شعارات جماعه الإخوان المسلمين وإشكاليه الضبط الشرعي لدلالاتها (1 )
د.صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
تمهيد: رفعت جماعه الإخوان المسلمين عبر تاريخها ، جمله من الشعارات ومنها : "الإسلام هو الحل" و"الإسلام دين ودوله " و"الإسلام جنسيه ووطن" و "الإسلام مصحف وسيف"، وهذه الشعارات من ناحية اللفظ حادثة في تاريخ الامه ، فلم يرد في القران أو السنة أو أقوال السلف الصالح، أو علماء أهل السنة ، أما من ناحية الدلالة فان لها دلالات متعددة، غير انه يمكن التمييز بين دلالتين أساسيتين لهذه الشعارات : الدلالة الأولى لها تخالف مذهب أهل السنة فهي بدعه ، أما الدلالة الثانية لهذه الشعارات فتوافق مذهب أهل السنة ،وبالتالي يمكن اعتبارها شكل من أشكال الاجتهاد .
الامامه" السلطة" عند أهل السنة من فروع الدين: فمناط التمييز بين الدلالة البدعيه والاجتهادية لهذه الشعارات هو مخالفتها أو موافقتها لمذهب أهل السنة في الامامه ، واهم قواعده أن الامامه "بمعنى السلطة " فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله يقول الآمدي ( واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات ، ولا من الأُمور اللابدِّيَّات ، بحيث لا يسع المكلَّف الإعراض عنها والجهل بها ، بل لَعَمري إنّ المعرض عنها لأَرجى من الواغل فيها ؛ فإنّها قَلّما تنفك عن التعصّب والأهواء ، وإثارة الفتن والشحناء ، والرجم بالغيب في حق الأئمة والسَّلَف بالإزراء ، وهذا مع كون الخائض فيها سالكاً سبيل التحقيق ، فكيف إذا كان خارجاً عن سواء الطريق ، لكن لمَّا جرت العادة بذكرها في أواخر كتب المتكلمين ، والإبانة عن تحقيقها في عامة مصنفات الأُصوليين ، لم نَرَ من الصواب خَرْق العادة بِتَرْك ذكرِها في هذا الكتاب ) (غاية المرام في علم الكلام : ص 363) . ويقول الإيجي ( وهي عندنا من الفروع ، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا ) (المواقف : ص 395) . ويقول الإمام الغزالي ( اعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليس من المهمات ، وليس أيضاً من فنّ المعقولات ، بل من الفقهيات ، ثمّ إنّها مثار للتعصبات ، والمُعْرِض عن الخوض فيها ، أسلم من الخائض فيها ، وإن أصاب ، فكيف إذا أخطأ؟ ، ولكن إذ جرى الرسم باختتام المعتقدات بها ، أردنا أن نسلك المنهج المعتاد ؛ فإنّ فطام القلوب عن المنهج ، المخالف للمألوف ، شديد النِّفار ) (الاقتصاد في الاعتقاد : ص 234) . ويقول التفتازاني ( لا نزاع في أنّ مباحث الإمامة ، بعلم الفروع أَليق ، لرجوعها إلى أنّ القيام بالإمامة ، ونصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة ، من فروض الكفايات ، وهي أُمور كليّة تتعلق بها مصالح دينية أو دنيوية ، لا ينتظم الأمر إلاّ بحصولها ، فيقصد الشارع تحصيلها في الجملة من غير أن يقصد حصولها من كلّ أحد . ولا خفاء في أنّ ذلك من الأحكام العملية دون الإعتقادية ) (شرح المقاصد : ج 2، ص 271).
التمييز بين الدولة والسلطة : أما الأقوال الواردة عن علماء أهل السنة عن وجوب نصب إمام فتتعلق بالدولة وليست بالسلطة ، فمفهوم الدولة اشمل من مفهوم السلطة ، ذلك أن أركان الدولة هي الشعب والأرض والسلطة، فهذه الأقوال تتعلق بالدولة كضرورة اجتماعيه، وهذا المبدأ اتفقت عليه جميع الفرق الاسلاميه ماعدا الخوارج النجدات ، بل اتفقت عليه جميع المذاهب السياسية في الفكر السياسي الحديث والمعاصر ماعدا المذهب الفوضوي ( مذهب اللا دوله)، ويمكن التحقق من صحة ذلك ، من خلال استقراء هذه الأقوال ، ودراسة السياق الذي ورد فيه القول بوجوب نصب الإمام ، فعلى سبيل المثال يقول الإيجي ( نَصْبُ الإمام عندنا واجبٌ علينا سمعاً…وقال : انه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة النبي ? على امتناع خلو الوقت عن إمام، حتى قال أبو بكر ” رضي الهد عنه ” في خطبته” ألا إن محمداً قد مات، ولا بدَّ لهذا الدين ممن يقوم به ” ، فبادر الكل إلى قبوله، وتركوا له أهم الأشياء، وهو دفن رسول الله ، ولم يزل الناس على ذلك في كل عصر إلى زماننا هذا مِنْ نَصْب إمام متَّبَع في كل عصر…)(المواقف ، ص 395 ). فهذا النص يتحدث عن نصب الأمام في كل زمان ، وليس نصب الإمام في زمان معين، كما تفيد العبارات( تواتر إجماع المسلمين … على امتناع خلو الوقت عن إمام) ، و (لم يزل الناس على ذلك … مِنْ نَصْب إمام متَّبَع في كل عصر…).
نصب الإمام المعين فرض كفاية لا فرض عين: اتساقا مع ما سبق ، من تقرير علماء أهل السنة أن الامامه – بمعنى السلطة – هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله ، وأن قولهم بوجوب نصب إمام يتصل بالدولة وضرورتها الاجتماعية، ولا يتعلق بالسلطة، فقد قرر علماء أهل السنة أن الوجوب هنا هو وجوب كفائي لا عيني، اى أن نصب الإمام فرض كفاية لا فرض عين خلافا لمذهب الشيعي القائل أنها فرض عين ، يقول الماوردي ( فإذا ثبت وجوبها ففرضها على الكفاية كالجهاد وطلب العلم، فإذا قام بها من هو من أهلها سقط ففرضها على الكفاية، وإن لم يقم بها أحد خرج من الناس فريقان: أحدهما أهل الاختيار حتى يختاروا إمامًا للأمة، والثاني: أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهما للإمامة، وليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم، وإذا تميز هذان الفريقان من الأمة في فرض الإمامة وجب أن يعتبر كل فريق منهما بالشروط المعتبرة فيه) ( الأحكام السلطانية: ص 5) ، ويقول القاضي أبو يعلى: (وهي فرض على الكفاية ، مخاطبا بها طائفتان من الناس، إحداهما: أهل الاجتهاد حتى يختاروا، والثانية: من يوجد فيه شرائط الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة) (الأحكام السلطانية: ص)19)، ويقول الإمام النووي: (تولي الإمامة فرض كفاية ، فإن لم يكن من يصلح إلا واحد تعين عليه ، ولزمه طلبها إن لم يبتدؤه، هذا إذا كان الدافع له الحرص على مصلحة المسلمين ، وإلا فإن من شروط الإمام ألا يطلبها لنفسه كما سيأتي في الشروط) (روضة الطالبين :10/43).
الامامه عند الشيعة من أصول الدين: أما القول بان الامامه " بمعنى السلطة" أصل من أصول الدين ، فهو أهم قواعد المذهب الشيعي في الامامه ، حيث ينقل الشيعة عن أبي جعفر انه قال( بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية، قال زرارة: فقلت: وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال:" الولاية أفضل " … " أما لو أن رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية الله في وليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله جل وعز حق في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان )( الكافي ، 2/16، كتاب الإيمان والكفر، باب دعائم الإسلام).
أولا: شعار الإسلام هو الحل : من الشعارات التي رفعتها جماعه الإخوان المسلمين ، في مصر

في حقبة الثمانينيات من القرن الماضي ، عندما تحالفت مع حزبي العمل و الأحرار للترشح في الانتخابات البرلمانية شعار" الإسلام هو الحل" ( ويكيبيديا، الموسوعة الحرة).
فهذا الشعار من ناحية اللفظ حادث في تاريخ الامه ، ولم يرد في القران أو ألسنه أو أقوال السلف الصالح، أو علماء أهل السنة .
أما من ناحية الدلالة فان لهذا الشعار دلالات متعددة، وهنا نميز بين دلالتين أساسيتين له:
الدلالة الأولى(الإسلام حدد كيفيه اقامه السلطة في المكان والزمان المعينين ): تقوم على أن المقصود بالإسلام في الشعار- في حال استخدامه في مجال السياسة " الامامه " - أصول الدين، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، والتي لا يباح مخالفتها، ويترتب على هذا القول بان الإسلام كدين حدد كيفيه اقامه السلطة في مكان وزمان معينين ، ووضع نظم فنيه "جزئيه " تنظم هذه الكيفية ، وهذه دلاله تتناقض مع مذهب أهل السنة في أن الامامه هي فروع من فروع الدين وليس أصل من أصوله (خلافا للشيعة) كما سبق ذكره ، وهل بمخالفتها لمذهب أهل السنة تعتبر بدعه ، إذ البدعة هي ما يقابل السنة يقول ابن حجر العسقلاني عن البدعة (أصلها ما أُحدِثَ على غير مثال سابق ، وتطلق في الشرع في مقابل السُنّة فتكون مذمومة...) ( فتح الباري / 5 : 156) .هذا فضلا عن أن الإسلام وضع قواعد "كليه" تضبط السلطة في كل زمان ومكان كالشورى" وأمرهم شورى بينهم" والعدل"وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل" والمساواة..أما كيفيه اقامه السلطة في مكان وزمان معينين، ووضع النظم الفنية " الجزئية"التي تضبط هذه الكيفية، فقد تركه لاجتهاد المسلمين.
النفي والإثبات المقبول والمرفوض: هذه الدلالة تتضمن شكلين من أشكال النفي والإثبات:
أولا: النفي والإثبات المعلن المقبول : فهي تتضمن نفى معلن مقبول مضمونه : أن اى مذهب يربط بين حل المشاكل التي يطرحها واقع المجتمعات المسلمة ورفض الإسلام كدين "ممثلا في أصوله اليقينية الورود القطعية الدلالة" لابد أن ترفضه الجماهير المسلمة لان الإسلام يشكل الهيكل الحضاري لهذه المجتمعات المسلمة ، كما تتضمن هذه الدلالة إثبات مقبول مضمونه أن المشاكل التي تطرحها المجتمعات المسلمة لن تحل إلا بالتزام هذه المجتمعات بالمفاهيم والقيم والقواعد الكلية للدين الاسلامى"التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة "، مع الاجتهاد في مفاهيمه وقيمه وقواعده الفرعية" التي مصدرها النصوص ظنيه الورود والدلالة".
ثانيا :النفي والإثبات المضمر المرفوض:كما أن هذه ألدلاله قد تضمر أشكال متعددة من النفي والإثبات المرفوضة:
أولا: النفي:
رفض الاستفادة من إسهامات الأمم الأخرى: فهذه الدلالة قد تضمر اتخاذ موقف الرفض المطلق لإسهامات المجتمعات الأخرى ، من أساليب حل المشاكل المتجددة، وهو ما لا يتفق مع الموقف الصحيح من هذه الإسهامات ، والمتمثل في تجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين ، إلى موقف نقدي قائم على اخذ وقبول ما يتسق مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ورد ورفض ما يتناقض معهما .فقد استفاد الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) في غزوة الأحزاب من الفرس فى صنع الخندق ، ورد في عون المعبود (سميت الغزوة بالخندق لأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمره - عليه الصلاة والسلام - لما أشار به سلمان الفارسي فإنه من مكائد الفرس دون العرب)، و استفاد عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) من الفرس في تدوين الدواوين ، يقول ابن الأثير(الديوان هو الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء، وأول من دون الدواوين عمر، وهو فارسي معرب)، كما قرر علماء أهل السنة جواز الاستفادة من إسهامات الأمم الأخرى في الأمور الدنيوية بشرط عدم تناقضه مع الدين، يقول ابن تيمية ( "فإن ذِكْر ما لا يتعلق بالدين مثل مسائل الطب والحساب المحض التي يذكرون فيها ذلك، وكتب من أخذ عنهم مثل محمد بن زكريا الرازي وابن سينا ونحوهم من الزنادقة الأطباء؛ ما غايته انتفاع بآثار الكفار والمنافقين في أمور الدنيا فهذا جائز، كما يجوز السكنى في ديارهم ولبس ثيابهم وسلاحهم، وكما تجوز معاملتهم على الأرض كما عامل النبي يهود خيبر) ( مجموع فتاوى ابن تيمية /العقيدة / كتاب مفصل اعتقاد السلف / مسألة مذهب السلف والمتأخرين في الاعتقاد والأصح منهما )، ويقول ابن القيم ( في استئجار النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن أريقط الدؤلي هادياً في وقت الهجرة - رواه البخاري- وهو كافر؛ دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب والكحل والأدوية والكتابة والحساب والعيوب ونحوها، ما لم يكن ولاية تتضمن عدالة، ولا يلزم من مجرد كونه كافرا أن لا يوثق به في شيء أصلا؛ فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق، ولا سيما في مثل طريق الهجرة) (البدائع).
ثانيا: الإثبات:
تكفير المخالف: كما أن هذه الدلالة قد تضمر تكفير المخالف في المذهب، وهو ما يخالف الكثير من النصوص التي تفيد النهى عن تكفير المسلمين: قال تعالى ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً تبغون عرض الحياة الدنيا). و قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) ( ومن رمى مؤمناً بكفر فهو كقتله ) (ترجم له البخاري) .
الاستغلال السياسي للدين: كما قد يستخدم هذا الشعار كاداه للاستغلال السياسي للدين، والذي يتمثل في جعل الغاية من النشاط السياسي هي الدولة – السلطة، والوسيلة هي الدين،" بدلا من جعل الدين هو الأصل والسياسة هي الفرع"، وهو شكل من أشكال الاتجار بالدين الذى ورد النهى عنه فى الكثير من النصوص كقوله تعالىولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)(المائدة:44.(و(إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الاخره ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم) (آل عمران) .
الدلالة الثانية(الإسلام حدد القواعد الكلية التي تضبط السلطة في كل زمان ومكان ): أما الدلالة الثانية فتقوم على أن المقصود بالإسلام في الشعار- في حال استخدامه في مجال السياسة" الامامه" فروع الدين، والتي مصدرها الاجتهاد فى فهم وتفسير النصوص الظنية الورود والدلالة، والتي يباح فيها الاختلاف، يقول ابن مفلح( لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع)[الآداب الشرعية 1/186]. ويترتب على هذا أن الإسلام وضع قواعد كليه تضبط السلطة في كل زمان ومكان كالشورى والعدل والمساواة . أما كيفيه اقامه السلطة في مكان وزمان معينين، ووضع النظم الفنية التي تضبط هذه الكيفية ،فقد تركه لاجتهاد المسلمين ،يضعونه على الوجه الذي يحقق مصالحهم فى الزمان والمكان المعينين ويتضمن ذلك الاجتهاد الاستفادة من إسهامات المجتمعات الأخرى بشرط عدم تناقضها مع أصول الدين. وهذه دلاله تتسق مع مذهب أهل السنة في أن الامامه فرع من فروع الدين وليس أصل من أصوله كما سبق ذكره .
الصيغة الأصح: إذا كان ما سبق يتعلق بضوابط الشعار من ناحية الدلالة، فان الصيغة الأصح للشعار من ناحية اللفظ هي" فتح باب الاجتهاد هو الحل" فى مجال السياسة " الامامه" وكافه المجالات التي تقع في دائرة فروع الدين المتغيرة. ويتضمن الاجتهاد اتخاذ تراث الامه نقطه بداية –وليس نقطه نهاية-، وتفعيل مقدره المسلمين على حل المشاكل التي يطرحها واقعهم المتغير، بالاضافه إلى الاستفادة من إسهامات الأمم الأخرى بشرط اتساقها مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة .
لزيارة موقع د. صبري محمد خليل اضغط هنا
https://sites.google.com/site/sabriymkh