صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 24

الموضوع: تلخيص كتاب: مفهوم النص، لنصر حامد أبو زيد

  1. تلخيص كتاب: مفهوم النص، لنصر حامد أبو زيد




    بسم الله الررجمن الرحيم

    هذا تلخيص لكتاب «مفهوم النص» لنصر حامد أبو زيد.
    والكتاب مكون من ثلاثة أبواب ومقدمة، قمت بتلخيصها ماعدا الباب الثالث وهو المخصص -كما يزعم المؤلف- لنقد ما يسميه بمشروع أبي حامد الغزالي، أجلته لاحقا لأنه مبني على ما سبق، ولأن أخطاءه الكثيرة في فهم كلام الحجة لا يمكن اختصارها.

    -آثرت في المقدمة تلخيصها على شكل اقتباسات مرتبة حسب الصفحة، مع التعليق عليها تحتها، ثم قمت بتلخيص تلك الاقتباسات ولم أشتاتها على شكل نقاط مرتبة ترتيبا موضوعيا جامعا بناء على وحدة الموضوع ومناسبتها لما بعدها مما هو مسطور في صلب الكتاب، مع الإحالة إلى كل صفحة تم الاقتباس منها.
    -أما في العرض، فقد آثرت -لأجل الاختصار- التركيز على أهم النقاط التي يركز عليها المؤلف بصفتها نقاطا أساسية في موضوع يطرقه المؤلف، ومن ألفاظه هو، ولم أتصرف فيها إلا في القليل من أجل الشرح والبيان.
    -وكل ما هو موجود داخل إطار الاقتباس فهو من كلام أبو زيد بنصه ولفظه، وغيره من تلخيصي لكلامه، أو من تعليقي على كلامه، شرحا أو نقدا.
    -ولا ادعي فيه الغاية القصوى في إبراز الفكرة، فقط بذلت ما أستطيع بذله، رغبة في مشاركة نافعة في بيان حقيقة (العلمانية) من خلال تحليل لكلام أحد منظريها.
    وأعتذر للقارئ مقدما على كثرة التكرار والإعادة والتطويل، ولم ألجأ إليه إلا لإبراز الفكرة الواحدة من نصوص متعددة، وهذا الهدف لا يحصل إلا بتكرار الفكرة كلما وردت في كلامه.
    -الطبعة المعتمدة هنا طبعة الهيئة المصرية للكتاب، 1990
    -تنبيه: ترتيب الصفحات في هذه الطبعة يختلف عن ترتيب الصفحات في طبعة المركز الثقافي العربي.

    ----------

    وهذا تعريف موجز بالكاتب والكتاب:

    - نصر حامد أبو زيد، مصري يحمل شهادة الدكوراه في اللغة العربية، وهو علماني ماركسي متطرف، عنده نزعة نفسية حاقدة على الأديان وأهلها بشكل عام وعلى الإسلام وأهله بشكل خاص، أثرت تلك النزعة كثيرا في كتبه على طريقة تأليفه مما أبعدها كثيرا عن المصداقية والحقيقة، ككذبته المعروفة على الإمام الشافعي، وشتائمه التي تطفح بها كتبه حتى تخرجها عما يدعيه من الموضوعية والبحث والعلم.
    يتوسل دائما -كما هي عادة العلمانيين- بالطعن في المتدينين من شتى الصنوف للطعن في الدين نفسه، حيث يطعن في العلماء على سبيل المثال لأنهم يقولون بأن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزوله واصفا إياهم بالمتخلفين والمشعوذين والملفقين أولا ثم واصفا لحقيقة اللوح المحفوظ بأنه أسطورة رجعية متخلفة!
    وهو مع ادعائه الاجتهاد المطلق -كما صرح بذلك في بعض كتبه وبلسانه في مناظرته مع محمد عمارة على قناة الجزيرة في الاتجاه المعاكس- يطمح إلى تطبيق التجارب الغربية والشرقية -في ثورتهم على الكنيسة- على دين الإسلام، داعيا إلى الثورة على دين الإسلام بوصفه كذبة أو (عملية نصب كبرى) *[نقد خ د،ص11] افترتها أيدي العلماء تواطئا مع السلاطين والحكام:
    ” لا يمكن للعلمانية أن تتأسّس دون الإصلاح الديني الذي لم يتحقّق بعد عندنا، بل تحقّق في أوروبا القرن السادس عشر، سيقول لنا فلاسفة الفكر الإسلاميّ إنّ أوروبا احتاجت الإصلاح الديني بسبب "الكنيسة"، المرض الذي لا وجود له في حضارتنا. وهنا بالضبط يكمن الخطأ، فلدينا كنائس لا كنيسة واحدة، إذا كان معنى الكنيسة وجود سلطة، أو سلطات، تحتكر المعنى الديني، وتكفّر كلّ من يخالف هذا المعنى“ من موقع: الحوار المتمدن، عنوان المقال: الفزع من العلمانية -فصل الدين عن الدولة/ العدد3054- 5/7/2010
    وفي كتابه «نقد الخطاب الديني» يرفض أن يكون «الإسلام هو الحل» لمشاكل الأمة اليوم، ويمتدح العلمانيين الرافضين لذلك الحل، حيث يقول:
    ”ولعل هذا الطرح يساهم بشكل أو بآخر في ترشيد الجدل السجالي القديم والمستمر من جانب الرافضين لمشروعية شعار «الإسلام هو الحل» وهو الاتجاه الثالث في التعامل مع ظاهرة المد الديني، ... بل هو تيار أصيل في فكرنا الحديث، لعل من أبرز ممثليه من يطلق عليهم اسم "التنويريين"، ويطلق على أصحاب هذا الاتجاه الآن اسم "العلمانيين"...“ ط3- ص9
    وقال فيه:
    ”والخلاف يتركز حول المقصود من الدين كما يطرح ويمارس بشكل أيديولوجي نفعي من جانب اليمين واليسار على السواء، أم الدين بعد تحليله وفهمه وتأويله تأويلا علميا ينفي عنه الأسطورة ويستبقي ما فيه من قوة دافعة نحو التقدم والعدل والحرية؟ والعلمانية في جوهرها ليست سوى التأويل الحقيقي والفهم العلمي للدين“ ص11
    إذن فالعلمانية عنده هي المذهب الوحيد الصحيح في فهم الدين، وكل المذاهب الأخرى مذاهب باطلة أسطورية خرافية متخلفة.. إلخ، والدين لم تعرفه الأمة الإسلامية من قبل مجيء أبو زيد، بل لم يوظفوا الدين إلا توظيفا نفعيا بمن فيهم نبي الإسلام ص ، بدليل أنه لم يختر دين الإسلام إلا لأن المصالح المادية فرضت عليه أن يختار هذا الدين بدلا عن غيره ليوحد به كلمة العرب ووجودهم الذي كان محاطا بالكثير من المخاطر. (مفهوم النص، ص72-74)
    فلو ربطنا وصفه للنبي بأنه اختار الإسلام لكي يدر عليه وعلى قومه الربح الوفير بالنص التالي:
    ”وكانت الأسطورة أن التقوى تجلب البركة وتدر الربح الوفير“ اهـ نقد الخطاب الديني، ص11
    لوجدنا حقيقة مذهبه العلماني وخلاصته.
    ولو ربطنا النص الأخير بالنص التالي فحقيقة نظرته إلى النبي ص و إلى الإسلام تزداد وضوحا:
    ”تتحدث كثير من آيات القرآن عن الله بوصفه ملكا له عرش وكرسي وجنود، وتتحدث عن القلم واللوح،...وكلها تساهم إذا فهمت فهما حرفيا في تشكيل صورة أسطورية عن عالم ما وراء عالمنا المادي الماهد المحسوس،... ولعل المعاصرين لمرحلة تكون النصوص -تنزيلها- كانوا يفهمون هذه النصوص فهما حرفيا“ نقد الخطاب، 210
    المقصود بالمعاصرين النبي ص وأصحابه كما يدل على ذلك توظيفه لهذا المصطلح في كل كتبه.
    إذن، فالنبي والصحابة كانوا يفهمون القرآن فهما خرافيا أسطوريا ليدر عليهم الربح الوفير ... وهذا الاتهام لا نستغربه ممن لا يمانع بأن يصنف كعدو لدين الإسلام، أما أن يصدر ممن يدعي بأنه مجتهد مطلق فهو مرفوض، لا لأنه كفر فحسب، بل لأنه (استحمار) واستحقار للعقل الذي يدعي أبو زيد بأنه يخاطبه، (استحمار) لا مثيل له في تاريخ البشرية، إذ كيف تذم النبي ودينه بهذه الصورة القذرة ثم تعتبر نفسك جزءا من ذلك الدين الذي تصفه بالأسطورة والخرافة؟ أليس الاجتهاد من جزء من ذلك الدين؟ أليس العلماء الذين تصفهم بالمشعوذين هم الذين وضعوا مسمى الاجتهاد وشروطه؟
    -وفي الكثير من كتبه ومقاللاته ومحاضراته ينكر -تصريحا- أن يكون هناك حقيقة مطلقة، وينكر أن يكون هناك شيء مقدس، لا الله ولا القرآن ولا الدين!
    -وهو في معظم كتبه يكشف عن جهل عميق في أبسط مسائل التراث الإسلامي ينفيه عن أن يكون متدينا عاديا فضلا عن أن يكون مجتهدا، وهو في المقابل أكثر اطلاعا وتطبيقا للمناهج الغربية والإلحادية في نظرتها إلى الأديان.

    ----------

    - أما فيما يخص كتابه هذا، فهدفه منه كما وضح في المقدمة هو إعادة صياغة لمفهومي القرآن والإسلام، حيث يقول:
    ” إن البحث عن مفهوم النص ليس في حقيقته إلا بحثا عن ماهية القرآن وطبيعته بوصفه نصا لغويا... فالقرآن كتاب الفن العربي الأقدس“ ص23
    ولذلك:
    ”تستهدف هذه الدراسة تحقيق هدفين، أما أولهما فهو إعادة ربط الدراسات القرآنية بمجال الدراسات الأدبية والنقدية بعد أن انفصلت عنها... وعلى ذلك تقع هذه الدراسة في صميم الدرس الأدبي“ ص21-22
    ”فإن بلورة مفهوم للنص قد يزيل بعض جوانب هذا التعتيم“ ص18
    ”ومحاولة لاستقطار دلالة التراث لتأصيل مفهوم معاصر للنص“ ص22
    محاولة لاستقطار دلالة التراث لتأصيل مفهوم النص لأنه يرى بأن نص القرآن منتج ثقافي، أي إن مادته ومعانيه "صنعة" و"إنتاج" من تلك الصنعات الثقافية للثقافة التي "شكلت" نص القرآن. وهو ما سأتي بالنص في صلب الكتاب.
    أما الهدف الثاني فهو:
    ”محاولة تحيد مفهوم موضوعي للإسلام، مفهوم يتجاوز الطروح الأيديولوجية“ ص22.
    ” "إن دراستنا لمفهوم النص سعي لتحديد ماهية الإسلام“ ص30
    وهو في إعادة صياغته لهذين المفهومين يدعي أنه سيدخل من مدخل اللغة بوصفها تجسيدا لتصورات الثقافة -التي صيغ فيها نص القرآن- وأفكارِها، فيقول:
    ”ومن الطبيعي أن يكون المدخل لدرس النص القرآني مدخل الواقع والثقافة... الواقع الذي ينتظم حركة البشر المخاطبين بالنص، وينتظم المستقبل الأول للنص وهو الرسول، والثقافة التي تتجسد في اللغة، بهذا المعنى يكون البدء في دراسة النص بالثقافة والواقع بمثابة بدءء بالحقائق الإمبريقية“ ص27
    ثم قال:
    ”ومن أجل الكشف عن هذا التداخل العلاقي بين النص والثقافة تعتمد هذه الدراسة بصفة أساسية المدخل اللغوي“ ص28
    فهو يرى بأن الثقافة السائدة متجلية في النصوص اللغوية، وبما أن خصمه يتفق معه في أن القرآن نص لغوي فلا مناص له -أي لخصمه- من أن يعترف بأن معاني القرآن ومفاهيمه..إلخ محصورة في تلك الثقافة، ولا تصلح للدلالة إلا في ذلك الواقع لأنها متصلة به، ولو تم توظيف تلك الدلالات في واقع جديد وثقافة جديدة فإن ذلك يفقد كونه نصا حيث يصير هناك (قفز على الواقع) أي انفصام بين الثقافة الجديدة التي حل فيها النص ضيفا و بين الثقافة الكامنة في النص.
    وحقيقة هذا الكلام أن دلالات القرآن على الأحكام الشرعية لا تصلح لكل زمان ومكان، بل حتى لا تصلح إلا لزمان واحد ومكان واحد وهو زمان نزول القرآن ومكان تنزله، وهذا ما سنراه لاحقا.
    وفي الحقيقة هذف أبو زيد الأهم من هذا الكتاب يتجلى في قوله :
    " إن دراستنا لمفهوم النص سعي لتحديد ماهية الإسلام".
    فهو يهدف أولا وأخيرا إلى تغيير معنى الإسلام كله.
    وفي تحديده لمفهوم الإسلام ادعى بأن المدخل اللغوي هو مدخله، فقال:
    ”لا يمكن فهم طبيعة الرسالة التي يتضمنها النص إلا بتحليل معطياته اللغوية في ضوء الواقع الذي تشكل النص من خلاله“ ص30
    فالإسلام كذلك ثقافة عاشت في واقع معين، وتشكل بسبب اختيار الناس له كحل للمشاكل التي كانت سائدة في ذلك الواقع بالخصوص، حتى إن النبي ص نفسه لم يختر الإسلام "لسواد عيونه" بل اختاره لأن الظروف المادية أجبرته على أن يختار هذا الدين -الإبراهيمية- بدلا عن غيره، وهذا ما سنراه منصوصا عليه في الكتاب.

    وفيما سيأتي سوف نرى هل التزم أبو زيد في ادعائه بأن هذا الكتاب يمثل دراسة لغوية حقيقية أم أنه جعل اللغة غطاء يتسلل به إلى الطعن في القرآن وإعجازه بما يخالف اللغة نفسها، حتى صار كلامه جدلا فلسفيا عقيما، لا يعتمد لا على اللغة ولا على الثقافة وإنما على الفلسفة الماركسية المادية فحسب؟

    ----------

    أما السبب الذي جعلني أضع هذا التلخيص في قسم علوم القرآن هو أن المؤلف زعم بأن كتابه هذا يخص علوم القرآن، حيث سمى كتابه: «مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن».
    والحق يقال، إن هذا العنوان عنوان كاذب، لأنه مخالف لمضمون الكتاب الذي يمثل ردا علمانيا على علوم القرآن، فكان حريا به أن يسمي كتابه: «دراسة عن علوم القرآن من خلال كتاب الإتقان»، لأنه لم يتناول إلا مباحث جزئية في علوم القرآن في في كتابي الإتقان للسيوطي والبرهان للزركشي، وهما في الحقيقة بل كتاب واحد إلا أن السيوطي وسع بعض المسائل توسيعا بسيطا، فكتاب الإتقان للسيوطي نسخة عن برهان الزركشي، ثم يأتي أبو زيد ويقول: «في علوم القرآن» موهما بذلك أنه استقرأ علوم القرآن من مصادرها استقراء شاملا، والحقيقة أن علوم القرآن ليست منحصرة في هذين الكتابين، كلا، ولا ادعى ذلك مؤلفاهما، فهذا الزركشي -رضوان الله عليه- يقول بأنه لم يقصد بهذا الكتاب حصر مباحث علوم القرآن، وانه لم يتناول منها إلا ما قدر عليه، بل ما وضعه إلا ليكون مفتاحا لأبواب علوم القرآن، حيث قال في المقدمة:
    ” ولما كانت علوم القران لا تنحصر، ومعانيه لا تستقصى ، وجبت العناية بالقدر الممكن ... وضمنته من المعاني الانيقة، والحكم الرشيقة، مايهز القلوب طربا، ويبهر العقول عجبا، ليكون مفتاحا لابوابه، عنوانا على كتابه، معينا للمفسر على حقائقه، ومطلعا على بعض أسراره ودقائقه“ مقدمة البرهان.
    و أبو زيد عندما يشتم علماء المسلمين لا يشتم السيوطي ولا الزركشي فحسب، بل يشتم علماء المسلمين كلهم، من فقهاء ومفسرين ومحدثين ومتكلمين ولغويين ...إلخ، قديمهم وحديثهم، ممن ألف في علوم القرآن وممن لم يؤلف، موهما بذلك أنه قد استقرأ علوم القرآن عند كل هؤلاء وعلى جميع المستويات، ولذلك نراه يكثر من ذكر التراث بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، مع أنه لم يتابع في كتابه إلا مسائل لا تتعدى أصابع اليد.
    فإذا كان العنوان كذبة فما بالك بالباقي؟

    ----------

    رقم الصفحة يليها النص من كتابه:
    12- إن البحث عن مفهوم النص بحث عن البعد المفقود في هذا التراث.
    12- لقد تنبه جيل الليبراليين المجددين لأهمية هذا البعد في تراثنا،ولكن صيحاتهم وتنبيهاتهم راحت أدراج الرياح.
    12- إن البحث عن مفهوم النص ليس في حقيقته إلا بحثا عن ماهية القرآن وطبيعته بوصفه نصا لغويا، وهو يتناول القرآن من حيث هو كتاب العربية الأكبر، وأثرها الأدبي الخالد، فالقرآن كتاب الفن العربي الأقدس، سواء نظر إليه الناظرون أنه كذلك في الدين أم لا.
    في هذا الكلام مقدمة مغالطة، ومصادرة على المطلوب، فلا أحد أصلا يتفق معه على أن القرآن أدب فني.
    ومعنى كلامه أن القرآن ليس إلا كتابا أدبيا فنيا فحسب، ولو نظر إليه الناظرون -نظرة تقوم على أساس الدين- أي أنه ليس كذلك في الدين، فلا عبرة بهذه النظرة، بل النظرة الدينية إلى هذا النص لا عبرة بها حتى ولو وافقت، فهو كتاب أدب سواء كان كذلك في الدين أم لا!
    وإذا كان الأمر كذلك فهذا يعني أن مضمون القرآن ليس دينا بل فن وأدب فقط، لأن النظرة الدينية لا ينظر بها إلا إلى مضمون ديني، و النظرة الفنية لا ينظر إليها إلا إلى مضمون فني، وبما أن القرآن لا يجوز النظر إليه نظرة دينية بل فنية فمضمونه إذن فن وادب لا دين وشريعة.
    والفن لا يكون فنا إلا في حالتين، الاولى أن يكون فاعله (المرسل) قاصدا به أن يكون فنا، بغض النظر عن الستقبل، والثانية أن يكون فنا من وجهة نظر المستقبل حتى ولو لم يقصد المرسل جعله فنا، أي يكون اعتبار الفنية فيه خارجا عن مقصود المرسل وراجعا إلى مقصود المستقبل، وما يتوافق مع كلامه السابق هو الحالة الثانية، فإرادة الله من كلامه ملغية، والعبرة بالنظرة الفنية للقرآن الخارجة عن مقصود المرسل (الله).
    والفن في الحالة الثانية يصنف علميا ضمن أبواب النقد الأدبي، أي إن المتلقي عندما يستقبل النص يجد فيه من التفنن ما لم يكن يقصده الفنان نفسه، فالوظيفة هنا -في تذوق مواطن الجمال وإبراز المعاني الفنية الجديدة الإبداعية- ليست وظيفة المرسل ففد عبر المرسل واستقال عن نصه، بل الوظيفة هنا صارت للمتلقي فحسب، تماما كما نشاهد في الفنون التي تنتجها النحلة مثلا، فهي غير واعية بالمعاني الفنية التي تنتجها في بناء مساكنها، ولكننا نجد لفنها معان جديدة غير الذي قصدته النحلة، بغض النظر عن أن النحلة قصدت ذلك التفنن أو لا، فشعورنا بجماليات فنها لا يتوقف على مغرفتنا لمقصودها من ذلك العمل الذي قامت به...
    ولو طبقت هذه النظرية على القرآن فالنتيجة واضحة، وهي تحييد لإرادة الله من رسالته وتفريغ للقرآن عن مضمونه، وجعله مباحة أم كل إنسان يأخذ منه ما يشاء و يترك منه مايشاء متأولا للقرآن على هواه وعلى وفق مايحب ويشتهي، فضلا عما يدل عليه من إلغاء لإعجاز القرآن، وكل هذه النتائج التي يدل عليها كلام أبو زيد ليست تقولا عليه، بل إنه ينص عليها في معظم كتبه نصا حرفيا، ومنها هذا الكتاب.
    وكلامه التالي لو لم يفهم على هذا النحو فسوف يجده القارئ متناقضا وغير مفهوم، أو سوف يجده غير مترابط ولا منظوم، وهو ليس كذلك، بل هذا هو الأسلوب المفضل لدى العلمانيين في الإيهام والإبهام.

    وتتميما لما سبق أكمل شارحا:
    12- وهذا الدرس الدرس الأدبي للقرآن في ذلك المستوى الفني -دون نظر إلى اعتبار ديني- هو ما نعتده وتعتده معنا الأمم العربية أصلا، العربية اختلاطا، مقصدا أول وغرضا أبعد.
    فلا عبرة بالدين في دراسة القرآن، ولا عبرة بالنتائج المبنية على النظر الديني للقرآن، وهذا مما أجمعت عليه الأمة الإسلامية قاطبة، عربيها وعجميها، والأمة الإسلامية كانت ولا زالت تعتد بدراسة (أبو زيد) للقرآن دراسة فنية أدبية مجردة عن المنطلقات الدينية.
    إذن، يجب أن ننحي قواعد الدين جانبا في دراستنا للقرآن حتى نفهمه بالطريقة العلمانية المفضلة.
    وليت شعري كيف له بهذه الجرأة حتى يدعي بأن الأمة كلها مثله لا تعتد بالدين مع أن الكثير من علماء بلده كفروه بهذا الكلام حتى طردوه خارج بلده؟ وإذا كان هذا حال علماء عصره -مع قلة بضاعتهم بالنسبة للأسلاف- فما بالك بعلمائنا القدماء؟
    مثل هذه الكذبات «الأسطورية» تشكل ملمحا أسلوبيا في أدبيات الخطاب العلماني بشكل عام و خطاب أبو زيد بشكل خاص.
    ولا أدري كيف انقلب الأمر في رأسه بعد أن كان: (البعد المفقود في هذا التراث) حتى صار: (تعتده معنا الأمم العربية)!

    ثم أكمل النص السابق قائلا:
    13- ثم لكل ذي غرض أو صاحب مقصد بعد هذا الوفاء بهذا الدرس الأدبي أن يعمد إلى ذلك الكتاب فيأخذ منه ما يشاء ويقتبس منه ما يريد.
    هذه الجملة تصوب فهمي للكلام السابق، فهي نتيجة طبيعية من نتائج النظر الفني في القرآن، فبما أنه فن إذن يجوز لكل واحد أن يفهم هذا الفن كما يحب ويشتهي، تبعا لمشيئته هو لا لمشيئة المرسل وإرادته منه، لا يجوز النظر إلى القرآن لمعرفة مراد اله منه، بل لمعرفة مرادنا نحن منه... فتأمل، وهو ما يطلق عليه أبو زيد مصطلح (القراءة) أو (التأويل) للنصوص الدينية.
    سوف يكون كتاب مفهوم النص برهنة على أن القرآن كتاب فن و متعة لا كتاب دين وشريعة، إن شئت أن تأخذ منه شيئا فلك ذلك، وإن لم تشأ فلك ذلك.


    لا تناظر جاهلا أسلمك الدهرُ إليه*****إنما تُهدي له علمًا يُعاديكَ عليه




  2. 13- إن الدراسة الأدبية و محورها مفهوم النص هي الكفيلة بتحقيق وعي علمي نتاوز به موقف التوجيه الأيديولوجي... والبحث عن هذا المفهوم وبلورته وصياغته لا يمكن أن يتم بمعزل عن إعادة قراءة علوم القرآن قراءة جديدة باحثة ومنقبة.
    ما هو القرآن؟ أبو زيد يقول بأن الإجابة عن هذا السؤال كانت خاطئة من قبل علماء المسلمين، ويريد هو -مع العلمانيين- أن يعطوا التعريف الصحيح للقرآن، وذلك بعد قراءتهم لعلوم القرآن.
    وهو يؤكد بأن دراسة القرآن لا يجوز أن تكون دراسة دينية بل يجب أن تكون دراسة فنية، أي كما تتم قراءة الشعر و الفنون الأدبية الأخرى قراءة نقدية فلا بد أن يكون القرآن مثلها.
    والمؤلف يصرح في هذا الكتاب بأن القرآن مثل الشعر وسجع الكهان، ولا فرق بينه وبينها إلا من حيث أن القرآن من الله -بالنسبة للمشركين- والشعر من الجن -بالنسبة للمشركين-، وسوف يأتي لاحقا.

    ---------

    14- إن التأليف في علوم القرآن -كبرهان الزركشي و إتقان السيوطي- كان يتم من منطلق تصور ديني صاغته اتجاهات الفكر الرجعي في تيار الثقافة العربية الإسلامية، ... وهو تصور أقل ما يقال عنه الآن إنه تصور يعزل النص عن سياق ظروفه الموضوعية التاريخية، بحيث يتباعد به عن طبيعته الأصلية بوصفه نصا لغويا، ويحوله إلى شيء له قداسته بوصفه شيئا.
    الزركشي والسيوطي من الاتجاهات الرجعية المتخلفة.
    وهذه النظرة الحاقدة على علماء المسلمين -بما فيها من التبري مما هم عليه من دين- ليست راجعة إلى شخص الإمامين الزركشي والسيوطي فحسب، ولا على أمثالهما من العلماء، بل ترجع إلى حقد دفين على ذلك الدين الذي كانوا يدينون الله به، فهو يرى بأن هذا الدين ليس دين الله الحقيقي، بل يرى أنه "وضع" أو "نصب واحتيال" من قبل علماء المسلمين -على مر الزمن- تمت صناعته و إنتاجه تحت توجيهات السلاطين ليدر عليهم الربح الوفير ويمكن لهم في رقاب الناس.
    فإذا كان أمثال هاذين العالمين هم الذين وضعوا معنى الاجتهاد وشروطه -وهو جزء من التراث الرجعي المتخلف- فلا شك بأن من يقبل أن يسمي نفسه "مجتهدا" -بناء على شروط يعتبرها رجعية- سيكون أكثر رجعية وتخلفا حيث عرف الباطل و فعله.
    وهذا النص يفصح عن مشكلة أبو زيد مع القرآن، فمشكلته مع القرآن أنه "جُعِل" مقدسا، وبما أنه علماني ينفي أن يكون في العالم شيء مقدس في ذاته، فهو بالتالي سوف ينفي أن يكون القرآن مقدسا في نفسه مقدسا بالنسبة للمسلمين.
    17- إن المطالبة بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية واعتبارها مطلبا أوليا في الفكر الديني المعاصر مع التسليم بصحة منطلقاتها النظرية وثب على الواقع.
    معنى وثب على الواقع أي تقديم حل أونظام يرفضه الواقع لأنه لا يناسبه ولا يلبي احتياجاته، فلا يجوز لأحد أن يطبق في وقتنا احكام الشريعة الإسلامية لأن تطبيقها لا يصلح لزماننا.
    إذا تعاملنا مع القرآن تعاملا فنيا لا دينيا كان من الطبيعي أن نتوصل إلى نتيجة لا دينية مغايرة للنتيجة التي يتوصل إليها النظر الديني متمثلة في شعار "تطبيق أحكام الشريعة".
    ولو قلنا هذا لعلماني متأسلم هل تقول بأن تطبيق الشريعة لا يصلح لزماننا؟ فقد يقول: لا، بل يجب تطبيق أحكام الشريعة، ولكن ما هي أحكام الشريعة؟ ومن أين لكم بها؟
    ولو قبل العلماني بشعار:"تطبيق الشريعة" فهو لا يعني ما نعنيه نحن، بل يعني شيئا آخر مناقض لما أجمع المسلمون على تسميته بالشريعة الإسلامية.
    ولا أدري كيف جوز أبو زيد لنفسه أن يدعي بأنه مجتهد إسلامي نادر في نوعه والاجتهاد إنما هو استنباط الأحكام الشرعية العملية، أي التي يجب أن يعمل بها.
    ولكن اللافت للانتباه في هذا الكلام -من حيث أسلوبه في الخطاب- أنه يجعل نفسه محاميا عن أحكام الشريعة ويجعل: 17-المطالب بتطبيق الشريعة:
    " يتنكر دون أن يدري لمقاصد الوحي وأهداف الشريعة حين يفصل النص عن الواقع، وذلك بالمطالبة بتطبيق نص مطلق على واقع مطلق".
    وهذه الجملة الأخيرة تفسر قاعدة مهمة يقوم عليها الكتاب بشكل خاص والفكر العلماني بشكل عام، حيث يرى العلمانيون بأن تطبيق الشريعة على واقعنا يؤدي إلى فصل النص (القرآن) عن الواقع، وذلك -كما شرحه في صلب الكتاب- أن القرآن معبر عن الواقع الذي صنع نصوص القرآن في شكلها ومضمونها، فهو نسخة مكتوبة عن ذلك الواقع الذي كان يعيشه النبي ص، وتطبيق أحكامه على واقعنا يصير مثل تطبيق ذلك الواقع القديم على واقعنا الجديد، فيكون النص منفصلا عن الواقع الجديد وتطبيق أحكامه تمثل وثبا على الواقع.
    ولهذا يصر أبو زيد في هذا الكتاب على جعل القرآن نسخة مكتوبة عن الواقع الذي نزل فيه، حتى جعل القرآن حادثة تاريخية انتهت صلاحية تطبيقها عند انتهاء الزمن الذي وقعت فيه، وهذا لا يمنع عنده أن نعاود تناول هذه الواقعة التاريخية بطريقة جديدة (بالقراءة الجديدة)، طريقة تشبه تناولنا لأي حادثة فنية تاريخية أخرى، كالرسومات الموجودة على الآثار مثلا والتي وجدت لغرض ديني أو سياسي أو اجتماعي، ونحن في هذه الأيام لا نفهمها لتطبيق ما فيها من دين أو سياسة أو اقتصاد بل بل لكي نشعر بجمالياتها فحسب، أو كأواني الحجر والفخار مثلا، كان الناس قديما يستعملونها قبل للشرب والأكل و الطهي.. إلخ، بينما صارت اليوم بسبب التقدم الحضاري و تغير العادات والتقاليد توضع في المنازل للزينة، فاستخدام الإنسان لها تغير تبعا لتغير الثقافة والواقع، وهكذا النصوص الدينية ينبغي أن تتغير دلالاتها بتغير الثقافة والواقع.
    إذن، فهو لايفهم تطبيق الشريعة إلا على أنه "فصل للنص عن الواقع" و"وثب على الواقع"، لماذا؟ لأن السبب عنده يرجع إلى طبيعة القرآن كنص لغوي معبر عن واقع بعينه، غير معبر عن أي واقع آخر إلا إذا أعيدت قراءته بتغيير دلالاته القديمة التي تشكل منها إلى دلالات مغايرة تتناسب والواقع الجديد، فهو بهذه (القراءة) يصير معبرا عن الواقع الجديد ودالا عليه لا على غيره، وهذا ما يعنيه أبو زيد بــ"مصداقية النص"، والنص عنده لا يكتسب مصداقيته إلا من حيث تعبيره عن الثقافة التي حل فيها.

    -----------
    17- إن بلورة مفهوم للنص قد يزيل بعض جوانب هذا التعتيم.
    17- لا يمكننا أن نقلد القدماء، فقد عاش الدماء عصرهم، واجتهدوا،وأسسوا علوما...وصاغوا فكرا، ومجمل هذا كله هو «التراث» الذي ورثناه عنهم.
    ماذا يقصد أبو زيد بقوله «التراث»؟
    لقد شرح هذه الكلمة من خلال اقتباس من حسن حنفي في قوله:
    ”التراث إذن هو مجموعة التفاسير التي يعطيها كل جيل بناء على متطلباته... ليس التراث مجموعة من العقائد النظرية الثابتة والحقائق الدائمة التي لا تتغير، بل هو مجموع تحققات هذه النظريات في ظرف معين، وفي موقف تاريخي محدد، وعند جماعة خاصة تضع رؤيتها وتكون تصوراتها للعالم“ ص19
    يقصد بالتراث التراث الديني، لأنه قال بأنه عقائد غير ثابتة وحقائق غير دائمة، والحقائق والعقائد هي الدين.
    فليس هناك عقائد ثابتة دائمة الصحة لا تقبل البطلان بوجه، بل هناك مجموعة من التصورات البشرية تشكلت بسبب ظروف معينة، وكما أن القدماء صاغوا فكرا دينيا (الدين مادته) بناء على متطلبات عصرهم، فلنا -من وجهة نظر العلمانيين- أن نصوغ فكرا دينيا (يكون الدين مادته) مختلف بناء على متطلبات عصرنا!

    -----------
    21- إن دراسة النص من حيث كونه نصا لغويا، أي من حيث بناؤه وتركيبه ودلالته وعلاقته بالنصوص الأخرى في ثقافة معينة، دراسة لا انتماء لها إلا لمجال الدراسات الأدبية في الوعي المعاصر،... قد يقال إن النص القرآني نص خاص، وخصوصيته نابعة من قداسته وألوهية مصدره. لكنه رغم ذلك يظل نصا لغويا ينتمي لثقافة خاصة، وهو ما نأمل أن تكشف عنه هذه الدراسة لمفهوم النص.
    النص -والقرآن نص- لا يمكن دراسته دراسة دينية، بل يجب دراسته دراسة أدبية في شكله ومضمونه، كما ندرس المعلقات أوالروايات والمسرحيات أو أي فن آخر من الفنون الأدبية دراسة ذوقية جمالية.
    وما الضرر في اعتبار اقرآن نصا أدبيا فنيا؟ يؤدي ذلك إلى أن لايوجد له دلالات نهائية وثابتة يمكن الوثوق بأنها هي المرادة من هذا الخطاب الإلهي دون غيرها، فتتحول دلالات القرآن ومعانيه كلها إلى نصوص تاريخية ادبية قابلة للتغيير والترك بتعدد القراءات و الأفهام، وتستحق كل قراءة من هذه القراءات الترك والتغييروالإضراب عنها، لأن فهم النصوص الأدبية فهم نسبي قابل للاختلاف والتعدد، ولو اعتبرناه نصا أدبيا فيجب أن نعامله كما نتعامل مع النصوص الأدبية الأخرى.
    ومن التطبيقات العملية على هذا الكلام أن أبو زيد زعم في هذا الكتاب بأن القرآن مثل الشعر وسجع الكهان، ولا فرق بينهما إلا في الإعجاز الذي يعني به أن القرآن -بالنسبة للمسلمين- من الله الخالق إلى الإنسان المخلوق، أما الشعر فهو غير معجز لأنه من الجن المخلوق إلى الإنسان المخلوق. وهذا التحريف لمصطلحات الدين يسميه العلمانيون بـ"زحزحة المفاهيم".
    ولما كانت هذه النظرة إلى القرآن توصل إلى هذه النتيجة كان من الطبيعي أن يقترن الكلام بالحديث عن "قداسة" القرآن من حيث أنه لا يجوز اعتبارها ولا الاهتمام بها، أصلا إذا صار معنى الإعجاز كما ابتدعه أبو زيد فمن الطبيعي أن لايعود لإعجاز القرآن قداسة أو احترام.
    ولو كان الشيء يصير معجزة لأنه من الله فكل شيء من الله يصير معجزة كالقرآن!
    ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.


    لا تناظر جاهلا أسلمك الدهرُ إليه*****إنما تُهدي له علمًا يُعاديكَ عليه

  3. أرى أن الرجل أقل من أن يتحدث عنه أحد!!
    ولكن لا بأس فقد اختلفت فبه الآراء ولكنكم قمتم مشكورين بإلقاء الضوء على ماكان خافيا على مثلى من حال هذا المرتد..

    ”تتحدث كثير من آيات القرآن عن الله بوصفه ملكا له عرش وكرسي وجنود، وتتحدث عن القلم واللوح،...وكلها تساهم إذا فهمت فهما حرفيا في تشكيل صورة أسطورية عن عالم ما وراء عالمنا المادي الماهد المحسوس،... ولعل المعاصرين لمرحلة تكون النصوص -تنزيلها- كانوا يفهمون هذه النصوص فهما حرفيا“ نقد الخطاب، 210
    لقد قرأ الرجل كثيرا من علوم الدين ولكن لم ينتفع بشئ من ذلك فهو ينطبق عليه قول الله تعالى :

    "ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ( 176 ) الأعراف
    صدقت يا إلهى..




  4. ---
    22- وإذا كان مفهوم النص مفهوما محوريا في علوم القرآن فهو بالمثل مفهوم محوري في الدراسات الأدبية.
    هنا يقدم المؤلف مقدمة مشتملة على مغالطة.
    والمقدمة تتكون من جزئين:
    الأول: أن القرآن نص.
    والثاني: كل نص يجب أن يدرس دراسة أدبية.
    والنتيجة: بما أن القرآن نص وكل نص يجب أن يدرس دراسة أدبية فالقرآن يجب أدن يدرس دراسة أدبية.
    المغالطة التي تسببت في خطأ النتيجة هي المقدمة الثانية، لأنه ليس كل نص يجب أن يدرس دراسة أدبية، فنجن قد ندرس نص السياسيين دراسة سياسية، والنصوص التاريخية ندرسها دراسة تاريخية، بمعنى أن كل نص يجب أن يدرس بناء على الإرادة التي نشأ عنها هذا النص، وإلا كان ضربا من الكذب على النص نفسه وعلى صاحبه.
    والنص في حقيقته ليس إلا إرادة مكتوبة أو محكية، فإرادة الله مكتوبة في نص القرآن، محكية أيضا على لسان رسوله، ولا أظن أمثال أبو زيد ولا غيره ينكرون أن القرآن دين، وإذا كان القرآن دينا فلم لا ندرسه دراسة دينية؟
    ومن الواضح أن اعتبار القرآن نصا أدبيا يلغي كونه معجزة، ولهذا فالمؤلف اعتبر إعجاز القرآن لاغيا.
    و فيه إلغاء الإلزامية في اتباع القرآن، تماما كما فعل المسيحيون الأوروبيون بدينهم.
    ولكن المؤلف استخدم هذه الحيلة ليمزج بين النقيضين على أنهما شيء واحد، ليكون القرآن و الشعر والرقص والطرب شيء واحد.

    -----------

    23- أليس مما له دلالته في هذا الصدد أن تكون القدس وبها المسجد الأقصى أولى القبلتين وثاني الحرمين الشريفين تحت سيطرة الصهاينة ويبارك علماؤنا الصلح مع العدو مباركة علنية أو مباركة صامتتة؟
    24- إن من حقنا والحال كذلك أن نتسائل بجدية وإخلاص وموضوعية: ما هو الإسلام؟
    يفصل الخطاب العلماني بين الإسلام الحقيقي الذي نص القرآن فحسب و بين الإسلام القائم في نفوس المسلمين والذي يعنيه التاريخ عندما يقول هذا هو الإسلام، فالإسلام الحقيقي هو الذي لم يعمل به البشر قط وهو نص القرآن فحسب، ولا يمكن التوصل إلى دلالاته أبدا، أما الإسلام المزور فهو الذي عمل به المسلمون منذ نشأتهم وإلى اليوم.
    ويرى أبو زيد بأن الادعاء بمعرفة مراد الله من خطابه (وهو القرآن الكريم) يؤدي إلى كارثة خطيرة، وهي «التحدث باسم الإله» وأن يصيرالقرآن عقيدة. [انظر مثلا نقد الخطاب، ص30، 54-55 النص والسلطة 69-70، 92.
    ولكن المؤلف هنا لم يفصل بينهما، لأن معنى كلامه كالتالي: (إذا كان العلماء المسلمون يتحالفون مع الأعداء فمن الصواب أن نبحث عن معنى جديد للإسلام.)
    فالبحث عن معنى جديد للإسلام لم يحصل عنده إلا بعد اكتشاف أن علماء الإسلام متعاونون مع الأعداء.
    وبهذا يكون المؤلف قد كرس كل معاني الإسلام في هذه الطائفة ممن يصفهم بالعلماء، ثم أوجد مبررَ (التحالف مع العدو) يتستر به ليطرح علامة استفهام على الإسلام نفسه، إذا فالمشكلة في الأصل ليست مع الإسلاميين بل مشكلته الأصلية في طبيعة الإسلام ومعناه.
    ولو فرضنا أنه لا يقصد التشكيك في وجود الإسلام نفسه بل التشكيك في الإسلام الخاص بأولئك العلماء، فلماذا يسأل عن ماهية الإسلام عندما يتكلم عن علماء السوء وهم لا يمثلون الإسلام عنده؟ هل صاروا الآن بسبب سوئهم ممثلين للإسلام فاستحق الإسلام المتمثل فيهم أن يُستفهم عنه؟ لماذا عندما يتكلم عن عيوب العلماء يجعلهم معبرين عن الإسلام، في الوقت الذي يرفض أشد الرفض أن يكون علماء المسلمين معبرين عن الإسلام الحقيقي!
    وإذا فرضنا أنه لا يقصد الاستفهام عن حقيقة الإسلام بل الاستفهام عن حقيقة إسلام أولئك العلماء، فهذا يعني التشكيك في إسلام هؤلاء العلماء! ولكن ألا يتعارض هذا الحس التكفيري مع رفضه الشديد للتكفير الذي حاربه في كتابه نقد الخاطاب حتى كفر التكفيريين؟؟
    ولكن إذا قلنا بأنه يتعارض مع رفضه لهذا التكفير، ألا تجدنا قد رجعنا إلى أنه لا يطعن في إسلام هؤلاء العلماء بل يطعن في الإسلام الآخر؟
    وهو لا يذكر كلمة "العلماء" إلا في سياق السخرية والاستهزاء بهم، ولكن عندما يتحدث عن أمر قد يشعر بإظهار فضيلة لهم فإنه يضرب عن تسميتهم بالعلماء ويسميهم بالمشعوذين أو الرجعيين أو المتخلفين على عادة أسلافه ماركس ولينين.
    أما أولئك العلماء الذين باركوا الصلح مع اليهود فبالنسبة لي أنا لا أثق بصدقه فيها، لأنه لا يوجد في علماء المسلمين المعتبرين أناس باركوا الصلح مع اليهود، وحتى لو صدق فلن تصل نسبتهم في علماء المسلمين واحدا مقابل مليون ولا عشر معشار ذلك، ولكن تهوره وشدة حقده على علماء المسلمين جعلاه يفتري عليهم بهذا التعميم الماكر.
    ثم لو كان هناك من العلماء من بارك الصلح مع اليهود سرا لعرف واشتهر، أما لو باركه سرا فكيف لأبي زيد وحده أن يطلع على ذلك السر المكتوم؟ أهو سر أم كذبة على علماء المسلمين؟
    ولي سؤال آخر: منذ متى يا أبو زيد وأنت تغار على المسجد الأقصى وقداسته وهما من التراث الذي يحلو لك ولأمثالك أن ينعتوه بالتراث التخلفي الرجعي؟ هل صارت القدس الآن مقدسة بالنسبة لك حتى تظهر الغيرة عليها؟ إذن فلماذا تنكر أن يكون في الوجود شيء مقدس؟ أتحرم القداسة عاما وتحلها عاما؟
    في محاضرة له على موقع اليوتيوب بعنوان: «في انتظار أبو زيد»، يقول فيها: "مفيش قداسة توجد في الشيء"اهـ، و قال: "مفيش حقيقة مطلقة"اهـ، و قال: "أنا أريد أن أهدم مفهوم الحقيقة" اهـ، و قال: "القداسة ليست صفة قارة في الشيء..ما الذي جعل المقد يصير مقدسا؟ الناس"اهـ.
    ثم لماذا تغضب من هؤلاء العلماء وأنت أصلا تدافع عن أوروبا فكرا ومعتقدا، وهي التي مكنت للصهيونية من احتلال الأقصى ولا زالوا يدافعون عنها؟ فلماذا تقدس علمانية الفكر الأوروبي الذي يشرعن -انطلاقا من علمانيته- اغتصاب القدس ثم تتباكى عليها؟
    فإما أن تنتقد علمانية الأوروبيين كما تنتقد هؤلاء الذين تنعتهم بالعلماء، أو أن تسكت عنهم كسكوتك عن الجريمة الأوروربية.
    وللدكتور المصري أحمد فؤاد أنور رسالة دكتوراه بعنوان: "الخلافات بين المتدينين والعلمانيين في إسرائيل" يرى فيه أن إسرائيل دولة علمانية من الطراز الأول.

    ثم رجع إلى طرح علامة استفهام على الإسلام، ولكن هذه المرة أكثر وضوحا وأكثر شمولية، حيث قال:
    26- إن إعادة طرح السؤال: «ما هو الإسلام» بمثابة السؤال عن هوتنا الحضارية في التاريخ.
    إذن فعلامة الاستفهام التي يطرحها أبو زيد على الإسلام ليس إسلام أولئك الصنف من العلماء ولا من غيرهم، بل علامة الاستفهام مطروحة على الإسلام من بدايته إلى نهايته.
    السؤال: ما هو الإسلام؟
    الإجابة: هناك وهم زائف يفصل بين العروبة و الإسلام على أساس العرق،
    ”فعلى هؤلاء إن استطاعوا أن ينكروا عروبة النصوص الدينية، وعليهم إن استطاعوا أن يتجاهلوا الحقائق التاريخية لعروبة حامل الرسالة ومتلقيها الأول... فإذا نظرنا إلى مفهوم الإسلام من منظور الثقافة تبدد ذلك الوهم الزائف الذي يفصل بين العروبة والإسلام“ما بين علامتي التنصيص من ألفاظ المؤلف، ص25-26.
    ولكن، ما علاقة العروبة بمفهوم الإسلام؟ لماذا عند شرحه لماهية الإسلام وطبيعته يتحدث عن الثقافة العربية؟ لأنه يرى بأن الإسلام نفسه منذ المتلقي الأول لنص القرآن -وهو النبي ص- وحتى اليوم إنما هو إنتاج بشري لا وحي إلهي، أنتجته الثقافة العربية وسمته إسلاما.
    أضرب للشرح بمثال تطبيقي من الكتاب: في ذلك الواقع الذي شكل نصوص القرآن كان النمط الثقافي لدى العرب يقتضي بأن تكون المرأة تابعة للرجل، وعندما أنتجت تلك الثقافة العربية نصوص القرآن فقد عبرت به عن نفسها وعن تصوراتها ومبادئها، بدليل أن خطاب القرآن عندما جاء بكلمة «رجال» فهو لا يعني دائما الذكور، بل قد يشير إلى الذكور والإناث معا على التغليب، لأن الثقافة العربية التي أنتج نص القرآن ثقافة رجولية، أي ثقافة تتبع فيها المرأة الرجل وتكون جزءا منه غير مستقل بذاته.
    فأحكام الإسلام المستمدة من القرآن أصلها مستمد من الثقافة العربية. وبهذا الفهم لكلام المؤلف يتضح سبب ذكره لـ (العروبة) و(عروبة النصوص الدينية)، ويتضح قصده منهما، فالعروية هنا تعني الثقافة العربية، وهذا إلغاء لإلهية النصوص حيث جعلها معبرة عن بشرية لا عن مراد الله. وسوف نرى هذا جليا فيما بعد.

    -----------
    وفيما بقي من مقدمة الكاتب يتحدث فيه المؤلف عن موضوعين:
    الأول: أن القرآن صنعة بشرية، صنعته الثقافة العربية وأنتجته على ما هو عليه شكلا ومضمونا، و ان هذه القضية قضية بديهية.
    الثاني: طريقة معالجته للموضوع.
    أما بالنسبة للموضوع الأول، فقد قال:
    27- إن النص في حقيقته وجوهره منتج ثقافي.
    يعني الثقافة العربية هي التي "أنتجت" نصوص القرآن، بحيث يكون إنتاج الواقع البشري لنصوص القرآن يناقض وجودها قبل ذلك، لأن:
    27- الإيمان بوجودٍ ميتافيزيقيٍ سابقٍ للنص يعود لكي يطمس هذه الحقيقة البديهية. [القائلة بأن النص منتج ثقافي للثقافة العربية]
    فمعنى إنتاج الثقافة والواقع لنص القرآن عكس وجوده قبلهما، وعكس وجوده قبلهما يعني أنه وجد بعدهما، فتكون الثقافة والواقع هما السبب الذي أدى إلى وجود نصوص القرآن، فيصير معنى إنتاج الواقع للنص يساوي إيجاده لنص القرآن، فالثقافة والواقع هما اللذان أوجدا نص القرآن، ولذلك أكمل النص السابق قائلا: ”وجوده العيني في الواقع والثقافة“ ص27
    ثم قال ص29 شارحا معنى التشكل بأنه «وجود» النص: ”وحين نقول «تشكلت» فإننا نقصد «وجودها» المتعين في الواقع والثقافة...“
    فتشكل النص يعني وجوده، بمعني أن تشكيل الثقافة والواقع للنص يعني إيجادهما له إيجادا عينيا يتنافى مع أن يكون له وجود سابق على الواقع الذي أوجده.
    وابما أن الإنتاج والصناعة بمعى واحد فالمؤلف لا يتحاشى عن أن يقول بأن الواقع البشري والثقافة البشرية هما اللتان صنعا نص القرآن، صنعاه صناعة، حيث يقول في صلب الكتاب: ” إن دلالة النصوص ليست إلا محصلة لعملية التفاعل في عملية تشكيل النصوص وصنعها من جانبي اللغة والواقع“ ص122
    فالقرآن مصنوع من قبل الثقافة العربية.
    والواقع -بما فيه المكان والزمان- صنع نصوص القرآن شكلا ومضمونا، فالمرحلتان المكية والمدنية وهما جزء من الواقع والثقافة: ”ساهمتا في تشكيل النص سواء على مستوى المضمون أو على مستوى التركيب والبناء“ ص85.
    وبما أن:
    27- الثقافة تتجسد في اللغة.
    والقرآن نص لغوي، فالقرآن تجسيد للثقافة العربية[ص28] التي عاش فيها النبي ص، أي إننا:
    27- لا يمكن أن نتحدث عن لغة مفارقة للثقافة و الواقع.
    فإذا كان القرآن تجسيدا للثقافة العربية التي عبر عنها، فمن الطبيعي ألا يمكن الفصل بين دلالات القرآن وبين تلك الثقافة، فلو جئنا وطبقنا ما فهمه الجيل الأول، جيل النبي ص وأصحابه من دلالات القرآن على واقع مختلف فإن ذلك يفقد النص القرآني كونه نصا، أي يفقده كونه دالا على الثقافة التي شكلت نصوص القرآن،
    و بالتالي:
    27- لا يمكن أن نتحدث عن نص مفارق للثقافة والواقع أيضا مادام أنه نص داخل إطار النظام اللغوي للثقافة.
    والواقع هو: ” مفهوم واسع يشمل الأبنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ويشمل المتلقي الأول للنص ومبلغه، كما يشمل المخاطبين بالنص“ ص30
    فإذا كان البشر المخاطبون جزءا من الواقع والثقافة: ”فإن لكليهما دورا في تشكيل هذه النصوص“ ص29.
    فهذا يعني أن للبشر دورا في تشكيل نصوص القرآن، ولذك لا يتحاشى هذا (العلماني) عن أن يدعي بأن القرآن صنعة بشرية في قوله:
    ”وإذا كنا هنا نتبنى القول ببشرية النصوص الدينية فإن هذا التبيني لا يقوم على أساس نفعي أيديولوجي...وإذا كانت النصوص الدينية نصوصا بشرية بحكم انتمائها للغة ولثقافة في فترة تاريخية محددة -هي فترة تشكلها وإنتاجها- فهي بالضرورة نصوص تاريخية، بمعنى أن دلالتها لا تنفك عن النظام اللغوي الثقافي الذي تعد جزءا منه“ ن خ د، ص209
    وبما أن النصوص الدينية ومنها القرآن نصوص بشرية:
    ”فإننا نجعل المتلقي -الإنسان- [أي متلقى نص القرآن] بكل ما يحيط به من واقع اجتماعي تاريخي هو نقطة البدء والمعاد“ ن خ د، ص200
    أي نقطة بدء نص القرآن
    وما سبق يشرح قوله:
    27- إن ألوهية مصدر النص لا تنفي واقعية محتواه، ولاتنفي من ثم انتماءه إلى ثقافة البشر.
    27- بهذا المعنى يكون البدء في دراسة النص بالثقافة والواقع بمثابة بدء بالحقائق الإمبريقية.
    -----------

    وللنص عنده مرحلتان يمر فيهما:
    الأولى:
    28- مرحلة التكون والاكتمال...[أي] استمداده من الثقافة وتعبيره عنها... فالنص في مرحلته الأولى -في تعبيره عن الثقافة-... كانت له فعاليته في تجسيد الثقافة والواقع.
    بمعنى أنه مكون من مواد الثقافة البشرية، ولذلك فهو إذا دل فلا يدل على شيء إلا على تلك الثقافة وعلى ذلك الواقع وما شاع فيه من تصورات وأفكار، فإذا حاولنا تطبيق تلك الدلات والأحكام المستنبطة منه -كما دل عليها في ذلك الواقع وتلك الثقافة الذي تكون فيها- على واقع جديد مختلف و ثقافة جديدة مختلفة نكون قد تسببنا بإلغاء: ”جذوره الدلالية الناتجة عن علاقته بالواقع“ ص99]
    بمعنى أنه: ”لا يصح إخضاع الواقع [الجديد] لأحكام و تشريعات جامدة [قديمة] لا تتغير و لا تتطور“ [ص13].
    فإن: ”ربط دلالة النص بالأفق العقلي والإطار الثقافي لعصر الجيل الاول من المسلمين... وفصر دور المفسر الحديث على الرواية عن القدماء، يؤدي إلى نتيجة أخطر من ذلك في حياة المجتمع، فإما ان يتمسك الناس بحرفية هذه التفاسير... وإما أن يتحول العلم إلى دين، ويتحول الدين من ثم إلى خرافات وخزعبلات وبقية من بقايا الماضي“ [ص251]
    من المرفوض عنده أن يتحو العلم إلى دين، والعلم إذا صار دينا صار خزعبلات وأساطير.
    واعتبار الدلالة الأولى التي فهمها الجيل الأول بمن فيهم المتلقي الأول للنص، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، أنها هي وتطبيق الدلالات الثقافية والواقعية للنص على ثقافة أخرى وواقع زماني ومكاني آخر ، يؤدي إلى نتيجة خطيرة، وهي: ”افتراض إمكانية صلاحية حلول الماضي للتطبيق على الحاضر“ ن خ د، ص55.
    وإذا كان للنص رسالة إعلامية يعلم بها عن نمط ثقافي ما، وكان للنص وظيفة في الثقافة وهي وظيفة إعلامية، فإن وظيفة النص القرآني هي أن يكون رسالة إعلامية: ”لا تنفصل عن مجال الثقافة والواقع“ ص28.

    *ولكن ماذا يحدث لو تغير الواقع الثقافي نفسه؟
    ”فالتغير صفة ثابتتة في الواقع لازمة له من حيث هو حركة مستمرة سيالة دافعة“ ص
    وبسبب ذلك التغير: ”لا يصح إخضاع الواقع لأحكام و تشريعات جامدة لا تتحرك ولا تتطور“ ص135
    الجواب: في هذه الحالة ينتقل النص إلى المرحلة الثانية، بحيث يصير النص فيها مشكلا للثقافة و منتجا لها.
    ”إن الفارق بين المرحلتين هو الفارق بين استمداده من الثقافة وتعبيره عنها، و بين إمداده للثقافة و تغييره لها“ ص28
    *و لكن كيف يصير النص منتجا للثقافة مع أنه لا يدل إلا على الثقافة التي أنتجته؟
    الجواب: عندما يصير جزءا من الواقع الجديد.
    كيف؟
    ”وذلك بإعادة قراءته و تأويله“ ص28
    فلا بد للنص أولا من أن يصير جزءا من الواقع الجديد، وهذا ما يعنيه «بمصداقية النص» ص31،
    30- فمصداقية النص تنبع من تقبل الثقافة للنص و احتفائها به.
    31- فما ترفضه الثقافة وتنفيه لا يقع في دائرة النصوص، وما تتلقاه الثقافة بوصفه نصا دالا فهو كذلك.

    فإذا صار جزءا من الواقع الجديد فلا بد من أن يدل عليه لا على الواقع القديم، و دلالته على الجديد تحصل بإعادة قراءته و تبديل دلالاته و تشكيلها من جديد بحيث تكون مرهونة بالزمان و المكان التي تشكلت هذه الدلالة الجديدة فيهما، و هذا ما يعنيه «بموضوعية النص» وهو مصطلح ثان مغاير لمصطلح المصداقية، فــ ”لا يصح إخضاع الواقع [الجديد] لأحكام و تشريعات جامدة [قديمة] لا تتغير و لا تتطور“، فلن يكون النص موضوعيا إلا إذا دل على الثقافة التي صار محورا لها لا أن يدل على ثقافة مطلقة من حدود الزمان و المكان، فلا وجود في النص لدلالات ثابتة صالحة لكل زمان و مكان، ”فإن دلالة النص لا تقف عند حدود زمان ومكان“ ص222 ، ولا يجوز ربط دلالات النص بالإطار الثقافي لعصر الجيل الأول، فـ”إن الموضوعية التي يمكن تحقيقها في تأويل النصوص هي الموضوعية الثقافية المرهونة بالزمان و المكان، لا الموضوعية المطلقة التي ثبت أنها وهم“ ص271.
    28- إن القول بأن النص منتج ثقافي يكون في هذه الحالة قضية بديهية لا تحتاج لإثبات.
    ولذلك:
    28-تعتمد هذه الدراسة بصفة أساسية المدخل اللغوي.
    *إذا: فما المقصود بكون القرآن «منتجا ثقافيا»؟
    ”المقصود بذلك أنه تشكل في الواقع و الثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عاما“، و أنه ”استمداد من الثقافة و تعبير عنها“، و أنه ”تجسيد للثقافة و الواقع“،”و أن للثقافة و الواقع "دورا في تشكيل هذه النصوص“.

    ------------

    أما الموضوع الثاني الذي تناوله المؤلف وهو طريقة معالجته لمفهومي النص و الإسلام.
    بين المؤلف أن هذه الدراسة تدرس مفهوم النص من خلال أمرين:
    الأول : التصورات و المفاهيم الموروثة التي صاغتها الثقافة العربية عن القرآن.
    الثاني: المفاهيم التي يطرحها النص نفسه.
    و الفصل بين الأمرين تعسفي غير ممكن، لأنه إذا كنا نريد دراسة القرآن فلا بد أن نرى ما هي التصورات التي كانت شائعة عنه عند تشكله في الثقافة التي أنتجته و في الثقافة التي شكلها النص فيما بعد، فهذا ”لا يتعارض مع تحليل النص من خلال فهم الثقافة التي ينتمي إليها“ ، فلا بد عند دراسة النص أن ندرس معه التصورات التي تشكلت حوله من قبل أهل ثقافته حتى و إن كانت خاطئة من وجهة نظر العلم الطبيعي الصحيح المعتبر عند المؤلف، و المتمثل في النظرة المادية "الديالكتيكية" للتراث.
    إذن، ” منهج هذه الدراسة بمثابة ديالكتيك صاعد... يبدأ من الحسي و العيني صعودا“ أي صعودا إلى الأفكار و التصورات، ”يبدأ من الحقائق و البديهيات ليصل إلى المجهول ويكشف عما هو خفي“.
    فلو كان الباحث عن طبيعة القرآن لا يؤمن بألوهية مصدر القرآن فإن هذا لا يمنع من أن يدرس القرآن ضمن ما ”صاغته الثقافة عنه“ من ألوهية مصدره، فيكون مصدره إلهيا لا عنده بل عند الثقافة التي التي يدرسها، فيدرس القرآن على فرض أنه من الله لا على أنها هي الحقيقة المطلقة عن النص.

    ”من هنا يكون البحث عن حقيقة التراث بحثا عن حقائق في ثقافتنا ، لا بحثا عن حقائق مطلقة“ ، أي لا يكون بحثا عن حقيقة معترف بها عنده بل بحثا عن حقائق داخل الثقافة معترف بها عند أهلها فحسب، فما كان عندهم حقا فهذا لا يعني أنه حق في نفس الأمر، لأن ”ما تدركه ثقافة ما بوصفه حقيقة مطلقة هو كذلك [أي هو حقيقة مطلقة و لكن] بالنسبة لهذه الثقافة“، فــ”ألوهية مصدر النص لا تنفي واقعية محتواه ولا تنفي من ثم انتماءه إلى ثقافة البشر“ فالحقيقة القائلة بألوهية مصدر القرآن إنما هي حقيقة عند أهلها فحسب وهي ليست حقيقة عند المؤلف، وهذه الحقيقة (عدم وجود مصدر إلهي للنص) تعني بالضرورة أن الواقع الذي أنتج القرآن هو «الواقع البشري» لا غير، ولذلك فإننا ”نتبنى القول ببشرية النصوص الدينية...و إذا كانت النصوص الدينية نصوصا بشرية بحكم انتمائها للغة و الثقافة في فترة تاريخية محددة-وهي فترة تشكلها و إنتاجها- فهي بالضرورة نصوص تاريخية، بمعنى أن دلالتها لا تنفك عن النظام اللغوي الثقافي الذي تعد جزءا منه“.

    انتهى إلى هنا تلخيص المقدمة، وسوف يأتي تلخيص صلب الكتاب باستثناء الباب الأخير منه، وهو الذي تناول فيه المؤلف كتاب جواهر القرآن على أنه نموذج لفهم علماء المسلمين لطبيعة القرآن وطريقة فهمه.




    لا تناظر جاهلا أسلمك الدهرُ إليه*****إنما تُهدي له علمًا يُعاديكَ عليه

  5. وفيما يلي تلخيص لصلب الكتاب مشتملا على المقدمة أيضا، وقد جعلت التلخيص في الأعلى والتعليق عليه في الأسفل.


    مفهوم «النص» = مفهوم «الإسلام» 1
    تكفل المؤلف في المقدمة التي تبلغ 31 صفحة ببيان هذين المفهومين، وخصص باقي أبواب الكتاب ذي 350 صفحة للبرهنة على صحة ماذهب إليه من تعريف بهما.
    وهذا ملخص نظره فيهما:
    إن نص القرآن في حقيقته و جوهره «منتَج ثقافي»2 ، أي إن الواقع الثقافي هو الذي «شكل»3 نص القرآن و«صنعه»4 شكلا ومضمونا، فالثقافة التي شكلت النص و أنتجته «فاعل» للنص و النص «منفعل» بها 5 لأنه تشكل في الثقافة و «تشكل بها»6 حيث كانت مادتَه، إذ لم يكن للنص وجود سابق على الواقع الذي شكّله، لا في ذات الله (المتكلم به)، و لا في اللوح المحفوظ7 ، بل الزعم بوجودٍ «ميتافيزيقيٍ» سابقٍ للنص يعتبر «أسطورة» 8 و طمسا للحقيقة9 القائلة بأن الواقع هو الذي أنتجه، والزعم بوجوده قبل إنتاج الواقع له يمثل وثبا على الواقع، فقد كان نص القرآن مثل النصوص الأخرى (كسجع الكهان و الشعر..إلخ) نابعا من معطيات الواقع الثقافي و تصوراته و مفاهيمه الشائعة آنئذ10 ،
    __________
    1 - أشار المؤلف في المقدمة بأن هدف هذا الكتاب هو تحقيق مفهومي: النص و الإسلام، حيث قال ص 12: "إن البحث عن مفهوم النص ليس في حقيقته إلا بحثا عهن ماهية القرآن بوصفه نصا لغويا"اهـ ، و في صفحة 22 حيث قال:"الهدف الثاني لهذه الرسالة يتمثل في تحديد مفهوم موضوعي للإسلام"اهـ. و في ص 30، حيث قال"إن دراستنا لمفهوم النص سعي لتحديد ماهية الإسلام"اهــ ،لعدم انفصالهما عن بعض. ومن الجميل أن نراه يقر بهذه الحقيقة مع إنكاره لها في آن واحد! و يتمثل إنكاره لها في زعمه بأن الإسلام شيء آخر لا علاقة له بالنص صنعه أناس بناء على أهوائهم و معتقدات أزمانهم.
    و كذلك أشار المؤلف في المقدمة إلى أنه يقصد بكلمة النص «القرآن» حيث قال: "لقد صار القرآن هو النص بألأف و لام العهد"ص31.
    2 - ص27
    3 - ص 27، 29
    4 - ص 122، حيث قال: " إن دلالة النصوص ليست إلا محصلة لعملية التفاعل في عملية تشكيل النصوص وصنعها من جانبي اللغة والواقع"اهـ
    5 - ص 200
    6 - 31 . و اللغة – التي تشكل النص منها – كذلك منتج ثقافي،27.
    7- ص 27،29،76،96،115،131،148،171، و ادعى أن تصور وجود القرآن في اللوح المحفوظ "تصور أسطوري" في صفحة 152، فإذا كان القرآن نفسه يقول بأن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ: (بل هو قرآن مجيد* في لوح محفوظ) [البروج] عرفنا أن مشكلة أبو زيد ليست فيما يسميه "تصورات المسلمين عن النص" بل مشكلته مع الحقائق التي يطرحها النص عن نفسه، و بما أنه يعتبر القرآن نصا أدبيا فمن الطبيعي أن بنتقد هذه الحقائق و ينعتها بالتصور الأسطوري، ليس في هذا الكتاب فحسب، بل في جميع كتبه لا يخلو منه كتاب.
    8- ص 152حيث قال:"و الذي لا شك فيه أن فهم قضية النسخ عند القدماء لا يؤدي فقط إلى معارضة تصورهم الأسطوري للوجود الخطي الأزلي للنص.."اهــ
    مع أن علماءنا لم يقل أحد منهم بأن ما في اللوح أزلي، بل نصول على أن اللوح وما فيه حادثان، انظر ص 25.
    9 - ص27.
    10 - ص 27 في قوله:"و على ذلك لا يمكن أن نتحدث عن لغة مفارقة للثقافة و الواقع، و لا يمكن من ثم أن نتحدث عن نص مفارق للثقافة و الواقع" اهـ.
    و في ص 158:" النص في مفهومه الأساسي من حيث كونها وحيا انطلق من حدود مفاهيم الواقع" اهـ.
    و كذلك ص 135 في قوله :" انطلق من حدود مفاهيم الواقع". اهـ يقصد الواقع الذي كان يعتبر الكهانة و الشعر اتصالا بعالم آخر.
    و كذلك يرى أن القرآن «مماثل» للنصوص الأخرى - كسجع الكهان و الشعر..إلخ- في الثقافة التي شكلت القرآن و تلك النصوص، فقال :" الفصل بين القرآن و غيره من النصوص... أدى في النهاية إلى تحويل النص إلى شيء له قداسته"163، و انتقد الإمام الباقلاني لأنه :" ينكر التماثل بين القرآن و الشعر" 161، و قال :" و إذا كان مفهوم الوحي ذاته ارتبط بمفهوم الاتصال بين ظاهرتي الشعر و الكهانة فقد كان من الطبيعي أن تترابط النصوص الناتجة عن (الاتصال/الوحي) في ذهن الجماعة" أي جماعة المشركين، ص 157، ثم استنتج مما سبق أن :"علاقة القرآن بالشعر =


    لا تناظر جاهلا أسلمك الدهرُ إليه*****إنما تُهدي له علمًا يُعاديكَ عليه



  6. فهو بتجسيده للثقافة و الواقع11 ، وهو باستمداده12 من الثقافة و تعبيره عنها12 و استجابته لمعطياتها و طرحه لتصوراتها و دلالته14 عليها لا على غيرها من الثقافات يؤكد أنه منتج ثقافي 15 للثقافة والواقع الذي كان مكونا من نمطين متناقضين، النمط القديم السائد، وهو نمط الجاهلية، و النمط الجديد، وهو نمط الأحناف الذي نشأ في مكة كنتيجة طبيعية " لنزوعٍ ما لاتجاهٍ جديد في رؤية العالم و ضرورة تغييره" 16، و كان الاختيار الجديد –"النقيض للاتجاه السائد في المجتمع" 17 وهو اختياردين إبراهيم اختيارا طبيعيا ضروريا (حتميا) 18 – " بمثابة البحث عن أيديولوجيا للتغيير" 19، و ثورةً على القديم انتصارا للجديد، فرضه الواقع الاقتصادي "النابع من ضيق الموارد الاقتصادية التي تعتمد على المطر و العشب من جهة و على التجارة من جهة أخرى، وقد أوشكت حياة الصراع و التناحر و الحروب بين القبائل – و كلها حروب و صراعات ذات جذور اقتصادية– أن تؤدي إلى القضاء على الحياة ذاتها، وزاد من هذه الأزمة "أن الجزيرة العربية كانت محاصرة بالقوى الأجنبية من كل جانب" 20 " وسط هذه المخاطر كان ثمة إحساس بضرورة التوحد" التوحد بين القبائل معا ضد العدو الخارجي، لضمان
    __________
    =تقوم في جانب منها على «التماثل»، و تقوم في جانب آخر على المخالفة" 158، و لكن المخالفة عنده ليست في الأسلوب و لا في النظم بل فقط مخالفة شكلية صورية منحصرة في العلاقة بين الملقي و المتلقي من حيث أن القرآن جاء من (اللــه) عن طريق (الاتصال/الوحي) و الشعر و سجع الكهان جاء من (الجــن) بنفس الطريق، و لا شك أن تصور "أبو زيد" هذا عن علاقة القرآن بالشعر و سجع الكهان إنكار لإعجاز القرآن الذي فارق به القرآن غيره من نصوص الثقافة الجاهية. و هذا ما سنتناوله بالتفصيل لاحقا.
    و للأمانة العلمية يجب أن نذكر أن المؤلف يرى أن هناك فارقا آخر بين القرآن و (سجع الكهان و الشعر)، وهو أن القرآن قادر على تحديد مفاهيمه الخاصة و قابل للقراءات المختلفة و التأويلات المتزايلة في حين أن النصوص الأخرى ليست كذلك، ص 158 وص212.
    11 - ص27، 28، وفي ص92 في قوله :" إن حرص القدما على الفصل بين النص (القرآن) و النصوص الأخرى في الثقافة وصل إلى حد تأكيد القطيعة الكاملة يبن النص و الواقع" اهـ.
    12- ص28
    13- ص28 حيث قال"فالنص في المرحلة الأولى في تعبيره عن الثقافة.." اهـ .
    14 - ص64 حيث قال:"و من الطبيعي أن يكون النص في هذه الحالة دالا – من حيث هو رسالة لغوية- على كل أطراف عملية الاتصال... "اهـ
    و ص 74 في قوله:" كان تجاوبا مع حركة الواقع" اهـ، 75 في قوله :"تجاوب الوحي في الآيات الأولى من النص"اهـ، و بما أن النبي (ص) كان قبل البعثة :"جزءا من الواقع و المجتمع"اهـ 67 و: "لا يعزل نفسه عن الواقع"اهـ77 و أن النص معبر عن همومه و أفكاره و تطلعاته و :"صح الفهم من جانبنا للآيات الأولى من الوحي من حيث دلالتها على المتلقي الأول" اهـ الذي هو النبي (ص) فقد صح أن النص يدل على الواقع من خلال دلالته على المتلقي الأول.
    لا يعارض النص نفسه أن يكون دالا على هموم النبي (ص)، ولا يعارض أن يدل على أفكار المشركين من حيث عرضها و تصويره لها، ولكنه يعارض أن يكون نقله لها على سبيل التأثر بها، وهل يتأثر القرآن بالكفر ورموزه بعد أن اعتبره كفرا؟ يجيب أبو زيد بأن :"القرآن تأثر بسجع الكهان في السور المكية لكثرة الكهان، ولذلك لم يحرمه، ثم لما عدم الكهان لم يتأثر بهم ولذلك حرمه"، هذا يعني الواقع -والذي يكون النبي جزءا منه- هو الذي «جعل» القرآن على ما هو عليه في الشكل و المضمون حتى كأن القرآن "متبـِع" لتصورات الواقع و أفكاره وثقافته كيفما مالت مال معها، لقد قال القرآن واصفا نفسه: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ)المؤمنون: ٧١، فلم يتبع الحق أهواءهم لا في الشعر ولا في السجع ولا في غيرها، بل جاءهم كرها وفرضا على واقعهم كما يقول: (حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ) التوبة: ٤٨.
    15- ص72
    16- ص72
    17- المقصود "بالطبيعة" هنا الطبيعة التي تتناولها العلوم المادية البحتة كالأحياء و الفيزياء و الكيمياء، و من ثم أسقطها الماركسيون «الملحدون» - ومن اتبعهم- على العلوم الإنسانية و منها الأديان.
    18- ص72
    19 - ص 72
    20 - ص73


    لا تناظر جاهلا أسلمك الدهرُ إليه*****إنما تُهدي له علمًا يُعاديكَ عليه



  7. المحافظة على الهوية الخاصة بالعروبة و "تنظيم الحياة على أسس جديدة" 22، و كان الإسلام – من حيث هو دين يرد نفسه للحنيفية ملة إبراهيم 23 - هو الاختيار الذي يحقق هذه الأهداف 24، فيكون الإسلام بذلك «منتجا ثقافيا» يمثل خيارا متاحا من بين خيارات متعددة، لم يختاروه لما فيه من دلائل تفرض على الإنسان الإيمان بأنه رسالة الله المقدسة، بل لأن الواقع فرض عليهم اختياره.
    ولذلك فإن تصورات علماء المسلمين -حتى الآن- عن القرآن "تصور أقل ما يقال عنه الآن أنه تصور يعزل النص عن سياق ظروفه الموضوعية التاريخية، بحيث يتباعد به عن طبيعته الأصلية بوصفه نصا لغويا، و يحوله إلى شيء له قداسته بوصفه شيئا" 25.
    __________
    22 - ص74
    23 - ص74
    24 - ص74
    25 - ص 14،ص163. وفي كل فصول الكتاب ينكر المؤلف قداسة القرآن و ينتقد كل من يعتبر القرآن مقدسا، وهذا مبني على أنه لا يوجد عندهم أصلا شيء مقدس في ذاته يمثل الحقيقة المطلقة التي لا يشوبها نقص، فالحقيقة عندهم نسبية، أي هي حقيقة بالنسبة لمن يدعيها لا حقيقة في نفس الأمر، و لهذا قال صفحة20: "مفهوم الحقيقة مفهوم نسبي في ذاته"اهــ، وقال في برنامج له على الشبكة بعنوان «في انتظار أبو زيد»: "مفيش قداسة توجد في الشيء"اهـ، و قال: "مفيش حقيقة مطلقة"اهـ، و قال: "أنا أريد أن أهدم مفهوم الحقيقة" اهـ، و قال: "القداسة ليست صفة قارة في الشيء..ما الذي جعل المقد يصير مقدسا؟ الناس"اهـ.
    إن كلمة «مسلم» تعني الذي يؤمن بأن الله مقدس وأنه حقيقة مطلقة، و أن القرآن مقدس وأنه حقيقة مطلقة، و أن دين الإسلام مقدس وأنه حقيقة مطلقة، فإذا أنكر الإنسان القداسة كلها فما الذي بقي له من الإسلام؟
    والمؤلف يحشو كتابه بمثل قوله: "والحقيقة أن الفصل بين النص و بين ما يطرحه عن نفسه.." و قوله: "والحقيقة أن مثل هذا التمايز الحاد بين.." و: "الحقيقة أن هذا المعيار –معيار الطول و القصر.." و: "والحقيقة أن الحذف..." و: "الحقيقة أن تفسير الخروف المقطعة .." و: "الحقيقة أن العرب الذين كانوا معاصرين لتشكل النص..".
    فما معنى نفي الحقيقة و إثباتها؟ يعني ذلك احتكاره للحقيقة، و كل ما يخالفها يعتبر «تخلفا» و «رجعية» و «أساطير» (الألفظ -الأدبية- التي ملأ بها كتابه ضد كل من خالفه)؟
    و هل لإيمانه بعدم وجود حقيقة مطلقة أو مقدس يعتبر عنده حقيقة مطلقة؟ فإذا كان حقيقة فهو يؤمن بثبوت الحقائق، و إذا لم يكن حقيقة فلماذا يقول: "والحقيقة هي كذا وكذا"؟


    لا تناظر جاهلا أسلمك الدهرُ إليه*****إنما تُهدي له علمًا يُعاديكَ عليه



  8. لقد أقام كتابه على مجموعة من القواعد النظرية بنى عليها استنتاجه لمفهومي النص و الإسلام، وهي باختصار:

    1- منهج هذه الدراسة هو «الديالكتيك»26 الصاعد.
    بين المؤلف أن هذه الدراسة تدرس مفهوم النص من خلال أمرين:
    الأول : التصورات و المفاهيم الموروثة التي صاغتها الثقافة العربية عن القرآن.
    الثاني: المفاهيم التي يطرحها النص نفسه.
    و الفصل بين الأمرين تعسفي غير ممكن، لأنه إذا كنا نريد دراسة القرآن فلا بد أن نرى ما هي التصورات التي كانت شائعة عنه عند تشكله في الثقافة التي أنتجته و في الثقافة شكلها النص فيما بعد، فهذا "لا يتعارض مع تحليل النص من خلال فهم الثقافة التي ينتمي إليها"27، فلا بد عند دراسة النص أن ندرس معه التصورات التي تشكلت حوله من قبل أهل ثقافته حتى و إن كانت خاطئة من وجهة نظر العلم الطبيعي الصحيح المعتبر عند المؤلف و المتمثل في النظرة المادية "الديالكتيكية" للتراث، إذا " منهج هذه الدراسة بمثابة ديالكتيك صاعد... يبدأ من الحسي و العيني صعودا" أي صعودا إلى الأفكار و التصورات، "يبدأ من الحقائق و البديهيات ليصل إلى المجهول ويكشف عما هو خفي"28.
    فلو كان الباحث عن طبيعة القرآن لا يؤمن بألوهية مصدر القرآن فإن هذا لا يمنع من أن يدرس القرآن ضمن ما "صاغته الثقافة عنه" من ألوهية مصدره، فيكون مصدره إلهيا لا عنده بل عند الثقافة التي التي يدرسها، فيدرس القرآن على فرض أنه من الله لا على أنها هي الحقيقة المطلقة عن النص.

    "من هنا يكون البحث عن حقيقة التراث بحثا عن حقائق في ثقافتنا ، لا بحثا عن حقائق مطلقة"2، أي لا يكون بحثا عن حقيقة معترف بها عنده بل بحثا عن حقائق داخل الثقافة معترف بها عند أهلها فحسب، فما كان عندهم حقا فهذا لا يعني أنه حق في نفس الأمر، لأن "ما تدركه ثقافة ما بوصفه حقيقة
    __________
    26- بالمقارنة بين قواعد «الديالكتيكية» والقواعد التي بنى المؤلف كتابه عليها اكتشفت أن هذه الدراسة تطبيق للمذهب المادي الماركسي على القرآن و الإسلام و إعادة تعريفهما بناء عليه.
    و «الديالكتيك» هو النظرة «المادية» للكون و الحياة في شتى المجالات الطبيعية و الإنسانية، الأديان و غير الأديان، و هي في أساسها إنكار لوجود الله، وهي نظرية فلسفية قديمة جدا، أحياها ماركس و إنجلز ولينين وستالين و غيرهم من الماركسيين، وهو فكر قائم أصلا على نفي وجود الله تعالى، و على أن المادة (الواقع المادي) يحرك نفسه بنفسه دون تدخل خارجي.
    - يقول ستالين في كتابه : «المادية الديالكتيكية» ما نصه: " إن الديالكتيك هو - من حيث جوهره- ضد الميتافيزيقية تماما" اهــ، ص23 وهو ما يعمل عليه مؤلفنا (المجتهد) نصر حامد أبو زيد.
    - و قال لينين معلقا على قول الفيلسوف «هيراقليط» هذا:"العالم واحد لم يخلقه أي إله أو إنسان، وقد كان و لا يزال و سيكون شعلة حياة إلى الأبد" بقوله :"ياله من شرح رائع لمبادئ المادية الديالكتيكية" اهــ الصدر السابق.
    وقد قال الدكتور محمد عمارة في كتابه :"التفسير الماركسي للإسلام" بأن نصر حامد أبو زيد كان ماركسيا في الأصل، ص6، ط2 دار الشرووق-2002.
    27 - ص27
    28- ص29
    29 - ص20


    لا تناظر جاهلا أسلمك الدهرُ إليه*****إنما تُهدي له علمًا يُعاديكَ عليه




  9. مطلقة هو كذلك [أي هو حقيقة مطلقة و لكن] بالنسبة لهذه الثقافة"30 ، فــ"ألوهية مصدر النص لا تنفي واقعية محتواه ولا تنفي من ثم انتماءه إلى ثقافة البشر" 31 فالحقيقة القائلة بألوهية مصد القرآن إنما هي حقيقة عند أهلها فحسب وهي ليست حقيقة في نفس الأمر، وهذه الحقيقة (عدم وجود مصدر إلهي للنص) تعني بالضرورة أن الواقع الذي أنتج القرآن هو «الواقع البشري» لا غير، ولذلك فإننا "نتبنى القول ببشرية النصوص الدينية...و إذا كانت النصوص الدينية نصوصا بشرية بحكم انتمائها للغة و الثقافة في فترة تاريخية محددة-وهي فترة تشكلها و إنتاجها- فهي بالضرورة نصوص تاريخية، بمعنى أن دلالتها لا تنفك عن النظام اللغوي الثقافي الذي تعد جزءا منه" 32
    وكنتيجة عن هذه القاعدة:
    ذهب المؤلف إلى أن القرآن ليس له وجود سابق على الواقع قال: " إن النص في حقيقته و جوهره منتج ثقافي ... و إذا كانت هذه الحقيقة تبدو بديهية و متفقا عليها فإن الإيمان بوجود «ميتافيزيقي» 33 سابق للنص يعود لكي يطمس هذه الحقيقة البديهية، و يكعر من ثم إمكانية الفهم العلمي لظاهرة النص"34، فلا مناص من كون القرآن منتج ثقافي لذلك الواقع المادي الذي تشكل فيه و به.
    ولذلك :" فإن المتاح الوحيد أمام الدرس العلمي لفهم «الكلام» الإلهي من خلال تحليل معطياته في إطار النظام الثقافي الذي تجلى خلاله"35 .
    2- الواقع المادي هو الذي يكوِّن الفكر و ينتجه و يشكله، و العكس ليس صحيحا36.
    وبما أن القرآن «فكر» على شكل «نص» لغوي " فالواقع هو الأصل، من الواقع تكون النص، و من لغته و ثقافته صيغت مفاهيمه، و من خلال حركته بفعالية البشر تتجدد دلالته، فالواقع أولا و الواقع ثانيا و الواقع أخيرا"37 .
    و بما أن شريعة الإسلام فكر أيضا فهذا يعني أن الواقع -بما فيه من أنماط ثقافية و سياسية و اجتماعية و اقتصادية، وبما فيه من بشر- هو الذي صاغها38.
    __________
    30- ص20، كيف يكون الأمر حقا و هو باطل؟ إن العلم الصادق لا يخاف من أن يقول للباطل أنت باطل حتى و لو كان حقا عند أهله، فالسكوت عن إبطال الباطل إقرار به.
    31- ص27
    32- نقد الخطاب الديني ، لنصر أبو زيد، ص 206-207
    33- «الميتافيزيقي» تعني الذات المخالفة للمادة [المادة =المخلوق]، وتعني عدم وجود رابط يربط قوانين المادة من غير المادة نفسها، فالمادة هي التي تحرك نفسها بنفسها لا بغيرها.
    34 - 27
    35- ص30
    36- هذه القاعدة أيضا من أصول الماركسية المادية «الديالكتيكية»، قال ستالين :"إن المادة عنصر أول لأنها منبع الإحساسات و التصورات و الإدراك، بينما الإدراك عنصر ثان مشتق لأنه انعكاس عن المادة.. إن الفكر هو نتاج المادة لما بلغت في تطورها درجة عالية من الكمال...فلا يمكن بالتالي فصل الفكر عن المادة دون الوقوع في خطأ كبير"اهـ ص 44، "وبالتالي يجب البحث عن منشأ حياة المجتمع العقلية و عن أصل الأفكار و الأوضاع الاجتماعية و الآراء و الأوضاع السياسية لا في الآراء و الأوضاع السياسية نفسها بل في شروط الحياة المادية للمجتمع، في الموجود الاجتماعي الذي يكون هذه الأفكار و النظريات و الآراء" ص44، هذا تلخيص ستالين لأفكار ماركس و إنجلز و لينين مؤسسي المادية الديالكتيكية، و أنت ترى تطابقا بينها و بين هذه الدراسة حتى في بعض الألفاظ.
    37 - نقد الخطاب الديني، لنصر أبو زيد، ص 99، و ما أشبه كلامه هذا بقول الماركسيين: "كل شيء يتعلق بالظروف، بالمكان و الزمان"اهـ من كتاب «المادية الديالكتيكية» ص37.
    38 ص 17 في قوله :"إن الشريعة كما يعلم الطالب المبتدئ..صاغت نفسها مع حركة الواقع" اهــ و الحقيقة أن الله هو الذي صاغ هذه الشريعة على لسان نبيه: (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) الأعراف: 203.


    لا تناظر جاهلا أسلمك الدهرُ إليه*****إنما تُهدي له علمًا يُعاديكَ عليه




  10. * ولكن، ما هو الواقع الذي شكل النص و أنتجه؟
    "الواقع مفهوم واسع يشمل الأبنية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية، ويشمل المتلقي الأول للنص [يعني النبي] ومبلغه، كما يشمل المخاطبين بالنص" ص30.
    هذه هي المكونات التي ساعدت على تشكيل النص حتى صار على ما هو عليه في شكله و مصمونه، فمثلا إيمانه بوحي الجان للشعراء و الكهان كان له أثر كبير في كون القرآن وحيا، و بسبب هذا الاشتراك فهم العرب كون القرآن وحيا39.
    * وما معنى تشكيل الواقع لهذه النصوص؟
    إن العلاقة بين الواقع و النص علاقة تشكيل و تشكل40، "و حين نقول تشكلت فإننا نقصد وجودها 41 المتعين في الواقع و الثقافة، بقطع النظر عن أي وجود سابق لهما في العلم الإلهي أو في اللوح المحفوظ"ص29، حيث إن"الإيمان بوجود ميتافيزيقي سابق للنص يعود لكي يطمس هذه الحقيقة"ص27 [أي حقيقة إيجاد الواقع للنص]، فهذه " النصوص لم تُـلقَ كاملة و نهائية في لحظة واحدة"ص29.
    أي إن الواقع أوجد النص "سواء على مستوى المضمون أو على مستوى التركيب و البناء" 42 "من خلال وسيط.. هو الثقافة و الفكر"43.
    فوجود القرآن و «تعينه»44 في الواقع و الثقافة حصل بسبب علاقته بالمكونات الثقافية الأخرى التي سبقت الإشارة إليها، فلا جرم "أن محاولة البحث عن مفهوم للنص سعي لاكتشاف العلاقات المركبة لعلاقة النص بالثقافة من حيث تشكله بها أولا، و علاقته بها من حيث تشكيله لها ثانيا"45.
    و النص رسالة، "لكنها ليست رسالة مفارقة لقوانين الواقع، بكل ما ينتظم في هذا الواقع من أبنية، و أهمها البناء الثقافي" اهـ46.
    __________
    39- سيأتي بيانه في الفصل الخاص بالوحي لاحقا.
    40 - ص 31.
    41 - إذا كان تشكلها = و جودها، فبالمنطق البسيط: معنى تشكيل الواقع لها = إيجاده لها! فالواقع أوجدها!
    42 - ص 85
    43- ص 120، هل هذا تصريح بأن الواقع البشري هو الذي أوجد القرآن لا الله؟ فإذا كان النص بشكله ومضمونه من البشر فماذا بقي لله منه؟ وهو كذلك مناقض للقرآن نفسه إذ يقول: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6)) النمل، فهو يتلقاه من الله لا من الواقع ولا من نفسه، وقال: (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ) القصص86.
    وإذا فرضنا أنه يقول بأن الله هو مصدر النص و أن الواقع فرض على النص أن يكون على تلك الصورة شكلا ومضمونا سيكون الله -على هذا التقدير- مجبرا على أن يجعل النص كما يريده البشر لا كما يريده هو، ألا يشبه هذا ما يذهب إليه المؤلف بقوله: " ولا يصح أن يكون هذا الفهم محجوبا بتصوره أن الله لا يجوز عليه التغير، فالتغير صفة ثابتة في الواقع لا زمة له"اهـ ؟ وليس الإجبارإلا تغيرا ومغايرة بين إرادة الله وإرادة البشر!
    44- أي أن يصير «عينا» أي ذاتا موجودة في الواقع الحاضر لا في الذهن.
    45 - ص 31.
    46- ص64.


    لا تناظر جاهلا أسلمك الدهرُ إليه*****إنما تُهدي له علمًا يُعاديكَ عليه




  11. ولما كانت اللغة "طرائق لتمثيل الواقع"28 و تجسيدا له فلا يمكن "أن نتحدث عن لغة مفارقة للثقافة و الواقع"27، و بما أن النص (القرآن) لغة فهو كذلك معبر عن الثقافة28 التي أنتج فيها، و إذا كان النظام اللغوي نظاما دلاليا لا ينفصل عن الواقع و الثقافة -و النص لا ينفصل عن النظام اللغوي- فلا يمكن أن تنفصل دلالة النص عن الواقع28، فليس النص إلا اتصالا بين مرسل ومستقبل، "و إذا كانت الوظيفة الإعلامية الاتصالية للغة لا تنفصل عن طبيعتها الرمزية فإن و ظيفة النص في الثقافة...لا تنفصل عن مجال الثقافة و الواقع"28، بحيث إذا فصلنا دللالته عن الواقع الذي تشكل فيه صار غير دال على شيء، و قد سبق أن بينا أن النص لا يدل إلا على الواقع الذي تشكل فيه.
    *ولكن ماذا يحدث لو تغر الواقع الثقافي نفسه؟ "فالتغير صفة ثابتتة في الواقع لازمة له من حيث هو حركة مستمرة سيالة دافعة"؟
    الجواب: في هذه الحالة ينتقل النص من كونه «منفعلا» بالثقافة إلى أن يصير «فاعلا» فيها47، فها هنا مرحلتان:
    الأولى: يكون النص فيها في طور التشكُّل و الإنتاج من قبل الواقع، وهي مرحلة تصنيع النص و إنتاجه.
    الثانية: يصير النص فيها مشكلا للثقافة و منتجا لها.
    "إن الفارق بين المرحلتين هو الفارق بين استمداده من الثقافة وتعبيره عنها، و بين إمداده للثقافة و تغييره لها".28
    *و لكن كيف يصير النص منتجا للثقافة مع أنه لا يدل إلا على الثقافة التي أنتجته؟
    الجواب: عندما يصير جزءا من الواقع.
    كيف؟
    "وذلك بإعادة قراءته و تأويله" 28
    فلا بد للنص أولا من أن يصير جزءا من الواقع الجديد، وهذا ما نعنيه «بمصداقية النص»، و مصداقية النص "تنبع من تقبل الثقافة للنص و احتفائها به"،30، "فما ترفضه الثقافة وتنفيه لا يقع في دائرة النصوص، وما تتلقاه الثقافة بوصفه نصا دالا فهو كذلك"31، فإذا صار جزءا من الواقع الجديد فلا بد من أن يدل عليه لا على الواقع القديم، و دلالته على الجديد تحصل بإعادة قراءته و تبديل دلالاته و تشكيلها من جديد بحيث تكون مرهونة بالزمان و المكان التي تشكلت هذه الدلالة الجديدة فيهما، و هذا ما نعنيه «بموضوعية النص»، فــ"لا يصح إخضاع الواقع [الجديد]48 لأحكام و تشريعات جامدة [قديمة] لا تتغير و لا تتطور"49، فلن يكون النص موضوعيا إلا إذا دل على الثقافة التي صار محورا لها لا أن يدل على ثقافة مطلقة من حدود الزمان و المكان، فلا وجود في النص لدلالات ثابتة صالحة لكل زمان و
    _____________
    47- ص 200
    48- ما بين الحاصرتين إضافة مني اقتضاها السياق.
    49- ص 135.


    لا تناظر جاهلا أسلمك الدهرُ إليه*****إنما تُهدي له علمًا يُعاديكَ عليه




  12. مكان ولا يجوز ربط دلالات النص بالإطار الثقافي لعصر الجيل الأول 51، فـ"إن الموضوعية التي يمكن تحقيقها في تأويل النصوص 52هي الموضوعية الثقافية المرهونة بالزمان و المكان، لا الموضوعية المطلقة التي ثبت أنها وهم"53.
    و عليه على ما سبق "تعتمد هذه الدراسة بصفة أساسية المدخل اللغوي"28
    *إذا: فما المقصود بكون القرآن «منتجا ثقافيا»؟
    "المقصود بذلك أنه تشكل في الواقع و الثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عاما" ، و أنه "استمداد من الثقافة و تعبير عنها" ، و أنه "تجسيد للثقافة و الواقع" ،"و أن للثقافة و الواقع "دورا في تشكيل هذه النصوص"54.

    *و ما العلاقة بين النص و غيره من مكونات الواقع؟
    إنها علاقة تشكل و تشكيل، " من حيث تشكله بها أولا، وعلاقته بها من حيث تشكيله لها ثانيا"55 .
    __________
    50- ص 222،251
    51- ص 251 حيث قال: "ربط دلالة النص بالأفق العقلي و الإطار الثقافي لعصر الجيل الأول من المسلمين يتعارض تعارضا جذريا مع المفهوم المستقر في الثقافة من أن دلالة النص تتجاوز حدود الزمان و المكان.. يؤدي إلى نتيجة أخطر.." إلخ.
    أقول: هذه مغالطة، فلا تعارض إذا ما قلنا إن تلك الدلالة التي فهمها الجيل الأول لم تكن «مصنوعة» من قبل أنفسهم بل النص بإمكانياته هو الذي دلهم عليها، وبما أن ذات النص أفهمت ذلك المعنى والنص لا ينفك عن ذاته فمن الواجب أن يفهم النص بذاته ذلك المعنى في كل مكان وزمان كما أفهم الناس في المرة الأولى التي قرؤوه فيها، إلا ان يكونوا قد غلطوا في الفهم، وهو أمر ممتنع عندنا وعند المؤلف.
    وبما ان الله شهد لفهم معين بأنه هوالحق والصواب، فلا يمكن بحال أن ينقلب ذلك الحق بسبب التحول في الزمن أو المكان إلى باطل، و إلا لكان الله شاهدا لهم على الباطل بأنه حق وهو محال يتنافى مع الإلهية.
    و النص نفسه أكد أن فهم الجيل الأول له -على كل المستويات- فهم صحيح كامل يجب أن يكون مثالا ثابتا متبعا في كل زمان ومكان وليس في زمانهم وحسب، حيث قال مخاطبا إياهم: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [آل عمران: ١١٠]، و قال: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ) [الفتح: ١٨ ]، و قال: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) [التوبة: ١٠٠]، وقال مخاطبا لهم في آخر خطاب: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة: ٣].
    52 - المقصود بتأويلها تبديل دلالتها إلى مفاهيم مخالفة لدلالتها عند نزول القرآن.
    53- ص 271، وهو في محاضرة له يفسر هذا السؤال بقوله: "لم يكن موجودا قبل القرن السابع و وجد، واقعة تاريخية"اهـ، و أظن أن هذا التفسير يوضح كلام السابق فيصير الواقع البشري هو الذي أوجد القرآن و ليس الله، وبما أنه واقعة تاريخية –ككل الوقائع- فقد انتهى أمره ولم يبق لنا منه شيء إلا أثره، إلا كلماته المكتوبة في كتاب يسمى مصحفا، فلا علاقة لنا به و لا علاقة له بنا الآن لأنه جزء من التاريخ الذي حدث فيه، إلا إذا أحببنا أن ننظر إليه كما ننظر إلى لوحة الموناليزا مثلا أو العشاء الأخير التي تعتبر حدثا تاريخيا أيضا، فهذه اللوحات قابلة –بما أنها حدث تاريخي و منتج ثقافي- للقراءات المتعددة و التأويلات المختلفة كل حسب ما يحب و يشتهي، و كذلك القرآن "لكل ذي غرض أو صاحب مقصد – بعد الوفاء بهذا الدرس- [اللغوي، أي اعتباره لغة تدل على الواقع المحدد الذي صنعت فيه تلك اللغة] أن يعمد إلى ذلك الكتاب فيأخذ منه ما يشاء و يقتبس منه ما يريد و يرجع إليه فيما أحب من تشريع..أو غير ذلك"اهــ من صفحة 13.
    54 - ص27، لهما دور في «تشكيل» القرآن.
    55 - ص 31. كل ما سيأتي سيكون مجرد برهنة على ما سبق.


    لا تناظر جاهلا أسلمك الدهرُ إليه*****إنما تُهدي له علمًا يُعاديكَ عليه




  13. قسم المؤلف كتابه إلى ثلاثة أبواب:
    الأول: النص في الثقافة (التشكل و التشكيل)
    الثاني:آليات النص.
    الثالث: تحويل مفهوم النص و وظيفته، و في هذا الباب تناول كتاب «جواهر القرآن» لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي تناولا نقديا من وجهة نظر كون القرآن منتجا ثقافيا، و آثرت ألا ألخص هذا الشرح نظرا لصعوبة اختصاره، و لأن ما سبقه من أبواب تغني عن الإعادة.

    وقد تناول المؤلف هذه الأبواب بناء على ما جاء في المقدمة سابقا.

    الباب الأول: النص في الثقافة (التشكل و التشكيل)
    الفصل الأول: مفهوم الوحي
    القرآن و حي.
    في البيئة التي تشكل فيها القرآن ساد التصور بأن للشعراء و الكهان علاقة اتصال بالجن من خلال شفرة لا يعرفها غيرهم، و الوحي في لغة تلك الثقافة –واللغة من مكونات الواقع الثقافي- كانت تعني اتصالا بين طرفين كل منهما في مرتبة مختلفة عن الأخرى بشفرة لا يعرفها غير الطرفين، فكذلك "القرآن يستخدم لفظ (الوحي) للدلالة على الاتصال بين الشياطين و الكفار"56، ثم سمى القرآن الوحي إلقاء على النبي (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا)، و كذلك كان شائعا في تلك البيئة أن الاتصال بين الجن و الإنس يسمى إلقاء اعتمادا على قول القرآن (يُلْقُونَ السَّمْعَ) أي الكهان57.
    "وهذا كله يؤكد أن ظاهرة الوحي -القرآن- لم تكن مفارقة للواقع أو تمثل وثبا عليه و تجاوزا لقوانينه، بل كانت جزءا من مفاهيم الثقافة"58.
    ولولا وجود هذه الظاهرة عندهم لما فهموا معنى أن القرآن وحي، "ولذلك لا نجد من العرب المعاصرين لنزول القرآن اعتراضا على ظاهرة الوحي ذاتها"59.
    فوجود ظاهرتي (الكهانة و السحر) والشعر شرطان للإيمان بالوحي (القرآن)
    هذا في مرحلة تشكيل الثقافة للنص
    __________
    56 - ص 43
    57 - ص 45، مع أن الآية لا تخبر عن الكهان بل تخبر عن أن الشياطين هم الذين يلقون أسماعهم!
    58 - ص38
    59 - ص 38، كون العربي الذي يؤمن بذلك لا يستحيل عليه أن يؤمن بوحي القرآن صحيح، ولكن سبب ذلك ليس إيمانه بوحي الجان بل لأن العقل يقبل حقيقة الوحي الإلهي كما أنه قبل وحي الجان كحقيقة، بدليل أنه قبل عند الشعوب التي لم تكن تؤمن بما آمن به العرب فيما يتعلق بسجع الكهان وشياطين الشعر، فما المانع من أن يكون وحي القرآن قد قبل عندهم لأنه مقبول في ذاته لا لأنهم قبلوه فحسب؟
    و لكن المؤلف قال بأنه لولا اعتقادهم بوحي الجان لما كان الوحي الإلهي، فوحي الجان «شرط» في فهم الوحي الإلهي و بالتالي في شرط في وجوده، ولذلك قال صفحة 38: "لقد كان ارتباط ظاهرتي الشعر و الكهانة «بالجن» في العقل العربي -وما ارتبط بهما من اعتقاد العربي بإمكانية الاتصال بين البشر و الجن- هو الأساس الثقافي لظاهرة الوحي الديني ذاتها" اهــ.يقصد بالوحي الديني: "الوحيَ في تصور علماء المسلمين" فهو بذلك يطبق ما التزمه في المقدمة بقوله: "الفصل بين ما يطرحه النص عن نفسه و بين ما صاغته عنه الثقافة فصل تعسفي"ص27.
    وأما أن العرب لم يعترضوا على الوحي فهذا مجانب للحقيقة والواقع، بل اعترضوا على عملية الوحي نفسها من حيث أن يوحي الله لإنسان، فحكموا باستحالة هذا الأمر، بالإضافة إلى اعتراضهم على شخص الموحى إليه أيضا، و هذا ما يحكيه التاريخ الواقعي لا الخيال والأوهام، بل هذا ما ينطق به النص نفسه حيث قال: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا) يونس: ٢، فعجبهم كان من الوحي إلى رجل بشري، و قال: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) الأنعام: ٩١، فالآية تنص على أنهم أساؤوا إلى الله عندما نفوا أن يكون الله منزلا لشيء على أي أحد من البشر. قال الطاهر ابن عاشور في تفسير نفي المشركين الوارد في الآية: " نفي الإرسال والإنزال والوحي"اهـ.


    لا تناظر جاهلا أسلمك الدهرُ إليه*****إنما تُهدي له علمًا يُعاديكَ عليه




  14. أما في مرحلة تشكيل النص للثقافة فقد جعل النص من الجن مسلمين وكافرين، و صالحين و قاسطين، وصبغهم بصبغته الخاصة.
    ثم تساءل المؤلف عن طبيعة الوحي و كيفيته، فاكتشف أن العلماء يتصورون بأن الوحي إرسال رسالة مع جبريل إلى الواقع [بما فيه النبي ص] بناء على الآيات الكثيرة و الأحاديث المتواترة، و هذا يعني وجودا للنص سابقا على الواقع بما يناقض مفهوم النص، "والذي يهمنا هنا أن نلاحظ أن هذا الرأي يتصور وجودا خطيا سابقا في اللوح المحفوظ، وفي هذا التصور ما فيه من إهدار لجدلية العلاقة بين النص و الواقع الثقافي"60.

    و كذلك النبوة، من إنتاج الواقع الثقافي
    فقد ساد في ذلك الواقع أن السحرة و الكهان ذوو خيال عال خصب وهم قادرون على استخدامه بصورة مختلفة عن سائر البشر، " إن التشابه و التماثل بين إحدى حالات الوحي و بين الرؤيا أمر مؤكد في الثقافة العربية الإسلامية، سواء قبل الإسلام -مرتبططا بالعرافة و الكهانة- أو بعده، إن ما يحدث للأنبياء شبيه بما يحدث للنائم في حلمه مع فارق الدرجة"61.
    "و في ظل هذا التصور لا تكون النبوة ظاهرة فوقية مفارقة للواقع"62.
    __________
    60- ص 48، مع أنه لا تلازم بين كون جبريل عليه السلام مرسلا من الله و بين قضية أخرى هي قضية اللوح المحفوظ، فهاهنا وجودان للنص سابقان على الواقع وهما حادثان لا كما يتوهم المؤلف، أضف إليهما وجود الكلام القائم في ذات الله تعالى ولكنه أزلي أبدي، و وهذا ما يقوله العلماء عن القرآن.
    ثم في إنكاره لكون القرآن مكتوبا في اللوح مغالطة كبيرة في جعل المقدمة نتيجة، كأنه يقول (النتيجة هي:القرآن مصنوع في الواقع، والسبب هو: أن القرآن مصنوع في الواقع) و مع ذلك فهو يجعل نظريته (إنتاج النص) حقيقة بديهية متفقا عليها بين كل البشر! حيث قال ص28 :"إن القول بأن النص منتج ثقافي يكون في هذه الحالة قضية بديهية لا تحتاج إلى إثبات"اهـ، "وهو مانعتده وتعتده معنا الأمم العربية أصلا"! ص12.
    61- ص 58
    62- ص 59، لم لا تكون النبوة قبلت عندهم لأنها قابلة للقبول في نفسها لا لأنهم قبلوها فحسب؟


    لا تناظر جاهلا أسلمك الدهرُ إليه*****إنما تُهدي له علمًا يُعاديكَ عليه




  15. فوجود ظاهرتي (الكهانة و السحر) والشعر شرطان للإيمان بالنبوة، إذ لولا وجودهما لما صدق أحد من أهل تلك الثقافة بنبوة النبي.***
    الفصل الثاني: المتلقي الأول للنص
    1- شخصية النبي ص
    و كذلك النبي نفسه من إنتاج الواقع!
    لأنه "كان ابن المجتمع و نتاجه"63.
    "لقد كان محمد المستقبل الأول للنص و مبلغه جزءا من الواقع و المجتمع"64، والواقع الذي نشأ فيه يحتوي على نمطين، النمط السائد القديم و النمط النقيض الجديد الذي -يبدأ ضعيفا- ويسعى لمناهضة القديم، فـ"لم يكن محمد [ص] ينتمي في هذا الواقع إلى النمط المسيطر بنمط القيم السائدة فيه"65، بل كان منتميا إلى النمط الجديد المتمثل في «الأحناف» الذي "كان تجسيدا لنزوع ما لاتجاه جديد في رؤية العالم... الاتجاه الجديد النقيض للاتجاه السائد في المجتمع و الفكر على السواء"66.
    فالنبي فارق قومه و الأحناف فارقوا، و النبي تحنث و هم كذلك، و النبي بحث عن دين إبراهيم وهم كذلك.
    2- دين إبراهيم
    لماذا العودة إلى دين إبراهيم؟67
    بسبب الظروف الاقتصادية و السياسية الصعبة قرر محمد أن يختار الإسلام (ملة إبراهيم) كبديل عن النمط السائد، نمط الجاهلية، حيث إن اختيار الإسلام لم يحصل إلا ليحقق لهم المكاسب الاقتصادية التي تحفظ للعرب هويتهم الخاصة، فكان لا بد لهم من التوحد في نمط جديد (هو الإسلام) "لضمان بقاء الحياة
    __________
    *** يصدر المؤلف في دعوى كون السحر و الكهانة -وأنها من المكونات التي أثرت في تشكيل النص- عن أصول الماركسية «الديالكتيكية» التي ترى في الحوادث الطبيعية تأثيرا «ضروريا لا يتوقف» في تشكيل بعضها بحيث تكون المكونات القديمة شروطا لإيجاد المكونات الجديدة، قال ستالين :"فإذا صح أن ليس في العالم حوادث منعزلة، و إذا صح أن كل الحوادث مرتبطة فيما بينها ويكيف بعضها البعض الآخر بصورة متبادلة، فمن الواضح أن كل نظام اجتماعي [والدين نظام اجتماعي] وكل حركة اجتماعية في التاريخ لا ينبغي الحكم عليها من ناحية العدالة الأبدية أو من ناحية أية فكرة أخرى مقررة سلفا،..بل ينبغي لنا أن نبني حكمنا على أساس الظروف التي ولدت هذا النظام" ص35، و كذلك قال: "إذ إن أي حادث في أي ميدان من ميادين الطبيعة يمكن أن ينقلب إلى عبث فارغ لا معنى له إذا نظر إليه إلى بمعزل عن الشروط التي تكتنفه"ص24.
    إن التصور بأن القرآن و النبوة غير مفهومين إلا بتوفر شروط من الواقع هو الذي يجعل القرآن و الإسلام بلا معنى، لأن هذا التصور يجعل الواقع مقدما على النص رتبة و وجودا، فلا وجود له قبل توفر الشروط و لا دلالة له إلا على الواقع، فيكون وجوده عرضيا و وجود الواقع أصليا ، وتكون دلالته عرضية و وجود الواقع أصليا، فالنص وعاء شفاف فارغ لا معنى له ولا قيمة إلا إذا ملأه الواقع بلونه وقيمته الخاصة، فاللون ليس لون النص نفسه بل لون الواقع، فإذا نظرت إلى هذا الوعاء لم تره بل تكون قد رأيت الواقع، وهذا لا يعني إلغاء دلالة النص (أن النص دال بنفسه) فحسب بل يعني أن الواقع هو الذي يدل على المعنى بنفسه مستغنيا عن النص، و يكون النص مفتقرا إلى الواقع في دلالته، فإذا تغير الواقع تغيرت دلالات النص بتغيره، فتكون معانية تابعة لإرادة الواقع و أهله لا من إرادة قائل النص ومرسله، لا تعجب من هذا، واعجب من دعواه بأن علماء المسلمين جعلوا القرآن ألفاظا فارغة من الدلالة!
    63- ص 67، وهو هنا لا يقصد جسد النبي الشريف، بل يقصد فكر النبي وهمومه و تطلعاته.
    64- ص 67
    65- ص 68، وهذا تطبيق عملي لمبادئ المادية «الديالكتيكية» قال ستالين: "إن نقطة الابتداء في الديالكتيك -خلافا للميتافيزيقة- هي وجهة النظر القائمة على أن كل أشياء الطبيعة و حوادثها تحتوي تناقضات داخلية، لأن لها جميعا جانبا سلبيا و جانبا إيجابيا، ماضيا و حاضرا، و فيها جميعها عناصر تضمحل أو تتطور، فنضال هذه المتضادات –أي النضال بين القديم و الجديد، بين ما يموت و ما يولد، بين ما يفنى و يتطرو- هو المحتوى الداخلي لحركة التطور، هو المحتوى الداخلي لتحول التغيرات الكمية إلى تغيرات كيفية"اهـ من ص 33.
    66- ص 72، هذا باطل، لأنه لا يمكن القول بأنه من بيئة الأحناف -وهم الذين كان لهم مجتمع خاص منفصل في مكة- إلا إذا شاركهم مشاركة حقيقية و دخل في مجتمعهم، و بما أنه لم يثبت شيء من هذا بطل أن يقال بأنه من من نمط الأحناف، فلم يكن للنبي  علاقة بالأحناف أبدا، سوى أنه شاهد زيد بن عمرو مرتين، و كذلك شافه ورقة مرة أو مرتين فقط، و هذا لا يثبت أنه كان ابن مجتمع الأحناف.
    وبكل تأكيد من التناقض أن يقال إن النبي كان من نمط الأحناف -وهو نمط مفارق للنمط الجاهلي السائد- ثم يقال إن النبي لم يكن مفارقا! هذا مخالف للمنطق السليم، بل كان النبي مفارقا لنمط الأحناف و لنمط الجاهلية أيضا، لقد جعل الله له نمطا آخر احسن منهما، إنه نمط النبوة، بل نمط خاتم النبوة.
    67- ص لأن الله قال: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) النحل: ١٢٣، فاتباعه للحنيفية لم يحصل ابتداءا منه ولا جاء بعد تأمل دقيق وترجيح بين الأديان توصل في النهاية إلى اختيار الحنيفية، كيف والقرآن يقول له: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن الله يسلط رسله على من يشاء) بل حصل بهداية الله له إليها، وبوحي الله إليه بوجوب اتباع هذا الدين، وهذا هو معنى التسليط المذكور في الآية، فالاختيار عائد إلى الله وليس للنبي نفسه.
    وما يذهب إليه المؤلف هنا تكذيب صريح للقرآن، وكذب متتابع في دعواه الاعتماد على التصورات التي يطرحها النص عن نفسه.
    والمؤلف هنا لا يحيد الله عن الحياة ونظامها فحسب، بل يحيده عن أهم شيء في الإسلام وهو الدين نفسه، ويلغي حتى تدخل الله في الدين، حيث يدعي بأن الإسلام صنعة بشرية واختيار مؤقت فرضته الظروف المؤقتة.
    هذا هو الإمام العلامة شيخ إسلام العلمانيين نصر حامد أبو زيد، الذي صار في كثير من الدوائر العلمية (المسلمة) يقدم اسمه على انه واحد من المجتهدين الإسلاميين!


    لا تناظر جاهلا أسلمك الدهرُ إليه*****إنما تُهدي له علمًا يُعاديكَ عليه

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •