بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم ، ثم أما بعد

فهذا كلام في بيان مراد أئمة أهل السنة من قولهم "طور وراء العقل " ، وأنه معنى لا يأتي على أصل الأحكام العقلية بالإبطال ، بل هي علوم ومعارف داخلة تحت الأحكام العقلية ، لكنها مما لا يستقل العقل بإدراكها ، ولا سبيل للعقل في تحصيلها ، وإنما تحصل مما يقذفه الله تعالى في قلوب العباد ، أو ينزله بملك وحيا – على الأنبياء - أو إلهاما – على الأولياء ..
أو هي مما يستبعد العقل حصوله ، لا أنه يقطع بذلك ثم يأتي الأمر المستحيل فينقبل جائزا !


وأنقل أولا بعض النقولات التي ورد فيها استعمال هذه العبارة



قال حجة الإسلام رحمه الله :
وكما أنه يعسر على ابن المهد فهم حقيقة التمييز قبل حصول التمييز ويعسر على المميز فهم حقيقة العقل وما ينكشف في طوره من العجائب قبل حصول العقل ، فكذلك يعسر فهم طور الولاية والنبوة في طور العقل فإن الولاية طور كمال وراء نشأة العقل كما أن العقل طور كمال وراء نشأة التمييز والتمييز طور كمال وراء نشأة الحواس وكما أن من طباع الناس إنكار ما لم يبلغوه ولم ينالوه حتى إن كل واحد ينكر ما لم يشاهده ولم يحصل له ولا يؤمن بما غاب عنه فمن طباعهم إنكار الولاية وعجائبها والنبوة وغرائبها بل من طباعهم إنكار النشأة الثانية والحياة الآخرة ؛ لأنهم لم يبلغوها بعد.

ولو عرض طور العقل وعالمه وما يظهر فيه من العجائب على المميز لأنكره وجحده وأحال وجوده ، فمن آمن بشيء مما لم يبلغه فقد آمن بالغيب وذلك هو مفتاح السعادات
. اهـ الإحياء



وقال حجة الإسلام :
ولا تستبعد أيها المعتكف في عالم العقل أن يكون وراء العقل طور قد يظهر فيه ما لا يظهر في العقل. اهـ مشكاة الأنوار



وقال حجة الإسلام
والأمور الربانية لا تحتمل العقول وصفها ، بل تتحير فيها عقول أكثر الخلق
وأما الأوهام والخبالات فقاصرة عنها بالضرورة قصور البصر عن إدراك الأصوات وتتزلزل في ذكر مبادىء وصفها معاقد العقول المقيدة بالجوهر والعرض المحبوسة في مضيقها فلا يدرك بالعقل شيء من وصفه ، بل بنور آخر أعلى وأشرف من العقل يشرق ذلك النور في عالم النبوة والولاية نسبته إلى العقل نسبة العقل إلى الوهم والخيال ، وقد خلق الله تعالى الخلق أطوارا فكما يدرك الصبي المحسوسات ولا يدرك المعقولات لأن ذلك طور لم يبلغه بعد فكذلك يدرك البالغ المعقولات ولا يدرك ما وراءها لأن ذلك طور لم يبلغه بعد ، وإنه لمقام شريف ومشرب عذب ورتبة عالية فيها يلحظ جنات الحق بنور الإيمان واليقين ، وذلك المشرب أعز من أن يكون شريعة لكل وارد ، بل لا يطلع عليه إلا واحد بعد واحد

ولجناب الحق صدر ، وفي مقدمة الصدر مجال وميدان رحب ، وعلى أول الميدان عتبة هي مستقر ذلك الأمر الرباني.
فمن لم يكن له على هذه العتبة جواز ولا لحافظ العتبة مشاهدة واستحال أن يصل الميدان فكيف بالانتهاء إلى ما وراءه من المشاهدات العالية.
ولذلك قيل " من لم يعرف نفسه لم يعرف ربه "
وأنى يصادف هذا خزانة الأطباء ومن أين للطبيب أن يلاحظه بل المعنى المسمى روحا عند الطبيب بالإضافة إلى هذا الأمر الرباني كالكرة التي يحركها صولجان الملك بالإضافة إلى الملك.
فمن عرف الروح الطبي فظن أنه أدرك الأمر الرباني كان كمن رأى الكرة التي يحركها صولجان الملك فظن أنه رأى الملك ولا يشك في أن خطأه فاحش وهذا الخطأ أفحش منه جدا ، ولما كانت العقول التي بها يحصل التكليف وبها تدرك مصالح الدنيا عقولا قاصرة عن ملاحظة كنه هذا الأمر لم يأذن الله تعالى لرسول صلى الله عليه وسلم أن يتحدث عنه ، بل أمره أن يكلم الناس على قدر عقولهم ، ولم يذكر الله تعالى في كتابه من حقيقة هذا الأمر شيئا ، ولكن ذكر نسبته وفعله ولم يذكر ذاته أما نسبته ففي قوله تعالى {من أمر ربي} وأما فعله فقد ذكر في قوله تعالى ياأيها النفس
اهـ الاحياء



وقال حجة الإسلام :
وكذلك إلى أن يجاوز عالم المحسوسات، فيخلق فيه التمييز، وهو قريب من سبع سنين، وهو طور آخر من أطور وجوده. فيدرك فيه أموراً زائدة على عالم المحسوسات، ولا يوجد منها شيء في عالم الحس.
ثم يترقى إلى طول آخر، فيخلق له العقل، فيدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات، وأموراً لا توجد في الأطوار التي قبله. ووراء العقل طور آخر تفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل، وأموراً أخر، العقل معزول عنها كعزل قوة التمييز من إدراك المعقولات، وكعزل قوة الحس عن مدركات التمييز.
وكما أن المميز لو عرضت عليه مدركات العقل لأباها واستبعدها، فكذلك بعض العقلاء أبوا مدركات النبوة واستبعدوها، وذلك عين الجهل: إذ لا مستند لهم إلا أنه طور لم يبلغه ولم يوجد في حقه، فيظن أنه غير موجود في نفسه.
والأكمه لو لم يعلم بالتواتر والتسامع الألوان والأشكال، وحكي له ذلك ابتداء، لم يفهمها ولم يقربها.
وقد قرب الله تعالى على خلقه بأن أعطاهم نموذجاً من خاصية النبوة، وهو النوم، إذ النائم يدرك ما سيكون من الغيب،
إما صريحاً وإما في كسوة مثال يكشف عنه التعبير.
وهذا لو لم يجربه الإنسان من نفسه - وقيل له: إن من الناس من يسقط مغشياً عليه كالميت، ويزول عنه إحساسه وسمعه وبصره فيدرك الغيب - لأنكره، وأقام البرهان على استحالته
وقال: القوى الحساسة أسباب الإدراك فمن لا يدرك الأشياء مع وجودها وحضورها، فبأن لا يدرك مع ركودها أولى وأحق. وهذا نوع قياسي يكذبه الوجود والمشاهدة فكما أن العقل طور من أطوار الآدمي، يحصل فيه عين يبصر بها أنواعاً من المعقولات، والحواس معزولة عنها، فالنبوة أيضاً عبارة عن طور يحصل فيه عين لها نور يظهر في نورها الغيب، وأمور لا يدركها العقل.
والشك في النبوة، وإما أن يقع في مكانها، وأو في وجودها ووقوعها، وأو في حصولها لشخص معين.
ودليل إمكانها ووجودها. ودليل وجودها وجود معارف في العالم لا يتصور أن تنال
اهـ المنقذ



وقال حجة الإسلام :
بل الإيمان بالنبوة أن يقر بإثبات طور وراء العقل، تنفتح فيه عين يدرك بها مدركات خاصة، والعقل معزول عنها، كعزل السمع عن إدراك الألوان، والبصر عن إدراك الأصوات، وجميع الحواس عن إدراك المعقولات، فإن لم يجوّز هذا، فقد أقمنا البرهان على إمكانه، بل على وجوده.

وإن جوز هذا، فقد أثبت أن هنا أموراً تسمى خواص، لا يدور تصرف العقل حواليها أصلاً، بل يكاد العقل يكذبها ويقضي باستحالتها. فإن وزن دانق من الأفيون سم قاتل لأنه يجمد الدم في العروق لفرط برودته والذي يدعي علم الطبيعة، يزعم أنه ما يبرد من المركبات، إنما يبرد بعنصري الماء والتراب فهما العنصران الباردان.
ومعلوم أن أرطالاً من الماء والتراب لا يبلغ تبريدها في الباطن إلى هذا الحد.

فلو أخبر طبيعي بهذا ولم يجربه، لقال: هذا محال، والدليل على استحالته أن فيه نارية وهوائية والهوائية والنارية لا تزيدها برودة، فنقدر الكل ماء وتراباً، فلا يوجب هذا الإفراط في التبريد، فإن انضم إليه حاران فبأن لا يوجب ذلك أولى ويقدر هذا برهاناً!

وأكثر براهين الفلاسفة في الطبيعيات والإلهيات، ومبني على هذا الجنس! فإنهم تصوروا الأمور على قدر ما وجدوه وعقلوه، وربما لم يألفوه قدروا استحالته، ولو لم تكن الرؤيا الصادقة مألوفة، وادعى مدعٍ، أنه عند ركود الحواس، يعلم الغيب، لأنكره المتصفون بمثل هذه العقول.

ولو قيل لوا حد: هل يجوز أن يكون في الدنيا شيء، هو بمقدار حبة يوضع في بلدة، فيأكل تلك البلدة بجملتها ثم يأكل نفسه فلا يبقى شيئاً من البلدة وما فيها، ولا يبقى هو نفسه؟
لقال: هذا محال وهو من الخرافات!
وهذه حالة النار، ينكرها من لم ير النار إذا سمعها. وأكثر إنكار عجائب الآخرة هو من هذا القبيل.
اهـ المنقذ



وقال حجة الإسلام:
ومن نظر في أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، وما ورد من الأخبار في اهتمامه بإرشاد الخلق، وتلطفه في جر الناس بأنواع الرفق واللين واللطف، إلى تحسين الأخلاق وإصلاح ذات البين، وبالجملة إلى ما يصلح به دينهم ودنياهم حصل له علم ضروري، بأن شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته أعظم من شفقة الوالد على ولده.
وإذا نظر إلى عجائب ما ظهر عليه من الأفعال، وإلى عجائب الغيب الذي أخبر عنه القرآن على لسانه، وفي الأخبار وإلى ما ذكره في آخر الزمان، فظهر ذلك كما ذكره، علم علماً ضرورياً أنه بلغ الطور الذي وراء العقل، وانفتحت له العين التي ينكشف منها الغيب الذي لا يدركه إلا الخواص، والأمور التي لا يدركها العقل فهذا هو منهاج تحصيل العلم الضروري بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم.
اهـ المنفذ



ومن ذلك أيضا ما قاله شيخ الإسلام زكريا :
" لا يجوز لمن لا يعرف مصطلح القوم أن يتكلم في حقهم بشر، لأن دائرة الولاية تبدأ من وراء طور العقل ؛ لبنائها على الكشف.. " - الطبقات الصغرى للإمام عبد الوهاب الشعراني