فأقول: لبيك. فيفعل بي ما يشاء».
    نقول:
    الحالة الأولى: بالقول الأول، هو لسان حال تعاظم الرحمة الغيرية في قلب سلطان العارفين، وطغيانها على كيانه بحالة الولاية الرحمانية، على حالة أو سبغة العدل كعالم وارث رباني ..
    لذلك نجده رحمه الله تعالى، يقول: ( مَنْ نَظَرَ إلى النَّاسِ بِعَيْنِ العِلْمِ مَقَتَهُمْ، وَمَنْ نَظَرَ إلَيْهِم بِعَيْنِ الحَقِيقةِ عَذَرَهُمْ )؛ (10) ..
    وكان يقول رحمه الله تعالى، من شدة الرحمة: ( إِلَهِيِ إِنْكَ خَلَقْتَ هَؤّلَاّءِ الْخَلْقِ بِغَيِرِ عِلْمِهِمُ، وَقَلَدْتَهُمِ أَمَاّنَةً بِغَيِرِ إِرَاّدَتِهِمِ، فَإِنْ لَمْ تُعِنَهُمِ فَمَنْ يُعِنَهُمِ؟! )؛ (11) ..
    عملا بقوله تعالى: { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [الحشر : 9] ..
    الحالة الثانية: بالقول الثاني، دليل فرط تعاظم محبة سلطان العارفين لله عز وجل، تلك المحبة التي جعلته يرغب بلقائه بالحق تحت أي حالة، أين كان وكيف ما كان، وبأي صورة كانت، فهنيئاً له هذه المحبة العارمة الصادقة الصارمة على النفس في سبيل الحق سبحانه ..
    لذلك نجده كان رحمه الله تعالى، يقول: ( الْنَاّسُ يَفِرْوّنَ مِنْ الْحِسَاّبِ وَأّنَاّ أَتْمَنَاّهُ لَعَلْهُ يَقُوّلُ لِيِ: يَاّ عَبْدِيِ فَأّقُوّلُ: لَبِيِكَ. فَيِفْعَلُ بِيِ مَاّ يَشَاّءُ )؛ (12) ..
    وحول قول الناقد:
    وقد بلغ الزهد بأبي يزيد أن صار زاهدا في الآخرة وفي الجنة، فهو لا يريدها لكنه يريد الله فقط.
    قال «أوقفني الحق بين يديه مواقف في كلها يعرض علي المملكة فأقول: لا أريدها، فقال الله: فماذا تريد؟ فقلت له: أريد أن لا أريد». وصرح السرهندي بأن رفع الاثنينية بين الخالق والمخلوق مطلوب في مقام الولاية، ثم احتج بقول أبي يزيد هذا.
    وحتى العبادة لا يريدها ولا يراها مقربة الى الله، ولهذا روى النقشبنديون عنه أنه قال «وقفت مع العابدين فلم أر لي معهم قدما، فوقفت مع المجاهدين فلم أر لي معهم قدما، ووقفت مع المصلين فلم أر لي معهم قدما، فقلت: يا رب كيف الطريق اليك؟ فقال: أترك نفسك وتعال».
    نقول:
    الحالة الأولى: التي لا يراد بها الجنة، فهي عند المحبين الذين يريدون وجه الله تعالى، أو ذاته العلية:
    لقوله تعالى: { وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } [الأنعام : 52] ..
    وقوله عز من قائل: { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } [الكهف : 28] ..
    والوجه في معاني القرآن ومقاصده هي الذات ..
    فهؤلاء كما صرح سبحانه بكتابه الكريم لا يريدون من الله إلا الله ..
    وهؤلاء الذي قال بهم عز وجل: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة : 54] ..
    ويروي العلامة الحنفي: إسماعيل حقي الخلوتي البروسوي الإسطنبولي في "تفسيره": عن الإمام علي كرم الله وجهه، عن الصديق الأكبر رضي الله عنه، وأرضاه، أنه قال: ( وَجَدْتُ الْنَاّسَ صِنْفِيّنَ، مُرِيّدِ الْدُنْيَا، وَمُرِيّدُ الْعُقْبَىّ، فَكُنْتُ أَنَا مُرِيّدُ الْمَوّلَىَ عَزَ وَجَلَ )؛ (13) ..
    الحالة الثانية: يؤولها ما روي عن الإمام الرباني جعفر الصادق: ( العُبَّادَ ثَلاَثَةٌ: قَوْمٌ عَبَدُوا اللَهَ عَزَّ وَجَلَّ خَوْفاً فَتِلْكَ عِبَادَةُ العَبِيدِ، وَقَوْمٌ عَبَدُوا اللَهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَي‌ طَلَبَ الثَّوَابِ فَتِلْكَ عِبَادَةُ الاُجَرَاءِ، وَقَوْمٌ عَبَدُوا اللَهَ عَزَّ وَجَلَّ حُبَّاً لَهُ فَتِلْكَ عِبَادَةُ الاَحْرَارِ؛ وَهِيَ‌َ أَفْضَلُ العِبَادَةِ )؛ (14) ..
    ولهذا الأثر المقطوع عن الإمام جعفر رضي الله عنه، أثر مقارب موقوف عن الإمام علي كرم الله وجهه، ذكرناه هنا سابقاً ..
    وروي عن نبي الله داوود عليه السلام، أنه قال: ( يَاَ رَبِ أَيْنَ أَجِدُكَ؟ )؛ فقال له: ( اِتْرُكْ نَفْسَكَ وَتَعَاّلْىَ، غِبْ عَنْهَاّ تَجِدْنِيّ )؛ (15) ..
    أي إسقاط حظ النفس ابتغاء ما عند الله، تحظى بلقاء الله ..

    يتبع ..

    ----------------------------------------------------

    (10) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 68] ..
    (11) ورد في "لواقح الأنوار" للشعراني [ج1/ص: 65]؛ وفي "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 71] ..
    (12) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 67]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 100] ..
    (13) ورد في "روح البيان" للبروسوي [ج2/ص: 111] ..
    (14) ورد في "الكافي" للكليني [ج2/ص: 84/ر:5]؛ وفي "الوسائل" للعاملي [ج1/ص: 62/ر:134]؛ وفي "البحار" للمجلسي [ج67/ص: 255/ر:27] ..
    (15) ورد في "إيقاظ الهمم" لابن عجيبة [ج1/ص: 199] ..


    منسق وملون على الرابط:

    http://www.shariaa.net/forum/showpos...4&postcount=58

  4. #64
    وحول قول الناقد:وانما العبادة مشغلة ينشغل بها العابدون عن الله، هذا ما استحسن ذكره النقشبنديون بصرف النظر عن مدى ثبوت ذلك عن أبي يزيد.
    فقد رووا عنه أنه قال «اطلع الله على قلوب أوليائه فرأى منهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفا: فشغله بالعبادة» أضاف «وإن في الطاعات من الآفات ما يحتاج الى أن تطلبوا المعاصي»
    نقول:
    معرفة الله تنور العبادات فتزيد المصلي خشوعا وورعا فهي تنهى عن المنكر والفحشاء والبغي، وتزيد تقوى الصائم القائم إلى غير ذلك، وتكون حجة وسلطان على القلب قبل أن يحج ..
    روى مالك بن دينار، عن الحسن البصري، عن أنس بن مالك، عن الإمام الغالب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، أنه قال: ( رِكْعَةُ مِنْ عَاّلِمِ بِاّللهِ، خَيّرُ مِنْ أّلْفِ رِكْعَةِ، مِنْ مُتَجَاّهِلِ بِاّلله )؛ (16) ..
    ومن قول أبي يزيد البسطامي نعرف أن معرفة الله تعالى تحتاج إلى همة علية، وطاقة استيعاب وعيية، وقدرة تحمل ذكية، مع المثابرة على المتابعة للمعرفة والعلم، لذلك هذه الاستطاعة لا تكون عند أكثر الناس، ومثال ذلك في الحياة العملية أن الذكاء درجات بين الناس، كذلك ليس كل الدارسين يستطيعون على الدراسات العليا الجامعية، وهذا أمر بديهي متعارف عليه ..
    لذا يقول تعالى: { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } [المجادلة : 11] ..
    لذلك كان سلطان العارفين أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى، يقول: ( عَمِلْتُ فِي الْمُجَاهَدَةِ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَمَا وَجَدْتُ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَيَّ مِنَ الْعِلْمِ وَمُتَابَعَتِهِ، وَلَوْلا اخْتِلافُ الْعُلَمَاءِ لَتَعِبْتُ، وَاخْتِلافُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةٌ، إِلا فِي تَجْرِيدِ التَّوْحِيدِ )؛ (17) ..
    وبيان فضل العالم ومتابعة العلم في السنة:
    عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( فَضْلُ الْمُؤْمِنِ الْعَالِمِ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْعَابِدِ سَبْعُونَ دَرَجَةً )؛ (18) ..
    وفي الصحيح:
    عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا: عَابِدٌ وَالْآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ: ( فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ )؛ (19) ..
    وفي رواية أصح:
    وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ )؛ (20) ..
    ذلك أن معرفة معاني الألوهية تورث في قلب المؤمن العارف الهيبة من الحق سبحانه، ومعرفة معاني الربوبية، تورث في قلب المؤمن المحبة له سبحانه ..
    أما أفات الطاعات التي أشار إليها سلطان العارفين وقدم عليها المعصية هي الطاعات التي تورث العجب والكبر والغرور بزهو الطاعة في النفس الموهومة بالطمأنينة الزائفة، وهو باب يفتح مجال لحدوث المكر الإلهي، فكما أسلفنا وذكرنا بالصحيح المرفوع: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة كبر في أي مجال كان، لأنه قد نازع الله بإحدى خصوصياته الذاتية، فلهذا يقصم من رحمة الله:
    عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهم، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، يَقُولُ: (( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِّي النَّارَ ))؛ وفي رواية: (( فَمَنْ نَازَعَنِي فِيّهِمَاّ قَصَمْتُهُ وَلَّا أُبَاَليّ )) )؛ (21) ..
    إضافة إلى الطمأنينة الزائفة التي قد توقعه بالمحرمات، ظناً منه أن العبادات له وجاء وكفارة!، إضافة إلى سوء المعاملات مع الناس، بينما يكون قد أفلس دون أن يدري، وهو الذي يؤدي به إلى النار، رغم عبادته:
    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ: ( (( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ ))، قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: (( إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ )؛ (22) ..

    أما العارف بالله المتحلي بمحاسن أسماء الله وصفاته، المصبوغ ربانياً بمعاني الإيمان العلية، فإنه يكون مرجعُّ قدوة وأسوة حسنة بالأخلاق والمعاملات ابتغاء مرضاة الله وزيادة التقرب منه تعالى، إذ أن مبتغاه يكون أخروي صرف لا مأرب له في الدنيا، لذلك تجده دائم الافتقار والانكسار للحق سبحانه وتعالى ..
    وفي هذا يقول ابن عطاء الله السكندري: ( رُبَ مَعْصِيّةِ، أُوْرَثَتْ ذُلْاً وَاِنْكِسَاّرْاً، خَيِرُ مِنْ طَاّعَةِ، أّوْرَثْتْ عِزْاً وَاِسْتِكْبَاّرْاً )؛ (23) ..
    وورد في الحديث القدسي، قوله تعالى: ( أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِي )؛ (24) ..
    فإن رأس العلم وميراث المعرفة: خشية الله، وعلامة الخشية تمام الطاعة، والبكاء من الخشية في الأسحار، وهذا قلما يكون بالعابد، إنما هي سمة العارف:
    وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: ( لَا يَلِجُ النَّارَ، رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ )؛ (25) ..
    فمن لم يكن له نصيب من المعرفة ومتابعتها شغله الله بالعبادة كي يكون هذا الشاغل نجاة له بالدارين ..
    ---------------------------------------------------------------

    (16) رواه الديلمي في "مسند الفردوس" [ج2/ص: 266/ر:2239]؛ والمناوي في "فيض القدير" [ج4/ص: 36/ر:4464]؛ والعراقي في "تخريج الإحياء" [ج6/ص: 2410/ر:3837]؛ والصنعاني في "التنوير" [ج6/ص: 264/ر:4448]؛ والمتقي الهندي في "كنز العمال" [ج10/ص: 154/ر:28786] ..
    (17) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" [ج4/ص: 262/ر:14965]؛ وورد في "صفة الصفوة" لابن الجوزي [ج2/ص: 304]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 57]؛ وفي "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 69]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 146]؛ وفي "الكواكب الدرية" للخرسة [ج1/ص: 323]؛ وفي "تاريخ الإسلام" للذهبي [ج5/ص: 71] ..
    (18) رواه القرطبي في "جامع البيان" [ج1/ص: 68/ر:72]؛ وورد في "الإحياء" للغزالي [ج1/ص: 14]؛ وأخرجه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج1/ص: 8/ر:31]؛ وحكمه: [حسن لغيره] ..
    (19) رواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 48/ص: 2685]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2685]؛ ورواه الدارامي في "سننه" [ج1/ص: 103/ر:346]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأسد في "سنن الدارمي" [ج1/ص: 109]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (20) رواه البخاري معلقا في" "صحيحة" [ج1/ص: 37]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 341/ر:3641]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:3641]، ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 47/ر:2682]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2682]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 124/ر:223]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:183]؛ وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج1/ص: 289/ر:88]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:3065]، ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:6297]، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
    (21) رواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 456/ر:4090]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4090]؛ ووراه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 493/ر:4175]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3384]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 490/ر:7335]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج2/ص: 248]؛ ورواه بلفظ آخر: الشيخان: مسلم في "صحيحة" [ج16/ص: 389/ر:6623]؛ والبخاري في "الأدب المفرد" [ج1/ص: 157/ر:563]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الأدب" [ر:429]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (22) رواه مسلم في "صحيحة" [ج16/ص: 351/ر:6533]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 529/ر:2418]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ؛ وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2418]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 586/ر:7969]، بإسناد صحيح، على شرط مسلم؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج2/ص: 303]؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج10/ص: 259/ر:441]، بإسناد صحيح، على شرط مسلم؛ بتحقيق الأرناؤوط في "صحيح ابن حبان"؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (23) ورد في "الحكم العطائية" للسكندري [ج1/ص: 82/ح96]؛ وفي "التيسير" للمناوي [ج1/ص: 529]؛ وفي "ايقاظ الهمم" لابن عجيبة [ج1/ص: 112] ..
    (24) رواه العجلوني في "كشف الخفاء" [ج1/ص: 203/ر: 614]؛ ورواه السخاوي في "المقاصد الحسنة" [ج1/ص: 169/ر:188]؛ ورواه الحوت في "أسنى المطالب" [ج1/ص: 92/ر:389]؛ ورواه الأمير المالكي في "النخبة البهية" [ج1/ص: 37/ر:44]؛ وورد في "جامع العلوم" لابن رجب [ج1/ص: 198] ..
    (25) رواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 171/ر:1633]؛ بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:1633]؛ ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج6/ص: 319/ر:3108]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:3108]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج3/ص: 301/ر:10182]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج2/ص: 505]؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 288/ر:7667]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ؛ ووافقه الذهبي في "التلخيص" [ج4/ص: 254]؛ وقال: صحيح؛ وحكمه: [صحيح] ..


    منسق وملون على الرابط:

    http://www.shariaa.net/forum/showpos...1&postcount=59

  5. #65
    القسم الرابع: شبهات ظاهرها كفرية عند النقشبندية ..

    الفصل الثاني: شبهات حول مفهوم الربوبية ..

    يتحدثون عن موت الرب
    وسئل شيخهم «مولانا» عبد الرحمن الجامي عن تعبير رؤيا رآها أحدهم وهي أنه رأى في المنام أن الله سبحانه قد مات فما يكون تعبيره؟ فقال: يحتمل أن يكون زال من قلب صاحب هذا المنام وانعدم شيء من أهوائه بموجب قوله تعالى {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} (1).
    الرب عندهم يصلـــي!!!
    ومن مراتب ومقامات الولاية عند النقشبندية مرتبة: حقيقة الصلاة. وهي مرتبة عالية جدا.
    قالوا «ولعل فيما ورد في قصة المعراج «قف يا محمد فإن الله يصلي» إيماء إلى حقيقة هذه المرتبة» ثم انتهى إلى أن الله «في الحقيقة هو العابد والمعبود» (2). وهذا تصريح بموافقة ابن عربي في قوله:

    الرب عبد والعبد رب يا ليت شعري من المكلف

    ولقد قال أحد النقشبنديين في لبنان (أحمد بدر الدين حسون) في خطبة له مسجلة عن الإسراء والمعراج فذكر هذه العبارة أن الله يصلي ثم قال فيا تارك الصلاة، إلا تتشبه بربك؟ إلا تقتدي بربك؟ إن ربك يصلي وأنت لا تصلي؟ س.
    فها قد زعم النقشبنديون أن الله يصلي فماذا تنتظرون يا مسلمين بعد ذلك. هذه مقولة شنيعة لم يقل بمثلها الكفرة ولا المجوس. وأن الله هو العابد وهو المعبود.

    ونقل السرهندي أن السلطان محمود الغزنوي أرسل إلى أبي الحسن الخرقاني النقشبندي يذكره بطاعة أولي الأمر فلما قرأ عليه {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} قال إني مشغول بطاعة الله بحيث لم أفرغ بعد لطاعة رسول الله» (3).
    الجامي يصرح: لا مبدأ ولا معاد
    قال السرهندي «ورأيت جماعة من المريدين يستشهد بشعر مولانا عبد الرحمن الجامي قدس الله سره:
    ما مبدأ ولا معاد صاح إلا وحدة ما نحن في ذا البين إلا كثرة موهومة (4).
    مقام الجهل بالله
    أما ثمرة وغاية الذكر عندهم حصول الجهل بالله والانتهاء إلى التصريح بأنهم يذكرون من لا يعرفون.
    قال «مولانا» علاء الدين «سألني الشيخ عبيد الله أحرار عن الذكر قلت: لا اله إلا الله. قال: ما هذا ذكر: هذا عبارة. قلت: فما هو عندك؟ قال: أن تعرف بأنك لا تقدر أن تعرفه. ثم قال: ينبغي - على السالك - أن يقبل ويتوجه إلى الجهل وأن ينوي الصلاة هكذا: أعبد الله الذي لا أعرفه: الله أكبر» (5).
    ---------------------------
    (1) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 197] ..
    (2) ورد في "مدارج الأخيار" للعمري [ج1/ص: 83] ..
    (3) ورد في "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 134] ..
    (4) ورد في "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 354] ..
    (5) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 139] ..
    ====================================

    الجواب:
    أما عن قول الناقد:
    وسئل شيخهم «مولانا» عبد الرحمن الجامي عن تعبير رؤيا رآها أحدهم وهي أنه رأى في المنام أن الله سبحانه قد مات فما يكون تعبيره؟ فقال: يحتمل أن يكون زال من قلب صاحب هذا المنام وانعدم شيء من أهوائه بموجب قوله تعالى { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه}؛ اهـ
    نقول:
    الموت هنا هو موت أنوار معاني الربوبية في قلب المعرض عن الحق بالختم، لتوالي الذنوب:
    عن اِبْن جَرِير، أن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قال: ( أَنَّ الذُّنُوب إِذَا تَتَابَعَتْ عَلَى الْقُلُوب أَغْلَقَتْهَا، وَإِذَا أَغْلَقَتْهَا أَتَاهَا حِينَئِذٍ الْخَتْم مِنْ قِبَل اللَّه تَعَالَى وَالطَّبْع، فَلَا يَكُون لِلْإِيمَانِ إِلَيْهَا مَسْلَك وَلَا لِلْكُفْرِ عَنْهَا مَخْلَص )؛ (1) ..
    فيفقد المريد الحفظ وملامح حصانة المعية الإلهية، بإعراضه عن واقباله على الدنيا ..
    ويصدق ذلك قوله تعالى: { خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } [البقرة : 7] ..
    وقوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ } [المنافقون : 3] .
    وقوله عز من قائل: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } [النساء : 137] ..
    فمعنى هذا أن هذا الرجل عانى من التذبذب والنفاق، أو صدق بلسانه نفاقاً ولم يصدق قلبه إيماناً ..
    أما عن صلاة الرحمن:
    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، وَهُوَ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ عَلَى الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي )؛ (2) ..
    يقول الله تعالى: { هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً } [الأحزاب : 43] ..
    وهذا الإخراج من الظلمة إلى النور يكون يتجلي الرحمات الإلهية، ليصبح القلب مهيئ للأنوار اللدنية بفيض التقوى في قلبه: { فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً } [الكهف : 65] ..

    يتبع ..
    -----------------------------------

    (1) رواه الشوكاني في "فتح القدير" [ج1/ص: 63]؛ ورواه ابن جرير في "جامع البيان" [ج1/ص: 261]؛ ورواه ابن كثير في "تفسير القرآن" [ج1/ص: 175]؛ وهو مقبول يحتج به، وصالح عند حفاظ المفسرون ..
    (2) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج6/ص: 2694/ر:6969]، ومسلم في "صحيحة" [ج17/ص: 71/ر:6903]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 513/ر:3543]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ؛ ووافقه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:3543]، وقال: حسن صحيح؛ وحكمه: [متفق عليه] ..


    منسق وملون على الرابط:

    http://www.shariaa.net/forum/showpos...0&postcount=60

  6. #66
    أما عن قول الناقد:
    ونقل السرهندي أن السلطان محمود الغزنوي أرسل إلى أبي الحسن الخرقاني النقشبندي يذكره بطاعة أولي الأمر فلما قرأ عليه: { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم }، قال إني مشغول بطاعة الله بحيث لم أفرغ بعد لطاعة رسول الله» ؛ اهـ
    نقول:
    هذا القول قد استنكر ظاهره الإمام المجدد السرهندي رغم أنه منسوب لأحد السادة النقشبندية وأعني خليفة أبو يزيد البسطامي ..
    حيث قال المجدد الفاروقي: ( أن السلطان محمود الغزنوي، لما نزل مرة في أيام سلطنته في قرب قرية خرقان، أرسل واحداً من وكلائه إلى الشيخ أبي الحسن الخرقاني، والتمس منه الحضور عنده، وقال لرسوله إذا فهمت توقفا من الشيخ، فاقرأ هذه الآية: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } [النساء : 59]؛ فلما فهم الرسول توقفاً من الشيخ، قرأ الآية المذكورة، فقال له الشيخ بجوابه، إني مشغول بإطاعة الله تعالى، بحيث لم أفرغ منها بعد لإطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف لإطاعة أولي الأمر؟!؛ فجعل حضرة الشيخ إطاعة الحق سبحانه، غير إطاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا كلام بعيد عن الاستقامة، والمشايخ المستقيموا الأحوال يتحاشون من أمثال هذا الكلام، ويعلمون أن إطاعة الحق سبحانه في إطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، في جميع مراتب الشريعة والطريقة والحقيقة، ويعتقدون أن إطاعة الحق سبحانه في غير إطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، عين الضلال )؛ (3) ..
    وهذا الاستنكار صحيح:
    عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ: ( مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي )؛ (4) ..
    إلا أنه على ما يبدو أنه لكل مقام مقال ..
    فالعلم يؤتى ولا يأتي، ونعمى الحاكم من كان على باب العالم، وبئس العالم من كان على باب الحاكم ..
    فالسلطان كان على مقربة من مكان إقامة العارف الصمداني أبو الحسن الخرقاني رحمه الله تعالى، فكان جديراً به أن يأتيه، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، بعث معلماً، ولم يبعث حاكما، فطاعة وإتيان من يمثله بالحق، أوجب وفق ترتيب الآية موطن الاستشهاد، لأن العالم الرباني وريث مقام النبوة بالعلم ..
    عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، وَلَكِنَّهُمْ وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ يَعْنِي بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ)؛ (5) ..
    عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ الْعَالِمَ إِذَا أَرَادَ بِعِلْمِهِ وَجْهَ اللَّهِ هَابَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَكْنِزَ بِهِ الْكُنُوزَ هَابَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ )؛ (6) ..
    من ناحية أخرى إن الحاكم فإن كان الخليفة الحاكم يمثل أولي الأمر، فالخليفة العلم يمثل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فطاعة أولي الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم، أو ممثله بالحق والخلافة النبوية العلمية أولى ..


    يتيع ..

    --------------------------------

    (3) ورد في "المكتوبات" للسرهندي [ج1/ص: 233 – 234] ..
    (4) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج6/ص: 2611/ر:6718]، ومسلم في "صحيحة" [ج12/ص: 427/ر:4726]؛ ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج7/ص: 174/ر:4204]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:4193]؛ ورواه ابن في ماجة بلفظ: [الإمام] في "سننه" [ج2/ص: 534/ر:2859]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:2326]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:2914]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:6044]، وخلاصة حكمه: [متفق عليه] ..
    (5) رواه البخاري معلقا في" "صحيحة" [ج1/ص: 37]، تعليقاً يجزم بصحته؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 341/ر:3641]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:3641]، ورواه الترمذي ] في "سننه" [ج5/ص: 47/ر:2682]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2682]، ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 124/ر:223]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:183]؛ ورواه الدارمي في "سننه" [ج1/ص: 104/ر:348]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج6/ص: 254/ر:21208]، وهما من أئمة الصحيح؛ وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج1/ص: 289/ر:88]، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:3065]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:6297]؛ وصححه القاري في "الأسرار المرفوعة" [ر:232]؛ والصعدي في "النوافح العطرة" [ر:202] وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
    (6) رواه الديلمي في "مسند الفردوس" [ج3/ص: 71/ر:4201]؛ ورواه الخطيب في "الجامع" [ج1/ص: 363/ر:837]؛ وذكره الغزالي في "الإحياء" [ج2/ص: 145]؛ وأخرجه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج2/ص: 1086]؛ وورد في "مختصر دمشق" لابن منظور [ج4/ص: 7] ..


    منسق وملون على الرابط:

    http://www.shariaa.net/forum/showpos...3&postcount=61

  7. #67
    أما عن قول الناقد:
    الجامي يصرح: لا مبدأ ولا معاد
    قال السرهندي «ورأيت جماعة من المريدين يستشهد بشعر مولانا عبد الرحمن الجامي قدس الله سره:
    ما مبدأ ولا معاد صاح إلا وحدة ما نحن في ذا البين إلا كثرة موهومة.
    نقول:
    يقول الإمام المجدد الفاروقي السرهندي في شرح شعر الجامي: ( ولم يعلموا أن مراد مولانا الجامي في هذا البيت العودة والرجوع إلى الوحدة، باعتبار النظر والشهود يعني لا يبقى المشهود، غير الذات الأحد، وتختفي الكثرة عن النظر بالتمام، إلا الرجوع العيني، والعود الوجودي )؛ (7) ..
    أي ذهول عن الذات النفسية بفيض جلال الأنوار الربانية، ومصداق ذلك قوله عز من قائل: { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً [16] ِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً } [الجن : 17] ..
    فسقيا ماء أنوار الربوبية المغدقه في قلب المؤمن الصادق، تفتن النفس وتلفتها للحق سبحانه بالكلية، فلا يبقى لوعي ذاته البشرية مكان ..
    حيث ينخلع الإنسان بشكل آني عن نعليه، وهما: الدنيا ونفسه؛ حيث يطوى كل شيء إلا أنوار الحق تعالى الجلية: { إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى } [طه : 12]
    بتعبير أبسط: نقول إذا أصبح المؤمن شغله الشاغل كثرة ذكر الله ودوام تذكره، قذف الله في قلبه نور التقوى وأنور جذبة محبته، فما عاد يشغل قلبه إلا الحق سبحانه وإدمان ذكره على الدوام وهو قائم على الذكر أو قاعد لحطام الدنيا، أو في أي جانب من القبض والبسط، مع دوام حضور الفكرة مع الله: { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } [آل عمران : 191]..
    وللإمام الجنيد تعبير جميل في هذا المجال، إذ يقول عن حال نفسه في محبة الله: ( عَبْدُ ذَاّهِلُ عَنْ نَفْسِه، مُتَصِل بِرَبْهِ، قَاَئِمُ بِأَدَاّءِ حُقُوّقِهِ، نَاّظِرُ إلَيِهِ بِقَلّبِهِ، قَدْ أَحَرَقَ قَلْبُهُ الْأَنْوّار الإلَهِيَة، وصَفَاّ شِرْبُه مِنْ كَأْسِ وّرْدِه، وانْكَشَفَ لَهُ الْحَقُ مِنْ أّسْتَاّرِ عَيِنْهِ، فَإّنْ تَكَلّمَ فَبِاْلله، وإّنْ نَطَقَ فَمِنَ الله، وإِنْ تَحَرْكَ فَبِأّمْرِ الله، وإنْ سَكْنَ فَمَعَ الله، فَهُوّ بِالله ومَعَ الله )؛ (8) ..
    لذا يقول الإمام الجنيد: ( حَقِيّقَةُ المُشَاّهَدَة، وّجُوْدُ الْحَقِ مَعْ فُقْدَاّنِك ذَاّتِكّ )؛ (9) ..

    يتبع ..

    -----------------------------------

    (7) ورد في "المكتوبات الربانية" للسرهندي [ج1/ص: 599] ..
    (8) ورد في "الكواكب الدرية" للخرسة [ج1/ص: 199]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 87] ..
    (9) ورد في "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 188]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 39]؛ وفي "شرح النهج" لابن أبي الحديد [ج11/ص: 139] ..


    منسق وملون على الرابط:

    http://www.shariaa.net/forum/showpos...4&postcount=62

  8. #68
    أما عن قول الناقد:
    ثم انتهى إلى أن الله «في الحقيقة هو العابد والمعبود».
    وهذا تصريح بموافقة ابن عربي في قوله:
    الرب عبد والعبد رب****يا ليت شعري من المكلف
    نقول أولاً علينا أن نعرف تأويل شعر الشيخ الأكبر ابن عربي قدس سره:
    ورد في "الفتوحات المكية" لابن عربي [ج1/ص: 15]، ما نصه:
    الرب حق والعبد حق **** يا ليت شعري من المكلف‏؟
    إن قلت عبد فذاك ميت **** أو قلت رب أنى يكلف‏؟
    وقد أجاب على هذا التأويل شيخ مشايخ الناقد الكريم!!! ..
    وأعني شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني في "مجموع فتاويه" [ج2/ص: 111]، في تأويل البيت الأول، ولو لم يكن من تأويل ابن تيمية، إنما من نقله، بما نصه: ( إن القائل قال: الرب حق والعبد حق، أي الرب حق في ربوبيته، والعبد حق في عبوديته، فلا الرب عبدا ولا العبد ربا )؛ اهـ
    والبيت الثاني يبين أن العبد لا حول له ولا قوة إلا بربه، فهو كالميت العاجز عن كل شيء بغير ربه الأعلى، فهو تعالى القائم سبحانه على شؤونه واحتياجاته، فإن كان ربا فهو لا يخضع للتكليف، إنما التكليف للمرء وهو عبد، فهو تعالى يكلفه ويعينه على التكليف ما دام عبدَ، إي لا كبر في قلبه؛ لأن من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر على أمر الله وضعه الله ..
    وهذا توجيه تربوي بالتعامل مع الله صيغ على شكل أحجية يفك ألغازها المريد الصادق ..
    أما الصيغة الثاني من هذا الشعر والتي وردت في "الفتوحات المكية" لابن عربي [ج1/ص: 552]، بما نصه:
    العبد رب والرب عبد**** يا ليت شعري من المكلف؟
    إن قلت عبد فذاك رب**** وقلت رب فأنّى يكلف؟
    فهذا توجيه معرفي لله! ..
    جواب الأحجية الشعرية الاثنين مكلف وهو مكلف واحد ..
    لأن المرء عبد لربه ورب لعبده ..
    كأن نقول فلان رب لذاته فهو سيدها، طوع نفسه للحق فسادها؛ وهو الراعي المسؤول عنها؛ ونقول فلان رب الأسرة، أو رب العمل، ورب المؤسسة، أو رب الدائرة، أو رب المعسكر، أو رب الدولة ..
    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( أَلا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَامْرَأَةُ الرَّجُلِ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا، وَهِي مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَتِهِ )؛ (10) ..
    وكلهم عبيد الراعي الأكبر رب الأرباب سبحانه رب العالمين ..
    فهذا لفت معرفي أن الله رب عظيم لا يحاط بربوبيته، فهو رب الأرباب الذي لا رب له، وهو فوق كل رب لا فوق له، القائم على شؤون خلقه أجمعين ..
    وعن الشطر الثاني نقول:
    فإن قلت عبد فذاك رب أي: راعي ومسؤول عن نفسه ورعيته، أمام الله، لقوله تعالى: { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ... } [التحريم : 6] ..
    ما إن كان رب، فلا تكليف له لاستكباره على الحق، بربوبيته دون العبودية، كحال فرعون موسى رعمسيس الثاني، حين قال: { فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } [النازعات : 24] وفق قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ } [الأعراف : 40] ..
    وحتى يلج الجمل في سم الخياط، لها وجهان للدلالة المعنوية الوجه الأول: وجهُّ ألوهي فيه شدة، أي من باب الاستحالة بدخول الجنة مطلقاً، لأنه لا يمكن أن يصبح الجمل بحجم رأس إبرة الخياط، جزاء كبرهم فلا يدخل الجنة من كان في قلبه ذرة من كبر، كما أخبرنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، في ما رفع من سننه الصحيحة ..
    عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( لا يدخلُ الجنَّةَ، من كان في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ من كِبرٍ )؛ (11) ..
    والوجه الثاني: وجهُّ ربوبي فيه رحمة، أي وجود إمكانية الدخول الشرطي إلى الجنة!، بأن يعود الرب عبداً، أي تصغر نفسه بالزل والانكسار لله، وحسن الالتجاء، بصفاء النية وصدق العزيمة وثبات التوبة، وعلو الطاعة، حتى تنصهر نفسه صهراً معنوياً لتصبح من شدة صغرها المعنوي في الحق، بحجم رأس إبرة الخياط أو ثقب الإبرة ..
    عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ دَرَجَةً يَرْفَعْهُ اللَّهُ دَرَجَةً، حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ، وَمَنْ يَتَكَبَّرْ عَلَى اللَّهِ دَرَجَةً، يَضَعْهُ اللَّهُ دَرَجَةً، حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ، وَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ يَعْمَلُ فِي صَخْرَةٍ صَمَّاءَ لَيْسَ عَلَيْهِ بَابٌ وَلا كُوَّةٌ، لَخَرَجَ مَا غَيَّبَهُ لِلنَّاسِ كَائِنًا مَا كَانَ )؛ (12) ..
    ألم يقل فرعون: { فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [24] فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى [25] إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى } [النازعات : 26] ..

    يتبع ..

    -----------------------------

    (10) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج2/ص: 848/ر:2278]، ومسلم في "صحيحة" [ج12/ص: 417/ر:4701]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 145/ر:2928]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:2928]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 181/ر:1705]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:1705]؛ ورواه البخاري في "الأدب المفرد" [ج1/ص: 74/ر:206]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الأدب" [ر:151]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 155/ر:2145]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج5/ص: 155]، وبإسناد صحيح، على شرط الشيخين؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج2/ص: 121]؛ ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" [ج8/ص: 311/ر:12623]، وقال: ثابت مشهور؛ وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج10/ص: 343/ر:4491]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:6370]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:4569]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
    (11) رواه مسلم في "صحيحة" [ج2/ص: 277/ر:263]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 317/ر:1999]، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج12/ص: 280/ر:5466]، بإسناد صحيح، على شرط مسلم؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 686/ر:3937]، بإسناد صحيح؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (12) رواه ابن حبان في "صحيحة" [ج12/ص: 491/ر:5678]؛ ورواه أبو يعلى في "مسنده" [ج2/ص: 358/ر:1109]؛ حسنه العسقلاني في " الأمالي المطلقة" [ج1/ص: 89]؛ وحكمه: [حسن] ..


    منسق وملون على الرابط:

    http://www.shariaa.net/forum/showpos...7&postcount=63

  9. #69
    حول نقل الناقد موطن النقد:
    قال «مولانا» علاء الدين «سألني الشيخ عبيد الله أحرار عن الذكر قلت: لا إله إلا الله. قال: ما هذا ذكر: هذا عبارة. قلت: فما هو عندك؟ قال: أن تعرف بأنك لا تقدر أن تعرفه. ثم قال: ينبغي - على السالك - أن يقبل ويتوجه إلى الجهل وأن ينوي الصلاة هكذا: أعبد الله الذي لا أعرفه: الله أكبر» اهـ
    نقول:
    يقول الله تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [الأعراف : 42] ..
    التكليف من الله للمؤمنين هو بما فيه الاستطاعة والسعة العقلية المعرفية، وما دون ذلك يعجز المؤمن عن إدراكه، فتدرك طرفا من عظمته تعالى ..
    عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: إن قوماً تفكروا في الله عز وجل فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( تَفَكَّرُوا فِي خَلْقِ اللهِ، وَلاَ تَفَكَّرُوا فِي اللهِ، فَإِنَّكُمْ لَنْ تَقْدِرُوا قَدْرَهُ )؛ (13) ..
    يؤيد ذلك قوله تعالى: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [الزمر : 67]
    يقول الصديق الأكبر والرفيق الأفخر أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه: ( العَجْزُ عَنْ دَرَكِ الإِدْرَاكِ إِدْرَاكُ، والبَحْثُ عن ذَاتِهِ كُفْرٌ وإِشْرَاكُ )؛ (14) ..
    ويقول سلطان العارفين أبو يزيد البسطامي الصديقي: ( الْمَعْرِفَةُ مَعْرِفَتَاّنِ: مَعْرِفَةِ حَقِيِقَةِ، وَمَعْرِفَةِ حَقْ، فَأّمْاّ مَعْرِفَةِ الْحَقِ، فَقَدْ عَرِفَهَاّ الْمُؤْمِنْوُنَ بِنُوّرِ الْإِيِمَاّنِ وَالِإِيِقَاّنِ؛ وَأّمَاَ مَعْرِفَةِ الْحِقَيِقَةِ فَلَاَ سَبِيِلَ لَهَاّ، قَاَلَ تَعَاَلَىّ: { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } [طه :110] )؛ (15) ..
    وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ( (( إِنَّكُمْ لَوْ عَرَفْتُمُ اللَّهَ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ لَمَشَيْتُمْ عَلَى الْبُحُورِ، وَلَزَالَ بِدُعَائِكُمُ الْجِبَالُ، وَلَوْ أَنَّكُمْ خِفْتُمُ اللَّهَ كَحَقِّ الْخَوْفِ، لَعَلِمْتُمُ الْعِلْمَ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ جَهْلٌ، وَمَا بَلَغَ ذَلِكَ أَحَدٌ قَطُّ ))؛ قُلْتُ: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (( وَلا أَنَا، إِنَّ اللَّهَ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يُدْرَكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِ، وَلا يَزْدَادُ أَحَدٌ مِنَ الْخَوْفِ وَالْيَقِينِ إِلا كَانَ مَا لَمْ يَبْلُغْ أَعْظَمَ، وَأَكْثَرَ مِنَ الَّذِي يَبْلُغُ )) )؛ (16) ..
    ------------------------------

    (13) ورد في "الإحياء" للغزالي [ج4/ص: 424]، ورواه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج9/ص: 292/ر:4292]، وقال في حكمه: [له وجه آخر للأصفهاني إسناده أصح]؛ رواه أبو الشيخ الأصفهاني في "العظمة" [ج1/ص: 238/ر: 1442]، بلفظ: ( تَفَكَّرُوا فِي الْخَلْقِ، وَلا تَفَكَّرُوا فِي الْخَالِقِ، فَإِنَّكُمْ لا تَقْدُرُونَ قَدْرَهَ )؛ وقال في حكمه: [يحسن إذا توبع]؛ وورد بلفظ الأصفهاني: في "إيقاظ الهمم" لابن عجيبة [ج1/ص: 259]، وفي "الفتاوى الحديثة" لابن حجر الهيتمي المكي [ج1/ص: 165]؛ وحكمه: [حسن لغيره] ..
    (14) ورد في "شرح سنن النسائي" للسيوطي [ج1/ص: 103]، وورد في "تشنيف المسامع" للزركشي [ج3/ص:80]، وورد في "الإحياء" للغزالي [ج4/ص: 305]، وفي "المقصد الأسنى" للغزالي [ج1/ص: 54]، وورد في "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي [ج9/ص: 52]، وورد في "فتح القدير" للمناوي [ج16/ص: 181/ر:8860]، وورد في "روح المعاني" للألوسي [ج24/ص: 25]، وورد في "التبصير" للإسفراييني [ج1/ص: 160/ر:15]، في "مرقاة المفاتيح" للقاري [ج2/ص: 90]، وفي "البرهان المؤيد" للرفاعي الكبير [ج1/ص: 156]، وذكره ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" [ج2/ص: 216]، وفي "جامع الرسائل" [ج1/ص: 256] ..
    (15) ورد في "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 324] ..
    (16) رواه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج5/ص: 2313/ر:3678]؛ ورواه الديلمي في "مسند الفردوس" [ج3/ص: 370/ر:5123]؛ ورواه المروزي في "التعظيم" [ج2/ص: 808/ر:802]؛ ورواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" [ج1/ص: 344/ر:1184]؛ ورواه البيهقي في "الزهد الكبير" [ج2/ص: 491/ر:981]؛ وأبو نعيم في "حلية الأولياء" [ج8/ص: 156/ر:12013]، مرسلاً عن وهب المكي وهو ثقة وثقه النسائي والبستي والذهبي والحافظ وابن معين، وهو بلفظ: ( (( لَوْ عَرَفْتُمُ اللهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ لَعَلِمْتُمُ الْعِلْمَ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ بِهِ جَهْلٌ وَلَوْ عَرَفْتُمُ اللهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ لَزَالَتِ الْجِبَالُ بِدُعَائِكُمْ، وَمَا أُوتِي أَحَدٌ مِنَ الْيَقِينِ شَيْئًا إِلا مَا لَمْ يُؤْتَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا أُوتِي ))، قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: (( وَلا أَنَا )) )؛ وورد في "كنز العمال" للمتقي الهندي [ج3/ص: 144/ر:5893]؛ وحكمه: [صالح] ..


    منسق وملون على الرابط:

    http://www.shariaa.net/forum/showpos...8&postcount=64

  10. #70
    الفصل الثاني: شبهة تأثير المرشد على دوام هداية المريد:
    يقول الناقد دمشقية في كتابه "الطريقة النقشبندية": [ص: 88]، ما نصه:
    "كـفــر آخـــر"
    وأعظم من ذلك ما حكاه صاحب الرشحات أن الشيخ الجامي النقشبندي سأل أحد مريديه «ما يقول شيخكم حين يغضب عليكم؟ قال: يقول: إذا حضرتم عندي تكونون على حذر مني وإذا خرجتم من عندي تنسون الله ولا تعرفونه أبدا! قال الشيخ: فما تقولون له حينئذ؟ قال: نسكت ولا نرد شيئا. قال الشيخ: يا عجبا ليست عندكم همة. ينبغي لكم أن تقولوا: نحن لا نعرف الله بل نعرفك أنت».
    وقال لهم مرة «كان الله ولم نكن نحن. ويكون الله ولا نكون. والآن نحن معدومون أيضا والله موجود » (1).
    -------------------
    (1) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 140] ..
    ======================
    نقول هذا الكلام هذا تأويله في السنة الشريفة:
    عن حنظلة الأسيدي التميمي رضي الله عنه قال: ( لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ قَالَ قُلْتُ نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا؛ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، وَمَا ذَاكَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ، وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً )؛ (1) ..
    وكذلك هذا حال المريد الصادق مع المرشد الصديق الوارث لمقام النبوة والعلم الشريف ..
    وصدق من قال من السلف: ( لَوّلَاّ الْمُرَبِيّ، مَاّ عَرَفْتُ رَبْيِ )؛ (2) ..
    وهو الذي يصب بنفس معنى القول المأثور، الذي ينسب عند المتأخرين لذي النون المصري: ( عَرِفْتُ رَبْيِ بِرَبْيُ، وَلَوْلَاَ رَبِيِ مَاّ عَرِفْتُ رَبْيِ )؛ (3) ..
    والشطر الثاني حق فأصدق الشعر كما قال النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ ..
    فالله كائن ولم يكون شيء كائن وكل وجود قائم وموجود بالحي القيوم، فليس في الوجود شيء بالحقيقة إلا الله، لأنه القديم الباقي، وما دونة محدث فاني ..
    يقول تعالى: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [26] وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [الرحمن : 27] ..
    أي كل ما هو ظاهر في مكونات الدنيا العينية المكنون والمتباين إلى زوال أو فناء، فالذي يعلو الشيء، هو الذي يظهر عليه، أو يتباين به، والبقاء لوجه أو وجهة الربوبية أو الذات العلية ..
    ------------------------
    (1) رواه مسلم في " صحيحة" [ج17/ص: 70/ر:6901]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 574/ر:3514]، بإسناد صحيح، بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:3514]، وقال أبو عيسى الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 513/ر:4239]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:4236]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج5/ص: 191/ر:17157]، بإسناد صحيح، على شرط مسلم؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج4/ص: 346]؛ وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:703]؛ وقال الألباني في "الصحيحة" [ر:2235] : صحيح بمجموع طرقه، وخلاصة حكمه : [صحيح] ..
    (2) ورد في "طرق الخدمة" للصعدي [ج1/ص: 194]؛ وفي "لباب اللغة" للسراج [ج1/ص: 141] ..
    (3) ورد في "ايقاظ الهمم" لابن عجيبة [ج1/ص: 301]؛ وفي "مدارج السالكين" لابن القيم [ج3/ص: 341]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 142]؛ وفي "روح البيان" للبروسوي [ج3/ص: 486] ..
    ========================



    منسق وملون على الرابط:

    http://www.shariaa.net/forum/showpos...9&postcount=65

  11. #71
    الفصل الثالث: مبررات الشطح والسكر عند النقشبندية:

    يقول الناقد دمشقية في كتابه "الطريقة النقشبندية": [ص: 89 – 90]، ما نصه:
    "مقام الخمر والسُكر"
    وكعادة السرهندي يعتذر عن مثل هذه الأقوال بأنها حصلت في حالة سكر الولي وغياب عقله. وهو عذر أقبح من ذنب.
    ويتغنون بمقام السكر والخمر ومدح المخمورين (1) فيقولون كما ذكر الكردي:
    فيا حادي العشاق قم واحْدُ قائمـا ودندن لنا باسم الحبيب وروحنـا
    وصُن في سرنا سُكرنا عن حسودنا وإن أنكرت عيناك شيئا فسامحنا
    فإنا إذا طبنا وطابت قلوبنا وخامرنا خمر الغرام تهتكنا
    فلا تلم السكران في حال سكره فقد رفع التكليف في سكرنا عنا
    وسلم لنا فيما ادعـيـنـاه إنـا إذا غلبت أشواقنا ربما بحنـا
    ---------------------
    (1) ورد في "تنوير القلوب" للزملكاني [ج1/ص: 492] ..
    =======================
    الجواب:
    الناقد الكريم يربط الخمر والسكر بالحالة السلبية العامة، لهذا المفهوم ..
    إنما الخمر والسكر هنا معنوي، أي نعم بذهاب الوعي والعقل، ولكن مع خصوصية التوحيد، وعلو العشق الإلهي والمحبة! ..
    والسُكر ما يُسَكْرُ العقل أي يغلقه وكذلك الخمر منه الخمار للوجه، وعكس السُكر كما في معاجم اللغة هو الصحو ..
    وهو أي السُكر والخمر: غياب العقل عن التفاعل والإدراك والوعي للمحيط الحسي ..
    وعند أهل القلوب السُكر هو غياب المحب بمحبوبه والانشغال به بالكلية عن ما سواه، شوقا وعشقاً ..
    نتيجة شهود قلبي عالي يسيطر على قلب العبد تجاه المعبود، فيغيب عن كل ما في الوجود إلا الحق الواجد الموجود سبحانه، فجذبة من جذابات الحق تعادل عمل الثقلين ..
    يقول من يعرفه الناقد وحفنة من العلماء الأفاضل بشيخ الإسلام، وهو الإمام الحافظ ابن تيمية الحراني رحمه الله تعالى: ( تَنْجَذِبُ قُلُوبُ الْمُحِبِّينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ، لِمَا اتَّصَفَ بِهِ سُبْحَانَهُ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ لِأَجْلِهَا أَنْ يُحَبّ وَيُعْبَدَ؛ بَلْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَبّ شَيْءٌ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ لِذَاتِهِ، إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ فَكُلُّ مَحْبُوبٍ فِي الْعَالَمِ، إنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُحَبّ لِغَيْرِهِ لَا لِذَاتِهِ وَالرَّبُّ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُحَبّ لِنَفْسِهِ وَهَذَا مِنْ مَعَانِي إلَهِيَّتِهِ و { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } فَإِنَّ مَحَبَّةَ الشَّيْءِ لِذَاتِهِ شِرْكٌ فَلَا يُحَبُّ لِذَاتِهِ إلَّا اللَّهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ إلَهِيَّتِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ وَكُلُّ مَحْبُوبٍ سِوَاهُ إنْ لَمْ يُحَبّ لِأَجْلِهِ أَوْ لِمَا يُحَبُّ لِأَجْلِهِ فَمَحَبَّتُهُ فَاسِدَةٌ )؛ (1) ..
    وقال رحمه الله تعالى، في موضع آخر، في تبرير لحالة سكر العاشق للحق تعالى: ( فَهَذِهِ الْحَاّلْ تَعْتَرِيّ كَثِيّرْاً مِنْ أَهّلِ الْمَحَبْةِ وَالْإرَاّدَةِ فِيْ جَاّنِبِ الْحَقْ، فَإِنَهُ يَغِيّبُ بِمَحْبُوّبِهِ عَنْ حُبْهِ وَعَنْ نَفْسِهِ، وَبِمَذْكُوّرِهِ عَنْ ذِكْرِهِ، وَبِمَوّجُوْدِهِ عَنْ وّجُوّدِهِ، فَلَاّ يَشْعُرُ حِيّنَئِذَ بِالْتَمْيّزِ وَلَاّ بِوّجُوّدِهِ، فَقَدْ يَقُوّلُ فِيْ هَذِهِ الْحَاّلِ: أَنَاّ الْحَقُ أّوْ سُبْحَاّنِيّ أَوْ مَاّ فِيْ الْجُبْةِ إِلَاّ الله وَنَحْوَ ذَلَكَ، وَهُوَ سَكْرَاّنُ بِوّجْدِ الْمَحَبَةِ )؛ (2) ..

    ويقول الإمام ابن قيم الجوزية، تلميذ وتابع ابن تيمية الأول، في حال السكر: ( في حالة السكر والاصطلام والفناء قد يغيب عن هذا التميز، وفي هذه الحال قد يقول صاحبها: ما يحكى عن أبي يزيد أنه قال: سبحاني أو ما في الجبة إلا الله، ونحو ذلك من الكلمات التي لو صدرت عن قائلها وعقله معه لكان كافراً، ولكن مع سقوط التمييز والشعور قد يرتفع عنه قلم المؤاخذة )؛ (3) ..
    وقال ابن القيم أيضاً: ( والفناء الذي يشير إليه القوم ويعملون عليه: أن تذهب المحدثات في شهود العبد، وتغيب في أفق العدم، كما كانت قبل أن توجد، ويبقى الحق تعالى كما لم يزل، ثم تغيب صورة المشاهِد ورسمه أيضاً، فلا يبقى له صورة ولا رسم، ثم يغيب شهوده أيضاً، فلا يبقى له شهود، ويصير الحق هو الذي يشاهد نفسه بنفسه، كما كان الأمر قبل إيجاد المكونات وحقيقته: أن يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل )؛ (4) ..
    وفي كتاب الله دليل على رخصة السكر بالله والفرح بالله وأذواق الإيمان الوجدانية يتجلى ذلك في قوله عز وجل: { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [المائدة : 93] ..
    فتلك الطعوم أو الأذواق القلبية مباحة وجائزة كيفما كانت إذا وافقت شرط الترقي بالإيمان والتقوى الذي تشير له الآية أعلاه ..
    بل هم مأمورين إظهار الفرح بالله، عند التقدم بالتعلق بالمظاهر الأخروية، لقوله عز من قائل: { قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } [يونس : 58] ..
    بل أن الله قد أقر بفرحهم هذا، بقوله: { فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [آل عمران : 170] ..
    والله تعالى لم يحب الفرح الدنيوي، كما في الآية: { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ } [القصص : 76] ..
    ولكن يقبل الفرح بالعمل الأخروي ويحث عليه، كما هو فرحة الصائم:

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَا: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّم: ( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: إنَّ الصَّوْم لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، إنَّ لِلصائِمِ فَرْحَتَيْنِ [لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ]: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ اللهَ فَجَزاهُ فَرِحَ، وَالَذِي نَفْسُ مُحَمَد بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ )؛ (5) ..

    وحال السكر بالله يكون من شدة الفرحة بالله فصاحبه مبرر الحال في السنة:
    عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الَّذِي يَخْرُجُ حَتَّى إِذَا كَانَ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا زَادُهُ وَمَاؤُهُ، فَأَضَلَّهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَنَامَ فِي أَصْلِهَا، قَدْ يَئِسَ مِنْهَا فَانْتَبَهَ فَإِذَا هِيَ عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، فَيَقُولُ مِنَ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ )؛ (6) ..
    لذلك قد يخطئ الولي أو العارف أحياناَ بالشطح، من شدة الفرح، وهو في حالة سكر بالحق سبحانه لفرط القرب ..
    حتى أن أبو منصور الحلاج، له قول فريد بوصف حال السكر بالحق: ( من أسكرته أنوار التوحيد [الترحيب]، حجبته عن عبارة التجريد، بل من أسكرته أنوار التجريد نطق عن حقائق التوحيد، لأن السكران هو الذي ينطق بكل مكتوم [مكنون] )؛ (7) ..

    ------------------------
    (1) ورد في "مجموع الفتاوى" لابن تيمية [ج10/ص: 608] ..
    (2) ورد في "مجموع الفتاوى" [ج2/ص: 396]؛ وفي "مجموع الرسائل" [ج1/ص: 64]؛ وهما لابن تيمية ..
    (3) ورد في "مدارج السالكين" لابن القيم [ج1/ص: 155] ..
    (4) ورد في "مدارج السالكين" لابن القيم [ج1/ص: 139] ..
    (5) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج6/ص: 2723/ر:7054]، ومسلم في "صحيحة" [ج8/ص: 273/ر:2702]؛ ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج4/ص: 468/ر:2210]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:2210]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 463/ر:7134]، بإسناد صحيح، على شرط مسلم؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج2/ص: 232]؛ ورواه ابن خزيمة في "صحيحة" [ج3/ص: 198/ر:1900]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
    (6) رواه مسلم في "صحيحة" [ج17/ص: 67/ر:6895]؛ وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:5030]؛ وحكمه: [صحيح] ..
    (7) ورد في "طبقات الصوفية" للسلمي [ج1/ص: 91]؛ وفي "الطبقات الكبرى" للشعراني [ج1/ص: 93]؛ وفي "شهيد التصوف" لسرور [ج1/ص: 154]؛ وفي "مسالك الأبصار" للعمري [ج8/ص: 125] ..


    منسق وملون على الرابط:

    http://www.shariaa.net/forum/showpos...9&postcount=66

  12. #72
    الفصل الرابع: أسماء الله الحسنى عند النقشبندية:

    يقول الناقد دمشقية في كتابه "الطريقة النقشبندية" [ص: 98 – 105]، ما نصه:

    البشر عند النقشبنديين ظلال أسماء الله وصفاته

    ويحكي السرهندي أنه بالوصول إلى عالم العلوي ينتهي إلى امتزاج العدم بالوجود الذي هو منشأ الإمكان... وبالسير إلى الله تتم دائرة ظلال الأسماء الواجبة ويحصل للسائر الوصول إلى مرتبة الأسماء والصفات، وفي هذا الموطن يتحقق الشروع في حقيقة الفناء. فإن هذه الأسماء هي في الحقيقة كالحجب، ساترة لوجه حضرة الذات تعالت وتقدست (1).

    ثانيهما: شهود الذات من لباس المظاهر من غير وصف الكثرة بل بنعت الوحدة ويقال لهذا الشهود عند الصوفية شهود الاحدية في الكثرة وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، على هذا الشهود بعد البعثة» (2). وقد عبر نقشبندي آخر وهو محمد مصطفى أبو العلا عن هذا الشهود بقوله «فإذا داوم المريد على المراقبة ترقى إلى مرتبة المشاهدة بأن ينكشف له بعين البصيرة أن أنوار وجود وحدة الذات الإلهية محيطة بجميع الأشياء وأنه تعالى متجل بصفاته وأسمائه في مصنوعاته» (3).

    قال صاحب الرحمة الهابطة «قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: قد يصدر عن العارف بالله إذا استغرق في بحر التوحيد بحيث تضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته» وذكر تندم اللقاني (4) على قتل الحلاج وأن قاتله لو فهم مقصودة من كلامه لما وجد مساغا لقتله (5).

    بل صرح مشايخهم كالسرهندي وغيره بأن «سائر الموجودات مظاهر الأسماء الإلهية ومرايا شؤوناته وكمالاته الذاتية» وأن هذا العالم إنما هو مظهر لظهور كمالات الأسماء والصفات الإلهية (6). وأن الله كان كنزا مخفيا فأراد أن يعرض نفسه من الخلاء إلى الملاء.

    وأن أشخاص العالم ظلال الأسماء والصفات حيث يخرج السالك عن أوصافه ويتصف بأوصاف ذلك الظل وإن حصل للسالك الترقي عن هذا الظل ينصبغ بلونه ويصل إلى الأصل الذي هو اسم من الأسماء الإلهية: وحينئذ تصير القطرة بحرا والحصاة جبلا... فلما حصل للسالك الفناء والبقاء: صار بحرا وجبلا» وهذا عندهم هو السير للتحلي بأسماء الله وصفاته ويسميه السرهندي *السير الأسمائي والصفاتي» ويحدد هذا السير بأنه «نهاية عروج الأنبياء والأولياء أولا إلى أسماء إلهية هي مبادئ تعينات وجودهم» (7).

    ويقول عبيد الله أحرار «كمال الحمد أن يحمده العبد ويعرف أنه لا حامد إلا هو تعالى. وأنه - أي العبد - عدم محض لا رسم له ولا اسم ولا فعل وإنما يبتهج سرورا بكونه تعالى جعله مظهرا لصفاته (8)... فانه إذا تجلى الحق على قلبه - أي السالك - بالتجلي القهري يمحو منه الغير والسوا، فلا يبقى فيه إلا هو (9) فلا جرم يسمع في هذا القلب لمن الملك اليوم لله الواحد القهار، وسبحاني ما أعظم شأني وأنا الحق وهل في الدارين غيري» (10).

    وقد أورد صاحب الرشحات تساؤلا أبداه أحد الحاضرين للشيخ سعد الدين النقشبندي ونصه ما يلي «إذا كان لا وجود غير وجود الحق سبحانه الذي هو الوجود المطلق وأن الظاهر في لباس المظاهر واحد: فما معنى مخالفة أهل الإسلام لأهل الكفر ومنازعتهم إياهم؟

    أجاب الشيخ: لما كان وجود الحق سبحانه الذي هو الوجود المطلق الذي لا وجود غيره عند محققي الصوفية مقترنا بالتعينات والنسب والاعتبارات ونحوها من النعوت التي تلحقه بواسطة تعلقه بالمظاهر: جرى كل واحد من أفراد الممكنات بمقتضى مبدأ تعينه الذي هو حقيقته فأفضى ذلك إلى نزاع موسى عليه السلام بموسى السامري لاختلاف مبدأ تعينهما. فإذا ارتفعت تلك النسب والاعتبارات بحكم (واليه يرجع الأمر كله) برجع موسى إلى الاتفاق كما كانا على ذلك قبل عروض التعين والمراد بموسى الثاني هو السامري: فان اسمه موسى أيضا فان أمه ربته بين الجبال فرباه جبريل عليه السلام كما قيل:

    إذا الطفل لم يكتب حنينا تخلفت ظنـون مربيــه وخـاب المؤمـــــــل
    فموسى الذي رباه جبريل كافر وموسى الذي رباه فرعون مرسل (11).
    ------------------------
    (1) ورد في "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 240] ..
    (2) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 213]؛ وفي "نور الهداية" لزاده [ج1/ص: 41] ..
    (3) ورد في "رسائل القصور" للغزالي [ج4/ص: 183] ..
    (4) هو ابراهيم اللقاني الملقب بالبرهان وهو صاحب كتاب جوهرة التوحيد المقرر في التدريس بالأزهر يتغزل بالحلاج ويتندم على قتله. ومع ذلك تعتمد أكبر مرجعية علمية كتبه!
    (5) ورد في "الرحمة الهابطة" للدوسري [ج1/ص: 125 – 126] ..
    (6) ورد في "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 121]؛ وفي "نور الهداية" لزاده [ج1/ص: 83] ..
    (7) ورد في "مدارج الأخيار" للمعصوم [ج1/ص: 55]؛ وفي "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 198] ..
    (8) ورد في "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 43] ..
    (9) و «هو» عندهم من أسماء الله الحسنى!!! ..
    (10) ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 161 – 162] ..
    (11) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 213] ..
    ===========================
    الجواب:

    حول قول الناقد: "ويحكي السرهندي أنه بالوصول إلى عالم العلوي ينتهي إلى امتزاج العدم بالوجود الذي هو منشأ الإمكان... وبالسير إلى الله تتم دائرة ظلال الأسماء الواجبة ويحصل للسائر الوصول إلى مرتبة الأسماء والصفات، وفي هذا الموطن يتحقق الشروع في حقيقة الفناء. فإن هذه الأسماء هي في الحقيقة كالحجب، ساترة لوجه حضرة الذات تعالت وتقدست" ..
    نقول العالم العلوي هو العالم الأخروي وهو عالم الحق الحقيقي، بإجاباته وسلبياته أي إن كان في جنة أم نار ..
    يقول الله تعالى، عن معالم الآخرة: { إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ [95] فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } [الواقعة : 96] ..
    فالتسبيح باسم عظمة الربوبية يؤدي إلى معرفة أسماء الربوبية الموصوفة بالرحمة وهي أسماء اسم الذات الرحمن، لقوله تعالى: { قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى .... } [الإسراء : 110] ..
    ومنها معرفة معاني الرحمة والرأفة والرفق والود واللطف إلى غير ذلك من معاني الربوبية، ومن ثم التحلي بها كأخلاق حسنة تخلقاً بأخلاق الله عز وجل ثم يرتقي الأمر مع ارتقاء المعرفة والمحبة لله عز وجل ترتقي حالة الاتصاف بأسماء الربوبية الوصفية، إلى الحالة الصبغية أي التحول من التطبع إلى الطبع بالسجية ..
    أما حالة الفناء بالأسماء الحسنى فهي حالة اسباغ ذاتي بمعاني الربوبية بحيث يصبح مصدر لهذه المعاني النفيسة العالية، وهي من علامات القرب العالي من الحق سبحانه ..
    وبذلك يصبح السالك رباني ..
    الحجب التي أشار إليها المجدد الرباني الفاروقي السرهندي هي حجب أسماء وصفات الذات الإنسانية قبل فنائها واسباغها بمعاني الربوبية ..
    وبشيء من الشرح نقول أن المريد المتعرف على أسماء الربوبية في الخلق عملاً بالأمر السماوي الأول الذي نزل على صدر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، بقوله تعالى: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [1] خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ } [العلق : 2]؛ عندنا تضيء له ومضات أو بوارق معرفية عن سمات الربوبية مثل الشكر والكرم والجود والود واللطف إلى غير ذلك، فإنه يعجب وينبهر ويتأثر بهذه المعاني، فيتحلى بها تطبعاً، بأثير المحبة، وذلك بأن يميل إلى الخيار الحسن دائماً، فيتعامل مع الناس باللين واللطف بدل الغلظ والخشونة والفظاظة:
    يقول الحق تعالى: { الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [آل عمران : 134] ..
    ويتخير الشكر على الفضل والكرم، إن صدر من أحد ما على الانكار للفضل وإن صغر، وهذا من علامة كرم النفس وهو الصفاء والنقاء والندرة لذلك يقال حجر كريم أي نادر صافي نقي لا تشوبه شائبة ..
    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ: ( لَا تَقُولُوا: كَرْمٌ، فَإِنَّ الْكَرْمَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ )؛ (1) ..
    وعندما يرقى إلى الإيمان القلبي تصبح صفات الكمال الخلقي هذه طبع فيه، فيصبح مخموم القلب ..
    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه، قَالَ: ( قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (( كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ ))؛ قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ، قَالَ: (( هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ )) )؛ (2) ..
    والمخموم القلب هو صاحب القلب السليم: { يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ [88] إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [الشعراء : 89] ..

    وزاد الحافظان أبو القاسم الطبراني وأبو نعيم الأصفهاني، على المتن الحديثي أعلاه: ( قَالُوا: فَمَنْ يَلِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (( الَّذِي يَشْنَأُ الدُّنْيَا وَيحِبُّ الآخِرَةَ ))، قَالُوا: مَا نَعْرِفُ هَذَا فِينَا إِلا رَافِعًا مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: فَمَنْ يَلِيهِ؟ قَالَ: (( مُؤْمِنٌ فِي خُلُقٍ حَسَنٍ )) )؛ (3) ..
    فالحالة الأخيرة وهو قوله صلى الل عليه وآله وسلم: ( مُؤْمِنٌ فِي خُلُقٍ حَسَنٍ )؛ تخص المؤمن المعتقد الذي تخلق بخلق حسن كما أسلفنا بذكره أعلاه ..
    أما عندما يصبح المؤمن رباني أي مصدر للمعاني كملات الربوبية الخُلقية، عندها يكتمل إيمانه ويصبح من المحسنين:
    عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحَاسِنُهُمْ أَخْلاقًا، المُوطَّؤونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ، وَلا خَيْرَ فِيمَنْ لا يَأْلَفُ وَلا يُؤْلَفُ )؛ (4) ..
    والموطؤون أكنافاً كما في الحديث أي هم ذوي الطبع اللين الهين أي اللين العريكة الودود أو كل هين لين قريب من الناس:
    عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( حُرِّمَ عَلَى النَّارِ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ قَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ )؛ (5) ..

    يتبع ..

    ---------------------------------------

    (1) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2287/ر:5829]؛ ومسلم في "صحيحة" [ج15/ص: 7/ر:5829]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
    (2) رواه ابن ماجه في "سننه" [ج5/ص: 506/ر:4216]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3416]؛ ورواه البيهقي في "الشعب" [ج5/ص: 264/ر:6604]؛ ورواه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج6/ص: 18/ر:2583]، بإسناد صحيح؛ صححه المنذري في "الترغيب" [ج4/ص: 33]؛ ووافقه الألباني وفي "صحيح الترغيب" [ر:2889]؛ وصححه البوصيري في "مصباح الزجاجة" [ج4/ص: 239]؛ وصححه الألباني في "تخريج المصابيح" [ر:5149]؛ وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
    (3) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" [ج1/ص: 183/ر:613]؛ والطبراني في "مسند الشاميين" [ج2/ص: 217/ر:1218]؛ وابن عساكر في "تاريخ دمشق" [ج59/ص: 451/ر:64669] ..
    (4) رواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 632/ر:4682]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4682]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج3/ص: 466/ر:1162]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:1162]؛ ووراه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 492/ر:7354]؛ بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج13/ص: 331]؛ ورواه مع لواحقه: البيهقي في "الشعب" [ج6/ص: 232/ر:7983]؛ والطبراني في "الأوسط" [ج4/ص: 356/ر:4422]؛ وفي "الصغير" [ج1/ص: 362/ر:605]؛ وحسن جملةً الألباني في "صحيح الجامع" [ر:1231]؛ وفي "صحيح الترغيب" [ر:2658]؛ وحكم متنه الأول: [صحيح] ..
    (5) رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 684/ر: 3928]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج6/ص: 19]؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج2/ص: 215/ر:469]؛ وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:3135]؛ وحكمه: [صحيح] ..


    منسق وملون على الرابط:

    http://www.shariaa.net/forum/showpos...5&postcount=67

  13. #73
    أما قول الناقد: "ثانيهما: شهود الذات من لباس المظاهر من غير وصف الكثرة بل بنعت الوحدة ويقال لهذا الشهود عند الصوفية شهود الاحدية في الكثرة وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، على هذا الشهود بعد البعثة». وقد عبر نقشبندي آخر وهو محمد مصطفى أبو العلا عن هذا الشهود بقوله «فإذا داوم المريد على المراقبة ترقى إلى مرتبة المشاهدة بأن ينكشف له بعين البصيرة أن أنوار وجود وحدة الذات الإلهية محيطة بجميع الأشياء وأنه تعالى متجل بصفاته وأسمائه في مصنوعاته».
    قال صاحب الرحمة الهابطة «قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: قد يصدر عن العارف بالله إذا استغرق في بحر التوحيد بحيث تضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته» وذكر تندم اللقاني على قتل الحلاج وأن قاتله لو فهم مقصوده من كلامه لما وجد مساغا لقتله.
    بل صرح مشايخهم كالسرهندي وغيره بأن «سائر الموجودات مظاهر الأسماء الإلهية ومرايا شؤوناته وكمالاته الذاتية» وأن هذا العالم إنما هو مظهر لظهور كمالات الأسماء والصفات الإلهية. وأن الله كان كنزا مخفيا فأراد أن يعرض نفسه من الخلاء إلى الملاء" ..
    نقول:
    الحقيقة إني لا أعلم ما وجه نقد الناقد حول شهود الأحدية ألم يطلب منا الحق أن نقر بأحديته على وجه التسليم الظني أو الفكري على أقل تقدير والشهود القلبي الوجداني والكياني على أعلى تقدير، قبل تمام الشهود، عملاً بقوله تعالى: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } [الإخلاص : 1] ..
    وهو مقام التجرد والتفرد بالحق سبحانه، وهو ما يعرف بالفناء، أو وحدة الشهود ..
    يقول القطب المعروف معروف الكرخي قدس سره: ( اذا انفتحت عين بصيرة العارف، نامت عين بصره، فلا يرى إلا الله )؛ (6) ..
    ويقول أبو بكر الجرجاني: ( الفناء فناءان؛ أحدهما ذوقي، والآخر خُلُقِيِ، فالذوقي هو عدم الإحساس بعالم الملك والملكوت، بالاستغراق في عظمة الباري ومشاهدة الحق؛ والخلقي هو سقوط أوصافه المذمومة، واستبدالها بالأوصاف المحمودة )؛ (7) ..
    ويقول الزين الخافي: ( العبد إذا تخلق ثم تحقق ثم جذب، اضمحلت ذاته وذهبت صفاته، وتخلص من السوى، فعند ذلك تلوح له بروق الحق بالحق، فيطلع على كل شيء، ويرى الله عند كل شيء، فيغيب بالله عن كل شيء، ولا شيئا سواه، فيظن أن الله عين كل شيء، وهذا أول المقامات فإذا ترقى عن هذا المقام وأشرف على مقام، أعلى منه، وعضده التأييد الإلهي، رأى أن الأشياء كلها فيض وجوده تعالى، لاعين وجوده )؛ (8) ..
    والحقيقة أن العالم الأكبر ما هو إلا مظهر لتجليات الأسماء والصفات العلية لله، أو مسبح لسبحات أنوار الأسماء الحسنى، مكنونة وراء الخلق البديع ..
    يقول الحق تعالى في الحديث القدسي: ( كُنْتُ كَنْزًا لَا أُعْرَفُ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ، [أو: كُنْتُ كَنْـَزًا مَخْفِيًّا فَأّرَدْتُ أَنْ أُعرَفَ]، فَخَلَقْتُ خَلْقَاً؛ فَعَرَّفْتُهُمْ بِيْ، فَبِيِ عَرَفُوّنِي )؛ (9) ..

    ------------------------

    (6) ورد في "ايقاظ الهمم" لابن عحيبة [ج1/ص: 275]؛ وورد في "شهيد التصوف" لسرور [ج1/ص: 154] ..
    (7) ورد في "التعريفات" للجرجاني [ج1/ص: 113] ..
    (8) ورد في "شذرات الذهب" لابن العماد [ج5/ص: 192] ..
    (9) ورد في "كشف الخفاء" للعجلوني [ج2/ص: 132/ر:2016]؛ وورد في "روح المعاني" للألوسي [ج19/ص: 418]؛ وفي "أحاديث القصاص" [ج1/ص: 55]؛ وفي "مجموع الفتاوى" لابن تيمية [ج18/ص: 122]، وهما للحراني؛ وورد في "التذكرة" للزركشي [ج1/ص: 136]؛ وفي "المقاصد" للسخاوي [ج1/ص: 521/ر:838]؛ وفي "الدر المنثور" للسيوطي [ج1ص: 163/ر:330]، وهو مشهور ..

    ============================


    منسق وملون على الرايط:

    http://www.shariaa.net/forum/showpos...8&postcount=68

  14. #74
    القسم الخامس: شبهة وحدة الوجود عند النقشبندية:
    الفصل الأول: شبهة تصريحهم بعقيدة وحدة الوجود:
    يقول الناقد دمشقية بكتابه "الطريقة النقشبندية" [ص: 106 – 108]، ما نصه:
    تصريحهم بوحدة الوجود

    كان بعض النقشبنديين يعتبون علي ويقولون: أنت تتصدى لمن يقولون لا اله إلا الله. لماذا لا تكرس جهودك ضد أعداء التوحيد وتترك الذين يشهدون أن لا اله إلا الله وشأنهم؟!
    ولكن ماذا تعني لا اله إلا الله عند هؤلاء؟
    ولقد قال النقشبنديون: « معنى كلمة لا اله إلا الله بالنسبة إلى حال المنتهين: لا معبود إلا الله. وبالنسبة إلى حال المتوسطين: لا مقصود إلا الله. وبالنسبة إلى حال المبتدئين: لا موجود إلا الله » (1).

    يقول صاحب الرشحات «قال بعض الأكابر في معنى لا اله إلا الله: أحيانا يقول في مرتبة سلوكه: لا معبود إلا الله وأحيانا لا مقصود إلا الله وأحيانا لا موجود إلا الله» (2).
    وذكروا أن (لا اله إلا الله) ذكر العوام. و(الله) ذكر الخواص) و(هو) ذكر خواص الخواص (3). هكذا جعلوا (هو) أفضل وأعلى مرتبة في الذكر من لا اله إلا الله.
    فهم يقولون لا اله إلا الله ويفهمون أن الموجود الحقيقي ولا غير هو الله بل هو متجل في صور المخلوقات التي نراها كلها!!!

    ويستحق المرء عندهم أن يوصف بأنه عالم بعلم التوحيد «اذا اعتقد توحيد الافعال والصفات والذات وتقرر في قلبه أن لا فاعل في الوجود الا الله. فحينئذ يقال لمثل هذا: إنه عالم بعلم التوحيد» (4).
    ------------------------------
    (1) ورد في "مدارج الأخيار" للمعصوم [ج1/ص: 86] ..
    (2) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 141] ..
    (3) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 185]؛ وفي "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 162] ..
    (4) ورد في "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 211] ..
    ===========================
    الجواب:
    نقول القول أن لا إله إلا الله: كدلالة معنوية تعني أن لا معبود إلا الله، وهذا صحيح كنتيجة فعلية، لأن لا إله مأخوذة من المأل وهو المرجع، أي الذي يرجع له تصريف الأمر كله مطلقاً، ومن الآلة، نقول عن شيء أنه يعمل بشكل ألي أي بتحكم ذاتي، والله هو الإله الأوحد، أي المتحكم بذاته بكل شيء، فإليه يرجع الأمر كله، فلا مقصود سواه سبحانه إليه يصمد بالحاجات وهو متعالي غني على الحاجة ..
    فلا إله إلا الله أي لا وجود لمتصرف مسير متحكم في الكون والخلق إلا هو سبحانه ..
    وهو شهود العوام من المؤمنين، وأسم الجلالة الأعظم: الله، أي الذي يؤول له كل مأل بالمطلق، وهو شهود خواص المؤمنين، أما شهود جانب من خصوصية جهة الذات العلية: هي شهود خواص الأخيار أهل التقوى ..
    وإن علم المرء السالك للحق، أنه لا يتحرك ساكن إلا بأمر الله، ولا وجود إلا لما أراد الله له الوجود، ولا فعل لفاعل إلا ما أراد الله بتقديره وقدره وقضى أن يكون فعلاً ..
    فما الخطأ بأن ذلك غاية المبتغى من التوحيد؟!؛ بل هو التوحيد بعينه ..
    =======================

  15. #75
    الفصل الثاني: شبهات عقدية مرتبطة بوحدة الوجود:
    يقول الناقد دمشقية في كتابه "الطريقة النقشبندية" [ص: 109 – 113]، ما نصه:
    "الطريقة النقشبندية على ثلاث طرق"

    وقد قسم شيخ الطريقة النقشبندية السرهندي الطريقة النقشبندية الى ثلاث طرق:
    الأولى: قائلون بأن العالم موجود في الخارج بإيجاد الحق.

    الثانية: يقولون بأن العالم ظل الحق سبحانه. وأن الوجود قائم بوجود الحق قيام الظل بالأصل. مثلا: «إذا امتد الظل من شخص وجعل ذلك الشخص من كمال قدرته وصفات نفسه منعكسة فيه».

    وقد زعم السرهندي أنه غلبته الحال حتى وصل الى مقام الظلية ووجد نفسه وسائر العالم ظلا كما تقول به الطائفة الثانية من النقشبندية. ظنا منه أن الكمال في وحدة الوجود (1).

    الثالث: قائلون بوحدة الوجود. أي في الخارج موجود واحد فقط: وهو ذات الحق... ويقولون: إن الحق متصف بصفات وجوبية وإمكانية، ويثبتون مراتب التنزلات، ويقولون باتصاف الذات الواحدة في كل مرتبة وأحكام لائقة بتلك المرتبة، ويثبتون للذات التلذذ والتألم، ولكن لا بالذات بل في حجب هذه الظلال المحسوسة الموهومة. ويلزم من هذا محظورات كثيرة شرعا وعقلا... وهؤلاء الطائفة وإن كانوا واصلين كاملين ولكن كلامهم دل على طريق الضلالة والالحاد وأفضاهم الى الزندقة والالحاد.

    فحكم بأن قولهم عين الزندقة والضلال ثم وصفهم بأنهم من الواصلين الكاملين (2). مع أنه اعتذر عن القائلين بوحدة الوجود بأن قولهم بوحدة الوجود سببه السكر وغلبة المحبة لله (3).


    غير أنه وافقهم على ذلك في كثير من أقواله، فزعم أنه لما وصل الى مقام الفناء في الله «رأيت نفسي وكل فرد من أفراد العالم بل كل ذرة منه: الحق جل وعلا ورأيت نفسي عين جميع الذرات حتى وجدت تمام العالم مضمحلا في ذرة واحدة... ثم وجدت صور العالم وأشكاله عين الحق تعالى موهومة... فتذكرت عبارة الفصوص (4) حيث قال «إن شئت قلت إنه أي العالم حق، وإن شئت قلت إنه خلق. وإن شئت قلت إنه حق من وجه ومن وجه خلق... وبعد ما شرفت بعد الفناء بالبقاء لم أجد غير الحق ووجدت جميع الذرات مرآة لشهوده سبحانه.

    ولما رجعت الى نفسي وجدت الحق سبحانه مع كل ذرة من ذرات وجودي» (5) واعترف بأن عبارة الفصوص مشعرة بعدم التمييز بين الله وبين خلقه. وقد صدق في اعترافه هذا.
    وقد تقدم اعتراف مؤلف نقشبندي آخر بأن «الصوفية الوجودية هم القائلون بوحدة الوجود مثل الشيخ الاكبر محي الدين بن عربي وغيره رحمهم الله الذين كانوا أرباب التوحيد، وأنهم معذورون لغلبة حالهم» (6).
    -------------------------------
    (1) ورد في "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 141] ..
    (2) ورد في "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 138 – 139] ..
    (3) ورد في "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 342] ..
    (4) أي فصوص الحكم لابن عربي الذي قال فيه الذهبي «إن لم يكن فيه كفر: فليس في العالم كفر».
    (5) ورد في "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 334] ..
    (6) ورد في "مدارج الأخيار" للمعصوم [ج1/ص: 48 –50] ..
    ================================
    الجواب:
    نقول قولهم الأول: أن العالم موجود بالخارج، أي خارج حقيقة الوجود الحقيقي، تماماً من الناحية التمثيلية كالثوب المستعار القابل للنزع والتغير والتجرد منه، وأن لا أصل موجود بالحقيقة إلا الله، وهو كما يؤكد الإمام المجدد الفاروقي السرهندي، مذهب العلماء المتكلمين من أهل السنة والجماعة [الأشاعرة والماتريدية، والحنابلة الأصولية]، إنما وكما يصرح المجدد السرهندي، يدركون ذلك أي الأصوليين المتكلمين: علماً واستدلالاً، أما أكابر السادة النقشبندية والصوفية، فيدركون ذلك مكاشفتاً وذوقاً وحالاً، كما ورد في "المكتوبات الشريفة" للسرهندي [ج1/ص: 241]: والتي يتطرق بها المجدد الفاروقي أيضاً أنه سبحانه متعالي ومتجرد بذاته عن العالم غير متواصل معه بالتبعية له بالجزئية منزه عنه، فالعالم محدث فاني، والحق قديم باقي بكيانه السامي، لا يتواصل تعالى مع العالم المحدث، إلا بمعاني تجليات الربوبية والعبودية والصانعية والمصنوعية، بل وكما يقول المجدد الفاروقي في ذات الصفحة [ج1/ص: 241]: ( يضيعون هذه النسبة أيضاً وقت غلبة الحال، فحينئذ يتشرفون بالفناء الحقيقي، وتحصل لهم القابلية للتجليات الذاتية والمظهرية، لتجليات غير متناهية ) اهـ ..
    أما الطائفة الثانية: فيرون كما يشرح الإمام المجدد: أن وجود العالم هو دلالة وجود الحق سبحانه مع التجرد من الأصالة بالتبعية، تماماً كل الظلال المنعكس عن كتلة الوجود دون الوجود مع الكتلة المنعكس عنها الظل، ومنعكسة يكون بصفات ذات الكمال الزائدة، التي أجمع عليها أصوليين أهل السنة والجماعة، وهي: العلم والإرادة والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام، ويضيف بعض متكلمين الشافعية الأشاعرة صفة: البقاء ..
    أما الطائفة الثالثة: كما يصرح الإمام المجدد التي ترى أن وحدة الوجود كأصل موجود، فيقول الإمام المجدد، في "المكتوبات الربانية" [ج1/ص: 242]، ما نصه: ( وهؤلاء الطائفة وإن كانوا واصلين كاملين، ولكن كلامهم دل الخلق على طريق الضلالة والالحاد، وأفضاهم الى الزندقة بالقول بالاتحاد ) اهـ ..
    لذلك وجد الإمام المجدد في نهاية هذه الصفحة من مكتوباته، أن الأكمل الموافق لما أجمع عليه علماء الكلام عند أهل السنة الجماعة، هو ما ذهب إليه معتقد الطائفة الأولى، وهو عين الصواب ..
    ووصف الطائفة الثالثة بالكاملين رغم شبهة معتقدهم، فهو من باب عدم بخس هؤلاء أشائهم كتقوى وسلوك، لا كمعتقد أو تصور اعتقادي في أمر في سبيل الظن التنزيهي، لأفضل ما يليق بالكمال الذي يليق بالحق سبحانه، إلا أن الحق محال الذات منزه عن كل وصف أو تصور، فكل ما خطر على بالك فالحق تعالى غير ذلك، فمجال كيان الوجود الحق، للحق سبحانه، مجال لا تدركه الأخيلة والعقول، وفوق المدرك المعقول، لأنه تعالى ليس كمثله شيء، فهو المستحيل بذاته، بأنه لا داخل العالم المحدث ولا خارجه!؛ فتعالى الله عما يصفون ..
    أما غمز الناقد أن لسان حال الإمام المجدد، جعله مع الطائفة الثالثة من حيث الاعتقاد بوحدة الوجود بين الخالق والمخلوق والحلول والاتحاد بلسان الزندقة والالحاد، فنقول:
    إن صح هذا عن الإمام المجدد، فهذا لسان حاله كمحدث فاني بجسده البشري، ومحدث باقي بذاته الإنسانية، تفاعل مع عالمه المحدث، وشهد بذاته الوجودية، تجليات أنوار معاني صفات الحق سبحانه وتعالى في المحدث دون الاتحاد أو الحلولية ..
    أي لولا الخالق لما وجد المخلوق، أو لو ما كان ما كنتم، ولا كنتم ولا كان [أي عرف سبحانه] ..
    أي كان ولا شيء كان وهو ما عليه اليوم كائن ..
    وهذا يتجسد بقول الإمام السرهندي في "مكتوباته" [ج1/ص: 567 – 568]: ( وبعد ما شرفت بعد الفناء بالبقاء، لم أجد غير الحق ووجدت جميع الذرات مرآة لشهوده سبحانه؛ ثم أخرجت من هذا المقام إلى الحيرة [أي: العجز عن الإدراك]، ولما رجعت الى نفسي أي صحوت من الحيرة، وجدت الحق سبحانه مع كل ذرة من ذرات وجودي، لا فيها )؛ لذلك نجده تابع يقول: ( ولما أفقت [أي: عدت إلى وعي وإدراكي العقلي]، وجدت الحق سبحانه، في تلك المرة، لا متصلاً بالعالم ولا منفصلاً عنه، ولا داخل العالم ولا خارجه [أي: وجد أن الله هو الحق المحال] ) اهـ
    فشبهة الحلول منبتها غلبة الحال بزوال المدرك المعقول، لا حقيقة معتقد المقال بالصحو المعقول الثابت، فإذا أخذ سبحانه ما أوهب من العقل الإدراكي ولو بشكل مؤقت، أسقط ما أوجب ..
    عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ )؛ (1) ..
    ومن الحديث الصحيح أعلاه، نفهم أن المغلوب على حالة مرفوع عنه القلم، لأن حكمه حكم النائم حتى يستيقظ، أو المجنون المغلوب على عقله؛ حتى يعود إلى عقله ..
    وهذا قد يحدث من فرط جذب المحبة لله، مما قد يدخل بالأوهام والملابسات الخارجة عن نطاق الحق الحقيق على التحقيق، بلسان غلبة الحال، على مدركات ومعقولات المقال ..
    --------------------------------
    (1) رواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 545/ر:4401]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4401]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 24/ر:1423]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:1423]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج2/ص: 223/ر:2041]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:1673]؛ ورواه الدارمي في "سننه" [ج2/ص: 613/ر:2211]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأسد في "سنن الدارمي" [ج2/ص: 225]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 190/ر:959]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج2/ص: 197]؛ ووراه ابن خزيمة في "صحيحة" [ج4/ص: 348/ر:3048]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن خزيمة" [ر:3048]؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج1/ص: 356/ر:143]؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج1/ص: 389/ر:949]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ؛ ووافقه الذهبي في "التلخيص" [ج1/ص: 258]، وقال: على شرطهما؛ وخلاصة حكمه:[صحيح] ..
    =============================

صفحة 5 من 7 الأولىالأولى 1234567 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •