النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: حكم إنشاد (أتا من أهوى ومن أهوى أتا)

  1. Question حكم إنشاد (أتا من أهوى ومن أهوى أتا)

    السلام عليكم ورحمة الله
    أود أن أطرح سؤالا لكم عن جواز أحد أقوال أهل التصوف. أتحدث عن الشعر (أيها العاشق معنى حسننا) وهو ينسب للشيخ محي الدين بن عربي رحمة الله عليه، وبالخصوص عن آخر بيت في الشعر المنسوب لمنصور الحلاج رحمه الله وهو (وإذا ما قيل من تهوى فقل ... أنا من أهوى ومن أهوى أنا).

    أولا من قرأ لهذين الشيخين بعين الإنصاف لا يخفى عنه أنهما كانا من أهل السنة والجماعة عقيدة، يؤمنان كما يؤمن المسلم العامي بوحدانية الأفعال لله جل وعلا. من الواضح أن الذي يقصده الحلاج من هذا البيت أن كل أفعاله حقيقة هي خلق من يهوى وهو الله سبحانه وتعالى، إذ كيف يدعي الألوهة وهو غاب عن وجود نفسه. لكن الإشكال الذي دفعني لهذا البحث هو ظاهر هذا القول الذي صدر عن الحلاج وجواز تكراره للعامي، إذ وجدت أن هذا النشيد منتشر في بلد الشام وينشدونه العوام وأهل التصوف.

    لا يخفى عن بعض القراء أنه يؤاخذ المسلم في أبواب عدة من أبواب الفقه بظاهر قوله ولو لم يقصد معناه، ومثال صريح لذلك هو باب الطلاق، وهذه من الحكمة والإرادة الإلاهية. كذلك يؤاخذ المسلم بظاهر كلامه لا قصده في أقوال الكفر البواح كما يسمونه الفقهاء في باب الردة والعياذ بالله، وهذا رأي جمهور العلماء من المذاهب الأربعة سوى المعتزلة وبعض الأقوال رأيتها في كتب أهل السنة. يقول الحافظ بن حجر (القصد المعتبر شرعًا في التكفير: هو قصد الفعل المكفّر بالقول أو الفعل لا قصد الكفر أهـ) .

    نحن مأمورون بحسن الظن، فيرى الكثير من العلماء بل أغلبهم أن العارف الصوفي الذي تخرج منه أقوال غير مقبولة لغة وشرعا (كمن قال أنا الحق مثلا) فيعذر صاحب القول باعتقادنا سكره إذ أن الغائب عقلا لا يؤاخذ شرعا وكثير ما نرى هذا الإستثناء في أبواب الفقه وفي أقوال العلماء كالسيوطي وغيره.
    وما أجمل كلام الغزالي في هذا الشأن بل وفي البيت المذكور أعلاه إذ قال:
    (العارفون بعد العروج إلى سماء الحقيقة اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق. لكن منهم من كان له هذه الحالة عرفاناً علمياً، ومنهم من صار له ذلك ذوقاً وحالاً وانتفت عنهم الكثرة بالكلية واستغرقوا بالفردانية المحضة واستهوت فيها عقولهم فصاروا كالمبهوتين فيه ولم يبق فيهم متسع لذكر غير الله ولا لذكر أنفسهم أيضاً فلم يبق عندهم إلا الله فسكروا سكراً وقع دونه سلطان عقولهم فقال بعضهم: أنا الحق ، وقال آخر: سبحاني ما أعظم شأني ، وقال الآخر: ما في الجبة إلا الله. وكلام العشاق في حال السكر يُطوى ولا يحكى فلما خف عنهم سكرهم ردوا إلى سلطان العقل الذي هو ميزان الله في أرضه عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد بل يشبه الاتحاد مثل قول العاشق في حال فرط العشق: أنا من أهوى ومن أهوى أنا أهـ).

    يجب التنبيه هنا على أن هناك ما له عدة أوجه في اللغة فحينها يجب التأويل من غير حاجة إلى اللجوء إلى عذر السكر، خاصة إن علمنا أن القائل من أهل السنة والجماعة ويقر بما يقر به عامة المسلمين. يقول ابن حجر في تعريف للتأويل السائغ: (قال العلماء: كل متأول معذور بتأويله ليس بآثم، إذا كان تأويله سائغاً في لسان العرب، وكان له وجه في العلم. أهـ)

    سؤالي الأول الذي يطرح نفسه: هل القول (أنا من أهوى ومن أهوى أنا) قول مفتوح للتأويل وله أوجه في لغة العرب تحتمل المعنى الجائز بل الواجب الذي قصده الشاعر وهو أن الله الذي يهواه هو الخالق الوحيد حقيقة؟
    أم هل جعل الإمام الغزالي هذا البيت من الشطحات التي لا تؤوّل بل تطوى ويُظن الخير في قائلها؟

    إن قلنا يؤول فلماذا قال الغزالي بعدم روايتها وأين نضع الحد للتأويل - لماذا لم يؤول شيخ الحلاج الإمام جنيد القول (أنا الحق) بل قال بقتل مريده؟
    وإن قلنا لا يؤول فماذا عن الأحاديث القدسية التي يستخدم فيها الله سبحانه وتعالى الضمير بغير قصد وصف الذوات بل الأفعال (كنت يده الذي يبطش بها، يسب الدهر وأنا الدهر)؟

    ثم أختم بسؤالي الثاني الرئيسي وهو:
    هل يجوز شرعا لعامي مثلي ليس في حالة سكر أن ينشد هذه الأنشودة وما تحتوي عليه من القول: أنا من أهوى ومن أهوى أنا؟
    أرجو الاستدلال بأقوال الفقهاء وأهل اللغة إن أمكن ذلك وأن تفسروا لي نهاية قول الغزالي أعلاه - هل هو يجيز القول. نحن مقلدون لأهل الفقه في المسائل الفقهية كما قال زروق ولسنا مجتهدون.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    4,010
    مقالات المدونة
    2
    لفتة جميلة منك أخي عبد الجواد ..

    في ظني والله أعلم، أنه طالما كان الكلام محلا للتشبيهات و المجازات، فلا حرج في ترديد مثل هذه المعاني، إذا لم يفهم منها قائلها أو منشدها شيئا مما يوهم الضلال. وهذا حال الناس اليوم ..

    بل ترديد ذلك ربما كان فيه رفع ذوق الإنسان وترقية أحاسيسه في زمن غلبت فيه المادة وطغت على الإنسان أيما طغيان ..

    وكلما كانت العبارات بعيدة عن المجازات و التشبيهات كلما امتنع ذكرها، مثل قوله (أنا الحق)...

    بالنسبة لأخذ العلماء بالألفاظ في مسائل الطلاق وفي بعض المعاملات الشرعية، فذلك أمر آخر، مبني على نصوص شرعية، لكنهم لم يختلفوا في أن الألفاظ الموهمة للكفر لا يحكم بكفر صاحبها بمجرد التلفظ بها، كما تراه في كتب الفقه نفسه ..

    والله أعلم
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

  3. بارك الله فيكم وبكم شيخنا الفاضل جلال الجهاني على الرد المفيد.
    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح علينا وعليكم،
    أحببت أن أستفسر منك عن شيء واحد لو سمحتم لنا لم أفهمه...
    عندما كتب الإمام الغزالي رحمه الله رحمة واسعة في المقتبس أعلاه:
    فلما خف عنهم سكرهم ردوا إلى سلطان العقل الذي هو ميزان الله في أرضه عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد بل يشبه الاتحاد مثل قول العاشق في حال فرط العشق: أنا من أهوى ومن أهوى أنا أهـ
    ما معنى (حال فرط العشق)؟ هل تعني كلمة فرط هنا ذهاب السكر، أو إزدياد؟ هذا الذي لم أفهمه من كلام الغزالي؟
    ثم هل نسب الغزالي قول العاشق (أنا من أهوى ومن أهوى أنا) إلى شبه الاتجاد، ففرّق بينه وبين أقوال الاتحاد غير المقبولة، وكأنه يشير إلى أن قول (أنا من أهوى ومن أهوى أنا) من قبيل شبه الاتحاد فيجوز قوله، أم هل العطف في آخر الجملة إلى أقوال الاتحاد غير المقبولة؟
    أرجو شرح آخر جملة كتبها الغزالي لو سمحتم....
    لك مني جزيل الشكر شيخنا الكريم.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •