صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 16 إلى 24 من 24

الموضوع: تلخيص كتاب: مفهوم النص، لنصر حامد أبو زيد




  1. في هذه الظروف الاقتصادية الخطرة"68، المتمثلة في "ضيق الموارد الاقتصادية التي تعتمد على المطر و العشب من جهة و على التجارة من جهة أخرى، وقد أوشكت حياة الصراع و التناحر و الحروب بين القبائل – و كلها حروب و صراعات ذات جذور اقتصادية- أن تؤدي إلى القضاء على الحاية ذاتها"، وزاد من هذه الأزمة "أن الجزيرة العربية كانت محاصرة بالقوى الأجنبية من كل جانب"69، كالمناذرة و الفرس في العراق، و الغساسنة و الروم في الشام، و الأحباش و جيش أبرهة من الجنوب.
    فاختيار الإسلام بدلا عن غيره لم يكن إلا "تجاوبا مع حاجة الواقع"70، وهذا التجاوب حصل من خلال شخصية النبي الذي "تجسدت في داخله أحلام الجماعة التي ينتمي إليها"71.
    * ولماذا لم يختاروا اليهودية أو النصرانية؟
    لأن المسيحية "كانت دينا غازيا"، أما اليهودية فكانت متعالية على العرب "لا تقبل الوافدين الجدد"، لذلك "كانت الأيديوجيتان المطروحتان غير ملائمتين لتحقيق أهداف ذلك الوعي"72.
    _____________
    68- ص 73
    69- ص 72
    70- ص 74، هذا مناقض للنص نفسه إذ يخبر بأن اختيار ملة إبراهيم كان توجيها من الله لا بسبب الأحوال المادية، فقال: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) النحل، وقال: (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) آل عمران: 95، وقال: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) الأنعام: 161، فالآيات تدل على أن اعتناق الإبراهيمية من قبل ذلك الواقع لم يكن في يده ولا باختياره ولا من ترتيبه ولا ابتداء منه، بل كان فرضا جديدا على ذلك الواقع المفارق للإبراهيمية شكلا ومضمونا، فرضا جديدا ومن مصدر جديد.
    ولو اتبع الحق في (التشريع) أهواء الواقع البشري في اختيارهم وإرادتهم لفسدت الأرض ومن فيها، قال: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) المؤمنون: 71.
    71- ص 74، هكذا إذا، اختيار الإسلام كان لإشباع الرغبات و ملئ البطون، لم يختاروا الإسلام لأنه من الله و لا لأنه خير و حق و صدق في نفسه بل لأنه يحقق لهم المكاسب المادية، اختاروا الإسلام لأنه يأتي لهم بالذهب و الفضة و الحرير و الأموال والسبايا و العبيد، لا لأنه «هداية» ورحمة ورشاد و صلاح وخير وتقوى. وهذه النظرة المادية عن الإسلام (كله) تفسر لنا لماذا يصور العلمانيون علماء المسلمين على أنهم متبعو شهوات و ملذات.
    72- ص 73.
    ههنا أمور تدل على تحكم و مجانبة متطرفة للواقع:
    الأول: أنه يفرق بين الإبراهيمية و اليهودية والنصرانية، مع أن النصارى واليهود أنفسهم يردون أنفسهم إلى الإبراهيمية، فلا فرق إذا من هذه الناحية بين الإبراهيمية والنصرانية اليهودية، فلو أنهم كانوا يبحثون عن الإبراهيمية لوجدوها في اليهودية التي كان لها حضورها و مكانتها المرموقة في جزيرة العرب وكذلك النصرانية، حتى إن العرب -بل و الأحناف- لم يفرقوا بينهما في أشعارهم، كما فعل ورقة بن نوفل في القصيدة التي يقول فيها:
    وموسى و إبراهيم حتى يرى له***بهاء و منشور من الذكر واضح
    و مما يدل على تبني اليهود والنصارى للإبراهيمية أن الله أكذبهم في هذا الادعاء عندما ادعوه بقوله: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا) آل عمران: 67.
    الثاني: كان اختيار العرب لليهودية أو النصرانية أولى بكثير و أقرب إلى الحقيقة والمنطق السليم من اختيار الإبراهيمية للأسباب الآتية:
    - أن الإبراهيمية لم تعرف عندهم لأنها كانت منعدمة الوجود في الجزيرة كدين مكتمل المعالم واضح التفاصيل يمكن للناس اتباعه وتبنيه، ولا يوجد من يمثلها من العرب في ذلك الوقت كما تمثلوا الأديان الأخرى، ولا حتى الأحناف أنفسهم كانوا قادرين على مواجهة ذينك الدينين الذين لا زالا وضحا المعالم والتفاصيل بدين ليس واضح التفاصيل والتشريعات العملية، ولذلك كان لليهودية والنصرانية حضور قوي و مشاركة فاعلة في الواقع والثقافة بسبب قوة الدينين الذين كانا واضحين وضوحا يستطيع أصحابهما تقديمهما على أنهما حل أمثل للأمة العربية آنذاك في الخروج من مآزقهم، فكان اختيار العرب لليهودية او المسيحية أدعى بناء على فرضية أن الأمر اختيار ظرفي.

    -هناك قبائل عربية كثيرة تبنت المسيحية منها تغلب و لخم و كلب وبلاد نجران، وكذلك اليهودية في الحجاز تبنتها قبائل النضير و قينقاع و قريظة، بينما لم يعرف العرب الإبراهيمية إلا من خلال اتصالهم باليهود و النصارى، ولولا ذاك لانمحت معالمها من حياة العرب الوثنية، فلم يكن الواقع يعرف الإبراهيمية كدين منفصل عن اليهودية و المسيحية.

    -أن النصارى كانوا يدعون الناس إلى دينهم، واليهود إذا منعوا أحدا من الدخول في نسبهم فلم يمنعوه من الدخول في دينهم، قال تعالى: چﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ پ پ پ پچ البقرة: 120، قال الطاهر ابن عاشور: " أما اليهود فلم يكونوا يدعون الناس إلى اليهودية، ولكنهم يقبلون من يتهود كما تهود عرب اليمن"اهـ22/331، وجاء في " الاستيعاب " في أثناء الحديث عن زيد بن عمرو 2/616 " ومن خبره في ذلك أنه خرج في الجاهلية يطلب الدين هو وورقة بن نوفل فلقيا اليهود فعرضت عليهما يهود دينهم فتهود ورقة، ثم لقيا النصارى فعرضوا عليهما دينهم فترك ورقة اليهودية وتنصر، وأبى زيد بن عمرو أن يأتي شيئا من ذلك وقال : ما هذا إلا كدين قومنا نشرك ويشركون"اهـ
    - لم يحصل أن وقع بين اليهود و العرب أي قتال قبل الإسلام، في الوقت الذي كانت العرب قبائل متناحرة تحارب بعضها في معارك طاحنة.
    - لقد كان لليهود صورة لها احترامها في الشعر الجاهلي، فلم يصل إلينا أن هجى العرب اليهود في شعرهم، بل وصلنا أن مدحوهم وعظموا دينهم، كما مدح أبو سفيان بعضهم فقال: تأمل فإن القوم سر و إنهم***صريح لؤي لا شماطيط جرهم.
    - وكذلك عظم العرب دين النصارى، ألا ترى إلى قول النّابغة يمدح آل النّعمان بن الحارث ، وكانوا نصارى:
    مَجَلَّتُهم ذاتُ الإله ودينُهم*** قَويمٌ فما يَرْجُون غيرَ العواقب
    ولا يَحْسِبُون الخَيْر لا شرّ بعده*** ولا يحسبون الشرّ ضَرْبَةَ لازب
    مجلتهم = إنجيلهم.
    - كان بين العرب و اليهود اتصال ديني مباشر استمر أثره حتى بعد الإسلام، قال النووي في المجموع ج 9 ص 64: "فرع في جواز الرقية بكتاب الله تعالى وبما يعرف من ذكر الله ... وروى البيهقي بإسناده الصحيح عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت : دخل أبو بكر رضي الله عنه عليها وعندها يهودية ترقيها فقال : إرقيها بكتاب الله عز وجل"اهـ .
    - كان لليهود مكانة مرموقة في نفوس العرب، كما قال الطاهر ابن عاشور: " فربما كان أهل تلك البلدان يدعون المشركين إلى اتباع اليهودية أو النصرانية ويصغرون الشرك في نفوسهم ، فكان المشركون لا يجرؤون على تكذيبهم لأنهم كانوا مرموقين عندهم بعين الوقار إذ كانوا يفضُلُونهم بمعرفة الديانة وبأنهم ليسوا أميين"اهـ
    - كان اليهود بمثابة مرجعية عليا للعرب فيما يختص بشؤون الأديان، ولذلك استشاروهم كثيرا في أمر النبي ص.
    - الاتصال الفكري و العاطفي مع المشركين، كرثائيات كعب بن الأشرف لقتلى المشركين في بدر، منها قوله:
    طحنت رحى بدر لمهلك أهله *** ولمثل بدر تستهل الأدمع
    وكذلك رثى العرب بعض من مات من اليهود، مثل رثاء خفاف بن ندبة –قبل أن يسلم- خضيرا اليهودي، وكان نديمه وصديقه، ورثاء العباس بن مرداس بني النضير، هذا للتمثيل لا للحصر.
    - الاتصال الاقتصادي المتمثل في التجارة له دور كبير في نشر المودة بين الطرفين استمرت إلى أن نهى الله من أسلم منهم عنها بسبب ما فعلوه في حق النبي ص عندما نزلت: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) 110-البقرة.
    - أن اليهودية و النصرانية كانتا ديانتين تدعوان إلى التوحيد أيضا، قال الطاهر: " فكانت هذه الدعوة [المسيحية] إن صح إِيصَاء عيسى عليه السلام بها دعوةَ إرشاد إلى التوحيد"اهـ.
    الثالث: أن المؤلف قال: "هؤلاء الآخرون هم الأحناف الذين تحصرهم السيرة في 1-ورقة بن نوفل، 2-وعبدالله بن جحش، 3-وعثمان بن الحويرث، 4-وزيد بن عمرو بن نفيل، وتروي أنهم التقوا ذات يوم.."اهــ ص69.
    أقول : نعم، لم يكن الأحناف إلا هؤلاء، ولكن هؤلاء كلهم كانوا نصارى ما عدى الأخير!! وهذا يقتضي -على افتراض أنه جزء من واقع الأحناف- أن يختار النبي ص النصرانية كما اختارها أبناء واقعه. بل حتى زيد بن عمرو اختار اليهودية أولا مرة ثم انتقل إلى النصرانية، ولكنه لم يستمر عليهما لأنه قيل له بأن النبي قد ظهر في بلادك فعد إليها، فعاد، ولكنه لم يمهل، ولوللا ذلك لاستمر عليها. (ملخص من تاريخ الإسلام للذهبي 517-518).
    الرابع: وكذلك لم يعرف عن النبي ص اختلاطه بالأحناف اختلاطا يصحح دعوى انه ابن واقعهم. وما حصل بينه وبي بعضهم لم يكن أكثر من مجرد التقاء عفوي غير مقصود، لم يتكرر إلا مرة أو مرتين، فهل يعني هذا أنه من مجتمع الأحناف؟ وأين ورد عن النبي أنه اتفق معهم على أن «يبحث» عن الدين الجديد؟ أم هي الشهوة والهوى؟
    فإذا ثبت هذا نقول: لو صحت الدعوى بأن الإسلام اختيار من متعدد متاح لاختار النبي المسيحية أو اليهودية بديلا عن الإسلام، لأن الظروف المناسبة إلى اختيار دين له جذور متأصلة حاضرة في الواقع أولى بكثير من اختيار دين لا زال تحت البحث والتنقيب، أي لم يكن له وجود في الواقع أصلا، و لو صح أن النبي لم يكن مفارقا لواقع الأحناف لاختار النصرانية أو اليهودية بدلا عن الإسلام لأنهم كانوا يهودا أو نصارى، و بما أنه لم يخترهما صح قولنا بأن الإسلام لم يكن خيارا محتملا من متاحات موجودة قبل في الواقع بل كان شيئا مفارقا لا علاقة له بالواقع السائد لا من قريب و لا من بعيد، لا علاقة له بالأحناف و لا بغيرهم كما نصت الآيات.
    أما ادعاء المؤلف بأنهم لم يتبعوا المسيحية لأنها كانت دينا غازيا فهو باطل، لأن العرب أصلا لم يروا في المسيحية دينا غازيا بل رأوها جزءا منهم، فاعتنقتها بعض القبائل العربية، واعتنقها بعض الحنيفيين، وما ظهر في أشعارهم من تعظيم للمسيحية ورجالها يدل على نقيض دعوى المؤلف.


    لا تناظر جاهلا أسلمك الدهرُ إليه*****إنما تُهدي له علمًا يُعاديكَ عليه




  2. 3- الموقف الاتصالي الأول
    (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)) العلق: ١ - ٥.
    إن الآيات الأولى التي نزلت من النص في عملية الاتصال الأول تكشف لنا عن طبيعة الأسئلة التي كانت تحير محمدا... لقد كانت كلها تدور حول مصير الإنسان، حول مصيره وغايته..فالإنسان الذي كان يثير تساؤلات محمد دون شك إنسان مجتمعه"73.
    الأمر بالقراءة هنا أمر بالترديد، وتصور أن القرآن كان مكتوبا قبل نزوله "يجعل النص معطى سابقا كاملا مكتملا فرض على الواقع بقوة إلهية لا قبل للبشر بها، وكان من شأن هذا التصور أن يؤدي إلى عزل النص عن حركة الواقع تدريجيا، و ذلك بتحويله من نص لغوي إلى مجرد شيء مقدس"74.
    يتمثل تجاوب هذا النص مع المتلقيالأول في أنه كان يتيما و تركته المراضع مما "ولد إحساسا طاغيا «بالإهمال» و «الضياع»، وعلى ذلك فالوص -وصف الرب بالإكرام- يهدف إلى تطييب نفس محمد"75.
    4- التوجه للواقع بالبلاغ
    (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)): ١ - ٥.
    أفصح له الوحي عن حقيقة الدور الذي أسند إليه، إنها مهمة إنذار المجتمع بحقيقة الفساد الذي نخر في عظام المجتمع كله، و بضرورة تغييره76.
    "إن الأمر بتكبير الرب يستلزم تصغير الأرباب الأخرى... إن الأمر بالهجر هنا يمثل بداية الانفصال بين القديم و الجديد". "من هنا يصعب أن نتقبل إجماع المفسرين على أن المقصود بتطهير الثياب تطهير النفس"77.
    و إذا كان المفسرون قد جعلوا الصبر صبرا على عناد قومه فإن سياق النص بوصفه النص الأول في إعلان الرسالة ينفي ذلك، إن الصبر هنا صبر لأوامر الرب الذي طال حنين محمد إلى معرفته78.
    "إن النص في عملية الاتصال الثاني [يعني سورة المدثر] ما زال يتجاوب مع حالة المتلقي الأول" ص84.
    __________

    73- ص
    74- ص 76، من الكذب على الحقيقة بأنن يقال بأن هذا تصور، بل هي الحقيقة التي يحكيها النص عن نفسه في قوله مثلا: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) البروج.
    ولكن المهم هنا ان نسأل: لماذا ينكر المؤلف أن يكون للقرآن وجود كامل قبل تكلم النبي ص به؟
    إذا كان الواقع قد شكل القرآن بلفظه و معناه من خلال المتلقي الأول (وهو النبي) و لم يأت القرآن من مصدر خارجي مفارق للواقع، فهل يعني هذا الكلام أن القرآن صنعة بشرية؟ أم صنعة إلهية؟ إذا كان صنعة إلهية فهذا يعني أن القرآن وهو كلام الله إما أن يكون ابتداء قائما في ذاته تعالى أو أن يكون قائما في غيره، لا يجوز ان يكون قائما في غير الله لأنه عندئذ يصر المتكلم به ليس الله بل غير الله، و إذا كان قائما به ولكنه حدث فيه بعد أن خلق الله الواقع فهذا يعني أن الله محل للحوادث و المتغيرات، فيكون الله متغيرا، وكل متغير مخلوق، قال ص 135 ما نصه: "ولا يصح أن يكون هذا الفهم محجوجا بتصور ان الله لا يجوز عليه التغير...و التغير صفة دائمة في الواقع لا زمة له"اهـ هل يتصور أبو زيد أن الله جزء من الواقع المتغير الذي أنتج النص فيكون الله نفسه متغيرا مثل الواقع؟ هل يكون خالق الواقع مثل مخلوقه؟ و إذا اشترك الله مع الواقع في كونهما متغيرين وكان الواقع حتى يتغير محتاجا إلى من يغيره فهل يكون الله محتاجا إلى من يغيره أيضا أم نتراجع عن كونه متغيرا؟ أم هو متغير بلا مغير؟ و على فرض أن الله متغير، فهل يكون تغيره من نقص إلى كمال؟ أم من كمال إلى نقص؟ أم من نقص إلى نقص؟ أم من كمال إلى نفس الكمال؟ أم من كمال إلى كمال آخر لم يكن حاصلا له، فيكون ناقصا بفوات الكمال الثاني عليه؟
    كل هذه المحالات العقلية تقف ضد اعتبار أن الله متغير، وضد أن القرآن منتج ثقافي.
    -وهل يفهم من قوله "لم يفرض على الواقع بقوة إلهية لا قبل للبشر بها" أن للبشر بها قبلٌ كما كان لهم قبل بالشعر و سجع الكهان؟ أم يريد أن القرآن لم يفرض على البشر من مصدر خارجي و إنما كان اختيارا إراديا، أقصد من حيث المصدر؟
    -وما سر التعارض الأبدي عند أبو زيد بين أن يكون القرآن لغة و أن يكون مقدسا؟
    75- ص 77، وكأن القرآن تعبير عن الانفعالات النفسية للنبيص، والذي لا يشعر بتلك الإنفعالات فهو غير مقصود و غير مخاطب بها، فتكون دلالات القرآن بمثل هذا المثال خاصة بالواقع التي نزلت فيه.
    و لاحظ كيف انه جعل النبي ص وهو في سن الأربعين لا زال يعاني من الآلام النفسية التي عاناها وهو في المهد أي لمدة تزيد على الأربعين عاما، حتى إذا أنتج النص كان النص «تفريغا» لشعوره الطاغي «بالضياع» و الإهمال الذي بقي يعاني منه أكثر من أربعين عاما، فإذا جاءت لحظة الإبداع فرّج عن ذلك الكبت المتراكم على كر الأيام و السنين على شكل نص اسمه القرآن.
    أليس هذا تطبيقا عمليا لقول «ماركس»: "الدين زفرة الكائن المثقل بالألم، وروح عالم لم تبق فيه روح"اهـ (كارل ماركس للعيتاني ص16) ؟
    فلو كان لينين حيا لقال لمجتهدنا: "ياله من شرح رائع لمبادئ المادية الديالكتيكية".
    76- ص 81
    77- ص 83، أولا لم يدع أحد من العلماء أن هذا إجماع في تفسير الآية، ولا هو إجماع أصلا، بل أجمع المفسرون على أن المعنى الأول هو تطهير الثياب الحسية الملبوسة، منهم: ابن جرير الطبري، ومكي بن أبي طالب، والماوردي، وابن عرفة، والقرطبي، وابن عطية الأندلسي، والبغوي، والرازي، والبيضاوي، والجلالان، وأبو السعود، و أبو حيان الأندلسي، وابن كثير، والألوسي، والبقاعي، وإسماعيل حقي..إلخ.
    و قد أجمع علماء المسلمين قاطبة على الاحتجاج بهذه الآية في باب الطهارة من كتب الفقه على أن طهارة الثوب شرط من شروط الصلاة.
    ومن المحدثين من صنف الحديث الذي بين سبب نزول هذه الآية في باب الصلاة.
    ثانيا: المؤلف ادعى هذا الإجماع بناء على ما قرأه في تفسير الزمخشري، و بالرجوع إلى تفسير الزمخشري نكتشف الحقيقة، قال الزمخشري: " {وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ} أمر بأن تكون ثيابه طاهرة من النجاسات؛ لأنّ طهارة الثياب شرط في الصلاة لا تصح إلا بها ، وهي الأولى والأحب في غير الصلاة ، وقبيح بالمؤمن الطيب أن يحمل خبثاً . وقيل : هو أمر بتقصيرها ، ومخالفة العرب في تطويلهم الثياب وجرهم الذيول ، وذلك ما لا يؤمن معه إصابة النجاسة . وقيل : هو أمر بتطهير النفس مما يستقذر من الأفعال ويستهجن من العادات"اهـ
    و معروف في التفسير أن «قيل» صيغة للتضعيف، وكلما بعدت عن التفسير الأول زاد ضعف القول عند المفسر.
    فالزمخشري يفسرها بالثياب و المؤلف يغض الطرف عنها و يقول أجمعوا على تفسيرها بالصفات!
    78- ص و هل ينفي كون الصبر على اوامر الله أن يكون صبرا على عناد قومه؟ بل سياق النص ينفى ما ادعاه المؤلف، لأن سورة المدثر نزلت بعد تكذيب قريش للنبي ص، وسياق الواقع مع سياق النص في قوله (قم) و قوله (أنذر) يحتم تفسيرها بالصبر على تبليغ قومه الذي هو جزء من أوامر الله.
    و المؤلف يتوهم ان العلماء لم يفسروا الصبر على الطاعة، بل فسروها بذلك، قال البيضاوي: " { وَلِرَبّكَ } لوجهه أو أمره" و قال النحاس في إعراب القرآن: "ولربك فاصبر، أي على طاعته"اهـ
    فإذا ثبت هذا زدنا على الأكاذيب السابقة كذبة جديدة.


    لا تناظر جاهلا أسلمك الدهرُ إليه*****إنما تُهدي له علمًا يُعاديكَ عليه




  3. الفصل الثالث: المكي والمدني
    "إن التفرقة بين المكي و المدني تفرقة بين مرحلتين ساهمتا في تشكيل النص، على مستوى المضمون أو على مستوى التركيب و البناء"79.
    1- معايير التمييز
    اعتمد علماء المسلمين في التمييز بينهما على المعايار المكاني 80 دون اعتبار لأثر المكان و الزمان في النص، ولذلك فهو معيار ناقص، فالمعيار الصحيح يجب أن يكون مستندا على أثر تشكيل الواقع للنص.
    مثلا لم يكن في مكة تشريعات، ولم يكن فيها صلاة و لا صوم و لا زكاة81، ولذلك كل آية تتناول هذه المواضيع يجب أن تكون مدنية.

    2- معيار الأسلوب
    كان الكهان وقد شاعوا في مكة يستخدمون السجع ليوهموا الناس بأن كلامهم ليس من كلام البشر، فلذلك جاء القرآن المكي يكثر فيه السجع (الفاصلة القرآنية)، و عندما انتقل المسلمون إلى بيئة المدنة و انعدمت الكهانة لم يستخدم القرآن السجع82.
    حرصا من العلماء على إضفاء صفة القداسة على القرآن فقد "حرصوا على الفصل بين القرآن و النصوص الأخرى في الثقافة وصل إلى حد تأكيد القطيعة الكاملة بين النص والواقع...[ولو تخلوا عن هذا] لأمكنهم أن يفسروا الحروف المقطعة في أوائل السور تفسيرا يربطها بالسياق الثقافي للنص" ص92 فقد شاع عند الكهان استخدام كلمات غير مفهومة على طريق الزمزمة و النفث، ولذلك ورد مثله في القرآن.

    3- منهج التلفيق
    يوجد روايات تؤكد أن بعض الآيات نزلت مرتين، مرة في مكة و الثانية في المدينة، والاعتراف بهذا هذا يلغي نظرية (إنتاج الواقع للنص)، فالآية الواحدة لايمكن أن تدل نفس الدلالة في واقعين مختلفين، وحرصا من العلماء على تقديس الرواة83 فقد زعموا أن هذه الآيات لها نزولان، و هذا يدل على مدى سيطرة قوى التخلف على المجتمعات الإسلامية في القديم و الحديث84.
    مثلا آية الروح: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) الإسراء: ٨٥، الآية مكية باتفاق ولكن البخاري يورد رواية أنها نزلت في المدينة أيضا، والزركشي يقول بأنها نزلت مرتين الأولى في مكة و الثانية في المدينة85.
    وهذا باطل، لأن الواقع اختلف مابين مكة و المدينة فلا بد أن تختلف الآيات شكلا و مضمونا تبعا لاختلاف الفترتين.
    وتؤكد الروايات أن قريشا طلبت من اليهود أن يواجهوا النبي بشيء فقالوا لهم سلوه عن الروح، فسألوا، و هذا يدل على أنها مكية 86 .
    4- فرض تكرار النزول
    لا يمكن أن يتكرر نزول آية مرتين، لأن ذلك يلغي نظرية (إنتاج النص) بإلغاء "جذوره الدلالية الناتجة عن علاقته بالواقع"87 ويقضي على مفهوم النص باعتبار أنه من إنتاج الثقافة و إخراجها.
    مثلا: أصر العلماء على أن الفاتحة و لاإخلاص تكرر نزولهما في مكة و المدينة بناء على الروايات الكثيرة التي تدل على ذلك، وما دام هذا يتنافى مع نظرية (الإنتاج) فكل الروايات التي تدل على تكرار النزول تكون باطلة88.
    الفاتحة جزء من الصلاة التي فرضت في مكة يعني أنها مكية، و الإخلاص لقصر آياتها و مضمونها هو التوحيد الذي لم يكن اليهود ينكرونه، فهي مكية89.
    __________
    79- ص 85
    80- ص 86، بل هو معيار زماني حيث قالوا : المكي ما نزل قبل الهجرة، و المدني ما نزل بعدها.
    81- سوف يأتي إبطال هذا الكلام، بل كان في مكة صلاة و زكاة، وكان فيها تحريم الكثير من الأمور كالظلم والزنى و نكاح المحارم ...إلخ، وكان فيها تنظيم شؤون المجتمع الإسلامي داخل مكة في إدراة موحدة تسمى دار الأرقم ابن أبي الأرقم، و سيأتي التفصل لاحقا.
    82- ص والحقيقة أن السجع موجود في السور المدنية مثلما هو موجود في السور المكية أيضا، وليست كل السور المكية تحتوي على السجع ولا كل السور المدنية تخلو من السجع، فمن السور المدنية التي جاء فيها سجع متوال سورة
    الإنسان، ومن المكية مما لم يكثر فيه السجع سورة الواقعة.
    وما فائدة أن يستخدم القرآن السجع في مكة ولا يستخدمه في المدينة؟ يكون القرآن إذا مجرد مقلد لأنماط البشر في الأساليب.
    83- ص العلماء و المفسرون لا يعتدون برأي المحدث كمحدث إلا إذا كان فقيها، وحتى الفقهاء من الصحابة و التابعين -ممن لهم العظمة و الجلالة في قلوب العلماء- فقد ترك العلماء الكثير من مذاهبهم لوجود أدلة أقوى من الأدلة التي اجتهدوا بها، كتركهم لمذهب الأوزاعي وهو مذهب كان شائعا أكثر من المذهب الشافعي.
    84- ص 92-93.
    85- ص 93-94، وهذه مغالطة، لأن نظرية الإنتاج لم يثبتها بدليل أصلا سوى زعمه بأنها بديهية، فكيف يجعلها دليلا؟
    86- ص بما أنك تأخذ بالروايات فإما ان تاخذ بها كلها و إما ان تتركها كلها، أما أن تختار ما يتناسب مع ماتحب وتهوى فهذا يسمى تشه و هوى، وهو أبعد شيء عن العلم.
    ألا تؤكد الروايات الأخرى كرواية البخاري أن اليهود سألوه عنها أيضا؟
    بل إن نظرية الإنتاج الصناعي للقرآن تحتم أن تنزل هذه الآية في المدينة لا في مكة، لأن النبي في المدينة كان أكثر اتصالا مع أهل الكاتب من اتصال قريش بهم.
    87- ص 99، المعنى: أن دلالة النص مشروطة بالواقع الذي نزلت فيه، فإذا فقد الواقع فقدت دلالته، فلا يمكن إذا فقد الواقع أن يأتي واقع ثان وتدل الآية فيه بنفس دلالتها في الواقع الأول، وبالتالي لا يمكن أن تنزل الآية نفسها مرتين على واقعين مختلفين! فالله مجبر عند تغير الواقع أن يغير كلامه تبعا للواقع، هذا على أحسن المحامل وهو اعتبار أن الله هو الذي شكل القرآن لا الواقع، أما على اعتبار أن الواقع هو الذي شكل النص بمعزل عن الله فلا يكون الله مجبرا لأنه لا علاقة له به عندئذ.
    88- و الواقع -الذي ينادي المؤلف باعتباره- يؤكد أن كل سور القرآن نزلت مرة ثانية على الأقل لمصلحة اقتضت ذلك وهي جمع القرآن على نحو يصير به كتابا كما كان في اللوح المحفوظ، وهذا ما تؤكده الروايات المتواترة.[انظر نظم المتناثر من الحديث المتواتر لمحمد جعفر الكتاني، ح196]
    89- كونهما مكيتان لا يعني أنهما لم تنزلا مرة ثانية أو ثالثة أو أكثر، نعم العلماء متفقون على أنهما مكيتان، ولكنهم يقولون بأنه نزلت مرة ثانية في المدينة لأسباب اقتضت نزولها مرة ثانية.
    ثم إن اليهود لم يكونوا موحدين لزعمهم بأن الله يشبه المخلوقات، و أنهم أعلى درجة منه بقولهم (إن الله فقير ونحن أغنياء)..إلخ، فهل هذا من التوحيد عند المؤلف؟
    *وكذلك في تخصصها بنفي أن يكون الله مولودا (لم يلد ولم يولد) أقوى دلالة على أنها نزلت في المدينة أيضا، فأهل قريش لم يقولوا أبدا أن الله مولود أو أب، ويستحيل أن يحاججهم القرآ على معتقد لم يقولوا به، الذين قالوا هذا هم اليهود و النصارى الذين كثر اتصال المسلمين بهم في المدينة، فكان من الطبيعي أن يرد القرآن على معتقداتهم، فعلى نظرية (الإنتاج) يجب أن يذهب المؤلف إلى أنها مدنية لا مكية.


    لا تناظر جاهلا أسلمك الدهرُ إليه*****إنما تُهدي له علمًا يُعاديكَ عليه




  4. 5- الفصل بين النص و الحكم
    في حالة القرآن لا بد أن يتزامن سبب النزول مع النص مع حكمه ودلالته، ولكن العلماء يلغون علاقة التلازم و التزامن الضرورية بين النص والدلالة، على نحو يجعلون فيه الحكم الشرعي المستفاد من سبب النزول ينطبق على كل حادثة مطابقة لسبب النزول الأول، فلا تلازم عندهم بين دلالة النص و سبب النزول90.
    ويتمثل ذلك الإلغاء عندهم في أمرين:
    1- افتراض إمكانية أن ينزل النص في مكة و ينزل الحكم في المدينة.
    2- افتراض ان ينزل الحكم في مكة ثم ينزل النص في المدينة.
    و الأول يؤدي إلى "وجود نصوص مطلقة عن أحكامها، أي نصوص غير دالة"91، والثاني يؤدي إلى إمكانية الوحي بدون نص، "وإلا فكيف ينزل حكم بلانص؟"92.
    وهناك أمثلة.
    1- آية التيمم في سورة المائدة وهي سورة مدنية
    (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) المائدة ٦.
    كانت الصلاة مفروضة في مكة و الوضوء جزء منها، وقد ظن العلماء أن الآية تحتوي على أحكام الوضوء، فتكون بذلك حكم الوضوء ثابت قبل نزول النص، ويؤدي هذا إلى وجود حكم بلا نص، وهذا باطل لأن الآية ليست نصا في الوضوء بل تتكلم عن التيمم، أما الحديث عن الوضوء فيها فقد جاء عرضا93.
    أما افتراض تأخر الحكم عن النص فله أسباب، منها:
    1- عدم تفريقهم بين الدلالة اللغوية و الشرعية للنص.
    - مثل آية: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15)) الأعلى.
    تصوروا بأن التزكي هنا معناه الزكاة الفقهية، وعليه تصوروا أن هذه الآية المكية نص في الزكاة والحكم بوجوبها نزل في المدينة، وهذا باطل بل المقصود هو المعنى اللغوي [كالتربية مثلا]، فلا يكون عندئذ النص سابقا على الحكم94.
    - وآية: (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ) البلد: ٢.
    تصوروا أن الحل هنا عكس الإحرام و هو جزء من فريضة الحج، وهذا باطل لأن الحل هنا تعني مقيم95.
    -و آية: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) الأنعام: ١٤١.
    قالوا بأنها مكية، مع أن الزكاة فرضت في المدينة96.
    2- ورود تفسير عمن لا يستطيع العالم مخالفة قوله من صحابي أو تابعي
    - مثل آية: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فصلت: ٣٣ .
    ورد عن عائشة أنها قالت نزلت في المؤذنين بالرغم من أن الآية مكية، فالدعاية هنا ليست الأذان بل المعنى اللغوي97.
    3- الخل بين مناسبة النزول و حادثة أخرى يعاد فيها الاستشهاد بالنص
    - مثل آية: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) القمر: ٤٥.
    حيث قالوا نزل النص سابقا على حكمه، مع أن سياق النص يتضمن المقارنة بين فرعون و المشركين، و أعيد الاستشهاد به من قبل النبي ص في غزوة بدر98.
    __________
    90 - ص 101-102، بمعنى أن دلالة الآية على الحكم لا تصلح إلا لذلك السبب الذي نزلت فيه و لا تصلح لغيره، هذا هو التلازم الذي يعنيه المؤلف بين السبب و الدلالة.
    وهذا الكلام يعني أن القرآن ليس دالا بنفسه على المعنى بل دالا بغيره لأن دلالته متلازمة و متزامنة مع الواقع لا تنفك عنه، فإذا انفكت لا بد من قراءته قراءة مغايرة، فدلالته ليست قائمة به بل بالواقع، بحيث لو تغير الواقع تغيرت معه دلالة النصوص، ولو كان دالا بنفسه لكانت معانيه ثابتة ودائمة لا تختلف باختلاف الواقع، وهذا ما يعرضه العلمانيون -والمؤلف واحد منهم- أشد المعارضة.
    91- من الذي يجعل القرآن مفرغا عن معناه حتى يأتي الواقع فيملأه؟ من الذي يجعل النص مفتقرا في دلالته إلى غيره؟ من الذي يجعل القرآن غير دال على شيء حتى يجد له قارئا يؤوله كما يحب وبما يشاء؟
    92- ص102، سوف ينزل بنص النبي!
    93- لم يقل العلماء بأن حكم الوضوء ثابت بنص هذه الآية ابتداء، بل هو ثابت بنص النبي ص أولا، فالحكم هنا ثابت بنص، ولكنه نص النبي ص، قال الطاهر ابن عاشور: " إذا جرينا على ما تحصحص لدينا وتمحّص من أنّ سورة المائدة هي من آخر السور نزولاً، وأنّها نزلت في عام حجّة الوداع، جَزمنا بأنّ هذه الآية نزلت هنا تذكيراً بنعمة عظيمة من نعم التّشريع، وهي منّة شرع التيمّم عند مشقّة التطهُّر بالماء ، فجزمنا بأنّ هذا الحكم كلّه مشروع من قبْل، وإنَّما ذُكر هنا في عداد النّعم الّتي امتنّ الله بها على المسلمين، فإنّ الآثار صحّت بأنّ الوضوء والغسل شرعا مع وجوب الصّلاة، وبأنّ التيمّم شرع في غزوة المريسيع سنة خمس أو ستّ"اهـ .
    فتكرار نزول الحكم مرتين يقضي على نظرية «الإنتاج» الماركسية للنصوص الإلهية.
    94- ص 104، مع أن العلماء لم يفسروا التزكي هنا بالزكاة الفقهية. في تفسير الجلالين: " {قَدْ أَفْلَحَ} فاز { من تزكى} تطهر بالإِيمان "اهـ بلا زيادة، وقد استقرأت تفسيرها من 40 تفسيرا فلم اجد أحدا قال بأن معنى الزكاة هنا المعنى الفقهي.
    95- ص 106، العلماء فسروا (الحل) هنا بمعنى بشارة النبي بأنه سوف يحج في المستقبل تطمينا له، لا فرضا للحج، و الجمهور فسروها بمعنى الإقامة أو استحلال قريش لأذية النبي في الحرم المحرم عندهم، وهذا لا يمنع أن يحتج بالآية فقهيا عند نزول الحكم على لسان النبي ص.
    96- قال الطاهر ابن عاشور: "هذا قبل شرح نصابها ومقدارها"اهـ
    فمعنى الزكاة هنا زكاة شرعية لا لغوية، ولكن الحكم بفرضيتها و تحديد نصابها تأخر عن نزول النص إلى المرحلة المدنية، فتامل.
    و قال: " وقد فرضت الزّكاة في ابتداء الإسلام مع فرض الصّلاة ، أو بعده بقليل ، لأنّ افتراضها ضروري لإقامة أود الفقراء من المسلمين وهم كثيرون في صدر الإسلام ، لأنّ الّذين أسلموا قد نبذهم أهلوهم ومواليهم ، وجحدوا حقوقهم ، واستباحوا أموالهم ، فكان من الضّروري أن يسدّ أهل الجدة والقوّة من المسلمين خَلَّتهم . وقد جاء ذكر الزّكاة في آيات كثيرة ممّا نزل بمكّة مثل سورة المزمّل وسورة البيّنة وهي من أوائل سور القرآن ، فالزّكاة قرينة الصّلاة . وقول بعض المفسّرين : الزّكاة فرضت بالمدينة ، يحمل على ضبط مقاديرها بآية {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة : 103] وهي مدنيَّة ، ثمّ تطرّقوا فمنعوا أن يكون المراد بالحقّ هنا الزّكاة ، لأنّ هذه السّورة مكّيّة بالاتّفاق ، وإنَّما تلك الآية مؤكّدة للوجوب بعد الحلول بالمدينة ، ولأنّ المراد منها أخذها من المنافقين أيضاً ، وإنَّما ضبطت الزّكاة . ببيان الأنواع المزكاة ومقدار النُّصب والمُخْرَج منه ، بالمدينة ، فلا ينافي ذلك أن أصل وجوبها في مكّة"اهــ ج8/121.
    97- العلماء أجمعوا على خلاف التفسير المنسوب إلى عائشة، فقد أجمعوا على أن معنى دعا تبليغ الدين، وهذه ليست الرواية الوحيدة عن صحابي في تفسير الآية بل هناك الكثير من الروايات التي تفسرها بغير التفسير المنسوب إليها، والاقتصار على تفسير عائشة قلب للحقيقة و تصوير بأن العلماء لم يفسروا الآية إلا بذلك التفسير فاستحقوا من المؤلف التحقير و الوصف بالرجعية و التخلف، وهو ما يريد أن يصل إليه.
    و الرواية عن عائشة -لوصحت- فإن قولها "نزلت فيهم" يحتمل أن يكون معناه نزلت في وصف ينطبق على المؤذنين الذين ظهروا في المدينة.
    98- يقصد المؤلف الحكم بالقتال مع أنه لم يذكره، وأقول: إن هذه الآية نزلت في مكة وهي نص في أن حكم القتال سوف يحصل لاحقا، فالنص نفسه هنا يخبر بتأخر الحكم، و إذا ثبت أن النص نفسه يؤخر حكمه ثبت أن نظرية (الإنتاج) نظرية تتنافى في أصولها مع النص نفسه و مع طبيعة كنص دال بنفسه.
    قال الطاهر بن عاشور: " قوله : {سيهزم الجمع} إنذار بهزيمتهم يوم بدر وهو مستقبل بالنسبة لوقت نزول الآية لوجود علامة الاستقبال"اهــ وقال: " روي عن عكرمة أن عمر بن الخطاب قال : " لما نَزلت {سيهزم الجمع ويولون الدبر} جَعَلْتُ أقول : أيُّ جمع يهزم؟ فلما كان يومُ بدر رأيت النبي ص يثب في الدرع ، ويقول : {سيهزم الجمع ويولون الدبر} " اهـ، أي لم يتبين له المراد بالجمع الذي سيُهزم ويولِّي الدبر فإنه لم يكن يومئذٍ قتال ولا كان يخطر لهم ببال"اهـ


    لا تناظر جاهلا أسلمك الدهرُ إليه*****إنما تُهدي له علمًا يُعاديكَ عليه




  5. الفصل الرابع: أسباب النزول
    تعتبر أسباب النزول من أهم العلوم الكاشفة عن علاقة النص بالواقع و جدله معه.
    إن الحقائق «الإمبريقية» 99 المعطاة عن النص تؤكد أنه نزل منجما على بضع وعشرين سنة، وتؤكد أيضا ان كل آية أو مجموعة من الآيات نزلت عند سبب خاص «استوجب» إنزالها، و أن الآيات التي نزلت ابتداء -أي دون علة خارجية- قليلة جدا100.
    "وقد أدرك العلماء أن قدرة المفسر على فهم دلالة النص لا بد أن تسبقها معرفة بالوقائع التي أنتجت هذه النصوص"101.
    1- علة التنجيم
    الثقافة السائدة كانت شفاهية يستحيل عليها استيعاب نصوص بهذا الطول، ألم يكن -من وجهة نظر الفكر الرجعي التبريري- أن ينزل القرآن مرة واحدة؟ 102.
    "إن الواقع هنا يستجيب لواقع ثقافي له شروطه الموضوعية الخاصة"103.
    2- كيفية التنجيم
    (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) البقرة: ١٨٥
    (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) القدر: ١
    (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) الدخان: ٣
    فهم العلماء بهذه الآيات على أن القرآن كان له نزول كامل قبل نزوله إلى الواقع البشري، لأن هذه الآيات تدل على انه نزل في ليلة واحدة.
    وهذا «الانحراف» في الفهم يؤدي إلى فصل النص عن الواقع، ولذلك فهو باطل.
    "والحقيقة أنه لم يكن ثمة نزول مجمل للنص من مكان آخر وراء عالم الأرض" ص115
    لماذا؟
    لأن "هذا التصور لا تعارضه الآية محور النقاش فقط، بل يعارضه النسخ...وصيغة الماضي الواردة في الآية"104.
    فإذا كان القرآن قد نزل إلى اللوح المحفوظ في تلك الليلة قبل نزوله إلى واقع البشر فإن صيغة الماضي في قوله (إنا أنزلناه في ليلة القدر)تتعارض في وجودها في النص قبل نزوله، و إذا قلنا إنها أضيفت إلى النص بعد نزوله فإن ذلك يهدم أزلية النص105.
    فالحقيقة أن القرآن نزل مستجيبا للوقائع و الأسباب.
    3- الدلالة بين عموم اللفظ وخصوص السبب
    يعلمنا منهج هذه الدراسة أن السعي لاكتشاف دلالة النص يجب أن لا106 يفصل بين النص وبين الوقائع التي يعبر عنها، بحيث تكون دلالته منحصرة في تلك الوقائع.
    فمثلا آيات التدرج في تحريم الخمر، لم تنزل إلا لعلاج حالة الإدمان الاجتماعية، وهذا يؤكد جدلية النص مع الواقع و الثقافة.
    تحتوي النصوص الممتازة -دون النصوص ذات المستوى الأدنى- على دوال على الوقائع الجزئية و دوال "ذات طبيعة عامة، وهي الدوال التي تمكن العصور المختلفة من قراءة النصوص واكتشاف دلالات مغايرة فيها"107.
    فمثلا نصوص شكسبير تحتوي على أساطير تدل على معتقدات العصر، تسقط هذه الدوال الجزئية عادة في القراءات المعاصرة لحساب الدلالت العامة.
    ولذلك لا يجوز الاقتصار في فهم القرآن على الدلالات الجزئية، لأن ذلك يؤدي إلى خلق تعارضات داخل النص لا يمكن حلها108.
    ولا يجوز أن تبقى أسباب النزول دالة على مثل مادلت عليه عند نزولها، بل "يجب اكتشاف دلالات مغايرة فيها"109.
    إن دلالة النصوص ليست إلا محصلة لعملية التفاعل في عملية تشكيل النصوص وصنعها من جانبي اللغة والواقع.
    إن أسباب النزول ليست سوى السياق الاجتماعي للنصوص 110، وبما أن السياق الاجتماعي متغير فلا يصح إخضاع الواقع لأحكام و تشريعات جامدة لا تتحرك ولا تطور111.
    ليس ثمة إذا تعدد للنصوص حول واقعة واحدة، لأن ذلك يؤدي إلى فصل النص عن الواقع112.

    الفصل الخامس: الناسخ والمنسوخ
    لا يمكن التوفيق بين النسخ و بين الوجود الأزلي للنص في اللوح المحفوظ113.
    تحديد الناسخ والمنسوخ يعتمد على تحديد دقيق لأسباب النزول، وقد جعل العلماء كل اختلاف بين النصوص من النسخ114.
    قإذا كان النص في مفهومه الأساسي من حيث كونه وحيا انطلق من حدود مفاهيم الواقع فلا شك انه في تطوره كان لا بد أن يراعي هذا الواقع، ولا يصح أن يكون هذا الفهم محجوبا بتصوره أن الله لا يجوز عليه التغير، فالتغير صفة ثابتة في الواقع لا زمة له من حيث هو حركة مستمرة سيالة دافعة، ومادام النص متوجهاإلى الواقع فلا بد أن يراعي شروط الواقع"
    "لا يصح إخضاع الواقع لأحكام و تشريعات جامدة لا تتحرك ولا تطور"115 لأن الواقع متغير، وهذا التغير يتطلب تغييرا في الأحكام.
    إن بقاء النصوص المنسوخة إلى جانب النصوص الناسخة يعد أمرا ضروريا ، وذلك لأن حكم المنسوخ يمكن أن يفرضه الواقع مرة أخرى 116.
    فيجب في الناسخ و المنسوخ العمل بكل واد منهما في أي وقت حسب الحاجة والظروف التي يفرضها الواقع.
    و إذا كان «المنسأ» يعني العمل بآية بدلا عن الأخرى بسبب مانع شرعي فإذا زال المانع رجع لكل منهما حكمه الخاص فإن هذا "يجعل الناسخ والمنسوخ كله من باب المنسأ"117، "ويكون معنى التبديل في الآيات التي ناقشناها قبل ذلك تبديل الأحكام تبديل الأحكام لا تغيير النصوص" ص138.
    إن النسخ من وجهة نظر القدما يمثل وثبا على الواقع، لأنه فرض للتشريعات خاصة بواقع الجيل الأول على واقع مختلف.
    و الذي لا شك فيه أيضا أن فهم قضية النسخ عند القدماء لا يؤدي فقط إلى معارضة تصورهم الأسطوري للوجود الخطي للنص، بل يؤدي أيضا إلى القضاء على مفهوم النص ذاته118.
    __________
    99- أي المستفادة من التجربة الحسية.
    100- لاحظ يقول «الحقائق الإمبريقة»! فهل هذا صحيح؟
    إن الحقائق الإمبريقة تكذب هذه الدعوى العريضة، و تؤكد أن الآيات التي ورد فيها سبب نزول -صحيح وضعيف وموضوع دون تمييز- وعددها في أكثر الأحوال 888 آية لا تمثل أكثر من 14% من مجموع آيات القرآن البالغ عددها 6236 آية.
    101- ص 109، و ليت شعري أي واحد من علماء المسلمين قال بأن: " الوقائع أنتجت هذه النصوص" ؟؟
    102- الرجعي المتخلف هو الذي يرجع في سؤاله إلى حضيض الجاهلية الجهلاء ويبحث عن أسئلة بليت منذ مئات السنين ثم يطرحها في القرن الحادي والعشرين، وكأنه لم يجد في القرىن إجابة عنها، أو وكأن إجابة القرآن عنها بالنسبة كانت خاطئة بالنسبة إليه تستحق الإضراب عنها، فالمؤلف يعيد طرح نفس الأسئلة التي طرحها أسلافه الجاهليون عن القرآن، (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) الفرقان: ٣٢.
    يقصد «بالتبريري» الذي يبرر حدوث الأشياء بقدر الله وقضائه، وهذا الإيمان يعتبر عنده رجعيا! فتأمل..
    وفي الرد على سؤاله الرجعي أقول: شاء الله أن ينزل منجما للحكم التالية:
    أ- فيه إظهار للإعجاز من وجهين:الأول:مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وثانيا: تكرار التحدي مع كل مرة ينزل فيها أوقع في نفي أن يكون القرآن من «إنتاج الواقع» وأبلغ من ان يتحداهم به مرة واحدة.
    ب- حتى تعرف مقاصد التشريع الكلية و الجزئية، ولو نزل مرة واحدة لما عرفت مقاصد الشريعة.
    ج- فيه الناسخ والمنسوخ، فلا يتأتى نزوله مرة واحدة.
    د- فيه مايحتاج إلى البيان عند نزوله، و البيان عند نزوله مرة واحدة مستحيل، فيكون بذلك قد تأخر البيان مع الحاجة إليه بما يناقض وظيفة الوحي و النبوة.
    103- ص 111. يصرح هنا بأن مكونات الواقع شروط في تشكيل النص. فتأمل ما قلناه سابقا.
    104- ص 115، كيف تعارضه الآية؟ وكيف يعارضه النسخ؟
    105- ص 114
    هذا جهل بكلام العلماء، فإن العلماء يفرقون بين الكلام الأزلي القائم في ذات الله تعالى و الكلام الحادث المكتوب في اللوح أو في المصاحف أو المنطوق بألسنتنا.
    فإن الكلام الأزلي كصفة العلم و الإرادة وغيرها لا يمكن أن يحدث لأن الله تعالى ليس محلا للحوادث و إلا كان محتاجا إلى الفاعل فيكون مخلوقا، وهو محال.
    إن لكلام الله الأزلي القائم به تعلق بالأشياء تعلق دلالة، فإذا وجد المخبَر عنه وجدت الدلالة عليه على شكل الألفاظ، فالكلام الأزلي لا يوصف بكونه خبرا ولا أمرا إلا عند وجود المخبر عنه أو المأمور.
    وهذا معنى صيغة الماضي، فلما أنزله صار الخبر خبرا عن شيء ماض، وهذا لا يتعارض مع صيغة الماضي، فأنت إذا أردت أن تخبر عن شيء لم تفعله بعد ثم فعلته و أخبرت عنه بالخبر الذي كان في نفسك لم يكن في كلامك النفسي قبل فعله كذب مع أنك متكلم حقيقة بأنك فعلته قبل التلفظ. وكذلك نزل القرآن إلى اللوح المحفوظ و فيه الإخبار عن أنه نزل في تلك الليلة.
    ثم إن وصف الله تعالى القرآن بأنه: «نزل كتابا» يقضي على دعوى إنتاج النص، قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ) النساء: ١٠٥، وقال: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) آل عمران: ٣، و قال: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) المائدة: ٤٨، وقال: (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) القصص86،وغيرها الكثير، فليس لمعنى نزوله كتابا وقد نزل صوتا إلا أنه كان مكتوبا قبل أن ينزل.
    106- يكثر المؤلف من قوله: "لا يجب أن"، وهذا غلط لغوي في مثل هذا السياق.
    107- ص 122، القراءة تعني التفسير أو التأويل أو الفهم أو التحليل بمعنى واحد.
    108- ص 120
    109- ص 122-124
    110- ص 126
    111- ص 135
    112- ص 130، الكثير من الآيات نزلت مرات كثيرة في وقائع متعددة ومختلفة، مثل قوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) آل عمران: ١٩٥، انظر الدر المنثور للسيوطي في تفسيرها.
    بل لقد نزلت معظم آيات القرآن (90% على الأقل) بلا سبب يقتضي نزولها.
    113- ص 131، ههنا قضيتان:
    الأولى: أن النص يتعارض مع أزلية القرآن
    الثانية: الدعوى على علمائنا بأنهم قائلون بأزلية ما في اللوح المحفوظ
    الجواب عن الأولى: لا تعارض، فإن الكلام الأزلي لا يتعلق به النسخ أصلا لأنه صفة لله كصفة العلم لا تتبدل و لا تتغير، و لكن الذي ينسخ هو العبارات و الألفاظ الدالة على المعنى القديم.
    والجواب عن الثانية: يستحيل أن يخرج هذا الكلام ممن يدعي الاجتهاد المطلق وهو يجهل أضخم مسألة في تاريخ الإسلام، فإن العلماء قالوا بعكسها، وهذا السلوك من المؤلف يعتمد على تشويه العلماء ثم تحقيرهم ورد ما قالوه مع أنهم لا يقولن إلا بما قال الله به، فهو يريد أن يرد كلام الله ولكن كيف؟ بتصوير أن ذلك القول قول العلماء و ليس قول الله.
    قال اللقاني في هداية المريد: "وفي شرح المقاصد..المرضي عندنا أن له اختصاص آخر بالله تعالى، وهو أنه اخترعه بأن أوجد أولا الأشكال في اللوح المحفوظ لقوله تعالى: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) البروج، أو الأصوات في لسان الملك.."اهـ،1/515-516 ، وقد بين الفخر الرازي أن ما في اللوح من رقوم وألفاظ مخلوق في كتاب الإشارة، وكذلك عندما عدد ابن حجر العسقلاني في الفتح المخلوقات العلوية ذكر منها -كما هو مستفاد من الأحاديث- اللوح المحفوظ.
    114- ولكن العلماء جمعوا من المنسوخ ما لا يتعدى 300 آية فقط، لم يترجح عندهم في النسخ على أكثر تقدير إلا ما لا يزيد على 30 آية فقط في أكثر الأحوال. انظر بحث (المنسوخ من آيات القرآن الكريم) للدكتور عبد الرحمن الشهري.
    115- ص 135
    116- ص 137، فالخمر على سبيل المثال كراهتها منسوخة بحرمتها، فلو فرض الواقع على المؤلف أن يشرب الخمر فهذا يجوز عنده بنص الكتاب لأنه يوجد فيه نص الإباحة.
    117- ص 138، فإذا زال المانع عن حرمة الخمر جاز له ان يشربه عودا على حكم الآية المبيحة له.
    118- ص 152، وقد سبق أن نبهنا على أن علماءنا لم يقولوا بأزلية النص الموجود في اللوح المحفوظ، بل يقولون بأن الله خلقه في اللوح، أما الكلام القديم فلا تغير فيه و لا حدوث.
    ودقق في وصفه للوح المحفوظ بأنه أسطورة تجد حقيقة الاجتهاد المناقض لقواعد القرآن.


    لا تناظر جاهلا أسلمك الدهرُ إليه*****إنما تُهدي له علمًا يُعاديكَ عليه




  6. الباب الثاني: آليات النص
    الفصل الأول: الإعجاز
    البحث عن الإعجاز بحث عن السمات الخاصة للنص التي تميزه عن النصوص الأخرى،"ولا شك ان النص في علاقته بالنصوص الأخرى يتضمن داخله دوال تؤكد مشابهته لها، ولكنه يتضمن أيضا دوال أخرى تؤكد مخالفته لها" ص155.
    ولكن العلماء المسلمين كانوا حريصين أشد الحرص على نفي أي مشابهة بين النص وغيره من النصوص"119.
    لا يختلف القرآن عن الشعر وسجع الكهان إلا في أن علاقة الاتصال بين المرسل و المستقبل علاقة رأسية(الله-الإنسان)، أما الشعر و السحر فهو علاقة أفقية (الجن-الإنسان) 120.
    ولذلك "كان من الطبيعي أن تترابط النصوص الناتجة عن (الاتصال/الوحي) [ وهي القرآن و الشعر و سجع الكهان] في ذهن الجماعة" وهم المخاطبون بالوحي من المشركين و غيرهم، و بسبب هذا الترابط "لم يكونوا قادرين على استيعاب التغاير بين النص و النصوص التي لديهم، ولذلك كانوا حريصين أشد الحرص على جذب النص الجديد غلى أفق النصوص المعتادة،فقالوا عن النبي شاعر و قالوا عنه كاهن، ولا شك ان هذه الأوصاف قامت عندهم على أساس إدراك المماثلة بين نص القرآن و نصوص الشعراء و الكهان"121، "فحين وصف العرب محمدا بالشاعرية و السحر والكهانة فإنما كانوا يحاولون رد النص إلى غطار النصوص المألوفة"122.
    وما كان القرآن أداة هامة للتنبؤ بالوحي إلا لأن "الكهانة ذاتها كانت أداة هامة للتنبؤ بالوحي"123
    و إذا كان الباقلاني يسهل عليه أن ينكر التماثل بين القرآن و الشعر فإن إنكاره للتماثل لا يعتمد على تحليل لمعطيات النص"124.
    "إن موقف الإسلام من الكهانة مماثل لموقف النص من السجع أو الفاصلة، موقف القبول أولا ثم الرفض بعد ذلك، وتلك هي جدلية القرآن مع الواقع، وجدلية النص مع النصوص الأخرى في الثقافة"125
    "يحاول الباقلاني -عبثا-أن يثبت أن إعجاز القرآن كامن داخله، و أنه ليس إعجازا نابعا من تدخل خارجي"126، إن محاولاته تعتمد لإثبات إعجاز القرآن تعتمد على مفهوم انفصاله انفصالا تاما عن النصوص الأخرى داخل الثقافة" ص162.
    ولكن المعضلة الحقيقة في مفاهيم الباقلاني و الأشاعرة على وجه العموم تكمن في هذه الثنائية بين الكلام الإلهي القديم (المعنى النفسي) و بين العبارة عنه (القرآن)...إن تركيزهم على مفهوم الكلام الإلهي -القرآن- بوصفه تعبيرا عن الصفة القديمة قد أدى إلى القول باستحالة وجود أي قدر من التشابه بين كلام الله و كلام البشر.
    إن الفصل بين القرآن والنصوص الأخرى داخل الثقافة أدى في النهاية إلى المصيبة الكبرى والآفة العظمى عند أبو زيد، لقد "أدى في النهاية إلى تحويل النص إلى شيء مقدس في ذاته" ص163.
    [هذه المرة الثالثة في هذا الكتاب التي ينكر فيها المؤلف كون القرآن مقدسا، وهو يتناسب مع ما نقلناه عنه سابقا في أنه ينفي أن يكون هناك شيء فيه معنى القداسة، لا القرآن ولا غيره.
    ولا بد أن نلاحظ ان قداسة القرآن هدمت في نظره بسبب مساواته بين القرآن والشعر والخطب وغيرها من النصوص التي ينتجها ذلك الواقع كما كان ينتج نوص القرآن سواء بسواء.
    وقد أنكرها تصريحا في الصفحات التالية: 14-74-163. اما التلميح بإنكارها فهو كثير.]

    الفصل الثاني: المناسبة بين الآيات والسور
    للقرآن مرحلتان يمر فيهما:
    المرحلة الأولى: مرحلة تصنيع النص و إنتاجه.
    والمرحلة الثانية: مرحلة تغيير النص للثقافة و تأثيره فيها من خلال تغيير دلالاته.
    "والفارق بين جدل النص مع الواقع وبين جدل الواقع مع النص فارق في الأولية ليس إلا، ففي مرحلة تشكيل النص قي الثقافة تكون الثقافة فاعلا و النص منفعلا، و إن كان انفعال النص هنا كما سبقت الإشارة انفعال من خلال آليات اللغة، وفي مرحلة تشكيل النص للثقافة يكون النص فاعلا و الثقافة منفعلا127، فالثقافة هنا لا تشكل النص بل تعيد قراءته 128، وهي من ثم تعيد تشكيل دلالته ولا تعيد تشكيل معطياته اللغوية"129.
    وبناء عليه "يكون إنتاج الدلالة فعلا متجددا بتعدد القراء من جهة، ومتجددا باختلاف ظروف القراءة من جهة أخرى"130.
    ولذلك يجعل النص نفسه محورا للثقافة عن طريق قابليته للتفسيرات والتأويلات المختلفة في المكان والزمان على السواء"131.
    وقد ذهب القدماء إلى أن الذي يكشف الدلالة هو النص نفسه، بأن تبقى دلالاته على ماهي هليه دون أن تختلف باختلاف الزمان و المكان، فتكون دلالته غير متوقفة على حدود الوقائع الجزئية،بل تنسحب على كل الوقائع المطابقة لما دل عليه النص عند تنزله132، ولكن هذا يتعارض مع ما تقرر سابقا من أن دلالة في الواقع الجديد لا بد أن تختلف عن دلالته في الواقع القديم، لأن دلالة النص لا متناهية، ولكنه يؤدي إلى نتيجة أخطر وهي أن يتمسك الناس بهذه التفاسير ويحولونها إلى عقيدة، وتكون نتيجة ذلك الاكتفاء بهذه الحقائق الأزلية بوصفها حقائق نهائية"133.
    إن النصوص الرديئة هي النصوص "محددة الدلالة" و التي "تنتهي مهمتها بفك شفرة الرسالة ووصول المتلقي إلى مضمونها..وذلك على خلاف النصوص الممتازة" التي لا تنتهي دلالتها باختلاف الزمان والمكان.
    إن فهم العلماء للتفسير و التأويل "يهدف إلى تثبيت الواقع بتثبيت معنى النص عند اجتهاد القدماء"134.
    __________
    119- ص 155، ولكن علماءنا قالوا بأن القرآن و كل النصوص الأخرى تشترك مع بعضها في أنها لغة، ولكنه يختلف عنها بإعجازه. انظر مقدمة تفسير الطبري 321هـ، ومقدمة تفسير الطاهر بن عاشور.
    120- ص 157، فالاختلاف ليس في القرآن نفسه وأساليبه بل في المصدر. إذا لا يوجد فرق بين حقيقة القرآن وحقيقة الشعر، وماداما كذلك فلا فضل للقرآن على الشعر و زمزمة الكهان في شيء، و عليه فليس القرآن معجزة.
    121- ص 157، المماثلة تعني المطابقة في كل الصفات النفسية للشيء.
    122- ص 160، في هذا النص نفي لإعجاز القرآن بجعله مطابقا للنصوص الجاهلية، و الحقيقة أن العرب عندما شاهدوا في القرآن شيئا (وهو الإعجاز) يثبت دعوى النبوة من النبي ص أرادوا الحط من قيمته كي لا يؤمن الناس به بجعله كغيره من نصوص ثقافتهم، فقالوا: (لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين) وقالوا (أإنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون) وقالوا (إن هذا إلا سحر يؤثر، إن هذا إلا قول البشر) وقالوا بأنه كلام الكهان فأجابهم: (ولا بقول كاهن، قليلا ماتذكرون).
    ولقد تواترت الأخبار و التواريخ و السير بأن عقلاء المشركين وصفوتهم اجتمعوا و أجمعوا على ان القرآ ليس بشيء مما ذكروا، و اعترفوا بأنه مفارق لواقعهم مخاالف لأساليبهم، وما منعهم من الاعتراف بذلك إلا حمية الجاهلية (ذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ)، حتى لا يقال أن آباءهم و أجدادهم كانوا في ضلال مبين، إلى أن جاء القرآن بما طير ألبابهم و بهر عقولهم من هول ما وجدوه فيه من البلاغة و الإعجاز، فمنهم من كان و هو على شركه إذا سمع القرآن خرمغشيا عليه، ومنهم من كان يصعق، ومنهم من كان يتغير لونه، ومنهم من كان يطلب المزيد من القرآن، ومنهم من يهرب منه خوفا من أن يتمكن من قلبه فيؤمن، ومنهم من كان يؤمن لسماع آية او آيتين، ومنهم من كان يؤمن لسماع سورة أو مقطع قصير، أليس منهم عتبة بن ربيعة القائل: " الله لقد سمعت من محمد كلاما ما سمعت مثله قط والله ما هو بالشعر ولا السحر ولا الكهانة فأطيعوني في هذه وأنزلوها بي خلوا محمدا واعتزلوه"اهـ[تاريخ دمشق] أليس منهم الوليد بن المغيرة القائل: " والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني ولا بأشعار الجن والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته..إلخ"اهـ [تاريخ الإسلام]، أليس منهم انيس أخو أبي ذر:" يقولون شاعر كاهن ساحر -وكان أنيس أحد الشعراء- قال أنيس لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون"اهـ [صحيح مسلم].
    وكذلك يخبرنا القرآن نفسه بأن المشركين أقروا بهذه الحقيقة في أنفسهم ولكن جحدتها قلوبهم وأنكرتها ألسنتهم بعد الاعتراف بها، قال تعالى: (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) المؤمنون: ٦٦ - ٧٠ ، و قال: (فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ) الأنعام: ١٥٧، و قال: (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) الأنبياء: ٥٠.
    123- ص 163.
    124- ص 161
    125- ص 164، يزعم بأن القرآن المكي موقفه من الكهانة موقف قبول؟ هناك الكثير من الآيات المكية التي تذم الكهانة و تجعلها شعارا على الكفر، مثل قوله تعالى: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) الحاقة، و أخبر عنهم في سورة الشعراء وهي مكية: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224)) الشعراء 221-224، قال المفسرون :المعني هنا الكهان. و نفس الأمر ينطبق على الشعر أيضا.
    فالكهانة و أساليبها محرمة مرفوضة في المرحلة المكية كما يقول النص عن نفسه.
    و تأمل قوله: (القبول ثم الرفض) هل يقبل القرآن استخدام الأساليب و توظيفها في بنيته ونصه حتى تصير جزءا منه ثم يحرمها؟ أيذم القرآن نفسه؟
    126- ص 167
    127- وهذا غير صحيح، لأن الفاعل على هذا التقدير يكون هو القارئ و ليس النص نفسه، فالنص عنده لا دلالة فيه إلا إذا جاء الواقع وملأه بمعنا، ولا دلالة فيه إلا إذا تم تأويله وتغيير دلالاته عما كان يدل عليه قبل مرحلة الاكتمال، فالفاعل هنا هو القارئ و ليس النص، فالفاعل في الحقيقة في المرحلتين هو الواقع.
    128- إذن، صارت الثقافة هي الفاعل مرة أخرى و النص منفعل.
    129- ص 200، بما أن المرحلة الثانية
    130- ص 201.
    131- ص 212، قال حجة الإسلام: "وليس المقصود نفي اختلاف الناس فيه، بل نفي الاختلاف عن ذات القرآن"اهـ
    132- ص 222
    133- ص 251
    134- ص 270، يقصد : (بما أن العلماء جعلوا للنص معان محددة فلا بد لهم أن يحددوا الواقع ويثبتوه على غرار الواقع الذي نزل فيه القرآن، لأن النص إذا كان معناه الصحيح مرتبطا بتفسير الصحابة فلا بد أن يكون الواقع هو واقع الصحابة، فإذا اختلف الزمان و المكان وبقينا على نفس التفسيرات التي فسرها القدما فإننا بحاجة إلى إرجاع الواقع إلى واقع مماثل لواقعهم حتى تصلح دلالة النص عليه، فدلالاته كما قلنا منحصرة في واقع معين إذا فارقه فارق دلالته).
    ولكننا نقول: إن تفسيرات النبي ص و الصحابة و ما أجمع عليه المسلمون واستنبطوه بالقياس الصحيح في أزمانهم شهد الله لهم بأنها هي التي يجب أن يتبعها الناس في كل زمان ومكان: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) آل عمران: ١١٠، وقال: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) البقرة: ١٤٣، وقال: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) الحج: ٧٨، وقال: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) الفتح: ١٨، وقال: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ) التوبة: ١٠٠...إلخ، ناهيك عن نصوص السنة المتواترة في الحث على اتباع الصحابة في عقيدتهم وفقههم و أخلاقهم.
    و إذا كان المؤلف ينكر على النبي ص وعلى الصحابة و على سائر المسلمين أن يكونوا على أمر ثابت، ويملأ كتابه من وصف الفكر الإسلامي القديم و المعاصر بقوله: «الفكر التثبيتي الرجعي المتخلف» فإن القرآن وصف نفسه بأنه فكر تثبيتي في قوله: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) إبراهيم-27.

    *إذا ربطنا الكلام السابق بما قاله المؤلف في المقدمة فإننا نلمس بأن المؤلف يقرر بكل وضوح أن القرآن صنعة بشرية، فإن القرآن عنده «منتج» ثقافي كالمنتجات الصناعية، و«صنعة الواقع» و «أوجده الواقع» و«شكله الواقع» و«فعله الواقع فانفعل» لا يصح في عقل عاقل إلا أن يكون المعنى أنه صنعة بشرية.
    *أخطاء كبيرة، أكبر من دعواه الاجتهاد، تظهر بكل وضوح جهل العلمانيين وبلادتهم وكذباتهم التي لم يشهد لها التاريخ في الجرءة والوقاحة.

    * إن إخبار القرآن أنه نزل «كتابا» يقضي قضاءا كليا على دعوى «الإنتاج الصناعي» للقرآن، لأنه يعني أن للقرآن وجودا سابقا على الواقع، أي ينفي أن يكون للبشر ولواقعهم يد في (صناعة و إنتاج) نص القرآن، وهو ما ذكره القرآن نفسه كما سبق، و إذا كان القرآن «كتابا» (أنزل) إلى الواقع -والإنزال في اللغة يعني النقل من مكان إلى مكان- فهذا يعني أن الكتاب انتقل من مكان أول إلى مكان ثان، و إذا كان الكتاب (نُـزِّل) [بتشديد الزاي] -والتنزيل يعني التدرج في الإنزال- فهذا يعني أن الكتاب نزل من المكان الأول إلى المكان الثاني شيئا بعد شيء، فيكون للكتاب الذي أنزل انتقال منجَّمٌ من المكان الأول الذي هو اللوح المحفوظ إلى المكان الثاني الذي هو الواقع البشري.
    [انظر الكليات للكفوي، والتعريفات للشريف الجرجاني، و في التاج: " وَفَرَق جماعةٌ من أربابِ التحقيق فقالوا : التَّنْزيل : تَدْرِيجيٌّ والإنْزالُ دَفْعِيٌّ كما في أكثرِ الحَواشي الكَشّافِيّةِ والبَيْضاوِيّة"]
    ولا معنى لكلمة «الكتاب» الذي هو القرآن إلا النص المكتوب، قال التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون في تعريف الكتاب: "اسم للمكتوب، و الفرق بينه و بين الرسالة بالكمال فيه و عدمه في الرسالة كما سبق"اهـ مادة (كتب)، ومنه قوله: (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) الأعراف3.


    لا تناظر جاهلا أسلمك الدهرُ إليه*****إنما تُهدي له علمًا يُعاديكَ عليه




  7. انتهى تلخيصنا للكتاب.

    و أعيد تلخيصه في سطرين:
    يؤكد "نصر حامد أبو زيد" تأكيدا صريحا واضحا بينا أن نص القرآن نص بشري وضعي، وضعته الثقافة البشرية التي أنتجت نصوصه وأوجدته بناء على إرادتها شكلا ومضمونا، ولذلك فهو معبر عن إرادة تلك الثقافة وذلك الواقع لا غير، ولذلك لا يمكن تطبيق تلك الإرادة التي أرادها مؤلف القرآن على واقع جديد مختلف إلا إذا تم تغيير معانيها إلى معان جديدة تختلف عن الواقع الذي "صنع" نص القرآن بما يناسب إرادة وشهوات الواقع الجديد.


    لا تناظر جاهلا أسلمك الدهرُ إليه*****إنما تُهدي له علمًا يُعاديكَ عليه

  8. #23
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عمر البوريني مشاهدة المشاركة
    انتهى تلخيصنا للكتاب.
    و أعيد تلخيصه في سطرين:
    يؤكد "نصر حامد أبو زيد" تأكيدا لا فرار منه، ويصرح تصريحا واضحا بينا لا مراء فيه بأن نص القرآن نص بشري وضعي، وضعته الثقافة البشرية التي أنتجت نصوصه وأوجدتها بناء على إرادتها شكلا ومضمونا، ولذلك فهو معبر عن إرادة تلك الثقافة وذلك الواقع لا غير، وبالتالي لا يمكن تطبيق تلك الإرادة التي أرادها مؤلف القرآن على واقع جديد مختلف إلا إذا تم تحريف معانيها إلى معان جديدة بناء على إرادة وفكر كل واقع جديد يختلف عن الواقع الذي "صنع" نص القرآن بما يناسب الشهوات والأهواء.
    أخي الفاضل السيّد عمر المحترم ، سلامٌ عليك ..
    لعلّك أعطيتَ هذا الكاتب ، وَ ما اقترفت يداهُ مِنَ تدوينِ هذَياناتِهِ ، أكثر مِمّا يسـتأهِل من الوقت و الجُهْد ...
    فمن البداية ، لا يُلتَفَتُ إلى تفاصيل تخريفاتِهِ الحشّاشِيّة وَ تخبيصِاتِهِ السَـكرانِيّة ... فقد فَضَحَهُ جهلُهُ بالتارِيخ وَ الحقائق العلمِيّة ...
    بل يُحصرُ البحثُ معهُ في أمرين أساسِيَّينِ لا يُقَدَّمُ عليهِما شَيْءٌ ... بِنحوِ هذين السؤالَين المتتالِيَيْن :
    1 - هل تؤمِنُ بأنَّ لهذا العالَمِ بجملتِهِ وَ تفصيلِهِ وَ كُلِّيَّتِهِ وَ حذافِيرِهِ خالِقاً واحِداً حيّاً لا يموتُ ، عليماً قادِراً قوِيّاً حكيماً مُختاراً سَـميعاً بصِيراً ، لا يُشـبِهُ شـيئاً من خلقِهِ وَ لا شـريكَ لَهُ في وصفِهِ بأيّ وجهٍ من الوجوه ، لَمْ يزَلْ موجوداً بِذاتِهِ بلا بِداية ، متقَدِّسـاً عن الإِنقطاعِ وَ الزوالِ و النهاية ؟؟؟ ... عَزَّ وَ جلَّ .
    خالق الأجسادِ و الأرواحِ وَ الأعيانِ و الأعراضِ وَ المعايِشِ وَ الأرزاقِ وَ جعلَ الظلماتِ و النورِ ، فلا يَعْدِلُهُ أَحَدٌ ...
    سُـبحانَهُ و تعالى عمّا يُشْـرِكُونَ ...
    2 - هلْ تؤمِنُ بأنَّ الله تعالى أرسلَ أنبياءَ من البشَرِ لِهداية الإِنسانيّة لما فيه خيرُهُا في الدنيا و الآخِرة ، وَ ختمهُم بحبيبِهِ سيّدنا محمّد رسولِ الله (صلّى اللهُ عليه و على آلِهِ وَ سلّم) الصادقِ الأمين ، ابنِ عبد الله بنِ عبدِ المُطّلِبِ بنِ هاشم من صفوةِ قريش و كنانة و بني اسماعيل عليه السلام ، وَ أشـهَرَ ذِكرَهُ في الملأ الأعلى قبل تمام خلقِ أبي البشر آدم عليه السلام وَ في الكتب السابقة ، عبر القرون ، قبل ظهورِهِ بمئات السنين ، وَ أيَّدَهُ بالمعجِزات و البراهين الدامغة التي لا يرتابُ عاقِلٌ بأَنَّهُ لا يقدِرُ عليها إِلاّ فاطِرُ السمواتِ وَ الأرضِ علاّمُ الغيوبِ القادِرُ على قلبِ الأعيان وَ تغييرِ الأكوان وَ إِبداعِ المفقود وَ إِعدامِ الموجود ؟؟؟...
    أمْ تَدَّعِي أنَّكَ أعقَلُ من الملايين من جماهير العقلاء من الصحابةِ و التابِعين بإِحسان ، من العلماء و الخلفاء وَ الحكماء وَ الأولِياءِ العارِفِين أهل الكرامات و الملوك العادِلِين و عظماء الفاتحين و جميع الأذكياء الذين اتَّبَعُوا هذا النبِيَّ الأُمِّيَّ العظيمَ ، عبر التاريخ ، و امتلأَتْ قُلوبُهُم بحُبِّهِ وَ تعظيمِهِ وَ الحيرةِ في شهود كمالِهِ خلقاً وَ خُلُقاً وَ جمالِهِ وَ هيبَتِهِ وَ معالِيهِ وَ طِيبِهِ وَ عقلِهِ وَ علومِهِ وَ تقواهُ وَ معرِفَتِهِ وَ حِكمَتِهِ ... ؟؟؟!!! ...
    صلّى اللهُ عليهِ وَ سَـلَّمَ كُلّما ذكَرَهُ الذاكِرُونَ وَ كُلَّما غفَلَ عن ذِكْرِهِ الغافِلُون .
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  9. والله يا أستاذتنا الكريمة لقد وجدت إجابته عن ذينك السؤالين واضحة صريحة بالنفي، وذلك في كتبه: نقد الخطاب الديني وكتاب مفهوم النص وكتاب النص والسلطة وكتاب النص و التأويل.
    وقد قال الشيخ محمد الخضر حسين: "ولكن القوم أصبحوا يتساقطون على طمس معالم الحقيقة والفضيلة تساقط الفراش على الراج، والسكوت عنهم تفريط في جنب الله" اهــ
    وإن تلبيس الكفر الواضح بلباس إسلامي انطلى على الكثير من دكاترة الجامعات المتظاهرين بالغيرة على الدين، فهل سآمن بعد ذلك أن تصير كتب أولئك الإباحيين "العلمانيين" تدرس في جامعات البلاد الإسلامية باسم الدين والغيرة عليه؟
    بل إنني قد رأيت بعض مشايخ الأشاعرة المشار إليهم بالبنان لا يجزم ولا يقطع بأن أبو زيد يقول بأن نصوص القرآن نصوص وضعية.
    ولذلك اقترحت على نفسي أن أكتب رسالة الماجستير عن فكر هذا الرجل.
    أما فيما يتعلق بأخطائه وجهالاته فهي أكثر من أن تعد في هذا الكتاب كعادة أبو زيد، ولم ادرجها في هذا التلخيص لأنني قدمته إلى دكتور علماني كان كلما ذكرت من تلك الأخطاء المحرجة يتجاوز عنها على أنها لا تستحق التعليق! مثل زعم أبو زيد بأنه لا يوجد في القرآن آية إلا ولها سبب نزول ما عدا قلة قليلة من الآيات!
    وأشكركم جزيل الشكر على المرور الكريم.
    لا تناظر جاهلا أسلمك الدهرُ إليه*****إنما تُهدي له علمًا يُعاديكَ عليه

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •