بسم الله الرحمن الرحيم. و الصلاة و على النبي الكريم.

أما بعد:

بدأتُ أسمعُ لشرح الأستاذ سعيد فودة لكتاب "الاقتصاد في الإعتقاد". فلما وصلَ إلى قول الإمام الغزالي:
"فإن قيل : فقد بقي الأصل الثاني و هو قولكم: إن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، فما الدليل عليه؟"

فشرع الأستاذ الفاضل بالحديث عن مفهوم "ما لانهاية". فقال أثناء كلامه عنها أن هناك مفهومين من "ما لانهاية" : هناك "ما لانهاية" تطبيقية (في هذا يجوز أن يكون هناك تفاوت) و هناك "ما لانهاية" مطلقة (في هذا المفهوم لا يوجد تفاوت بين مالانهايات في مجال الرياضيات و أن هناك ما لانهاية واحدة عندهم).

فدعاني هذا التقسيم (الذي قدمه الأستاذ، إضافة إلى حكمه بأن هناك مالانهاية واحدة عن الرياضيين) أن أقدم فكرةً موضحة لمراد القائل بقوله أن هناك ما لانهايات متفاوتة في الرياضيات الحديثة. و إن كان كلامي هذا لا يعدُّ رداً على جميع كلام الأستاذ. بل شدُّ عَضُدِه من جانب التخصص الرياضي، و وصفاً أراه أكثر دقة لمراد القائل بتفاوت المالانهايات في اصطلاح علماء الرياضيات.

قبل أن أشرح مراد الرياضيين بتفاوت ما لانهايات سأقدم بعض التعاريف التي تساعد في المسألة:

-التعريف 1: لتكن "أ" و "ب" مجموعتين اعتباطيتين. و ليكن "د" دالة تربط المجموعة "أ" بالمجموعة "ب".
-نقول أن "د" دالة متباينة إذ كان كل عنصرين من المجموعة "أ" غير متساويين فإن صورتيهما بالدالة "د" غير متساويتين.
-إذا كان لدينا دالة "د" متباينة بين مجموعتين "أ" و "ب" فإننا نقول : قيمة عدد عناصر المجموعة "أ" أصغر من قيمة عدد عناصر المجموعة "ب".
-نقول أن "د" دالة شمولية إذ كان كل عنصر من "ب" فله سابق في المجموعة "أ" بالدالة "د".
-إذا كان لدينا دالة "د" شمولية بين مجموعتين "أ" و "ب" فإننا نقول : قيمة عدد عناصر المجموعة "أ" أكبر من قيمة عدد عناصر المجموعة "ب".
-نقول أن "د" دالة تقابلية إذا كانت دالةً متباينة و شمولية.
ملاحظة 1: إذا كان لدينا دالة "د" تقابلية بين مجموعتين "أ" و "ب". فإننا نقول، تباعاً لتلك التعاريف التي نقلناه أولاً أن : قيمة عدد عناصر المجموعة "أ" تساوي قيمة عدد عناصر المجموعة "ب".
ملاحظة 2: تباعاً لهذه التعاريف يمكننا الآن التمييز بين قيمة عدد عناصر مجموعات مختلفة و تصنيفها بمدى قدرتنا على إنشاء دالة متباينة (أو شمولية أو تقابلية). فإن عجزنا عن إنشاء دالة تقابلية بين مجموعتين قلنا: أن قيمة عدد عناصر أحدهما أكبر من الأخرى.
تعريف2: ليكن "أ" مجموعة اعتباطية. نرمز ب"م(أ)" مجموعة عناصر المجموعة "أ".
مثال 1: ليكن
{1,2}"أ"=
مجموعة عناصر المجموعة "أ" هي
{{1},{2},"ف","أ"}
مع كون "ف" هي المجموعة الفارغة.
خاصية 1: إذا كانت "ق" قيمة عدد عناصر المجموعة "أ" فإن قيمة عدد عناصر "م(أ)" هي:
أس "ق". 2
استطيع الآن أن أحيلك على أمثلة لمجموعات لها قيمات متفاوتة. لكن قبل ذلك أرمز ب"ط" مجموعة الاعداد الصحيحة الطبيعية. و "ح" مجموعة الأعداد الحقيقية. و سأعتمد على التعاريف التي قدمتها من قبل. و إليكم المبرهنات التالية:
مبرهنة 1: لا يوجد تقابل بين "ط" و "ح".
مبرهنة 2: لا يوجد تقابل بين "ط" و "م(ط)".
مبرهنة 3: ليكن "أ" مجموعة اعتباطية. لا يوجد تقابل بين "أ" و بين "م(أ)".

تباعاً لهذه المبرهنات يقول علماء الرياضيات أن مجموعة الأعداد الصحيحة الطبيعية، على رغم أن قيمة عدد عناصرها ما لانهاية، إلا أنها أصغر من مجموعة الاعداد الحقيقية. و يقولون أيضا أن ما لا نهائية الأعداد الصحيحة الطبيعية أصغر من ما لا نهائية الأعداد الحقيقية. و كما توضح لنا المبرهنة 3 فإنه –مثلا- لو أخذنا "م(ط)" فهي أكبر من "ط"، و "م(م(ط))" أكبر من "م(ط)". و تباعاً لهذا يقول علماء الرياضيات أنه ليس هناك ما لا نهاية واحدة بل هناك ما لا نهايات كثيرة و متفاوتة تباعاً لاصطلاحهم.
فأظن أن المعترض عندما يقول بوجود ما لا نهايات متفاوتة في اصطلاح علماء الرياضيات أنه يقصد هذا الذي ذكرتُ أنفاً و الله أعلم..