كتب شيخنا العلامة سيدي محمد العمراوي حفظه الله تعالى، كلمة عن الإمام سيدي محمد التاويل رحمه الله تعالى، قبل موته بشهر. قال فيها:

[آخر فقهاء المغرب

لقد أراد الله بي خيرا فيسر لي معرفة شيخنا وقدوتنا وأستاذنا، ومنَّ علي بالتفقه على يديه، إنه أستاذ المغرب، وشيخ جماعة فقهائه، وآخر علمائه، سيدي وسندي، الفقيه العلامة، علم الأعلام، والمفتي الهمام، المحقق المدقق، سيدي محمد بن قاسم التاويل. حفظ الله مهجته، وأسبغ عليه رداء عافيته، ونفعنا بعلومه.

إن العارف بسيدي محمد التاويل والمخالط له، والمطلع على أحواله، يدركه العجب من تبحره في العلوم النقلية، وتضلعه من المعارف العقلية، فأنت إذا استمعت إليه وهو يتكلم في الفقه العام، خلته ابن المنذر، لأنه يحدثك عن مواطن الإجماع، ومواقع الخلاف، وما انفرد به كل مذهب من المذاهب في المسائل الفرعية، والقواعد الفقهية. . على طريقة الحفاظ الكبار.

وإذا أصغيت إليه وهو يتكلم في الفقه المالكي، كان الأمر كما قال المعري في القاضي عبد الوهاب (إذا تفقه أحيا مالكا جدلا) وهو كذلك بلا مبالغة ولا مجاملة، لأن شيخنا يحفظ الفقه المالكي عن ظهر قلب، فهو يستحضر أصوله بلا كلفة، ويسرد قواعده بلا مشقة، بحيث لو حلف حالف أنه يحفظ أصول المذهب كلها، وقواعده جميعها، عامها وخاصها، فإنه لا يحنث في يمينه.

أما فروع الفقه- في أبوابه المختلفة- فإنها -على كثرتها وتنوعها ومشهورها وراجحها وشاذها ومرجوحها- على طرف لسان شيخنا، بل يستحضر بلا تكلف ولا عنت مظانها، ويذكر صفحات الفروع المثيرة للإشكال، أوالمجيبة عن الإشكال، وأذكر أنني سألته مرة عن حكم بيع الحيوان وزنا كما يفعل الناس اليوم في الأضاحي، فقال لي على البديهة: (لقد تكلم عنها العلامة الرهوني في حاشيته جزء كذا وصفحة كذا، فاضطررت لكتابة رقم الجزء والصفحة، ولم يحتج هو إلى ذلك.

أما إذا تحدث شيخنا في الأصول، أصول الدين وأصول الفقه، فلا جرم أنك تحسب نفسك بين يدي ابن القصار، وإمام الحرمين والغزالي وأضرابهم من فحول علماء هذين الفنين اللذين هما أصل مناهج العلوم، وطرائق الفهوم في الثقافة الإسلامية، والذين كتب لهم أن يحضروا دروس سيخنا في شرح جمع الجوامع بالقرويين يدركون هذه الحقيقة، ويعلمون أن ابن السبكي كان تلميذا لشيخنا لا العكس.

وذاك هو الشأن في بقية العلوم الإسلامية، وإنما ذكرت ما سبق لمزيد اهتمام مني بذلك ولاستفادتي النوعية – على قلتها- من شيخنا في تلك العلوم. .

إلى جانب ما ذكرنا، فإن شيخنا عالم ملتزم،

- ملتزم بالمنهج، فهو ليس إمعة، يكون مالكيًّا حينما يرغب الناس في ذلك، ويكون شيئا آخر حينما تتبدل الأحوال، وتتغير الأوضاع، وما كتبه من كتب في هذا الباب، يؤكد هذه الحقيقة، مثل (الوصية الواجبة في الفقه الإسلامي) (شذرات الذهب في أحكام النكاح والطلاق والنسب)

- ملتزم بالصدع بكلمة الحق، ولو اجتمع الناس على غير ذلك، فإن شيخنا لا يبالي بالمخالف، ولو كان من كان، إذا لم يكن معه من الحجج والأدلة، ما يستحق النظر فيه، فإن كان، ناقش ذلك شيخنا مناقشة الخبير المتمكن، بأدب عال، وخلق رفيع، قد تعجب من قدرة شيخنا على نصرة ما اختاره من الأقوال، والإقناع بما ساقه من الحجج والأدلة، ولكن عجبك سيكون أعظم، حين تراه يكر على حجج المخالف بالإبطال، ويحاصره بالمنقول والمعقول من كل جانب، . . . يدل على ذلك ما كتبه في (عدم إثبات النسب بالبصمة الوراثية) وما كتبه في (حكم التبرع بالأعضاء) وما كتبه في فوائد البنوك تحت عنوان (فوائد البنوك حرام في حرام)

-ملتزم بقضايا أمته، فهو لا يفتأ يتحدث عن مآسي المسلمين وكروبهم، ويتوجع على تفرقهم وحروبهم، وينظر في هذه الأزمات نظر المفكر المتبصر، ولقد قلت له ذات يوم: إن أس أدواء هذه الأمة قابليتها للاستعمار، ومثلت لذلك، بكون أساس أمراض الأبدان ضعف مناعتها، وحسبت أنني قلت شيئا ذا بال، اتباعا لما قاله مالك بن نبي ومن شايعه من الكبار. فقال لي شيخنا: (إن العلل إذا تكاثرت على الأبدان أفسدت مناعتها، وأطاحت بالفصول بعد الأركان.

وبعد: فإنني – والحق أقول- ما رأيت فيمن التقيت به من العلماء، وتتلمذت على يديه من الفقهاء: مثل شيخنا سيدي محمد التاويل في:
-حفظ الفقه وقواعده وأصوله.

-التحقق بملكة إنتاج الفقه والقدرة على تحليله وتعليله، والاستدلال له، وتنزيله. . . . إلى تواضع جم، عز نظيره في هذا الزمان.
حفظ الله شيخنا، وأبقاه لنفع طلاب العلم، وألبسه رداء العافية. .

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
]